
|
كلمة
الرئيس أنور السادات، رئيس الجمهورية العربية المتحدة
القاهرة: 14 فبراير 1971 الصديق العزيز الرئيس جوزيف بروز تيتو في مثل هذه المناسبات يتحدث الأصدقاء عادة عن خططهم ومشاكلهم، أو عن آمالهم وآلامهم. وفي الحقيقة فإنه ليس في صداقتنا معك شخصيا، وليس في الصداقة العربية- اليوغوسلافية عموما ما يدعونا اليوم إلى شيء من ذلك، لأن قرب ما بيننا يغنينا عن الحديث فيه، ويدعونا إلى تركيز جهدنا على التفكير المشترك والعمل المشترك. ولقد ترى معي أن أبدأ بالآلام والمشاكل وأعطيها الأسبقية على الخطط والآمال. أما الآلام، فإننا نعرف أنك عانيتها معنا وعشتها كما عشناها. فهذه أول مرة نلتقي فيها، وأول مرة لك في بلادنا، وليس معنا ذلك الصديق العظيم الذي عرفته والذي شاركت معه في بناء تصور عالم جديد هو عالم الدول غير المنحازة التي خرجت في مرحلة دقيقة من التاريخ المعاصر تواجه مخاطر انقسام العالم إلى كتل متعارضة وتحاول أن تصد عن نفسها، بل وعن الإنسانية كلها عواصف الحرب الباردة، وتسعى للسلام والتقدم، وللحرية السياسية والاجتماعية لكل الأمم والشعوب، ولسيادة روح ونصوص ميثاق الأمم المتحدة. إنك كنت صديق جمال عبد الناصر ورفيقه وشريكه في هذه المعركة التاريخية الرائعة التي نجحت بغير جدال، بصرف النظر عما دفعه المقاتلون فيها- من أجل الحرية والتقدم- من جهدهم ومن أعصابهم ومن دمهم ومن حياتهم أحيانا. إن القوى المعادية للحرية وللتقدم، حاربت معركة يأس ضارية ضد التطور نفسه. ومع حتمية انتصار التطور، فإن قوى الحرية والتقدم دفعت غاليا بتضحياتها ثمن الدفاع عن مبادئها وعن حركتها إلى الأمام. ولقد كانت هذه في الواقع هي المعركة التي حارب واستشهد تحت لوائها صديقك ورفيقك وشريكك رئيسنا وقائدنا ومعلمنا جمال عبد الناصر. ولقد كان ذلك مدعاة حزن عميق لنا، كما كان مدعاة حزن عميق لك. حزن شاركتنا فيه الدنيا بأسرها، لكن التاريخ يعلمنا أن ما يصنعه الأبطال في تاريخ الأمم لا يذهب بغيابهم. وإنما قيمة الإسهام العظيم لأبطال الإنسانية أن ما يصنعونه له قدرة البقاء بعدهم. ومن هنا فإننا في لحظة الحزن العميق، لم نفقد الأمل وإنما كان يعنينا على الدوام أن المبادئ والقيم التي أرساها جمال عبد الناصر على الأرض العربية وإشاعتها على كل أرض أخرى. مهما كانت بعيدة عنها تحولت إلى تيار مستمر لا يمكن إيقافه. هذا عن الآلام. وأما عن المشاكل، فإنك أيها الصديق كنت معنا طوال الطريق. ومنذ بدأت أزمة الشرق الأوسط الحالية، فإننا نذكر بفخر واعتزاز جهودك منذ مشاركتك الإيجابية في وقفة مجموعة الدول والأحزاب الاشتراكية معنا. كما لا ننسى- كما قال لك عبد الناصر أكثر من مرة- زيارتك لنا في أغسطس من سنة 1967 وظروفها العصيبة. كما لاننسى لك كل جهودك المتصلة، إلى أن جاء التحرك السياسي الواسع الذي قامت به يوغسلافيا خلال الأسابيع الأخيرة شرحا لموقفنا ودعوة لحقنا في كل عواصم العالم. وأنت- أيها الصديق- أول من يعرف أننا نطلب السلام، ولكننا لانطلب السلام بأي ثمن، لأن طلب السلام بأي ثمن صورة أخرى من صور الاستسلام للأمر الواقع. إن نظرتنا إلى السلام أصيلة وهي لذلك متعددة الجوانب.
من هنا- أيها الصديق- من هذه النظرة إلى السلام، فإننا حددنا مفهومنا لحل أزمة الشرق الأوسط بنقطتين اثنتين: الأولى: هي ضرورة الانسحاب الكامل والشامل من جميع الأراضي التي احتلها العدوان الإسرائيلي المؤزر بقوى الاستعمار العالمي، بعد 5 يونيه 1967. والثانية: هي ضرورة كفالة الحقوق المشروعة والطبيعة لشعب فلسطين، لا على أساس إنساني فحسب، وإنما على أساس سياسي ووطني قبل أي شيء آخر، لا على أساس حل مشكلة اللاجئين الفلسطينيين، ولكن على أساس حل مشكلة الوطن الفلسطيني. ولقد كان من نتيجة ذلك المفهوم قبولنا لقرار مجلس الأمن الصادر بتاريخ 22 نوفمبر 1967، وتعاوننا بكل الوسائل مع السكرتير العام للأمم المتحدة في تكليفه تنفيذ هذا القرار، وتعاوننا أكثر من ذلك مع كل الذين حاولوا أن يمدوا يدهم إلى المشكلة، حتى وإن راودتنا الشكوك كثيرا في صدق نواياهم. لكننا لم نشأ أن نترك لأحد متخذا علينا، ولا شئنا أن نترك فرصة لتضيع، لأننا كنا ندرك العواقب الخطيرة التي يمكن أن تترتب على ترك أزمة الشرق الأوسط بكل أبعادها تتردى إلى درجة يتجاوز خطرها فيها حدود هذه المنطقة. بل لقد زدنا على ذلك كله مبادرات مصرية أردنا بها إثبات حسن نيتنا وانتظرنا من الآخرين أن يثبتوا بها نواياهم، وأمام مجتمع الدول كله الآن سجلنا واضحا وسجل غيرنا أسود الصفحات. ولم نخش في كل ما قمنا به. وما اتخذنا من قرارات غير شيء واحد هو أن يتصور أعداؤنا وأصدقاؤهم خطأ إننا نخشى المواجهة المسلحة إذا أصبحت لازمة أو نتردد دونها إذا كانت هي الملجأ الأخير. ولهؤلاء جميعاً نقول أمامك، لاتخطئوا في الحساب، إننا قادرون على خوض المعركة، قابلون لجميع تضحياتها وتكاليفها، واثقون أن التطور التاريخي يتحرك لصالح كل ما ندافع عنه إيمانا به، معتقدون إننا لسنا في المعركة وحدنا. ذلك لأن ما نواجهه هنا على الأرض العربية هو جزء من مخطط عام تقوم به القوى المعادية للحرية وللتقدم. بينما هي تشعر بحصار التطور والتاريخ لمطامعها. إن العالم يعيش في أجزاء كبيرة في مشاهد قريبة الشبه مما نعيش، مع اختلاف الوسائل والأساليب. إن الغارات الاستعمارية على أفريقيا، ومنها ما تعرضت غينيا أخيرا له، جزء من نفس المخطط. أيها الصديق العزيز إننا نشترك معا في الخطط والآمال، ذلك أن ما تريده شعوبنا وتريده في الواقع كل الشعوب، هو باختصار كرامة الإنسان واستقلال الأوطان. وفي وسط الأضرار العميقة التي أحاطت بنا، وفي وسط المعارك الضارية التي نخوضها، فلعلي أن أشير إلى علامتين بارزتين في كفاحنا: الأولى: أن سد أسوان العالي بكل ما يعنيه للإنسان المصري، سواء في مقدرة العمل أو مقدرة التحقيق، قد تم إنجازه. والثانية: أن ميثاق طرابلس قام كنواة ورمز لأمل الوحدة العربية التي هي مطمح أمتنا تعبيرا عن حقيقة وجودها وإشارة إلى قوة طاقاتها والتأثير المحتمل لهذه الطاقات بالنسبة لمستقبلها الذاتي أو دورها العالمي والإنساني. أيها الصديق العزيز إنني أرحب بك معنا هنا صديقا ورفيقا وشريكا في الخطط والمشاكل، وفي الآمال والأحلام، معتزا غاية الاعتزاز بك كواحد من أبطال العصر، معتزا في نفس الوقت بالصداقة العربية اليوغوسلافية. أيها الأصدقاء والضيوف إنني أدعوكم إلى الوقوف معي تحية لجوزيف بروز تيتو، والسيدة الكريمة قرينته، وللوفد الممتاز الذي صحبه إلى وطننا في هذه الزيارة. إنني أدعوكم إلى الوقوف معي تحية لكل ما يمثله تيتو. إنني أدعوكم إلى الوقوف معي تحية للصداقة العربية اليوغوسلافية.
المصدر: موسوعه مقاتل من الصحراء على شبكه الانترنت |