كلمة الرئيس أنور السادات، رئيس الجمهورية العربية المتحدة
إلى الشعب حول الوضع السياسي الراهن

القاهرة: 7 مارس 1971
الأهرام، القاهرة: 8 مارس 1971

بسم الله

أيها الإخوة المواطنون

أيها المناضلون الشرفاء على هذه الأرض الطاهرة

يا رجال مصر ويا نسائها ويا شبابها ويا أطفالها

       لقد أثرت أن أتوجه اليوم بحديثي إليكم مباشرة، لأننا قد وصلنا إلى ساعة يتحتم فيها على كل مصري أن يؤدي واجبه.

       إن مصر التى تحبونها، ومصر التي تفدونها مهددة الآن بخطر يختلف عن كل خطر واجهته من قبل تاريخيا، لأن جزءا من ترابها الوطني المقدس معرض الآن ولأول مرة لمحنة الاستيلاء عليه بقوة العدوان الإسرائيلي المسلح.

       ولقد عرفنا في عمر شعبنا النضالي  غزاة جاءوا ورحلوا، نهبوا أو حكموا، أمسكوا بالسلطة أو جمعوا الضرائب. ولكنه برغم أي شيء وكل شيء فإن وحدة التراب المصري بقيت سليمة لم تمس، متصلة لم تنقطع.

       ولكننا الآن في مواجهة تحد من نوع آخر. تحد يستهدف الأرض، وينقض على وحدة التراب الوطني، وهو لايخفي عنا ولا عن العالم كله مطامعه، وإنما يسجلها على نفسه غرورا وصلافة في وثيقة دولية، تقدم بها إلى ممثل السكرتير العام للأمم المتحدة المكلف بتنفيذ قرار مجلس الأمن الصادر بتاريخ 22 نوفمبر سنة 1967. هذا القرار الذي ينص على عدم جواز مبدأ اكتساب الأراضي عن طريق القوة المسلحة، والذي ينص بالتالي على ضرورة الانسحاب من كل الأراضي العربية التي جرى احتلاها بعد 4 يونيه.

       إن هذا التحدي الإسرائيلي ليس موجها لنا وحدنا، وإنما هو موجه إلى المجتمع الدولي كله، وإلى كل القيم الإنسانية التي يجب أن تسود علمنا، لكن هناك فارقا أساسيا بين موقفنا من هذا التحدي وبين موقف العالم كله منه. إن التحدي الموجه للعالم تحد معنوي وأخلاقي وسياسي. وأما التحدي الموجه إلينا فإنه تحد مادي وطني، قومي، ومصيري. والعالم قد يرى في مواجهة التحدي الذي يواجهه أن يستنكر وأن يدين، وقد يصل الحرص على مستقبل العلاقات الدولية أن يتجاوز ما هو قاصر على الاستنكار والإدانة، ولكننا نحن لا نستطيع أن نكتفي بالاستنكار والإدانة.

إننا مطالبون بأن نقاوم وبأن نقاتل. نحن مطالبون بأن نعطي الحياة لكي تكون لنا حياة. ونحن مطالبون بأن نضحي بالروح لكي تبقى وحدة ترابنا الوطني مصونة على طول الزمان.

أيها الإخوة المواطنون،

        لقد فعلت كل ما في الطاقة ساعيا وراء سلام قائم على العدل. إننا وصلنا خلال الثلاثين يوما الأخيرة التي قررنا فيها الامتناع عن إطلاق النار جهدا سياسيا متصلا وعريضا، بدأ قبل ذلك بعدة سنوات. بدأناه بقبولنا لقرار مجلس الأمن، ودعمناه لقتالنا في الميدان.

        لكي يفهم الآخرون إننا على استعداد لقبول الخطر والصعب. وعدنا إلى العمل الدبلوماسي بموافقتنا على مقترحات تقدم بها وزير الخارجية الأمريكية، عرفت بمبادرة روجرز. وساعدنا ممثل السكرتير العام للأمم المتحدة المكلف بتنفيذ قرار مجلس الأمن على إنجاح عمله في ظل وقف إطلاق للنار قبلناه ثلاثة شهور، وزدنا عليه ثلاثة شهور أخرى. ولكن ذلك كله يصل بممثل السكرتير العام ولا بنا إلى حل للأزمة بسبب الطبيعة العدوانية للعنصرية الصهيونية. ولقد كنا ننبه إلى هذه الطبيعة. وكان غيرنا يتصور تنبيهنا على أنه نوع من التعصب. وإذا تتبعنا ما حدث في الشهر الأخير وحده لكفانا وكفى غيرنا.

أولاً: في بداية هذا الشهر من يوم 4 فبراير سنة 1971، أعلنت إننا سوف نمتنع عن إطلاق النار ثلاثين يوما كي نعطي المجتمع الدولي والأمم المتحدة والأربعة الكبار ومجلس الأمن والسكرتير العام للأمم المتحدة وممثله السفير جونار يارنج، فرصة إضافية لبذل جهودهم وتركيزهم. واتخذت من هذا الإعلان مناسبة أضفت فيها إلى ذلك مبادرة مصرية بانسحاب جزئي من سيناء نفتح في مقابله قناة السويس للملاحة الدولية.

        ولم يكن ذلك من وجهة نظرنا حلا للأزمة، ولكنه كان تحريكا عمليا لبدء الحل واختبارا للنوايا.

        ولكن ما قلناه وما قدمناه لم يلق إلا آذانا صماء.

ثانياً: إن ممثل السكرتير العام للأمم المتحدة، وجد مناسبا لتحديد جهوده وتركيزها أن يطلب إلينا وإلى إسرائيل أن يقدم كل منا إليه تعهداته وفق قرار معلمي الأمن ووفق نصوصه. وطلب منا تعهدا بضمانات السلام وفق قرار مجلس الأمن، وقدمنا له التعهد الذي طلبه بعد إيضاحات راجعناه فيها، واعتبرنا جوابه عليها مرضيا. أما إسرائيل  فقد تباطأت، تباطأت ثم اختارت صلفا وتعاليا أن لا ترد عليه، ثم بعثت إليه بمذكرة ترد على مذكرتنا نحن إليه وأخطر من ذلك فلقد قالت في هذه المذكرة بالغطرسة والعجرفة كلها، إنها لن تعود إلى خطوط ما قبل 4 يونيه سنة 1967.

ثالثاً: إن رد إسرائيل كما نرى جميعا من متابعة الحوادث، أصاب العالم كله، حكوماته، ومؤسساته الدولية، بصدمة عنيفة.

الدول الكبرى كلها على اختلاف مواقفها منا ومن إسرائيل، تعتبر رد إسرائيل على يارنج سلبيا، يعادي  السلام ولا يخدمه. والأمم المتحدة تعتبر رد إسرائيل محاولة لتحطيم جهودها ووجودها من الأصل والأساس. والرأي العام العالمي كله، كما تعبر صحافته بلغات ولهجات شتى، غاضب ناقم، لا يجد لإسرائيل عذرا، ولا لموقفها تبريرا يمكن قبوله.

رابعاً: ثم إن السكرتير العام للأمم المتحدة وجه على أثر ذلك نداء إلى إسرائيل يوم 5 مارس، يطالبها فيه بالاستجابة إلى ما طلبه السفير يارنج بأن تتعهد بالانسحاب من الأراضي المصرية. إلا أن إسرائيل تجاهلت نداء السكرتير العام، لأنها تصر على ضم الأراضي المصرية إليها، والتوسع على حساب مصر كجزء من المخطط الإسرائيلي في التوسع على حساب الدول العربية.

        وتمضي الساعات، وعدونا لا يريد أن يسمع ولا يريد أن يستجيب.

        لقد أخذته خيلاء القوة، واستبدت به نزعات التوسع، ولم يعد يهتم لمبدأ أو قانون أو نظام.

أيها الإخوة

        إن الأزمة، بكل ما بذلنا وبذلته أطراف أخرى، لم تصل إلى حل.

        ولكن من الحق والواجب أن أقول إن مجهودنا خلال الشهر الماضي لم يذهب عبثا، وإنما وصلنا إلى نتائج لها قيمتها الكبرى، وأبرز هذه النتائج هي عزلة إسرائيل الكاملة الآن عن المجتمع الدولي وعن الرأي العام العالمي. وهذا شيء ليس بالهين ولا هو بالقليل.

أيها الإخوة المواطنون

        ونحن نواجه هذه الساعات الهامة من نضالنا، فإنني أريد أن أقف معكم قليلا تجاه موقف الصديق الذي ساعدنا بغير تحفظ ووقف إلى جانبنا بغير شروط، وبذل أكبر الجهود وأكرم الجهود في سبيل تدعيم نضالنا من أجل التحرير. إنني لست في حاجة إلى أن أزيد أمامكم شيئا عن موقف الاتحاد السوفيتي منذ بدأت الأزمة وحتى الآن في كل المجالات السياسية والاقتصادية والعسكرية.

        إنكم تعرفون جميعا تفاصيل هذا الموقف، بل ترونه رأى العين، وتعرفون له حقه وقدره.

        لقد وقف معنا شعب الاتحاد السوفيتي وقادته وقفة الرجال الشرفاء والمناضلين الثوار. يؤيدون حقنا ويدعمون خطنا بشرف وتصميم.

        ولن ينسى تاريخنا ولا أجيالنا القادمة موقفهم الشريف من قضيتنا العادلة.

        لقد كانوا معنا في أصعب أيام تاريخنا يدعمون كفاحنا من أجل حقنا في السلام القائم على العدل.

والجديد الوحيد الذي أستطيع زيادته على ما تعرفون، هو أن أقول لكم إنني وجدت مناسبا في الأسبوع الماضي أن ألتقي بقادة الاتحاد السوفيتي العظيم، وكان هؤلاء القادة قد بعثوا إلى يقولون إنهم يجدون أن الظرف يحتم إجراء مشاورات بيننا.

        وقررت السفر بنفسي إلى موسكو في غير إعلان. وبالفعل فإنني غادرت القاهرة فجر يوم الاثنين أول مارس وعدت إليها مساء الثلاثاء 2 مارس.

        وخلال يومين في موسكو، فإن الفرصة أتيحت لي أن ألتقي بقادة الاتحاد السوفيتي الأصدقاء بريجنيف وبودجورني وكوسيجين.

        ولقد تحدثنا في كل الأمور، وبحثنا جميع الاحتمالات بصراحة ووضوح وصدق. وعدت إلى القاهرة راضيا تماما عما تم إنجازه، واثقا أن الاتحاد السوفيتي يؤيد حقنا العادل تأييدا مطلقا وتأييدا إيجابيا.

أيها الإخوة

        إننا ندرس مواقع خطانا دراسة كافية، ولن يدفعنا أي استفزاز مهما كان إلى الخروج عن تخطيطنا السياسي والعسكري. ولسوف نمسك في أيدينا بزمام المبادرة ونراقب التطورات ونتصرف وفق ما تمليه علينا مبادئنا وأهدافنا. وأولها مبدأ التحرير وسلامة التراب العربي وحقوق شعب فلسطين.

        ومع إننا نقدر تقديراً عالياً نداء السكرتير العام للأمم المتحدة لضبط النفس وعدم إطلاق النار. إلا أننا نود أن نقرر بوضوح وأمانة للعالم كله، أنه ليس في مقررنا أن نمد وقف إطلاق النار أكثر مما مددنا. وكذلك فإنه ليس في طاقتنا أن نمتنع عن إطلاق النار وقد امتنعنا فعلا ثلاثين يوما.

        من أجل ذلك فإنني أعلن لكم وللعالم قرارنا. إننا لا نعتبر أنفسنا مقيدين بوقف إطلاق النار، ولا بالامتناع عن إطلاق النار.

        وليس معنى ذلك أن العمل السياسي سيتوقف، وأن المدافع وحدها سوف تنطلق. ولكن معناه إننا سوف نراقب وسوف نتابع وسوف نقرر لأنفسنا ما نعتقد أنه واجبنا في زمانه وفي مكانه.

أيها الإخوة المواطنون

        أريدكم أن تعرفوا أن أداءنا لواجبنا ليس ترفا وليس كلاماً. ولقد آثر غيرنا أن يتحدث عن النضال وهو بعيد عن ميدان القتال، وأن يكتفوا بإطلاق الشعارات بديلا عن إطلاق النار. ولكننا لسنا من هؤلاء.

        إننا نعرف ومن الحق أن نعرف معنى قرارنا بالوقوف لأداء الواجب، وأن نعرف أيضاً تكاليف هذا القرار. إن تكاليفه تحسب بالعرق والدم. وليس هناك غير ذلك حساباً للتكاليف.

وفي نفس الوقت، فإننا نطلب إلى الدول الأربع الكبرى أن تواصل متابعتها لأزمة نعتقد إنها بزمانها ومكانها في الصميم من مشكلة السلام والحرب.

        ولعلنا نضيف إلى ذلك أننا نثق في الأمم المتحدة ونثق في سكرتيرها العام ونثق في ممثله الخاص المكلف بتنفيذ قرار مجلس الأمن، ونعتقد في صدق أن مبادئ ميثاق الأمم المتحدة هي دليل الأمان الوحيد في عالم لا يستطيع أن يواجه كارثة حرب عالمية ثالثة. وإذ نوجه لهؤلاء الأطراف جميعاً ما قلناه. فإننا نتمنى أن يدرك الكل أن هناك حدودا لا نستطيع أن نتجاوزها.

        إننا لم نشترط لحل الأزمة غير شرطين اثنين، الانسحاب من جميع الأراضي التي جرى احتلالها بعد 4 يونيه، والحفاظ على الحقوق الشرعية لشعب فلسطين.

        ولقد وصلنا إلى حد أعلنت فيه إسرائيل أنه لاعودة إلى خطوط 4 يونيه سنة 67.

        وعلينا أن نستنتج من ذلك مايتحتم علينا استنتاجه، وعلينا أن نفهم أيضاً أن الذي لايريد العودة إلى خطوط 4 يونيه سنة 67 لا يخطر بباله خاطر عن الحقوق الشرعية لشعب فلسطين.

        ولكننا بعد كل ذلك وعلى أساس كل ذلك مطالبون بأن يقف كل منا ويؤدي واجبه.

        ومما يدعونا إلى مزيد من الثقة بالنفس والاطمئنان إلى سلامة تصرفنا إننا نمارس نضالنا تجاه ما نواجهه اليوم في إطار أكثر ملاءمة وأصلب أساساً.

        إننا سوف نؤدي واجبنا كاملا، وإن كنا في نفس الوقت سوف نطالب غيرنا بأن يؤدي واجبه على أي نحو يشاء. ولكننا نعتقد أنه ليس من حق أي طرف من الأطراف، سواء على مستوى المجتمع الدولي أو على مستوى مؤسساته أن يتهرب أو يتقاعس، وعلى وجه الخصوص فإننا نطلب إلى الولايات المتحدة الأمريكية أن تؤدي واجبها ونحن لانلقي عليها عبئاً نحدد نحن مواصفاته، وإنما نحن نطلب إليها أن تفي بما تعهدت به. إن الولايات المتحدة الأمريكية تعهدت لنا مباشرة وخصوصاً في الشهر الأخير بأنها تعارض وسوف تعارض مبدأ الاستيلاء على الأراضي بالقوة.

        ولا تستطيع الولايات المتحدة أن تتهرب من هذا التعهد أو أن تفلت منه.

        ونحن في هذا لا نطلب منها ما هو أكثر من طاقتها، وإنما نطلب مجرد ما تعهدت به أمامنا، وهو فيما نعتقد لا يتجاوز حدود طاقتها إزاء إسرائيل التي تعيش عالة عليها، وتتحدى وتقتل بينما هي تعيش على الحساب الأمريكي مالاً وسلاحاً.

وأريد أن أقرر أمامكم أيضا إنني قمت باتصالات مع الولايات المتحدة الأمريكية وأن المسئولين الأمريكيين على بينة  كاملة من موقفنا بكل وضوح، وتحديد وبكل صدق جاد يقدر تبعات المسئولية.

أيها الإخوة

        إن العدو لن يكف يده إلا إذا كنا في وضع يسمح لنا أن نقطع هذه اليد حيث تمتد. ولكنه مهما كانت قوتنا واستعدادنا، فيجب أن ندرك مقدماً أن العدو سوف ينجح في بعض ضرباته إلينا. إنه لن يتورع، وأقول لكم من الآن. إن كل شيء على أرضنا سوف يكون معرضاً للخطر، ولكن ذلك هو قدرنا نتقبله بشرف النضال وكرامة النضال.

أيها الإخوة المواطنون

        من هنا أعود إلى ما بدأت مصارحتكم به من أننا نواجه اليوم أقوى اللحظات حسماً وأبلغها خطراً. ومن هنا كان حديثي إلى كل فرد منكم في جميع مواقع المسئولية. بل في كل بيت صغير، وفاء لما تعاهدنا عليه من أن نشارك أعباءنا معاً، وأن نعاني يومنا معا من أجل غدنا معا. لا وقت للضياع ولا وقت للكلمات. كل الوقت للعرق، وكل العرق للعمل، وكل العمل من أجل هدف واحد ولا هدف سواه، وهو النصر بعون الله.

        ستكون المعركة شرسة، ولكنها أشرف معارك الحياة. وستكون المعركة طويلة ومريرة، ولكنها قدر الأحرار. ونحمد الله لأن يدنا هي العليا، فنحن يدفعنا إلى الكفاح الثقة والأمل، وقداسة كل حبة تراب في أرضنا. وعدونا يدفعه إلى جنون العدوان الخوف من الهزيمة والخوف من اليأس.

أيها الأخوة المواطنون

        مرة أخرى أقول لكم، إننا نعرف، ومن الحق أن نعرف معنى قرارنا لأداء الواجب وتكاليف هذا القرار. واليوم ونحن نقف على خط واحد وأمام خطر واحد، فإنني أريد مشاعركم كلها، قلوبكم كلها، سواعدكم كلها. أريدها كلها إطارا يحيط برجالكم وأبنائكم من جنود وضباط قواتنا المسلحة. دعاءً ونداءً، أملاً ورجاءً، تحية وإكباراً. إنهم عدة مصر وهم أملها، وهم الأمناء على شرفها وعزة علمها.

        رب اجعل النصر حليفهم، وألهمنا يا رب الحكمة الشجاعة كي نؤدي لك الأمانة. عزة لأرضنا وانتصاراً لحقنا. وأنت رب العزة ورب الحق، القاهر فوق عبادك.

والسلام عليكم ورحمة الله.

 


المصدر: موسوعه مقاتل من الصحراء على شبكه الانترنت

 

Hosted by YallaHosting