خطاب الرئيس أنور السادات، رئيس الجمهورية العربية المتحدة
في مأدبة أقيمت تكريماً له بمناسبة زيارته للاتحاد السوفيتي
وحضرها الزعماء السوفيت

موسكو: 12 أكتوبر 1971
الأهرام، القاهرة: 13 أكتوبر 1971

الصديق العزيز الرئيس بودجورني

الأصدقاء الأعزاء الرفيق بريجنيف، الرفيق اليكسي كوسيجين

أيها الأصدقاء

       أرجو أن تسمحوا لى أن أعبر باسمي ونيابة عن الوفد المرافق لي عن صادق الشكر والتقدير عن مشاعر الصداقة والحفاوة التي أحطتمونا بها منذ اللحظة الأولى لوصولنا إلى بلدكم العظيم، وأن أوجه الشكر من خلالكم إلى شعوب الاتحاد السوفيتي الصديق، الذي يحمل له شعبنا كله تقدير وحب وإعزاز.

       إن زيارتنا هذه تأتي امتداداً لزيارات كانت هنا على أرض الاتحاد السوفيتي، وهناك على أرض جمهورية مصر العربية واستطاعت هذه الزيارات والاتصالات الشخصية التي تمت خلالها أن تلعب دوراً هاماً لتعميق الصداقة بين الشعبين وفي تنمية العلاقات وتعميقها وشمولها، على أساس من الفهم المشترك والثقة المتبادلة. وكان اللقاء بيننا دائماً ومنذ أن رسم القائد الخالد جمال عبد الناصر طريقه، طريق اللقاء بين المبادئ ولقاء بين الأحرار، يدفع بصداقتنا دائماً إلى الأمام، حتى توجت بزيارتكم إلى القاهرة في شهر مايو الماضي، والتي وقعت خلالها معاهدة الصداقة والتعاون بين الجمهورية العربية المتحدة واتحاد الجمهوريات السوفيتية الاشتراكية. هذه المعاهدة التي جاءت تقنيناً لمرحلة سبقت لترسم الطريق إلى مرحلة مقبلة تتأكد فيها الصداقة والتعاون بين الشعبين أكثر فأكثر، وتبرز فيها هذه الصداقة وثمار نجاحاتها للعالم كله، لتكون دائماً النموذج الحي لما يمكن أن تحققه العلاقات الشريفة المتكافئة بين الشعوب التي تناضل من أجل المثل العليا التي يجب أن تسود البشرية عدلاً وسلاماً وأمناً ورفاهية لكل شعوب الأرض قاطبة.

الصديق العزيز الرئيس بودجورني،

أيها الأصدقاء الرفيق ليونيد بريجنيف، الرفيق اليكسي كوسيجين

        إن طريق المبادئ التي تجمعنا معاً والتي نعمل من أجلها معاً طريق شاق وطويل تحف به المصاعب والعقبات، وكلنا نؤمن معاً أن الآمال الكبيرة لا تتحقق إلا بالتضحيات الكبيرة. وقد أعطت شعوبكم العظيمة المثل عندما قدمت الملايين من أبنائها عطاء للمبادئ ووقفت شعوبكم بعد انتصارها الكبير على الهجمة

النازية البربرية لتؤدي دورها ومسئوليتها الكبرى لتأمين الحرية والسلام أمل البشرية كلها وغاية نضالها. وأعطيتم بغير قيد أو شرط تأييدكم الكامل ومساندتكم الكاملة لحركات التحرر الوطني والتقدم الاجتماعي في العالم كله.

        وكان هذا موقف شعوبكم منا أيها الأصدقاء الأعزاء، وسيظل شعبنا يذكر بالوفاء والتقدير الدور الكبير للاتحاد السوفيتي في مساندة حركة التحرر الوطني والتقدم الاجتماعي على أرض مصر القاعدة والمنطلق لحركة الثورة العربية التحررية كلها.

        إن شعبنا الذي قطع الطريق شاقا وطويلاً مصمم على أن يكمل مسيرته وأن يتحمل تضحيات الطريق ومسئولياته، فإذا كان شعبنا يتعرض اليوم لأقسى التحديات لمواجهة الغزوة الصهيونية الإمبريالية التي تستهدف فرض سيطرتها على الأرض العربية كلها عن طريق ضرب حركة التحرر الوطني والاجتماعي في مصر وعزلها والقضاء عليها لتقضي من بعدها على حركة التحرر العربي كلها.

        إن شعبنا قد صمم على أن لا يستسلم أبداً وهو يقدر مسئولياته التاريخية المصيرية في هذه المعركة الضارية، ليس فقط نحو أرضه وأجياله الحاضرة والمستقبلة، ولكن نحو الحرية ومصيرها في هذه المنطقة من العالم ونحو علاقاته لكل قوى الحرية والسلام في العالم.

        إنه بهذا الفهم الواضح للأمور جئنا إليكم لنتشاور معكم وقد وقفتم معنا في أحلك الأوقات وأقساها شدة وألماً ومعاناة على شعبنا. وأن العدو الصهيوني لازال في إصراره على احتلال الأرض منذ أكثر من أربع سنوات، وأن الولايات المتحدة الأمريكية وهي إحدى القوتين الكبيرتين في العالم تساند هذا العدوان وتؤيده بكل الوسائل، وهي ماضية في تنفيذ سياستها المرسومة التي تتمثل في ضمان استمرار التفوق في السلاح لتمكين إسرائيل من استمرار احتلالها للأرض العربية وتحقيق مخططها التوسعي على حساب الأرض العربية والإنسان العربي.

        إن إسرائيل اعتماداً على هذا التفوق العسكري تمضي في تبجحها وتحديها للرأي العام العالمي واستهانتها لكل القيم الدولية بإعلانها عن نيتها بالبقاء في الأراضي المحتلة.

        لقد أعلنا في كل مناسبة أن طريق السلام واضح ومحدد وهو تنفيذ قرار مجلس الأمن رقم 242 والانسحاب من جميع الأراضي العربية المحتلة واحترام الحقوق المشروعة لشعب فلسطين، وكان إيماننا أن السلام في العالم لا يمكن أن يتجزأ وأن مصلحة كل شعوب العالم أن يعود السلام إلى الشرق الأوسط، ذلك لأن استمرار التوتر الراهن إنما يضر بمصالح كل هذه الشعوب ويهدد قضية السلام في العالم. ولقد بذلنا من جانبنا كل جهد ممكن للوصول إلى حل سلمي ولم نترك مبادرة للسلام إلا اشتركنا في دفعها والاستجابة إليها  وأغلقت إسرائيل الأبواب كلها أمام أي حل سلمي.

إن كل يوم يمر على احتلال الأرض العربية يخدم المخطط الصهيوني الإمبريالي لفرض سياسة الأمر الواقع على احتلال الأرض العربية.

         لقد كان اقتناعنا أن القوة، والقوة وحدها هي سبيل الضغط على إسرائيل والقضاء على العدوان الساخن الواقع على أرضنا، وأن القوة وحدها هى السبيل لمواجهة أي عدوان محتمل يقع على أرضنا من جانب إسرائيل التي تمثل بقعة العدوان التي أقامها الاستعمار في الأرض العربية.

         وبهذا الفهم والاقتناع تمت التغييرات التي جرت في مصر في الفترة الأخيرة لتكون قوى الشعب العاملة أكثر وحدة وأكثر قدرة على تحمل عبء المعركتين معاً معركة التحرير ومعركة البناء الاجتماعي، بناء الدولة القادرة على مواجهة التحدي الطويل الذي تمثله الهجمة الصهيونية التي تتربص بكل عود أخضر ينبت على أرضنا، وكانت الخطوة القومية التي تحققت بقيام اتحاد الجمهوريات العربية بين جمهورية مصر العربية والجمهورية العربية السورية والجمهورية العربية الليبية، كانت خطوة على طريق القوة العربية لتكون الأمة العربية قادرة على مواجهة تحديات العصر. من أجل هذا أيضاً كان برنامج العمل الوطنى الذي أقره المؤتمر القومي العام للاتحاد الاشتراكي العربي في شهر يوليه الماضي والذي يستهدف مضاعفة الدخل القومي في عشر سنوات، والذي يجري العمل الآن لإعداد خططه التنفيذية ليبدأ الشعب المصري عملية انطلاق واسعة تعتمد على عملية تنمية اشتراكية محققة يشترك فيه الجميع ويكون الجميع مسئول عنها.

         إننا بهذا الفهم والاقتناع جئنا لنتشاور معكم في هذا الموضوع الخطير الذي يتحتم علينا أن نواجه بكل الحسم تفادياً للآثار الوطنية والدولية الخطيرة التي تترتب على استمراره.

         لقد كانت شعوب الاتحاد السوفيتي معنا دائما الصديق في أوقات الخير والشدة، وشعبنا يؤمن أنها ستكون معنا في الوقت الذي يتغير فيه مصيرنا ومصير الحرية على أرضنا وعلى الأرض العربية كلها، وهذا إيماننا بموقفكم وموقف كل القوى الاشتراكية، وموقف كل الشعوب المحبة للحرية والسلام.

         وأرجو أن تسمحوا لي باسم اللجنة المركزية للاتحاد الاشتراكي العربي وباسم الحكومة والشعب المصري أن أشكر لكم كلماتكم الرقيقة ومشاعركم العظيمة التي عبرت عنها هذه الكلمات، وأن أعبر في هذه المناسبة للاتحاد السوفيتي العظيم شعوباً وحزباً وحكومة عن التقدير والحب والإعزاز وأدعوكم أن نشرب نخب الأصدقاء الأعزاء الرئيس بودجورني، الرفيق بريجنيف، الرفيق اليكسي كوسيجين، ونخب جميع الأصدقاء الذين شاركونا هذا الحفل العظيم ونخب الصداقة العربية السوفيتية الدائم.

 


المصدر: موسوعه مقاتل من الصحراء على شبكه الانترنت

 

Hosted by YallaHosting