
|
خطاب
الرئيس أنور السادات، رئيس الجمهورية العربية المتحدة
القاهرة: 26 مايو 1971 الرئيس العزيز والصديق الكريم نيكولاي بودجورني أهلاً بكم في هذه الزيارة الثانية لكم في هذا العام إلى الجمهورية العربية المتحدة ولشعبها الذي يكن لكم ولشعوب الاتحاد السوفيتي وقياداتها كل الصداقة وكل الحب وكل مشاعر العرفان العميق لوقفتكم معنا باستمرار، وعلى خط ثابت لا يتأثر، وعن يقين راسخ على أصلب الأسس بوحدة المواقف في معاداة الاستعمار. وفى العمل من أجل التقدم السياسي والاجتماعي، ومن أجل عالم حر من الاستغلال والسيطرة الإمبريالية. إن الاستعمار وأصدقاءه- وهم يتابعون زيارتكم الثانية لنا هذا العام- قد أثبتوا مرة أخرى عجزهم عن فهم طبيعة العلاقات العربية- السوفيتية ومحتوى هذه العلاقات وأهدافها النبيلة. ولعلنا نعذرهم فيما يتخبطون فيه لأنهم لم يفتحوا بعد عيونهم على القيم الجديدة في العلاقات الدولية. ولا على الحتمية التاريخية لاستقلال وحرية الشعوب، ولا على الضرورة الملحة والحيوية للطريق الاشتراكي سبيلا إلى التحولات العظيمة في مجالات البناء السياسي والاقتنصادي والاجتماعى. إن أزمة الشرق الأوسط ودور الإمبريالية المؤيد لإسرائيل فيها. ليس هو النموذج الوحيد للتخبط الاستعماري. وإنما نحن نستطيع أن نعثر على مظاهر هذا العجز الكامل عن فهم التاريخ. إذا نظرنا إلى كل قارات الأرض المناضلة وتابعنا ما يجري عليها. آسيا، وما يحدث في جنوبها الشرقي، وبالذات في فيتنام وكمبوديا ولاوس. أمريكا اللاتينية، والفوران المعبأ بالقلق الذي يهزها هزا. أفريقيا، وكل محاولات الاستعمار الجديد لإجهاض حركة التحرر الوطنى وإفراغ الاستقلال من مضمونه الاجتماعي. إن أزمة الاستعمار المعاصر قائمة فى كل مكان. والعجز الكامل عن فهم التاريخ فيها لا ينبع من مجرد الجهل بحتمية التطور، ولكنه يرجع في نفس الوقت إلى الاستعمار لا يستطيع بطبيعته أن يتخلى عن مطامعه إلا مكرهاً ومجبراً. لأنه يريد أن يواصل الاستغلال إلى آخر لحظة ممكنة ولأنه أحياناً لا يتورع عن محاولة الدخول من النافذة إذا أرغم على الخروج من الباب. إن هذه الاعتبارات هي التي تجعل الاستعمار وأدواته تلجأ إلى القوة المسلحة في النهاية. أملاً منها أن الإرهاب قد يستطيع إيقاف مجرى التطور التاريخي الحتمى نحو الحرية السياسية والاجتماعية للشعوب. وفي الحقيقة - أيها الصديق العزيز - فإن هذا هو صميم أزمة الشرق الأوسط التي استحكمت بعدوان سنة 1967، ثم زادت تعقيداً بكل المؤامرات ضد السلام، وهي مؤامرات لم يصنعها جنون القوة الإسرائيلي، وإنما ساعد عليها موقف الولايات المتحدة المؤيد على طول الخط لإسرائيل. إننا، كما يشهد العالم كله، قطعنا كل ما في وسعنا لإيجاد مخرج سلمي من الأزمة، وكان لنا شرطان:
إن العالم كله وقف معنا، وتابع عملنا السياسي. ولابد أن نشهد للاتحاد السوفيتي إنه كان الطليعة فى فهم موقفنا وتأييده وتدعيمه وإكسابه الفاعلية العملية التي لا يمكن بغيرها أن تكون للحق قيمة في أوضاع عالمنا المعاصر. وذلك كان وسوف يظل موضع التقدير من شعبنا وأمتنا العربية، ثم إن ذلك أضاف إضافة حقيقية إلى الصداقة العربية- السوفيتية، بما جعلها وسوف يجعلها عاملا ثابتاً ودائماً ومستقراً في حياة وتطوير هذه المنطقة. إن قائد ثورتنا ومعلم هذه الأمة وبطل 23 يوليه جمال عبد الناصر كان هو المهندس المبدع الذي رسم جسور الصداقة العربية - السوفيتية وأرساها على أصلب الأسس وأقوى الدعائم. وإن شعبنا قد قرر بطريقة حازمة وحاسمة أن طريقه هو طريق جمال عبد الناصر، تحدده الوثائق الأساسية التى أصدرها هذا الوطني العظيم والثوري البارز. وهي ميثـاق العمل الوطني سنة 1962، وبيان 30 مارس سنة 1968. إن العالم، كما أسلفت - أيها الصديق - وقف معنا، وتابع عملنا السياسى. وحاولنا كل جهدنا أن نسهل عمل المجتمع الدولي في سبيل حل أزمة عويصة يمكن أن يمتد تأثيرها على السلام العالمي كله.
إننا استجبنا استجابة كاملة. ليس لقرار مجلس الشعب رقم 242 لسنة 1967 فقط، ولكننا استجبنا أيضا لمبادرات السفير جونار يارنج، ممثل السكرتير العام للأمم المتحدة المكلف بمتابعة تنفيذ هذا القرار. وأكثر من ذلك، فإننا تقدمنا بعد ذلك خطوة بمبادرة مصرية، عرضنا فيها مرحلة أولى من الانسحاب الشامل، في مقابل خطوة أولى من جانبنا لفتح قناة السويس للتجارة الدولية. ولكن الاستعمار وأدواته يخطئون خطأً بالغاً إذا هم تصوروا إن رغبتنا في تحريك الأمور تصدر عن تهيب لمواجهة مسئوليات القتال إذا دعانا الأمر إلى حمل السلاح دفاعاً عن الوطن وعن المبادئ. إن إسرائيل لم تستجب لكل المحاولات، سواء محاولاتنا أو محاولات المجتمع الدولي كله، وأصبح واضحاً أن ما تريده إسرائيل ليس السلام، وإنما هو التوسع. وهذا ما نرفضه، وما نحن على استعداد للقتال ضده. إن الولايات المتحدة الأمريكية تقدمت بجهود لم نرفضها، مع كل علمنا بالعلاقة الإسرائيلية- الأمريكية، وأوضحنا مواقفنا المبدئية، وانتظرنا بقلوب وعقول مفتوحة. ونحن نريد أن يعرف الكل أننا لسنا على استعداد لأن نفرط فى الأرض، أو الحق، في مقابل سراب. كما أن الكلمات المعسولة ليست دليلاً على صدق النوايا وراءها. إننا حددنا موقفنا مع الولايات المتحدة الأمريكية بوضوح في مذكرة رسمية أخيرة، قلنا فيها "إننا نعتبر استمرار الدعم العسكري والمادي الأمريكي لإسرائيل بمثابة مشاركة أمريكية في احتلال أراضينا والعدوان على سيادة أوطاننا. إننا لسنا على استعداد لأن نخدع أحداً، أو نقبل الخديعة من أحد. فالدنيا كلها ترى الآن أنه لم يعد هناك سند ولا دعم للعدوان الإسرائيلي غير الولايات المتحدة الأمريكية، وأن الولايات المتحدة بهذا الموقف تفسد في الحقيقة كل جهود السلام، وتمكن للعدوان وتدفع الشرق الأوسط إلى انفجار لا يستطيع أحد تقدير عواقبه. انهم لا يفهمون حتى الآن أن تصميمنا على تحرير الأرض واستخلاص الحق هو إرادة أمة بأسرها. وهم لا يفهمون حتى الآن أن تصميمنا على مواصلة طريق عبد الناصر هو قدر تاريخي لأمة بأسرها، تتطلع إلى التطور الاجتماعي والاقتصادي والسياسي. وهم لا يفهمون حتى الآن أن تصميمنا لا تصده عوائق ولا تقف دونه حدود، وكان يكفيهم أن يلقوا نظرة على الإرادة التي استطاعت بناء السد العالي وإتمامه تحت ظروف الحرب. لكي يدركوا إننا على الطريق سائرون وإن وراءنا قوى محبة للسلام تؤيد وتعزز. أيها الصديق العزيز. إننا نعيش مرحلة فاصلة من تاريخنا، ويدرك شعبنا إدراكاً كاملاً أن لهذه المرحلة تبعاتها ومسئولياتها. ويدرك شعبنا في نفس الوقت الأهمية العظمى لدور التعاون مع البلدان الاشتراكية، ومع جميع القوى التقدمية في هذا العالم، في سبيل اجتياز هذه المرحلة، وفي سبيل ما بعد هذه المرحلة على طريق البناء والرخاء. إن شعبنا كله يعتز بالصداقة العربية- السوفيتية، بل إن أمتنا كلها تعتبر أن هذه الصداقة واحد من أهم الأسس في سياستنا وفي خطنا وفي حركتنا اليومية. إن كل محاولات الاستعمار والرجعية للنيل من هذه الصداقة تحطمت كلها على صخرة الوعي الصلب لجماهير أمتنا العربية التي تستطيع أن تفرز العدو من الصديق، وتعامل العدو كعدو وتعامل الصديق كصديق. أيها الصديق العزيز أيها الأخوة أيها الضيوف اسمحوا لي أن أدعوكم إلى الوقوف معي، تحية لأخلص الأصدقاء، وأعز الأصدقاء لشعبنا وأمتنا، وأعني بهم الاتحاد السوفيتي وشعوبه العظيمة وحزبه القائد وزعامته المقتدرة. اسمحوا لي أن أدعوكم إلى الوقوف تحية للصداقة العربية - السوفيتية وقيمتها العظيمة، ودورها الخلاق وازدهارها المستمر. اسمحوا لي أن أدعوكم إلى الوقوف تحية لضيفنا وصديقنا الآخر نيكولاي بودجورني. اسمحوا لي أن أدعوكم إلى الوقوف تحية لآمال مشتركة بين شعوبنا تنشد السلام مع العدل، وتطلب الحرية سياسية واجتماعية، وتقاتل وتنتصر دفاعاً عن كل ما تؤمن به.
المصدر: موسوعه مقاتل من الصحراء على شبكه الانترنت |