خطاب الرئيس أنور السادات، رئيس الجمهورية العربية المتحدة
في افتتاح الدورة التاسعة للمجلس الوطني الفلسطيني

القاهرة، 7 يوليه 1971
الأهرام، القاهرة : 8 يوليه 1971

بسم الله

أيها الإخوة والأخوات يا رفاق النضال

         لعله شيء له معناه أن تتاح لي الفرصة للحديث أمام مؤتمركم مرتين في هذا العام. هذا العام الذي اعتبرته وأعتبره عاماً  حاسماً، فاصلاً في نضالنا.

         ولعلكم تشاركونني هذا الاعتقاد. فلقد وصلت أمور كثيرة فيه إلى غايتها، واستوفت شروطها، وأصبح محتماً علينا أن نختار، وأن نقرر، وأن نتحمل بمسئولية أقدارنا ومصائرنا.

         في المرة السابقة التى كان لي فيها شرف الحديث إلى مؤتمركم هذا، فإنني ركزت على موقف الجمهورية العربية المتحدة.

         وليس لدي ما أضيفه إلى ما قلته، غير إشارة إلى التأكيد والتعزيز.

         وهكذا، فلعلكم تأذنون لي هذه المرة - أيها الإخوة ورفاق النضال - أن يكون حديثي هذه المرة عنكم.

         وإذ أفعل ذلك، فليس هدفي هو اقتحام خصوصياتكم، أو التدخل في شئونكم، ذلك إنني في الحقيقة لا أجد فواصل بين مواقفنا ومواقفكم. ليس فقط لأن الطبيعة جعلتنا بالتاريخ وبالمصير كياناً واحداً، بل أكثر من ذلك، لأن التحدي جعل منا في الواقع قضية واحدة قد تتعدد جوانبها ولكنها في جوهرها شيء واحد.

         وإذا كانت قضية فلسطين قد أصبحت في الضمير العربي جزءاً لا يتجزأ من نضال أي شعب من شعوب أمتنا، فإنها بالنسبة للشعب المصري جزء لا يتجزأ من حياته نفسها.

         من هنا، فإنني إذ أتحدث عنكم هذه المرة، لا أجدني أتحدث عن الغير، بل أكاد أتحدث عن الذات. ومن هذا المنطلق، فإنني أرجوكم أن تفسحوا صدوركم لما أريد أمانة أن أصارحكم به.

أولاً: إن قضية فلسطين ونضال الشعب الفلسطيني، وإجماع الأمة العربية على حيوية هذه القضية والنضال من أجلها. لم يكن في أي يوم من الأيام أوضح مما هو الآن.

 لقد كان من أبرز النواحي الإيجابية في النكسة، إنها رفعت غطاء النسيان أو الصمت عن مشكلة فلسطين، وفى الوقت الذي ظن فيه العدو أنه دخل التاريخ كله وأزال معالم الجريمة باحتلال كل الأرض الفلسطينية، فإن العنصر الفلسطيني في أزمة الشرق الأوسط تفجر على ساحة المنطقة كلها، وطالع العالم حياً، ثابتاً، راسخاً، صامداً، أقوى ما يكون.

        ولقد عرف الضمير الإنساني كله عن المأساة بعد النكسة أضعاف أضعاف ما كان يعرفه قبلها. وهذا في حد ذاته مكسب كبير.

ثانياً: إنه كان لابد بعد ذلك ترجمة هذا الأثر المعنوي الكبير بعمل مادي يعمق الالتزام الإنساني تجاه الحق الفلسطيني، ويرسخه، ليكون تأثيرا سياسيا واقعيا، يقدر على تحريك المواقف.

        إن الجمهورية العربية المتحدة فعلت الكثير في هذا المجال. وإذا كان يبدو الآن على الساحة العالمية معزولا ومداناً، فإن ذلك كان نتيجة جهد شاق وعنيف شاركنا فيه جميعاً. كل منا بقدر ما وسعته ظروفه ووسائله لله. وفي هذا الصدد، فإنني أعتز دون مفاخرة بنصيب الجمهورية العربية المتحدة في تحقيق هذه النتيجة التي سعت إليها بكل تكاليفها المادية والمعنوية، في وقت اكتفى فيه غيرها بالدعاوى أو الادعاءات التي لا تهزم عدوا بقدر ما تحرج صديقا. في حين أن ذلك آخر ما نريد.

ثالثاً: إنه كان لابد لكم- للثورة الفلسطينية- بعد ذلك، من أن تخترقوا بعملكم الإيجابي، وفى الميدان ضد العدو، أن تخترقوا المسافة الشاسعة بين الاعتراف بالحق من جانب العالم، والاضطرار إلى التسليم به كرهاً من جانب العدو. ولست أنكر أنكم فعلتم الكثير مما كان. وسوف يظل شرفاً للسجل النضالي العربي، بأي مقياس من المقاييس، لكنه ينبغي لنا جميعا أن نسلم بأنه كان في مقدورنا أن نفعل أكثر مما فعلنا، وعلى أي حال فذلك هو التقييم الأصيل الذي يصارح به المقاتلون أنفسهم به في سعيهم الدءوب إلى خدمة هدفهم الذي به يؤمنون، ومن أجله يعطون بغير قيود ولا حدود.

رابعاً: ولكى أكون منصفاً معكم، ومع الواقع، فلابد أن أقول إنه كانت هناك عقبات أمامكم. وأولى هذه العقبات أن الجبهة الشرقية التي كان مفروضاً أن تكون الثورة الفلسطينية قوة من قواها الضاربة، لم تقم قط وهكذا بقى جهد الثورة الفلسطينية وحيدا مكشوفاً ومعرضاً. وزاد على ذلك أن واجهت الثورة الفلسطينية مضاعفات في الموقع الذي هيأته الظروف ليكون قاعدتها الأساسية، وهو الأردن.

        ومع أني لا أريد- حرصاً على جهود أخوية كثيرة، أرجو لها أن توفق وأن تصيب- أن أخوض تفصيلات ما حدث إلا أنني لا أجد بديلا للعودة إلى الإلحاح. على أنه لا سبيل أمامنا جميعاً غير التنفيذ العملي والمخلص لاتفاقية القاهرة في سبتمبر سنة 1970، وما لحق بها بعد ذلك من ترتيبات إضافية في عمان. ولعله يجدر بنا، في هذا الصدد، أن نذكر أن اتفاقية القاهرة كانت آخر ورقة وضع عليها جمال عبد الناصر

توقيعه، وآخر عمل عظيم أنجزه، بل أنكم لتعرفون إنها كانت آخر خفقة في قلبه، قلبه الذي اتسع دواماً لكل آلام أمته، وهمته التي اتسعت باستمرار لكل آمالها.

خامساً: إن واجب الأمانة يقتضيني أن أضيف إلى ذلك، أن العوامل التي اعترضت وحدة الإرادة الثورية الفلسطينية، كان لها دور كبير فيما نعانيه الآن ونشكو منه، من أسباب القصور. وذلك شيء  لا نستطيع أن نداريه بالسكوت ولا أن نقبل به تحت أي من المعاذير والتعلات. إنكم طليعة الثورة في هذه الأمة. وأنتم من هنا الأولى بمواجهة الحقيقة. وكما قلت لكم، هذه لحظات حسم وقطع، وهذا، كما قلت أيضاً، جو الوضوح يحيط بنضالكم ويضفي عليه نوراً وجلالا أمام الضمير العالمي.

         وهذا عدوكم في حالة المعزُول والمُدان إنسانياً. وهذه مسئوليتكم أمانة تاريخ ومصير، ومعكم، كما قلت، تأييد أمتكم إلى آخر مدى، على أساس اتفاقيات القاهرة وعمان.

         وإذن ماذا نفعل. أجدني في النهاية واصلاً إلى الخلاصة التي أبتغيها من هذا الحديث. أجدني بالأخوة وبالمحبة وبهذه الوحدة الرائعة التي تصنعها رفقة السلاح والكفاح، أقول لكم، وحدة إرادة الثورة الفلسطينية فعل أي شيء آخر، بحق أمتكم هذا هو المطلب، بحق فلسطين هذا هو المطلب، بحق الله واهب الحياة والتي يريدها لنا قوية عزيزة شريفة، هذا هو المطلب. ذلك هو مطلب النصر الأول.

         ولكم أنتم أن تختاروا طريقكم إليه، ولكم أنتم أن تحددوا أسلوب سعيكم من أجله. لكم النصر بإذن الله.

         وليكن معنا عونه ورضاه لكي يتحمل كل منا في هذه اللحظات واجبه، شرفاً لهذه الأمة، وتكريماً لتاريخها، وحفاظاً على قدرها.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته...

 


المصدر: موسوعه مقاتل من الصحراء على شبكه الانترنت

 

Hosted by YallaHosting