
|
خطاب
الرئيس أنور السادات، رئيس الجمهورية العربية المتحدة
القاهرة: 4 فبراير 1971 بسم الله السيد رئيس المجلس أيها الإخوة المواطنون أعضاء مجلس الأمة لقد وجدت من واجبي تجاه شعبنا في مصر، وأنتم هنا تمثلونه، وتجاه أمتنا العربية وشعبنا هنا في مصر طليعتها في النضال، أن أجئ إلى مجلسكم الموقر لكي أتحدث إليكم فيما أعلم وتعلمون أنه شغلنا الشاغل جميعا، وأقصد قضية كفاحنا المقدس وعملنا فيها حتى الآن. ومسئوليتنا تجاهها بعد الآن. ذلك أنني أؤمن بأن الحقيقة كاملة هي المسئولية كاملة. وبما أن المسئولية واجب على الأمة كلها، إذن فإن الحقيقة كلها حق لها بغير منازع. ومن هنا فإنني أستأذنكم في أن ألخص أمامكم الحقائق الكبيرة في موقفنا اليوم. ولست أفعل ذلك لمجرد استعادة ما كان. وإنما لكي نتذكر جميعا، ونتأكد جميعا، ونثق في دقة حساباتنا، وما نبينه على ذلك من قرارات، أي إننا نلخص ثم نستخلص. أيها الإخوة أمامكم هنا، سوف أقسم كلامي إلى ثلاثة أقسام، بغية أن تكون الصورة متكاملة وواضحة. القسم الأول عن التزاماتنا المبدئية في قضية هي بلا شك أشرف القضايا، لأنها أول القضايا. القسم الثاني عن عملنا المتواصل، بكل السبل، في سبيل حماية التزاماتنا المبدئية منذ تحملنا أمانتها حتى الآن. والقسم الثالث عن تصورنا لخطواتنا القادمة كما تمليها علينا القيم التي نتمثلها والمبادئ التي نؤمن بها. أولاً: التزاماتنا المبدئية، إننا- أيها الإخوة- لم ننكر أمام أنفسنا، ولا أمام غيرنا، أن أمتنا واجهت نكسة خطيرة في اليوم الخامس من يونيه سنة 1967. لقد خسرنا معركة، وكانت لدينا كرامة وشجاعة مواجهة النفس، ومواجهة الآخرين أيضا بالواقع، ولم نخدع ولم نخادع، ورفضنا أن ندفن رؤوسنا في الرمال كالنعام، أو أن نتظاهر بأن السهم الذي صوب إلينا لم يجرح، أو لم يؤلم، لقد اعترفنا بأننا خسرنا معركة ولكننا في نفس الوقت أظهرنا عن يقين بأننا لم نخسر الحرب، ولم يكن ذلك ادعاء من جانبنا، ولكن كانت حقيقة بالنسبة لإرادة أمتنا وإمكانيات أمتنا وقدرات امتنا وطاقات أمتنا واستعداد أمتنا. إن الأمر الواقع في لحظة من اللحظات لا يستطيع أن يغير وجه الحقيقة الكبرى، ذلك إذا استطعنا إدراك هذه الحقيقة، وإذا ملكنا في لحظة الخطر قوة الأعصاب التي تتحمل الصدمة وتقدر على أن تميز وتفرق بين ما هو سطحي عابر، وما هو طبيعي وحقيقي له قوة البقاء والدوام. لقد خسرنا معركة في الحرب بيننا وبين إسرائيل، وهذا محتمل، ولكننا لم نخسر الحرب كلها، لأن ذلك معاد للطبيعة وللتاريخ وللتطور. ولقد كان الدليل الحي على ذلك هو وقفة جماهير أمتنا العربية وراء قائدنا الخالد جمال عبد الناصر، في يومي 9 و 10 يونيه سنة 1967. ولم تكن هذه الوقفة فورانا عاطفيا، وإنما كانت هذه الوقفة تعبيرا أصيلا عن طبائع الأمور. وكانت الترجمة الدقيقة لهذه الوقفة أن الجماهير العربية قالت لجمال عبد الناصر، لا عليك من عثرة الطريق، فلنقف ولنبدأ من جديد، ولنتقدم معا، مؤمنين بالله وبأنفسنا، وبإمكانية النصر، مستعدين لتحمل كل تكاليفه وتبعاته. ومنذ ذلك اليوم، حدد جمال عبد الناصر رؤيتنا لالتزاماتنا المبدئية في نقطتين اثنتين كانتا موضع القبول من الجميع. ووراء التمسك بهاتين النقطتين وضع شعبنا كل ما لديه مالا وعملا ودما. النقطة الأولى هي ضرورة إعادة كافة الأراضي المحتلة نتيجة لعدوان سنة 67، وحتمية انسحاب قوات الاحتلال منها. وكانت هذه الأراضي كما عددها جمال عبد الناصر أمام جماهير أمتنا هي: القدس العربية، الضفة الغربية للأردن، قطاع غزة، المرتفعات السورية، سيناء. ولم نقبل على الإطلاق بمساومة على الأرض، لأن أرض أي شعب هي عرضه الوطني، كما قال لكم عبد الناصر في هذا المكان. النقطة الثانية هي ضرورة الحفاظ على حقوق شعب فلسطين، لأننا لا نستطيع ولا نملك أن نتحدث نيابة عنه، فضلا عن أن نتنازل أو نعطي باسمه. إننا لن نكون الجيل الذي يسلم في حقوق شعب فلسطين. وإذا لم نستطع أن نستخلص منها أكثر، فعلى الأقل لا نتحمل قوميا أو تاريخيا أو ضميريا مسئولية التفريط في شيء من هذه الحقوق. كانت هذه هي التزاماتنا المبدئية ولازالت هذه هي التزاماتنا المبدئية. وسوف تظل بعون الله هذه هي التزامتنا المبدئية. لن يغيرها أحد، ولن تغيرها ظروف، لأن الإيمان بها أقوى من كل الأفراد وأبقى من كل الظروف، فهي ليست مجرد حقوق الأمة، ولكنها إلى جانب ذلك ضرورات المصير. ثانياً: إن عملنا في سبيل كفالة الاحترام لالتزاماتنا المبدئية لم يتوقف طوال السنوات الماضية لا على أرض المعركة ضد العدو ولا في شرح حقائقها أمام الرأي العام العالمي كله، ولا في محاولة التعاون مع مجتمع الدول في سبيل إيجاد مخرج يصون السلام قائما على العدل ويستهدي بمبادئ القانون الدولي. إن قواتنا المسلحة لم تترك العدو دون أن تشتبك معه حتى في أصعب الظروف. ولقد بدأت معركة رأس العش، ولما تمض أسابيع قليلة على يونيه 67، واشتبكت وحداتنا البحرية مع وحداته وأغرقت له أكبر قطع أسطوله ايلات ونحن بعد في سنة 67. وبدأت معارك المدافع ضد مواقعه سنة 68، وكانت سنة 69 هي سنة عمليات العبور لمهاجمة تحصيناته والالتحام مع جنوده وجها لوجه. وفي سنة 70 كانت قواتنا من وحدات الدفاع الجوي تخوض ضده معركة أرادها العدو ضارية وشرسة، وأرادها أصدقاؤه في الولايات المتحدة الأمريكية أن يمكنوه منها متفوقا ومالكا لزمام السيطرة العربية وبرغم ذلك فقد واجه خسائر كبيرة في شهر يوليه من ذلك العام. وكانت تضحيات جماهير شعبنا من المدنيين على خط القتال كبيرة فقد أراد العدو أن يتخذ من مدن القناة الثلاث الكبرى السويس والإسماعلية وبورسعيد رهينة تحت رحمة مدافعه. ودفع أهل منطقة القناة ضريبة الوطن كأعظم وأنبل ما يدفع المواطنون من أجل وطنهم. كانت قوى الشعب كله وراء الجبهة عملا وإنتاجا وتماسكا ووعيا وإيمانا وصبرا على مستوى لا تستطيع أن تسجله غير الأمم الأصيلة العظيمة العارفة بقيم الحرية والحضارة والإنسانية. ولقد كنا ندرك أن الصراعات الكبرى في العصر الحديث ووسائله لا يمكن أن تحدها حدود الميدان أو حدود الوطن. ولهذا فإننا خرجنا إلى العالم كله نسعى إليه بوجهة نظرنا ونعرض عليه وجه الحق والحقيقة. ولقد أثبتت الأزمة أن لنا أصدقاء في المقدمة وفي موضع الإعزاز لدينا شعوب الاتحاد السوفيتي العظيمة، التي لم تكتف بأن تتفهم، ولكنها سارعت لأن تقدم ما كان صعبا علينا بغيره أن نواصل القتال بقوة وفعالية. إن الاتحاد السوفيتي بكل مواقفه معنا في هذه الأزمة وثق صداقة من صداقات التاريخ الكبرى وجعل منها نموذجا ومثالا للإخاء الدولي ولوحدة القوى المناهضة للاستعمار والإرهاب والعدوان. كذلك أثبتت الأزمة أن جبهة الشعوب الاشتراكية ومجموعة الدول غير المنحازة وتضامن القارات الثلاث آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية هي جبهة قوية يمتد عليها خط التحرير الوطني قويا ومنيعا. ثم إن الأزمة أظهرت أن الحق له أنصاره مهما كانت العوائق، ويقف شاهدا على ذلك هذا التحول الهام البادي في موقف أوروبا الغربية، وهو موقف أثرت فيه بغير جدال سياسة فرنسا منذ بدء الأزمة وحتى الآن. وفي خلال هذا كله فإننا بذلنا أكبر قدر من التعاون الصادق وبكل النوايا الحسنة مع مجتمع الدول متمثلا في الأمم المتحدة بكل المحاولات للبحث عن حل للأزمة قبل أن تصل بتأثيراتها إلى ما يصعب تداركه من مخاطر على السلام العالمى. في هذا الصدد كانت لنا خطوات محددة. قبلنا قرار مجلس الأمن بتاريخ 22 نوفمبر سنة 67. ومددنا يدنا بصدق وشرف إلى السفير جونار يارنج الممثل الخاص للسكرتير العام للأمم المتحدة المكلف بمتابعة تنفيذ قرار مجلس الأمن. وظللنا على اتصال به لم ينقطع، خصوصا طوال سنة ونصف السنة من بداية مهمته، وجد نفسه فيها لا يكف عن الدوران في عوام الشرق الأوسط دون الوصول إلى غاية يستطيع أن يتوقف عندها. مما اضطره بعد العناء إلى تجميد مهمته مؤقتا. وفي كل محفل دولي، وفي كل مؤتمر عالمي كان نداؤنا دائما هو نداء السلام. ولم نكن نعلقه بغير شرط واحد هو أن يكون سلام العدل الذي بدونه لا يقوم ولا يدوم سلام. وفي مقابل ذلك من جانبنا كان العدو من جانبه يقوم بما يلي: كان يماطل ويتهرب من أي سؤال يوجه إليه عن حقيقة نواياه. وكان واضحا طوال الوقت إصراره على رفض تنفيذ قرار مجلس الأمن والبحث باستمرار عن مخرج للتحلل من بنوده. كان يواصل سياسته العدوانية متمثلة في غارات لا يتورع عن توجيهها مجنونة وحاقدة من مصانع ومدارس في مصر، إلى مدن ومخيمات في الأردن، إلى مطارات وقرى في لبنان، إلى قتل وسجن وتعذيب للمجاهدين الصابرين في الأرض المحتلة. كأنما الدنيا خلت له بلا رادع يمنعه وبلا خوف من عقاب يثنيه. وبرغم كل ما رأينا وعانينا، ولكي نؤكد للعالم صدق نوايانا، وحرصنا على السلام، إذا كان للسلام طريق. فإننا في شهر يوليه من سنة 1970، قبلنا بمبادرة تقدم بها باسم الولايات المتحدة الأمريكية وزير خارجيتها المستر ويليام روجرز، وكانت أسبابنا في ذلك ما شرحه قائدنا الخالد بنفسه لكم وللشعب وللأمة، وتوقف إطلاق النار على جبهتنا التي تحملت مسئولية المواجهة المستمرة مع العدو لمدة ثلاثة شهور، كان متوقعا فيها إحراز بعض التقدم نحو الحل السلمي للأزمة. ولكن ذلك لم يتحقق لأن العدو تعلل بذريعة شبكة الصواريخ المصرية على جبهتنا، وامتنع عن الاتصال بمثل السكرتير العام للأمم المتحدة وانتهت مدة الشهور الثلاثة المقررة، ووضعت الأزمة بكاملها أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، التي أصدرت في 4 نوفمبر الماضي رأيها بمد وقف إطلاق النار المؤقت لثلاثة شهور أخرى، وأكدت تمسكها بتنفيذ قرار مجلس الأمن. كما أنها رسمت طريقا يؤدي بممثل السكرتير العام للأمم المتحدة إلى العودة لاستئناف مهمته. إن إسرائيل أضاعت فترة وقف إطلاق النار الأولى، حتى حصلت على أسلحة ومعدات بغير حدود، تحت حجة استعادة التوازن إزاء ذريعة الصواريخ المصرية. وكررت إسرائيل نفس عملية التشهير والابتزاز، فلم تبدأ الاتصال بممثل السكرتير العام للأمم المتحدة إلا بعد صفقة أسلحة ومعدات ومعونة اقتصادية بلغ حجمها 500 مليون دولار من الولايات المتحدة الأمريكية، وكانت الحجة هذه المرة هي توفير الاطمئنان النفسي لها قبل أن تتصل بالسفير جونار يارنج. كأنما الولايات المتحدة الأمريكية عكس كل ما تقول وتدعي، تشجع المعتدي، وتمكن له من مواصلة عدوانه. واتصلت إسرائيل به أخيرا، ولكنها في رأينا عادت إلى سيرتها. كانت أوراقها إليه تكرارا لمواقفها السابقة التي تعكس تربصها لكل أمل في سلام تدعيه ظاهرا ولا تريده باطناً. فهي في الحقيقة لا تريد عن التوسع بديلا، تنكره بالكلمة وتمارسه بالفعل. ولعلنا لم ننس بعد - أيها الإخوة- إعلان إسرائيل رسميا ضم سيناء إلى أراضيها في أكتوبر سنة 1956، وحين ظنت بالعدوان الثلاثي أن الفرصة قد واتتها ودانت لها. ثم بدأنا نسمع طلب مد العمل بوقف إطلاق النار، لأن فسحة الوقت غير كافية. في مواجهة ذلك فإننا كنا على اتصال بالجميع، نشرح لهم وجهة نظرنا. جاء إلى القاهرة- كما تذكرون- الرئيس السوفيتي نيقولاي بودجورني، وفي صحبته وفد ممتاز. وتدارسنا معهم في الموقف بجميع تطوراته واحتمالاته. ولعلي أقول أمامكم إنني رغبة في تحريك الأمور، وتقدموا للمسئوليات التاريخية للفترة التي نعيشها. بعثت برسالة إلى الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون وتلقيت منه ردا على رسالتي. ويؤسفني أن أقرر أمام حضراتكم أن الموقف الأمريكي على ما هو عليه من انحياز كامل لإسرائيل. لقد طلبت في رسالتي الإجابة على سؤال محدد: ماذا تريد الولايات المتحدة الأمريكية؟ ولم أتلق إجابة على هذا السؤال، ولا يحتمل أن تأتيني إجابة على هذا السؤال. في نفس الوقت، فإنه حين كتب وزير الخارجية الأمريكي خطابا إلى زميله المصري، فإنني شجعت استمرار المراسلات بينهما، قصد الوصول إلى أكبر قصد من الفهم والوضوح. وكنا شديدي الإلحاح على دعوة الدول الأربع الكبرى إلى مهمتها ومسئوليتها عن حفظ السلام، باعتبار عضويتها الدائمة في مجلس الأمن، وباعتبار مكانتها الدولية، وباعتبار اهتمامها المباشر بأطراف الأزمة وكان تعاوننا غير محدود أو مشروط مع السكرتير العام للأمم المتحدة، ومع ممثله الخاص المكلف بمتابعة تنفيذ قرار مجلس الأمن. ثم وصلنا هذا الأسبوع إلى مفترق طرق. من ناحية، فإن العدو يواصل احتلاله لأراضينا، ويحاول تثبيت هذا الاحتلال بتغيير طبيعة الأرض، خصوصا في القدس والضفة الغربية والمستعمرات التي يقيمها في المرتفعات السورية وفي صحراء سيناء المصرية. ومن ناحية ثانية، فإننا لا نستطيع الوقوف ساكنين أمام هذا الذي يجري، وواجبنا المقدس الذي لا يمكن أن ينكره علينا أحد، هو واجب تحرير الأرض والعودة إلى الاشتباك مع العدو. ومن ناحية ثالثة، فإن الاتصالات في الأمم المتحدة لا تحقق نتيجة نعتبرها مرضية حتى الآن، لأن العدو مستمر في عناده وتحديه، ليس فقط لنا، ولكن للمجتمع الدولي كله ولمبادئ القانون الدولي من أول حرف فيها إلى الحرف الأخير. ومن ناحية رابعة، فإن أطراف عديدين يحاولون معنا بكل الوسائل أن نمد في وقف إطلاق النار ولو لأسابيع محدودة. أيها الإخوة نصل الآن إلى تصورنا لخطواتنا القادمة، كما تمليها علينا القيم التي نتمثلها والمبادئ التي نؤمن بها، وارتباطاتنا تجاه السلام العالمي إزاء المجتمع الدولي. لقد بحثت جوانب الموقف مع القيادات السياسية والعسكرية، وفي كافة المؤسسات التي يفكر ويقرر بها نظامنا. ودارت مناقشات واسعة في مجلس الوزراء وفي مجلس الدفاع الوطني وفي اللجنة المركزية للاتحاد الاشتراكي العربي، وكانت الاعتبارات المطروحة أمامنا باختصار على النحو التالي: أولاً: إننا لا نستطيع، ولا يحق لنا أن نترك وقف إطلاق النار يتجدد تلقائيا، طالما لم يحدث تقدم في جهود المستر جونار يارنج. وإذا تركنا ذلك يحدث فمعنا أن خطوط وقف إطلاق النار قد تصبح أمرا واقعا، أو قد تصبح خطوطا سياسية على نحو ما حدث لخطوط هدنة سنة 1949. وهذا ما لن نسمح به تحت أي ظرف من الظروف. ثانياً: إننا نرى المحاولات الواسعة والبارعة- مع الأسف- التي تسعى إلى التمويه على الرأي العام العالمي وتحاول أن تصور له المشكلة على غير حقيقتها، فتقدمها له وكأنها تضاءلت لتصبح قضية وقف إطلاق النار أو إطلاق النار، مع ما يترتب على هذا التبسيط المخل من الإيهام بتعنت الطرف الذي يبدأ بإطلاق النار. إن أساس المشكلة هو العدوان، والعدوان هو فرض الاحتلال بقوة النار. وأما إطلاق النار لإزالة: الاحتلال، فهذا هو الحق الطبيعي والشرعي والقانوني، بل هو الواجب المقدس لكل من يحترم الحرية ويؤمن بها على كل أرض ولكل شعب. ثالثاً: إننا يجب أن نعترف ونصارح أنفسنا إننا لانجد حتى الآن، لا فيما تقوله إسرائيل أو تتصرف به، سواء في الأمم المتحدة في نيويورك أو على أرض منطقة الأزمة في الشرق الأوسط إشارة واحدة توحي إلى استعدادها لتنفيذ قرار مجلس الأمن. بل إن كل الدلائل تشير إلى سعيها الدائب لتعطيله ولإبطال مفعوله، ولعرقلة كل الجهود الدولية التي تتحدد أساسا لحل الأزمة. وأبسط شاهد على ذلك لا يستقيم كلام عن السلام، واحتلال الأرض قائم، ولا يستقيم كلام عن السلام وتهديدات غروب القوة وحماقتها مستمرة. برغم ذلك، فإن السكرتير العام للأمم المتحدة كانت له وجهة نظر أخرى. عرضها في التقرير الذي قدمه إلى مجلس الأمن، متضمنا بندائه إلى أطراف النزاع. وقد قال فيه إنه وإن كان يعترف بالحاجة إلى المزيد من الإيضاحات، إلا أنه يجد هناك مجالا للتفاؤل الحذر. وبنى تفاؤله بالحذر- على حد تعبيره - إلى كون أن الأطراف استأنفوا اتصالاتهم بالسفير جونار يارنج. وأيضاً على أنه حدث بعض التقدم في تحديد مواقف الأطراف. وأن الأطراف التي أعربت عن رغبتها في تنفيذ قرار مجلس الأمن تصف الآن بقدر أكبر من التفصيل وجهات نظرها حول التزاماتها الناشئة عن هذا القرار. ثم خلص السكرتير العام للأمم المتحدة من ذلك بأن ناشد الأطراف أن تمضي في القيام بدورها في المناقشة بصورة بناءة وأن تتعاون مع السفير يارنج بهدف تنفيذ قرار مجلس الأمن. ثم كان في النهاية دعوة السكرتير العام للأمم المتحدة للأطراف في هذا الموقف الصعب أن يمارسوا ضبط النفس وأن يجددوا وقف إطلاق النار في 5 فبراير حينما ينتهي موعد سريان وقف إطلاق النار السائد الآن. ثالثاً: إنه في هذا الجو كان هناك عدد ليس بالقليل من الدول الأعضاء في مجلس الأمن نثق في تفهمها لموقفنا وتعاطفها مع نضالنا تتصل بنا في رجاء ملح آخر لضبط النفس، وحين جاء نداء السكرتير العام للأمم المتحدة سمعنا منهم وجهة نظرهم تعقيبا عليه تقول بأن قرار السكرتير العام للأمم المتحدة بإعلان ندائه في هذه المرحلة الخطيرة التي يمر بها الموقف في الشرق الأوسط يعني أن السكرتير العام للأمم المتحدة بحكم وضعه وبحكم مسئوليته يرى لديه من الأسباب ما يجعله مقتنعا بإمكانيات تقدم حقيقي نحو تنفيذ قرار مجلس الأمن. وكان رأي هؤلاء إنه ربما كان من الأفضل أن نتيح للسكرتير العام للأمم المتحدة جوا يساعده على تنفيذ قرار مجلس الأمن، وهي المهمة التي كلف بها من جانب المجلس في صلب قراره بتاريخ 22 نوفمبر سنة 67. أيها الإخوة إن المناقشات العميقة المؤمنة والمسئولة انتهت بنا إلى تحديد موقفنا على النحو التالي: أولاً: إن الجمهورية العربية المتحدة تعتبر نفسها ملزمة بمسئولية واحدة لا بديل لها وهي تحرير جميع الأراضي المحتلة في عدوان سنة 67. ذلك هو الالتزام الأكبر، وفي سبيله كل عملنا السياسي والعسكري والاقتصادي والدبلوماسي، وعلى طريقه كل التضحيات مهما غلت. إن الالتزام الأول لكل أمة هو التزامها تجاه حريتها في إطار مبادئ القانون الدولي، ولا يستطيع أحد أن يطلب إليها أو يفرض عليها التزاما يتعارض مع هذا الالتزام المقدس. وعلى أساه فإن عليها أن تحتفظ لنفسها بحرية وحق التصرف فيما تواجهه. ثانياً: إننا مع هذا الالتزام الأكبر والأول نقبل نداء السكرتير العام للأمم المتحدة ونقرر الامتناع عن إطلاق النار لفترة لا نستطيع أن نجعلها تزيد على ثلاثين يوما تنتهي يوم 7 مارس القادم. وعليه- أي على السكرتير العام- وعلى مجتمع الدول كله أن يتحقق في هذه الفترة من أن هناك تقدما حقيقيا في صلب المشكلة وليس في مجرد مظاهرها الخارجية. ونحن نرى أنه من الضروري أن يطلع مجلس الأمن قبل نهاية هذه الفترة على تقرير من السكرتير العام للأمم المتحدة عما تم إحرازه من تقدم. ومع أننا نعرف منذ الآن وسلفا أن إسرائيل بمساعدة الولايات المتحدة وتأييدها لها على بياض لن تتقدم عن موقفها الحالي، فإننا ندعو الله أن تثبت التجربة العملية أن شكوكنا لم يكن لها ما يبررها. ثالثاً: إننا نضيف إلى كل الجهود الرامية إلى حل الأزمة، مبادرة مصرية جديدة نعتبر العمل بمقتضاها مقياساً حقيقياً للرغبة في تنفيذ قرار مجلس الأمن. إننا نطلب أن يتحقق في هذه الفترة التي نمتنع فيها عن إطلاق النار انسحاب جزئي للقوات الإسرائيلية على الشاطئ الشرقي لقناة السويس، وذلك كمرحلة أولى على طريق جدول زمني يتم بعد ذلك وضعه لتنفيذ بقية بنود قرار مجلس الأمن. إذا تحقق ذلك في هذه الفترة فإننا على استعداد للبدء فورا في مباشرة تطهير مجرى قناة السويس وإعادة فتحها للملاحة الدولية ولخدمة الاقتصاد العالمي. ونحن نعتقد أننا بهذه المبادرة ننقل جهود السفير جونار يارنج من الألفاظ الغامضة إلى الإجراءات المحددة لتنفيذ قرار مجلس الأمن، ونفعل ذلك بطريقة يمتد أثرها إلى مصالح كل الدول التي تأثر اقتصادها بإغلاق قناة السويس بسبب العدوان الإسرائيلي ونتيجة لإرهابه. أيها الإخوة لقد طلبت إلى وزارة الخارجية أن تضع تقريرا مفصلا عن كل الاتصالات التي دارت في السنوات الخيرة في مجلس رئيس مجلس الأمة، كما طلبت أن يوضع نص قرار مجلس الدفاع الوطني، لأن بعض بنوده مما يدخل في إطار السرية وكذلك طلبت أن يوضع محضر مناقشات اجتماع اللجنة المركزية بتاريخ الأمس 3 فبراير 71 لتكون الصورة بكل تفاصيلها أمامكم، ولتكونوا على بينة كاملة من موجبات كل موقف نتخذه. وأود في النهاية أن أكرر أمامكم للتأكيد أن الموقف يتلخص كله في حقيقتين اثنتين. الأولى: إن وقف إطلاق النار أو إطلاق النار ليس هو القضية، وإنما القضية هي تحرير كافة الأراضي العربية ورد الحق الشرعي لشعب فلسطين. هذه هي القضية التي نقدم من أجلها وفي سبيلها كل شيء بغير تحفظ ولا تردد وإلى آخر الشوط. الثانية: إننا مع كل فرصة نعطيها للمجتمع الدولي تقديرا واحتراما له، علينا أن ندرك أن الأمر في النهاية منوط بقوتنا وحدنا. إننا نعرف عدونا بأكثر مما يعرفه غيرنا، مهما كانت درجات اهتمامهم بالأزمة، لأننا نحن الذين واجهنا ونواجه مخططاته ومؤامراته، وليس يعرف النار إلا من اكتوى بها، ومن معرفتنا بالعدو فإن قناعتنا كاملة أنه لن يرتدع بغير القوة، ولن يتراجع إلا تحت ضغطها. أيها الأخوة إننا بعد هذا الحديث إلى أمتنا وشعبنا، نتوجه بكلمة أخيرة عبر حدودنا. لقد أدينا واجبنا تجاه العالم وتجاه السلام بأقصى ما نستطيع، ولقد حان الوقت الذي يجب أن يؤدي في غيرنا واجبه تجاه العالم وتجاه السلام. إن الواجب ليس ضريبة تفرض على بعض الناس ويعفى منها غيرهم، وإنما الواجب خصوصا على المستوى العالمي، مسئولية واجبة. إنني أقول بوضوح إننا أبرأنا ذمتنا تجاه ما طولبنا بالحرص عليه، ولكننا نريد أن يعرف الجميع أنه ليس هناك شيء نحرص عليه أكثر من حرصنا على وطننا وعلى أمتنا، ولايستطيع البشر أن يحرصوا على الغير بأكثر مما يحرصون على النفس. ومن هنا فإننا نقول أنه قد حان الوقت وبسرعة لكي يتحمل غيرنا نصيبه من الواجب بطريقة حازمة وحاسمة. إن مجتمع الدول كله مدعو إلى وقفة صريحة لا لبس فيها ولا غموض. إن الأمم المتحدة أمامها خيار أن تكون موجودة أو لا تكون. إن الدول الكبرى عليها مسئولية في صيانة النظام الدولي القائم، لا تستطيع أن تتحلل منها. إن الرأي العام العالمي كله مطالب بأن يمزق كل ضباب الدعايات الإسرائيلية المضللة التي تنشرها في كل مكان مدعومة بأحدث وسائل التأثير المصنوع والمختلق. إننا نريد أن يعرف العالم أن لنا حقا نطالب به، ونريد في نفس الوقت أن يعرف العالم أن لدينا القوة التي نستطيع بها المطالبة بهذا الحق، لا استجداء، ولكن عزة وشرفا. لا رجاء ولكن قتالا واستبسالاً. أيها الإخوة فلنكن أقوياء بالحق، أقوياء بالمبدأ، أقوياء بالإيمان، أقوياء بالحرية، أقوياء بما في أيدينا من وسائل القتال، أقوياء برجالنا على خط النار من قواتنا المسلحة الذي ينتظرون بالرجولة كلها وبالثقة كلها وبالنبل كله إشارة التقدم. انهم جندنا وهم في نفس الوقت بالحق والإيمان جند الله. وسوف يكون لهم نصر بإذنه تكريما لأمتهم الخالدة وصونا لشرفها وإعلاء لمكانتها بين الأمم. والسلام عليكم ورحمة الله.
المصدر: موسوعه مقاتل من الصحراء على شبكه الانترنت |