فقرات رئيسيه من كلمة الرئيس أنور السادات، رئيس جمهورية مصر العربية
في لقائه بأساتذة الجامعات

القاهرة: 9 أكتوبر 1971
الأهرام، القاهرة: 10 أكتوبر 1971

بسم الله الرحمن الرحيم

أيها الإخوة والأخوات أعضاء هيئات التدريس بجامعاتنا ومعاهدنا العليا

        يسعدني أعظم سعادة أن ألتقي بكم في هذا المكان- جامعة القاهرة- أقدم جامعاتنا وخاصة في مثل هذا الظرف الذي تجتازه أمتنا وقضيتنا.

        ولا أكون مبالغاً إذا قلت إن أمة من الأمم لم تمتحن بمثل ما نمتحن به اليوم أبداً. لذلك لا أخفيكم جميعاً- أيها الإخوة والأخوات- إنني فكرت كيف أبدأ حديثي إليكم، عشرات المواضيع، عشرات القضايا، عشرات المشاكل أريد أن أضعها أمامكم كما تعودت دائماً أن أضع المشاكل أمامكم صريحة حتى نعلم حدود مسئوليات المرحلة التي نمر بها. إنه امتحان لإرادتنا، امتحان لنضالنا، امتحان لوحدتنا، وقبل كل شيء امتحان لإيماننا بالله سبحانه وتعالى، ثم بأنفسنا ثانياً.

        وسأحاول أن أضع أمامكم صورة حية صرحية لمعركة اليوم التى نعيشها بجميع أبعادها حتى نشترك جميعاً، وكما قلت لكم لابد أن نشترك جميعاً وعلى قدم المساواة في بناء الدولة الجديدة، وأن تنطلق فى نفس الوقت ملكاتنا جميعاً لكي ننجز البناء الجديد.

        ولعل أول شيء هو ما تحدثت به إلى الشعب قبل ذلك. فنحن أمام هزيمة وقعت في 5 يونيه. أبعاد هذه الهزيمة حقيقة ومتشعبة ومؤلمة، وقد تركت في نفس كل منا جرحاً عميقاً إلى هذا اليوم.

        إن ما يصح في حياة الأفراد يصح أيضاً في حياة الأمم. بمعنى أن الفرد الذي يتعرض في حياته لفشل أو هزيمة أو نكسة، إذا استطاع أن يلم شتات نفسه ويبدأ من جديد، نقول إنه فرد ناجح، ولا تخلو حياة عشرات الناجحين من مثل هذه الهزائم والنكسات واستطاعوا أن يلموا أنفسهم ويصلوا إلى ما يحلمون به.

        ويصح ذلك أيضاً في حياة الأمم، فقد تعرضنا لنكسة في 5 يونيه مريرة الأبعاد أليمة في كل جزئية منها. وقد يكون مصدر الألم أن أخطاءنا نحن هي التي جعلت من أبعادها الأبعاد العميقة التى جرحت ولا تزال تجرح كل منا في فؤاده. ولكننا لسنا أول من تعرض لمثل هذه النكسات، بل تعرضت لها قبلنا دول كبرى غيرنا كأمريكا في بيرل هاربر، وتعرضت لها إنجلترا في دنكرك، والاتحاد السوفيتي في عام 1941 إلى هزيمة

مريرة ووقع أكثر من ثلثي الجزء الذي به الصناعة الأساسية والزراعة في الاتحاد السوفيتي في أيدي الألمان، ولم تؤثر هذه الهزيمة على تلك الأمم أو أن تجعل منها أمما مستسلمة أو خائفة، بل نجد على العكس أن الاتحاد السوفيتي اتخذ من الهزيمة نقطة انطلاق، وأصبح الاتحاد السوفيتي إحدى القوتين الكبيرتين في العالم. وصح نفس الشيء بالنسبة لإنجلترا حتى فرضت شروطها على الغازي هتلر.

       لقد سقت هذه الأمثلة لكى أبدأ البداية السليمة معكم وأنتم أهل العلم.

       إنني أضعها أمانة في أعناقكم قبل أن تبدءوا عامكم الدراسي هذا العام.

       إن هذا العام ليس كما سبقه من أعوام. هذا العام يأتي ونحن نبني بناءً جديداً وندخل مرحلة جديدة كاملة في جديتها عن كل ما سبقها من مراحل.

       من أجل ذلك أردت أن أتحدث إليكم قبل أن يبدأ هذا العام الدراسي وقبل أن أسافر في الغد، وسأتحدث إليكم عنها عندما يأتي مجال هذا الحديث.

       أردت أن أتحدث معكم لأضع الصورة أمامكم كاملة متكاملة.

       هذا العام ليس ككل الأعوام لأننا قد بدأنا فعلا بصدور دستور مصر العربية في سبتمبر الماضي، بدأنا مرحلة جديدة كاملة في أهدافها ومنطلقاتها، وبالتالي المسئوليات التي تترتب على كل قطاع وعلى كل جهاز من أجهزتنا.

       أقول لكم وبين أيديكم شباب هذا البلد، أمله في المستقبل وأمله في إتمام المعركة التي نعيشها، هذه المعركة التي لن تنتهي لنهاية جيلنا الذي نعيش فيه، بل إنها معركة ممتدة.

       إن أساتذة التاريخ خاصة أدرى مني بما وقع من غزوات في المنطقة. فالغزوة الصليبية استمرت أكثر من 80 سنة، والغزوة الصهيونية التي نعيش جزءاً من معركتها الساخنة اليوم ستستمر بعد المعركة وعلينا أن نعد أنفسنا وأجيالنا المقبلة لكي نكمل المرحلة والمعركة من بعدنا. ومن هنا يجئ حمل المسئولية على أكتافكم.

       وحينما أتيت إليكم في آخر اجتماع لي معكم، كنت أتحدث إليكم في عام 69 عن الصمود السياسي والاقتصادي والعسكري، وأضفت في ذلك الوقت بعداً آخر هو الصمود الفكري وحملتكم أمانته.

       ومات جمال 1970 وكان علينا بعد جمال نحن الـ 25 مليوناً أن نحمل العبء على أكتافنا بالتساوي، لأن المعركة معركتنا جميعاً، لأنني كما وعدتكم ووعدت الشعب لن أستطيع أن أتحمل المسئولية وحدي، وإنما

بمشاركة حقيقية. ليست كلاما وشعارات. كل منا في موقعه أولا، ثم كل منا في الموقع القومي الكبير من أجل الوطن ثانياً.

       واليوم ونحن نبدأ مرحلة جديدة أقول لكم لقد تعدينا مراحل الصمود الأربع، وأصبح الصمود السياسي والاقتصادي والعسكري والفكري بدهية تجاوزناها، ونحن الآن بصدد بناء دولة حديثة. فمعركة اليوم التي نعيش الجزء الساخن منها قد تستمر أجيالاً من بعدنا.

       إن علينا أن نعد أنفسنا للمعركة الساخنة التي نواجهها، ولقد وصلنا هذه الأيام من أواخر عام 71 إلى نقطة حاسمة يتقرر فيها مصير هذه المعركة الساخنة، إن سلماً أو قتالاً.

       وقد أعلنت ذلك للشعب وللعالم كله، وقلت إننى لا أقول هذا من انفعال، وإنما بعد دراسة دقيقة ومفصلة لقضيتنا وهي الأساس. فإذا تركنا هذه السنة تمر، جاءت سنة 72 وفيها الانتخابات الأمريكية حيث تبدأ المزايدات بين الحزبين الأمريكيين من أجل من يعطي أكثر لإسرائيل. وفي نفس الوقت هناك امتحان صعب لنا، هل نحن على مستوى المسئولية وعلى استعداد لكي نتقدم لنحرر أراضينا، فنحن أمام اختبار لرجولتنا وشرفنا. وقد قالتها إسرائيل واضحة إنها لن ترحل عن الأرض، وأن من يريد التحرير فليتقدم.

       إنه إذا جاءت سنة 72 فستتحول قضيتنا إلى قضية مثل قضية روديسيا أو ناميبيا، ويصبح الاحتلال أمراً واقعاً. ولكني أقول بملء فمي إن سنة 71 سنة حاسمة إن سلماً أو قتالاً.

       إن علينا إذن أن نتحرك في الداخل، في البناء وفى السياسة وفي الاستراتيجية وفي العلم، فإن هذه الهجمة الصهيونية ستستمر أجيالا، ولكن علينا أن نبذل كل ما نستطيع لما سيأتي بعد ولمعركة اليوم لأنها تستهدف أرضنا وبلادنا ووطننا العربي.

       من هنا جاء ما أقوله لكم، فلابد أن نعد أنفسنا لأجيال مقبلة، ولابد أن نبني دولة حديثة كما بنى الاتحاد السوفيتي بلده بعد عام 41 حتى أصبح لا يستطييع أحد أن ينال منه، ولابد أن نعطي هذا البناء أهمية توازي تماماً الأهمية التي نعطيها للمعركة التي نعيشها اليوم.

       إن هذا العام يمثل عهداً جديداً بمسئوليات جديدة فنحن لا نريد أن نكون أسرى لانفعالات الساعة بل نريد التصرف ونعيش العصر الذي نحياه ونعرف معركة اليوم ومعركة الغد، وما هي التوقعات بعد ذلك.

       نريد أن نحول حياتنا من ارتجال وانفعال وعاطفة إلى علم وحقيقة، وأسلوب العصر الذي نعيش فيه. من أجل ذلك تبدأون هذا العام بناء دولة العلم والإيمان وبين أيديكم شباب هذا البلد الذي سيواجه مسئوليات المرحلة المقبلة.

أريدكم أن تبدءوا بداية جادة جديدة على كل المستويات.

        كيف تكون هذه البداية؟.

        فلنأخذ القرارات الأخيرة فقد أعدنا بها بناء الدولة في أقل من ستة أشهر، وأنجزنا دستور مصر العربية ودستور اتحاد الجمهوريات العربية، وبرنامج العمل الوطني لعشر سنوات قادمة، ويجري وضع الخطة التنفيذية له على مرحلتين، كل منها خمس سنوات وستعرض على المؤتمر القومي في فبراير القادم بالتفصيل.

        إن الفلسفة التي تحكمنا في كل ما تم هو الانطلاق من هزيمة 5 يونيه لإعادة البناء. ففي الصناعة حررنا الوحدات الإنتاجية تحريراً كاملاً وأعطيت الوحدات الإنتاجية سلطة مطلقة لتحقيق أهدافها. وفي الزراعة تحررت الزراعة بعد أن كانت عشرات الآلاف من أفدنه الأراضي المستصلحة نصرف عليها بدلاً من أن ترجع للدولة تعويضاً لما صرف عليها، وستدار إدارة علمية، ووضع المهندس سيد مرعي مشروعاً بتقسيم هذه الأراضي إلى وحدات إنتاجية ذات أهداف محددة تنطلق في حدودها وتسأل في نفس الوقت عن أهدافها.

        إن سيادة الدولة ضرورة لمواجهة مسئوليات اليوم ومسئوليات المرحلة المقبلة، وكل إنسان عليه احترام سلطة الدولة تحت مبدأ واضح لا لبس فيه ولا غموض وهو سيادة القانون. طالما أن كل إنسان منا آمن على نفسه وكرامته ومستقبله وأوضاعه، إذن لابد من احترام سلطة الدولة.

        وإذا كان القانون لا يحقق ما نريد فلنتقدم بالتشريعات اللازمة ولنشترك جميعاً في مناقشتها. ولكن المبدأ الثابت هو سيادة القانون، فكل إجراء لابد أن يكون له قانون، ولن تكون أقدار الناس أو أمنهم أو حياتهم أو مستقبلهم تحت تهديد أو تحت لبس أو غموض.

        نحن نستورد بأكثر من 100 مليون جنيه مواد تموينية.

        لقد أنشأنا البنك الدولي للتنمية والتجارة لينال نصيبه المشروع من العمولات ونعطي فرصة للمستثمرين العرب، وقد طلبوا منا فعلاً المساهمة ووافقنا وبدأ الاكتتاب فعلاً.

        لقد خطونا خطوة ثورية، فمن يوم 25 أكتوبر سيجتمع لأول مرة في تاريخ مصر مجلس شعبي في كل محافظة يحاسب المحافظ ورؤساء المصالح، علاوة على القوانين الأخرى التي صدرت، وهذه هي المعالم الرئيسية بالنسبة لكم كجامعات.

        ما هي نقطة الانطلاق، نقطة البداية بالنسبة لكم وفي أيديكم مستقبل شباب هذا البلد، أريد كما بدأنا الانطلاق في كل فروع الدولة أن نبدأ انطلاقاً فى جامعاتنا.

أريد من كل جامعة أن تكون وحدة كاملة متكاملة، وتصطنع لنفسها ما تراه وما تريد. لقد ألغينا الحرس الجامعي لأني لا أريد أن أتخذ أي إجراء إلا بالأسلوب الجامعي الذي يراه أهل الجامعة.

        الجامعة وحدة كاملة، أساتذتها، طلبتها، والعاملون بها يبحثون عن أقصر طريق لبناء الدولة الحديثة ويتفقون فيما بينهم وتتخذ ما تراه من إجراءات، فعلى كل جامعاتنا أن تضع كل منها لائحتها كما تشاء وكما تريدون من أجل الهدف الأكبر لبناء دولة العلم والإيمان، وليشعر كل مواطن بالمشاركة الحقيقية الفعلية والواقعية.

        وبالنسبة لما تم إنجازه في ستة أشهر، فقد كونت أجهزة أعطيتها سلطة كاملة، ثم أتركها تنطلق، ولم يكن ما تم يمكن إتمامه قبل سنوات. يمكن أن ننجز المعجزات عندما ننطلق، والخطأ مسموح به ولكن الخطأ غير المقصود. وبالتأكيد فإن 90 في المائة مما سيتم سيكون معجزات.

        كل جامعة وحدة كاملة متكاملة في بناء مصر الجديدة بأساتذتها وهيئات تدريسها وطلبتها تختار الطريق والأسلوب واللائحة، وسأكون أسعد إنسان يوم تتميز كل جامعة بطابعها وأسلوبها تحقق به أقصر طريق نحو هدفنا الكبير بلا قيد ولا شرط انطلاقة حقيقية وليست شعاراً.

        إنه ليس هناك مجال لهذا في المرحلة القادمة، لن يتم شيء في الظلام ولم يعد هناك مراكز قوى ولا شلل. كل شيء يتم بوضوح وفي النور. إن أي كلمة تصدر أستاذ أو معيد قد يكون لهذه الكلمة إيحاء للطالب بشكل معين. وإنني أحكي هذه القصة الطويلة لكي تكونوا الخلفية التي توحون بها لأجيالنا المقبلة، لأنها عجينة في أيديكم لبناء المستقبل على غير ما تعارفنا عليه في الماضي من شعارات.

        أولادنا ما زالوا عاطفيين، اسحبوهم للواقع ليتعودوا الخروج للحياة العملية مستندين إلى الواقع وليس على انفعال، لكي نخرِّج أجيالاً ناضجة تتعود على الدراسة ونظرة الشمول ويعرفون كل الأبعاد، ليبقى كل منهم نظرة شاملة وليست جزئية أو محدودة.

        إن أمتنا مصر تواجه أصعب امتحان يمكن أن يواجه أي أمة في تاريخ حياتها، وحالنا في معركتنا أن أولاد عمومتنا من إخواننا العرب يعطوننا المساعدات، كما أن الاتحاد السوفيتي يساعدنا منذ قيام ثورة 23 يوليه، وأنا أتكلم مع أمريكا ومسافر رحلة روسيا، وكما تعودنا دائماً وكما سرت معكم منذ عام ستكون الحقائق كلها واضحة أمامكم. وهنا قوتنا وهي وحدتنا، فنحن ندخل المعركة ونحن نعرف إمكانياتنا، ويجب أن تظل إرادتنا حرة من كل قيد.

 في عنقكم أمانة وهي الأجيال القادمة وبلدكم يمر بأدق مرحلة في تاريخه. المسئولية كبير وخطيرة، وعلينا أن نبدأها من منطلق هو أننا أحرار منطلقون كل في مكانه، آمنون كل منا آمن فى عمله وعلى رزقه ومستقبله، ننطلق من أرض صلبة.

        كل ما أطلبه هو أن تضعوا لأجيالنا المقبلة خطوطاً جديدة وتفكيراً جديداً، فقد كنا نتحدث في عام 68 عن التغيير، وقد بدأ التغيير وبين أيديكم أجيال هذا البلد المعركة اليوم وللمعركة المقبلة.

        أرجو الله أن يهبكم الحكمة لما نحن مقبلون عليه من مسئوليات وكل منها عليه أن يتحمل مسئوليته بالتساوي حتى ننجز ما نريده لوطننا من بناء شامخ وأمن وطمأنينة ورخاء لكل مواطن ولكل ما نحلم به من آمال.

 


المصدر: موسوعه مقاتل من الصحراء على شبكه الانترنت

 

Hosted by YallaHosting