
|
خطاب
الرئيس أنور السادات، رئيس الجمهورية العربية المتحدة أسوان،
15 يناير 1971 بسم الله قبل أن أبدأ حديثي- أيها الإخوة- لابد أن أتوجه إلى الأخ والصديق الرئيس بودجورني بخالص الشكر والعرفان على قرار الحكومة السوفيتية بكهربة الريف المصري. إن هذا القرار يسجله شعبنا مع قرارات عرفناها في ساعة الظلام. واليوم ونحن نبني بلدنا، يمد الاتحاد السوفيتي المساعدة، ليس فقط في ساعات الظلام والشدة، وإنما لكي نبني بلادنا وننير قرانا لكي نطور مجتمعنا في ساعات الشدة وفي ساعات الرخاء. لن ننسى للاتحاد السوفيتي أبدا هذه القرارات، وباسمكم أقول لهم سنكون دائما الأصدقاء الأوفياء الأقوياء. أيها الإخوة لا يسعني أن أبدأ هذا الحديث من هذا الموقع، في هذه المناسبة، إلا بذكر إنسان عظيم كان له الفضل الأول والأكبر في بلوغ الهدف وتحقيق الحلم. إن جمال عبد الناصر وسد أسوان العالي كلاهما رمز عظيم. الأول، جمال عبد الناصر، رمز للأمة. والثاني، السد العالي، رمز لطاقة هذه الأمة. ولقد امتزج كلاهما بالآخر إلى درجة يمكن أن نقول معها إن السد العالي يستطيع أن يحكي كل جوانب القصة الهائلة لعمل ودور جمال عبد الناصر. كما أن دور وعمل جمال عبد الناصر يمكن أن يروي كله بالقصة الهائلة للسد العالي. ومن عجب - أيها الإخوة - أن نتذكر أن جمال عبد الناصر في آخر خطاب رسمي وشعبي له أمام جماهير أمتنا في 23 يوليه الماضي، حرص على أن يبدأ ذلك الخطاب وبطريقة لافتة للنظر الآن، برسالة جاءته من وزير السد العالي يخطره فيها بأن السد العالي قد تم بناؤه. كأنه كان يريد أن يقول لنا إن الأمل تحقق. كأنه كان يريد أن يقول لنا إن الطريق واضح. وأن نلتقي اليوم هنا بعد رحيل القائد الخالد لنحتفل مع أعز الأصدقاء بتمام وكمال هذا البناء الإنشائي الكبير. فإن هناك معان لا يمكن أن تغيب عنا. أمامنا هنا الحياة التي ظلت أحقابا طويلة وقرونا طويلة تنتظر إرادة التغيير، كان هذا هو الحلم. أن يحمل في صدره آمال أمته المكبوتة ثم يفجرها في دعوة للثورة. أمامنا هنا سيرة البطل الذي استطاع أن يحمل في صدره آمال أمته المكبوتة ثم يفجرها في دعوة للثورة. أمامنا هنا إنجاز عظيم قام به شعب أصيل، ولم يكن هناك غير شعب أصيل يتحمل مثله هذه المسئولية. شعب أصيل حافظ على آماله عبر العصور، ثم استجاب لقيادته الوطنية في لحظة حاسمة من تاريخ النضال يوم 23 يوليه 1952. باختصار أمامنا هنا- أيها الإخوة- الحلم، والقائد والعمل. أو بتعبير آخر، أمامنا هنا- أيها الإخوة - المبدأ، والثورة، والشعب. وهناك معان أخرى- أيها الإخوة- نستشعرها في هذه اللحظة المجيدة. أن نحتفل بتمام وكمال بناء السد العالي في غياب بطله، فذلك معنى الاستمرار. وأن نحتفل بتمام وكمال بناء السد العالي وسط جو المعركة، فذلك معنى الإصرار. وأن نحتفل بتمام وكمال بناء السد العالي وسط أخلص الأصدقاء، فذلك معنى أننا لسنا وحدنا في المعركة. وإنما معنا كل قوى الخير والمحبة والحرية والسلام في هذا العالم. أيها الإخوة والأصدقاء من دواعي سعادتي، ومن دواعى الشرف أن أقف في هذه المناسبة أمام التأييد الكبير والفعال الذي قدمه لنا الاتحاد السوفيتي وشعوبه العظيمة وقياداته المقتدرة في تشييد هذا العمل الكبير، وهذا الرمز الكبير في نفس الوقت. إن دور الاتحاد السوفيتي في هذا العمل العظيم لا يحتاج مني إلى مقارنة بدور سواه. ولكن المكان هنا، والمناسبة الآن، والجو المحيط بنا، والشواغل التي تلح علينا، تفرض إشارة إلى هذه المقارنة. كان هنا على هذه الأرض تعهد أمريكي بالمساعدة في بناء السد العالي. ولكن الذين قطعوا على أنفسهم هذا العهد، كانوا هم الذين كسروه ونقضوه وتصوروا بذلك أنهم قادرون على أن يهزوا ثقة أمتنا بنفسها وبأحلامها وقياداتها الثورية وآمالها في التطور والثورة. وتوجه جمال عبد الناصر إلى الاتحاد السوفيتي. لم يكن الاتحاد السوفيتي مقيدا بالتزام ولا بوعد. ومع ذلك تقدم الاتحاد السوفيتي، التقى بجمال عبد الناصر، والتقى بشعبنا، وتم بناء السد العالي. إن الوعد الأمريكي المكسور لم يكن أول وعد ولا آخر وعد قطعه ثم نقضه أصحابه. والدعم السوفيتي لنا في بناء السد العالي، لم يكن أول ولا آخر دعم قدم لنا. أو بالأصح قدم تعبيرا عن آمال الحرية والسلام للشعوب المتطلعة إليهما، والمتمردة على الاستغلال الاستعماري والقهر الإمبريالي. إن الوعود الأمريكية المكسورة والمنقوضة في كل ناحية. لم يكتف أصحابها بكسرها ونقضها فقط ولكنهم تمادوا فيما هو أكثر من ذلك، ووقفوا بالعمل موقفا معاديا لكل ما حاولوا تزييفه بالقول. سنة 1953، كان منهم وعد السلاح. كسروه ونقضوه وأعطوا السلاح لإسرائيل. سنة 1956، كان منهم وعد المساعدة في بناء السد العالى. ما حدث تعرفونه جميعا. سنة 1957، كان منهم وعد ترك التطور السياسي والاجتماعي يأخذ طريقه الحر في المنطقة، بحيث لا يفرضون عليها ما هو مضاد لإرادتها. في نفس السنة، كانت منهم مؤامرة محاولة غزو سوريا. ومع ذلك ما لنا وللتاريخ البعيد. سنة 1967، كان منهم وعد التعهد بالمحافظة على السلامة الإقليمية لدول المنطقة. في نفس الوقت كان عملهم كله تأييدا للعدوان الإسرائيلي ومباركة لمخططاته. سنة 1968، كان وعدهم بالمساعدة في تنفيذ قرار مجلس الأمن. في نفس السنة أعطوا إسرائيل طائرات الفانتوم. سنة 1969، كان وعدهم بضرورة حل الأزمة. فى نفس السنة كان انحيازهم كاملا لإسرائيل. سنة 1970، كان وعدهم الذي تمثله مقترحات روجرز. في نفس السنة أعطوا إسرائيل 500 مليون دولار، لكي تزداد صلافة وكبرياء في رفض كل محاولة للسلام القائم على العدل.
بل في هذه الأيام- من سنة 1971- نسمع رغبتهم في السلام. في نفس الوقت نجد دعمهم للعدوان ولاستمرار الاحتلال ضد أراضينا، وللإهدار الكامل لحقوق شعب فلسطين. إن وعدهم المكسور المنقوض في السد العالي، حلقة في سلسلة مستمرة، بما لا يترك أمامنا إلا مجالا للاعتقاد بأن ما نحسه هو خط سياسي أمريكي مرسوم يعادي آمال الأمة العربية ويهدد تطلعاتها المشروعة في تطور سلمى يبني للحياة ولا يستنزف نفسه في الحرب. إن كل وعد أمريكي مكسور منقوض يقابله - أيها الإخوة - وعد سوفيتي تحقق، أو هو في سبيل التحقق. في كل المجالات أمل وعمل. في الصناعة، في استصلاح الأراضي، في مد شبكات الكهرباء، في السلاح، في التدريب، في المساندة السياسية المحدودة واللامشروطة، لأنها واثقة من أن موقفها شركة في الدفاع عن الحرية وفي الدفاع عن السلام. أيها الإخوة إنني أريد في هذه الفرصة، ونحن على أبواب امتحان حاسم في تاريخ شعبنا وأمتنا، وفي مسار نضالنا وعملنا أيضا، أن أحدد أمامكم موقفنا بطريقة لا تقبل الشك ولا التأويل. أولاً: إننا نطلب السلام القائم على العدل. ومطلبنا في السلام حقيقي، لأن أمامنا كثيرا من مهام السلام، تتمثل في البناء والتعمير والتطوير لطاقات شعبنا الاقتصادية والاجتماعية. ثانياً: إننا لا نستطيع أن نرضى باستمرار الاحتلال لأراضينا. ونحن نعتقد أن الواجب المقدس، بل أن الحق المقدس لكل شعب وكل أمة يتمثل في الدرجة الأولى في الدفاع عن أراضيها ضد المستعمرين والغزاة، مهما كانت قوتهم ومهما كان سندهم. ثالثاً: إننا قبلنا بقرار مجلس الأمن. معتقدين أنه يحوي معظم عناصر الحل العادل لأزمة خطيرة في مكان خطير من العالم، وإذا كنا نشعر بالتزاماتنا تجاه أراضينا، فإننا نشعر أيضا بالتزام أمام السلام العالمي. رابعاً: إننا لم نذهب إلى الأمم المتحدة لنتوه في المناورات العقيمة. ولا لنغرق في الصياغات الغامضة، ولكننا ذهبنا نطلب حلا على مبادئ القانون الدولي والشرعية الدولية. ولقد تعاونا إلى أبعد حد، مع المجتمع الدولي، ورحبنا بدور كبير للدول الأربع الكبرى باعتبار مسئوليتها الخاصة بحكم عضويتها الدائمة في مجلس الأمن. ولم نكن نستوفي شكلاً، وإنما كنا في الحقيقة نطلب حلاً. خامساً: إن امتنا العربية مصممة. إن شعبنا المصري قادر. إن قواتنا المسلحة تعرف واجبها . إننا نريد السلام، إذا كانت للسلام فرصة. ولكننا مطالبون أولاً وأخيراً بتحرير الأرض، وبتحقيق الإرادة الوطنية والقومية. سادساً: إن شعب فلسطين ليس مجموعة من معسكرات اللاجئين، ولكنه شعب له كل الحقوق الوطنية. إن قضيته ليست مسألة عطف إنساني، ولكنها قضية وجود سياسي بكل ما يترتب على ذلك من القيم والمعاني. أيها الإخوة إنكم قد سمعتم وسوف تسمعون هناك كثيراً من غيري عن حجم السد العالي، وعن مقدار الجهد الذي بذل فيه، وعن الآمال الواسعة والمنجزات الكبرى التي ترتبت وسوف تترتب على تمام بنائه وكماله. ولكني أريد مرة أخرى، وقرب ختام حديثي إليكم، أن أتحدث عن الرمز في السد العالى، بعد أن سمعتم وتسمعون كثيراً عن العمل الذي تم فيه. إن السد العالي معركة تمت واكتملت بالانتصار. انتصار الإرادة وانتصار الجهد العلمي المنظم وانتصار صداقة الحرية والسلام. والرموز الكبرى في حياة الأمة ليست حادثة تقع وتنسى. وإنما الرموز الكبرى في حياة الأمم إشارة إلى طاقات مستمرة. إننا اليوم نظن انتصارنا في معركة، وغداً نحن على أبواب تحد آخر. ولكن الإصرار هو نفس الإصرار. والإرادة هي نفس الإرادة. والعهد العلمي المنظم هو نفس الجهد العلمي المنظم. وصداقة الحرية والسلام هى نفسها صداقة الحرية والسلام. أيها الإخوة إنني أريد أن أحيط مرة أخرى ذكرى القائد الذي رحل، وفي نفس الوقت أحيي جهد شعبه الباقي إلى الأبد. إنني أريد أن أحيي مرة أخرى قيمة الصداقة العربية السوفيتية، ممثلة في الصديق نيقولاي بودجورني. وفي نفس الوقت أحيي أصالة هذه الصداقة العربية السوفيتية واستمرارها. وأحيي مرة أخرى عمق مشاعرنا تجاه إخوة لنا وأصدقاء. أخص منهم بالذكر الإخوة الذين شاركونا هنا من السودان وليبيا والصومال، وكل رؤساء الوفود الذين يلتقون معنا اليوم ذاكراً بالصدق محبتهم لنا وتأييدهم لنا. كما أنني لابد أن أشيد بالجهد المشترك للعمال والمهندسين العرب والسوفيت. ذاكراً أن الأصدقاء العرب والسوفيت مازالت أمامهم منجزات أخرى. إنني أريد أن أحيي مرة أخرى هذه الصداقة العربية السوفيتية العظيمة، مجددا ومؤكدا أنها شركة في الكفاح من أجل الحرية والسلام وضد الاستعمار والعدوان. صداقة النضال ، صداقة الكفاح من أجل انتصار الحق واليوم. وكما قلت لكم ونحن نحتفل بانتصار استطعنا أن نحققه ولابد أن ننتظر بعون الله سبحانه وتعالى وتوفيقه ومشيئته انتصارا آخر ليس هناك بديل عن تحقيقه. وفقكم الله. والسلام عليكم ورحمة الله.
المصدر: موسوعه مقاتل من الصحراء على شبكه الانترنت |