خطاب الرئيس أنور السادات، فى افتتاح الدورة الثالثة عشرة للمجلس الوطني الفلسطيني
المصدر: "الوثائق الفلسطينية العربية لعام 1977، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، بيروت، مج 13، ص 86 - 88"

خطاب الرئيس أنور السادات، رئيس جمهورية مصر
العربية، في افتتاح الدورة الثالثة عشرة للمجلس
الوطني الفلسطيني.

 

القاهرة، 12 / 3 / 1977

(الأهرام، القاهرة،
13 / 3 / 1977)

          أيها الأخوة رفاق النضال والمصير المشترك،

          يسعدني ان ألبي دعوتكم الكريمة لحضور الجلسة الافتتاحية للمجلس الوطني الفلسطيني، الذي ينعقد مرة اخرى في بلدكم الذي يعتز بكم ايما اعتزاز، ويفتح لكم قلبه بغير حدود، رفاقا في النضال، وشركاء في المسيرة، وممثلين لشعب شقيق بطل، ضرب اروع الأمثال في البذل والفداء، وسيبقى على الدوام كريما في عطائه الوطني والقومي، ثريا بوعيه التاريخي الفريد، ورصيده النضالي الضخم الذي اكتسبه على مر العصور، وإيمانه الذي لا يتزعزع بعدالة قضيته وشرعية كفاحه، وتضامن الأمة العربية بأسرها معه في شتى مراحل النضال.

          ان انعقاد هذه الدورة من مجلسكم يأتي في منعطف تاريخي بالغ الأهمية، وفي ظروف دقيقة شديدة التعقيد، وهو ما يلقي عليكم مسؤولية جسيمة تنوء بحملها الجبال. لا اشك في انكم تدركونها جيدا وتقدرون خطورتها، ومن ثم فانكم تتصدون لمواجهتها بكل ما تتطلبه من حكمة وبعد نظر، وقدرة على الرؤية الشاملة للمستقبل بكل ابعاده.

          وأول ما يستوقفنا، في هذا المجال، هو انه بالرغم من التحديات التي واجهتها الثورة الفلسطينية والمصاعب التى تعرضت لها نتيجة اوضاع معاكسة لا تخفى على احد، وبالرغم من السلبيات التي أصابت الحركة، في وقت هي احوج ما تكون فيه الى التعزيز والمساندة، فان من الحقائق التاريخية التي لا يمكن طمسها، ان ثورتكم استطاعت أن تحافظ على ذاتها، والإبقاء على قدرتها على حماية مصالح جماهير الشعب الفلسطيني، وأهليتها للتعبير عن احاسيسها، وتعبئة طاقاتها في هذه المرحلة الحاسمة من تاريخ هذا الشعب للمعركة المصيرية التي يجاهد فيها من اجل مبادئ سامية ومثل عليا لا يفرط فيها ابدا.

          فليس غريبا اذن ان يظل الشعب الفلسطيني شامخا مرفوع الرأس في وجه العواصف والأنواء، مصرا على مواصلة المسيرة، مهما كان طريقها محفوفا بالمخاطر مليئا بالأشواك، وأن يكون حازما صارما في رفضه للاحتلال، وتحديه للإرهاب الذي تمارسه السلطات الإسرائيلية في محاولتها العقيمة لإخماد صوت الشعب صاحب الحق وصاحب الأرض.

          وأود ان اكرر هنا ما أعلنته مصر مرارا من قبل، وهو أن جميع الأعمال التي تقوم بها اسرائيل لتغيير الوضع الجغرافي والتكوين السكاني للأراضي المحتلة، وما يدخل في هذا من بناء المستعمرات وإسكان المستجلبين اليهود فيها، والإجراءات التي تهدف الى تهويد القدس، كل هذه الأعمال باطلة بطلانا مطلقا، ولا يمكن ان تؤسس حقا أو تنشئ

التزاما. فما بني على الباطل باطل، والمجتمع الدولي بأسره، يقف معنا، في رفض هذه الإجراءات وإدانتها واستنكارها، وقفة اجماعية حازمة تجعلها في حكم أعمال القرصنة والخروج على القانون.

          وإذا كان العدو يظن أنه يستطيع، بهذا المسلك المستهتر، أن يفت من عضد الشعب الفلسطيني ويبث في قلبه الرعب، فهو واهم تراوده احلام اليقظة، لان تاريخ هذا الشعب ينبئنا بأن القهر لم يزده إلا تمسكا بحقه، وإصرارا على مقاومة العدوان وردعه، مهما كلفه هذا من تضحيات. ورغم ان هذا الشعب الأبي تعرض لمؤامرات ومخططات متتالية، بحكم موقعه في قلب الأمة العربية، فما حدث يوما ان انتكست حركته، أو وهنت روحه القتالية، أو كسرت شوكته، أو طوعت ارادته، بل انه ظل دائما امينا على ثورته، وفيا لمسؤوليته القومية.

          وأنتهز هذه الفرصة لأوجه من اعماق قلبي، وباسم كل فرد من ابناء الشعب العربي في مصر، تحية خالصة لأشقائنا الصامدين في الأرض العربية المحتلة، الرافضين للاحتلال ومنطقه وفلسفته وكافة الآثار المترتبة عليه، المتمسكين بحقهم في الحياة والحرية والكرامة.

          أيها الأخوة،

          ان المنعطف التاريخي الذي يجتازه كفاحنا المجيد، يتطلب وعيا كاملا بفداحة المسؤولية، واستعدادا لاتخاذ القرار دون ابطاء أو تردد، لان مصائر الشعوب لا تتقرر بتسجيل المواقف وترديد الشعارات الجوفاء، وإنما تتقرر بالعمل الحركي النشط، الذي لا يدع فرصة سانحة إلا استثمرها، ولا بابا مؤديا الى الهدف إلا طرقه، ولا حدثا يقع إلا تعامل معه من منطلق الفعل لا رد الفعل. ولم نر شعبا حقق اهدافه القومية وأمانيه بالسلبية وانتظار ما عسى ان تأتي به الأيام، والإحجام عن اتخاذ المواقف، مهما كانت صعبة تتطلب الشجاعة وإنكار الذات في سبيل المجموع.

          وليس الشعب الفلسطيني مطالبا بالتخلي عن حقوقه أو تقديم التنازلات. فقد اثبت للعالم اجمع رغبته الصادقة في السلام، وحرصه على ان يكون قوة ايجابية بناءة في هذه المنطقة الستراتيجية، كما انه ضحى كثيرا، وحرم من مقومات الحياة، وعاش تحت ظروف مادية ونفسية قاسية لم يتعرض لها شعب اخر في التاريخ المعاصر.

          ولم يعد خافيا على [أحد] ان إسرائيل هي الطرف الرافض المتعنت، الذي يخشى السلام ويضع العراقيل امامه، ويطرح كل يوم شروطا جديدة تجعل احلال السلام في المنطقة احتمالا بعيدا صعب المنال، وليس من المقبول أن تأتي اسرائيل - وهي المعتدي الذي اخرج شعب فلسطين من دياره بالإرهاب وطلقات المدافع - فتحاول استبعاد هذا الشعب عن جهود السلام، كما لو كان طرفا غريبا يحاول ان يقحم نفسه في المعادلة، وهذا قلب للأوضاع لا نقبله ولا نتسامح فيه.

          ان الشعب الفلسطيني هو صاحب القرار في كل ما يتعلق بمصيره وقضيته، وليس لأحد، كائنا من كان، ان

يمارس عليه وصايته أو يفرض عليه رأيه، لأن القرار اذا لم يكن نابعا من ارادة حرة يكون مفتقرا الى اهم مقوماته. ونحن هنا، في مصر، نصر على ان تظل الإرادة الفلسطينية حرة مستقلة، بعيدة عن اي قيد أو تدخل، كما اننا نصر على احترام ما صدر عن هذه الارادة من قرارات وفي مقدمتها اختيار منظمة التحرير الفلسطينية ممثلا شرعيا وحيدا له ومدافعا عن حقوقه ومصالحه.

          ان القرار الاجماعي الذي صدر عن مؤتمر القمة في الرباط، هو قرار نهائي لا رجعة فيه ولا مساس به، ونحن لا نقبل اي انتقاص منه، بل ان المطلوب في هذه المرحلة من كفاح شعب فلسطين هو ان نضيف الى هذا القرار قوة، وأن نجعل فحواه مستقرا في التعامل الدولي كل يوم، لان في تدعيم منظمة التحرير الفلسطينية [تدعيما] للجبهة العربية كلها، كما ان في النيل منها ومن مركزها وقدرتها على الحركة اساءة بالغة لقضيتنا الواحدة.

          ومن هنا، كان موقف مصر الداعي الى دعم منظمة التحرير الفلسطينية الى اقصى حد في مؤتمري الرياض والقاهرة في الربع الأخير من العام الماضي، وسيظل هذا هو موقفنا على الدوام، اوفياء لشعب فلسطين، وحقه في تقرير مصيره واختيار طريقه دون [معيق]. كما انكم لمستم تصاعدا مطردا فى التأييد الدولي لقضيتكم العادلة التي هي قضيتنا جميعا، بل قضية كافة شعوب العالم المحبة للسلام والحرية. وما كان هذا التبني العالمي للقضية الفلسطينية ليحدث لو لم يتزايد اقتناع الرأي العام والقادة في كل مكان بأن كفاحنا مشروع، ومطالبنا عادلة لا شطط فيها ولا تجاوز. قد رأيتم التأييد المطلق الذي قدمته لكم الدول الأفريقية والعربية في المظاهرة الاجماعية المهيبة التي توجت مؤتمر القمة الأفريقي العربي الأول الذي انعقد بالقاهرة منذ ايام معدودة، وأصدر اعلانا تاريخيا تتفقون معي في انه يعتبر فتحا جديدا في تاريخ تضامن الشعوب المناضلة من اجل السلام والتقدم.

          أيها الأخوة،

          اننا، في سعينا لإقامة السلام العادل في المنطقة، نعرف طريقنا جيدا، ونحتفظ بالرؤية التى جعلت حرب رمضان المجيدة ملحمة خالدة في تاريخنا جميعا. ونحن لا نتجه الى السلام خوفا من اعباء الحرب، بل اننا نسلك هذا السبيل على امل ان يوصل الى تحقيق اهدافنا القومية غير منقوصة، وتبقى قناعتنا تامة في ان السلام والحرب اختباران متاحان في كل وقت، والقرار في يدنا دائما، فعندما يكون مصير امة بأسرها معرضا للخطر، لا يكون هناك مناص من الاحتفاظ بحرية القرار، والتعامل مع مختلف الظروف والاحتمالات حسبما تمليه المصلحة القومية العليا، وحسبما يمليه ولاؤنا للوطن العربى الكبير، ومبادئنا التي استشهد ابناؤنا في سبيلها.

          وأود ان تطمئنوا جميعا الى أن مصر لم تسقط اي احتمال من حسابها، وأن قواتها المسلحة على اهبة الاستعداد

للتعامل مع اي موقف، فقد وعينا دروس الماضي، كما اننا يقظون لأحداث الحاضر، عازمون على أن يحمل المستقبل بين ثناياه للأجيال المقبلة من ابنائنا مزيدا من الطمأنينة والاستقرار.

          لقد نسفت حرب اكتوبر [تشرين الأول] التحريرية المجيدة نظريات الأمن الإسرائيلية وجعلتها هشيما تذروه الرياح، ولم يعد منطقيا أن يعود احد الى ترديد هذه النظريات المتساقطة، أو يستخدم المنطق الذي تقوم عليه. وعلى ذلك، فليس من المقبول ان يعود البعض الى الحديث عن الحدود الآمنة ضمن المفاهيم الإسرائيلية التي هي باطلة في المقدمات التي تقوم عليها، والمنطق الذي تصاغ به، والنتائج التي ترمي اليها. ودعونى اكرر امامكم وعلى مسمع من الجميع بهذه المناسبة، اننا لا نقبل التفريط في شبر واحد من ارضنا، وإن التراب الوطني ليس محلا للمساومة، وإن اي حديث عن تأمين الحدود يجب ان يتم في اطار التسوية الشاملة التي تطرح فيها جميع جوانب المشكلة وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، كما انه يجب ان يكون منطقيا من انسحاب القوات الإسرائيلية من جميع الأراضي العربية المحتلة، ومن مبدأ احترام السيادة الإقليمية، وعدم جواز ضم الأرض بالقوة، لاننا لسنا بصدد تكريس الاحتلال ومكافأة المعتدي على عدوانه، بل نحن نتجه الى انحسار العدوان بحيث يصبح كأن لم يكن، غير منتج لأي أثر.

          ويقودني هذا الى الحديث عن واجبكم الاسمى في هذه المرحلة، أيها الأخوة الأعزاء، وهو العمل بكل الوسائل المتاحة على استرجاع التراب الفلسطيني اليوم قبل الغد، لان التأخر في التوصل الى هذا الهدف يعني - شئنا أم لم نشأ - تكريسا للاحتلال، وتمكينا له من تعميق جذوره، وإتاحة الفرصة لإسرائيل لخلق امر واقع جديد في الأرض المحتلة، بصرف النظر عن استنكار المجتمع الدولي لهذه الأعمال من جانبها. كما ان وضع اشقائنا في الضفة الغربية وغزة يحتم علينا ان لا نتقاعس لحظة واحدة في تخليصهم بأسرع ما يمكن من براثن الاحتلال الذي نعرف وطأته وعدوانيته.

          أيها الأخوة،

          اننا في مفترق طرق، وفي تاريخ الأمم والشعوب لحظات يتعين فيها ان يراجع كل فرد منا نفسه، ويخلو الى ضميره، ويرتفع الى مستوى المسؤولية والتحدي. وغنى عن القول ان المرحلة التي نمر بها تضاعف مسؤوليتنا التاريخية، وتملي علينا ان نسير نحو هدفنا دون خوف أو وجل، وان نتحرك بأقدام ثابتة وعلى ارض صلبة، فنحن اصحاب اعدل قضية عرفها الإنسان في تاريخه الحديث، وليس امامنا بديل سوى مواصلة المسيرة، من اجل استرداد الأرض واستعادة الحق، وهذا فرض على كل فرد منا، لا يقتصر على فريق يؤديه وآخرين مؤيدين أو مشاهدين، وعلى كل منا ان يعرف طريقه، ويتبين خطاه، ويحدد موقعه، والنصر يومئذ للحق والعدل والسلام.

 


المصدر: موسوعه مقاتل من الصحراء على شبكه الانترنت

 

Hosted by YallaHosting