خطاب الرئيس أنور السادات، رئيس جمهورية مصر العربية
في افتتاح المؤتمر الشعبي الفلسطيني
والدورة العاشرة الاستثنائية للمجلس الوطني الفلسطيني

القاهرة، 6 إبريل 1972
جريدة "الأهرام ": العدد الصادر في 7 أبريل 1972

بسم الله،

أيها الاخوة

        مرة أخرى التقي بكم في مؤتمر من مؤتمراتكم الكبيرة التي تختارون لها القاهرة عادة مقراً وبيتاً. ولا أظن أن ذلك يجئ بمحض مصادفة. كما أني لا أعتبره قصداً مقصوداً، وإنما هي طبيعة الأشياء.

        إن نضال الشعب الفلسطيني ونضال الشعب المصري كانا دائما عبر قرون ممتدة من التاريخ نضالا متصلا. ثم جاء القرن العشرون ليجعل هذا النضال قضية مشتركة بل قضية واحدة والمشهد الذي يراه العالم أمام عيونه الآن أكبر دليل. أنتم ونحن طلائع الشطر الأول من وقفة أمتنا أمام أعدائنا. أنتم ونحن الأكثر تعرضا لشراسة العدو وهو يحاول تنفيذ مخططاته العدوانية. أنتم ونحن كتب علينا أن نتحمل وأن نصمد وأن نعيش أصعب الظروف، أنتم ونحن مسئولون عن اجتياز هذه الظروف الصعبة والخروج منها إلى الآفاق الواسعة للآمال الوطنية والقومية.

        أنتم ونحن لاسبيل أمامنا غير القتال- أنتم ونحن ليس أمام كل منا طريق منفرد. طريق شعب مصر هو نفس طريق شعب فلسطين، وطريق شعب فلسطين هو طريق شعب مصر.

        كان تاريخنا مشتركا. وكان نضالنا متصلا وأقدارنا اليوم واحدة.

أيها الإخوة،

        لقد رحبت في فرصة أن أحضر إلى هذا المؤتمر لأتحدث معكم عن هذه الرابطة العضوية والحيوية التي تجمع ما بيننا والتي تضم معنا أكثر ما تضم دول اتحاد الجمهوريات العربية، الجمهورية العربية الليبية والجمهورية العربية السورية وتجمع حولنا قوى عربية أخرى من قوى هذه الأمة الواحدة تاريخاً ونضالاً ومصيراً. رحبت بهذه الفرصة لكي نتحدث معكم فيما نواجهه واعتقد أن ما نواجهه اليوم هو ظرف من أخطر ما واجهنا في تاريخنا.

 إننا لا نواجه موقفا بالغ الصعوبة فحسب ولكننا نواجه مع الموقف الصعب حملة نفسية تحاول أن تحقق في أعصابنا ما لم تستطع أن تحققه على أرضنا. حملة نفسية تحاول أن تشكك العربي في العربي، والصديق في الصديق، بل والإنسان فى نفسه.

        وفي اعتقادي أن هذا أخطر ما يواجهنا في هذه المرحلة، لذلك فإنني رحبت بهذه الفرصة لكي نتذاكر معا فيما يواجهنا ولكي نعيد التحديد والتأكيد مرة أخرى. وإذا أذنتم لي فإنني أريد أن أطرح أمامكم النقط الآتية:

أولاً: لنكن جميعا على بينة من أننا سوف نقابل دفاعا عن حقوقنا وحقوقكم.

        إن هذا البلد الذي لى شرف التحدث باسمه سوف يقاتل، سوف يقاتل، سوف يقاتل في البر والبحر والجو، سوف يقاتل على الجبهة، من بيت لبيت إذا أدى الأمر. سوف يدفع الضريبة كاملة بالدم والنار وفاء لحق الحرية وتكريما لشرف الأرض.

        إننا سوف نقاتل، وإنكم سوف تقاتلون، فلتعرف الدنيا كلها ذلك، وليعرف الصديق والعدو.

ثانياً: إن هذا الوطن المصري لن يسمح لأي من كان بالتفريط في  حقوق شعب فلسطين ولحقوق شعب فلسطين جانبان: الحق التاريخي للشعب الفلسطيني، والحقوق السياسية الراهنة للشعب الفلسطيني.

        إن فلسطين لن تضيع، ثم إن الحقوق السياسية الراهنة للشعب الفلسطيني لن تكون موضع مساومة.

        إن الحق التاريخي للشعب الفلسطيني يكمن في شرعية إن يكون لهذا الشعب حق تقرير مصير. والحقوق السياسية الراهنة تكمن في ضرورة إزالة العدوان من الأرض التي احتلها العدو بعد سنة 67 في الضفة الغربية والقدس وغزة.

ثالثاً: إنه بالنسبة لهذا الوطن فإن التمثيل الشرعي الوحيد الذي يُعترف به لشعب فلسطين هو المقاومة المشروعة هو انتم. إن شعب فلسطين لن يمثله أي من كان في أسواق الرقيق السياسي. ولكن شعب فلسطين يمثله اليوم وسوف يمثله غداً حملة السلاح دفاعاً عن وجوده وعن حريته وعن حياته وعن إرادته.

رابعاً: إن مجرد استمراركم في حمل البندقية تجسيد صحيح وسليم لشعب فلسطين وليس لكم أن تعبأوا بالذين يحاولون من تقليل قيمة مجرد التواجد المسلح لشعب فلسطين. إن هذا التواجد المسلح في حد ذاته بصرف النظر عن أية أعمال تقومون بها هو رمز يجب أن تحرصوا عليه وأن نحرص عليه جميعا.

  ومع ذلك فإنكم لا تحملون السلاح كمجرد رمز وإنما تقاتلون به فعلا. ولقد تابعت الأمة العربية كلها قتالكم على الأرض اللبنانية أخيرا. وهي إذ تقدر لكم وقفتكم لا تنسى الإشادة بالوعي اللبناني الذي لم يسمح لمخطط العدو، وكان يستهدف الوقيعة بين الشعب اللبناني وبينكم، أن يحقق هدفه.

أيها الإخوة،

        إن تحديات كل يوم تفرض علينا وعليكم وليس لنا أن نترك ذرة من شك تدخل قلوبنا أو عقولنا.

        إننا واجهنا جميعا في الفترة الأخيرة ذلك المشروع الذي يحمل اسم الملك حسين وهو في الحقيقة من وضع الجنرال آلون. إن ذلك المشروع قصد به أن تنسف القضية الفلسطينية من أساسها، ولكن ذلك السهم سوف يطيش كما طاشت سهام أخرى وجهت إلى الأمة العربية من أعدائها.

        لكننا إزاء هذه السهام لا يجب أن نقف ساكتين. إن مسئوليتكم قد تضاعفت وكانت مسؤولياتكم دائما كبيرة ولكنها اليوم أكبر عشرات المرات حتى تستطيعوا أن تواجهوا وأن تحبطوا وأن تفرضوا الحق الذي لا حق سواه.

        وأول مسئولياتكم اليوم الوحدة فيما بينكم، وأكبر مسئولياتكم اليوم صلة لابد أن تتوثق مع أهلكم في الأرض المحتلة.

        وأبرز مسئولياتكم اليوم محاولة لانسجام أكبر على العمل العربي الموحد.

        بغير الوحدة فيما بينكم فلسوف يظل أعداؤكم يركزون لعبتهم في خلافات سطحية لا قيمة لها.

        وبغير صلة عريضة وعميقة مع أهلكم في الأرض المحتلة في القدس وفي الضفة الغربية وفي غزة التي يحمل لها شعب مصر مسئولية خاصة ومحددة فإن صوتكم يفقد الكثير من قوته.

        وبغير انسجامكم مع العمل العربي الموحد شرط التزامه الصريح بأهدافه النضالية فإنكم في خطر العزلة.

أيها الإخوة،

        إن أمتنا العربية يجب أن تحدد لنفسها موقفاً صريحاً تجاه ما يسمى مشروع الملك حسين.

 نحن نرى أن ذلك المشروع الذي قصد به إفراغ القضية الفلسطينية من مضمونها، خروج من الخط العربي لا يمكن قبوله، وإذا كنا سنقابله بمجرد الكلمات فمعنى ذلك أن أشرف أهداف نضالنا معروضة للبيع والشراء كما يشاء الأعداء أو كما تشاء الأهواء.

        وفيما يتعلق بجمهورية مصر العربية فإننا الآن نقوم بمشاورات واسعة بغية تحديد مواقف موحده تجاه هذا الخروج على الخط العربي.

        وحتى يتم ذلك ونجد الوسائل والخطى التي يجب أن نتحرك من خلالها فإن جمهورية مصر العربية قد قررت قطع كل علاقاتها مع النظام الأردني. إن هذا الإجراء ليس موقعا ضد الشعب الأردني، فهو دائما الصديق والشقيق، ولكن هذا الإجراء موجه بالدرجة الأولى إلى خروج لا شك فيه على أبسط ضمانات وحقوق النضال العربي.

أيها الإخوة،

        إننا اتخذنا هذا القرار وما يترتب عليه من إجراءات مكرهين. ويعلم الله- إننا أكثر حرصا على شعب الأردن والأكثر اهتماما بجبهته مع العدو، وهي فتحة تمتد على أكثر من خمسمائة كيلومتر مع العدو، لا نستطيع أن نترك التآمر يصل إلى غايته وتتحول أرض الأردن إلى ثغرة وتتحول خطوطه التي أردناها جبهة من جبهات قتالنا إلى بوابة تسلل وإلى جسور مفتوحة.

أيها الإخوة،

        ليس أمامنا إلا تحمل مسئولياتنا وليس أمامنا إلا تقبل المخاطر وليس أمامنا إلا الرضا بالطريق الصعب لكنه ليس أمامنا أيها الإخوة بديل عن الوصول إلى هدفنا وهدفنا أيها الاخوة أرض عربية حرة وحق عربي مردود إلى أصحابه.

والسلام عليكم ورحمة الله.

 


المصدر: موسوعه مقاتل من الصحراء على شبكه الانترنت

 

Hosted by YallaHosting