خطاب الرئيس أنور السادات في الاحتفال بذكرى المولد النبوي الشريف

القاهرة، 25 إبريل 1972
جريدة "الأهرام" : العدد الصادر في 26 إبريل 1972

أيها الإخوة،

      بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على سيدنا محمد أشرف المرسلين وصاحب الذكرى الأمين.

أيها الاخوة،

      حين نلتقي اليوم لنحتفل بذكرى مولد الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم علينا أن نقف قليلا لنتأمل. نتأمل الفترة التي نعيشها اليوم فترة امتحان رهيب امتحان أول ما يكون لإيماننا، وامتحان لصلابتنا، امتحان لإيماننا، فلقد حملنا الأمانة أمانة الرسالة المحمدية. ولكننا نمتحن اليوم أشد امتحان يمكن أن نتعرض له في حياتنا. أنهم يريدوا أن يزلزلوا إيماننا، حرب نفسية علينا قوامها أننا لا نستطيع أن نواجه الإسرائيليين. وأن علينا أن نستسلم لهم ولشروط أمريكا حملة يأس أن ايأسوا فلا مكان لكم بعد اليوم إلا بالاتفاق مع إسرائيل وأمريكا والخضوع لشروطهم ونسى كل هؤلاء نسيت أمريكا ونسيت إسرائيل أننا حملة رسالة محمد صلى الله عيه وسلم. نسوا أن محمد صلى الله عليه وسلم حبس هو وأهله سنين ولم يستسلم أوذي اعتدى عليه حاولوا كل المحاولات لزحزحته عن أهداف رسالته ولكنه صمد إلى أن أذن الله سبحانه وتعالى له بالهجرة، فهاجر، وأتم رسالته، وحارب واستبسل وصمد وقاوم، إلى أن تحققت دعوة الحق، دعوة الإيمان، دعوة الإسلام، إلى أن ارتفعت راياتها بعد ثلاث وعشرين عاما. ينسى كل هؤلاء أمريكا وإسرائيل وما شابههم أننا نحمل نفس العقيدة، نحمل الرسالة اليوم وأمانتها وأننا في سبيل حريتنا وفي سبيل إعلاء كلمة الحق، والحرية، والإيمان، لن نتزلزل. لن نحيد عن موقفنا. لن تنال منا أمريكا ولا إسرائيل. قد يكون لديهم من السلاح الشيء الحديث ونحن نستورد أيضا الشيء الحديث. ولكن الأمر في أساسه ليس أمر السلاح وأنما هو أمر الفرد المؤمن نحن نؤمن بأن الله سبحانه وتعالى معنا، نحن نؤمن بأن الحق معنا نحن نؤمن كما قال لنا الله سبحانه وتعالى أننا خير أمة أخرجت للناس. نحن نؤمن بما أوصـانا به الله سبحانه وتعالى في كتابه وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم.

      سنصبر.. سنصبر صبر المؤمن.. المؤمن القوي وليس المؤمن الضعيف، سنصبر صبر المؤمن القوي ونحن نعد الآن بكل ما نملك.. وبكل ما نستطيع لكي نخوض معركة الشرف.. انه قدر علينا.. وقدر علينا أن نحارب هذه المعركة كي نحرر أرضنا.. كى نحرر إلى جانب أرضنا أولى القبلتين وثالث الحرمين. يعتقد البعض أنهم يستطيعوا أن يساوموا ولكن القدس، وأولى القبلتين ليست ملكا لفرد وإنما هي ملك لنا

جميعاً.. الأمة الإسلامية ولا يستطيع فرد أن يقرر مصير أولى القبلتين لمجرد أن خانته الشجاعة.. أو خارت قواه.. لا هذه مسئوليتنا نحن والله سبحانه وتعالى يقول لنا وإن هذه أمتكم، أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون ويعود فيكررها وإن هذه أمتكم، أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون تكراراً وتأكيداً لا يستطيع فرد أبدا أن يقرر مصير أولى القبلتين وثالث الحرمين.

        سنستعيدها بإذن الله من أولئك الذين قال فيهم كتابنا كتبت عليهم الذلة والمسكنة منذ متى كانوا ذوو شأن إلا بعد أن وقفت وراءهم قوى الاستعمار ولكن لن تستطيع قوى الاستعمار أن تتحدى إرادة الله .. لا يمكن مهما كان.

        إننا نعد لهم أيها الإخوة.. ولكن كما قلت لكم من قبل علينا بالصبر والصمت صبر المؤمن.. صمت الواثق.. علينا بالصمت والصبر لكي نعد أمرنا فلا محالة من المعركة ولا مناص من المعركة لكي نحرر أرضنا ولكي نثبت للعالم كله شرقه وغربه أننا أمة نستطيع أن ندافع عن حقنا.. نستطيع أن نسترد أرضنا إننا أمة قد تلحق بنا هزيمة يوم من الأيام نخسر معركة ولكننا لا يمكن أبداً أن نخسر مصيرنا ولا نخسر نفوسنا ولا أن نخسر إيماننا.. أبداً لن تستطيع قوى الأرض مجتمعة أن تجعلنا نخسر نفوسنا أو أن نخسر إيماننا.

        نريد أن نقول لكل هؤلاء إننا نصبر الآن.. صبر وصمت.. صبر المؤمن.. وصمت الواثق حتى تأتي الساعة ولن تكون بعيدة إن شاء الله.

أيها الإخوة:

        في هذه الذكرى علينا أن نتأسى بحياة رسولنا صلى الله عليه وسلم جاهد وكافح وصبر وأوذي ولكنه لم يتخل أبداً عن رسالته لم تلن له قناة لم يحد أبداً عن طريق الحق عن طريق الإيمان. علينا أن نتأسى في هذه المرحلة العصيبة التي نمتحن فيها أشد امتحان اليوم نتأسى بصاحب هذه الذكرى عليه الصلاة والسلام نصبر ونصمت ولكن في عزم وإصرار حتى نحقق بعون الله لشعبنا ولامتنا كل ما نريده إن شاء الله ويعود أولئك الذين ظنوا أنهم يستطيعون أن يعربدوا في المنطقة العربية وأن يعربدوا في هذه المنطقة من العالم لأن دولة استعمارية كبرى كالولايات المتحدة تحميهم.

        نصبر ونصمت ونعد إلى أن نثبت لهم أننا لن نقبل الضيم وسنحرر أرضنا بعون الله، مهما كانت التكاليف، مهما كانت المشاق. مهما كان الأذى. ولكن على إسرائيل أن تعلم تمام العلم أنها ستدفع الثمن مضاعفاً هذه المرة.

   انهم يتحدثون عن المفاوضات المباشرة اليوم ولقد جاوروا محمداً عليه الصلاة والسلام في المدينة جاوروه وفاوضهم وتعاهد معهم، ولكنهم في النهاية أثبتوا أنهم أهل خسة وخيانة وغدر يوم أن تحالفوا مع أعدائه لضربه في المدينة ولضربه في الداخل. فكان أروع ما فعل نبينا محمد صلى الله عليه وسلم أن أجلاهم عن الجزيرة العربية بأكملها.

       هذا ما فعله رسولنا. لن نفاوضهم مفاوضة مباشرة. نحن نتأسى نحن نعرف تاريخنا ونحن نعرف تاريخهم مع رسولنا من قبل. انهم قوم خسة وغدر قوم متآمرون قوم جبلوا على الخيانة.

       أنا أعلنها هنا وفي هذه الذكرى إن أحلامهم التي يتكلمون عنها اليوم ونشوة غرور النصر الذي ظنوا أنهم حصلوا عليه في سنة 67 وسيحصلوا عليه إلى الأبد. أقول لهم في هذه الذكرى ومن هذا المكان لن نتنازل عن شبر من أرضنا ولن نفاوض إسرائيل تحت أي ظرف من الظروف، ولن نساوم على حق من حقوق شعب فلسطين بل أنني أعاهدكم.

       في العام الماضي ومن هذا المكان عاهدتكم عهداً وقلت لكم إنني إلى أن تأتي الذكرى المقبلة ستكون هناك مظلة للتأمينات أي أن أي مواطن في بلدنا لا يصل إلى سن الشيخوخة ولا يجد من الدولة معاشاً له.. واليوم كما قرأتم مضى هذا المشروع وبعد شهرين اثنين فقط ستعم مظلة التأمينات على جميع أفراد شعبنا. عاهدتكم هذا في الشهر الماضي.

       في هذا العام أعاهدكم أن نحتفل في الذكرى المقبلة إن شاء الله وفي هذا المكان بعون الله.. ليس فقط لتحرير أرضنا وإنما بقهر ذلك الغرور الإسرائيلي والعربدة لكي يعودوا مرة أخرى كما قال لنا كتابنا: كتبت عليهم الذلة والمسكنة. لن نتنازل عن هذا.. لم يعد الأمر أمر تحرير أرضنا فقط.. إنه أمر يتعلق بشرفنا نحن.. وبكرامتنا نحن.. وبرسالتنا التي نؤمن بها.. سنعيدهم كما كانوا.

       وإذا ظنوا أنهم في غفلة من الزمن قد حصلوا على بعض القوة.. سنعيدهم لأن القوة ليست كما قلت في السلاح وإنما القوة من الداخل.. قوة الإيمان.. قوة الفرد.. قوة الإيمان بالرسالة والإيمان بالعقيدة.. والإيمان بالمبدأ. ونحن نحمد الله سبحانه وتعالى أننا أصحاب رسالة أقوى ما تكون في مبادئها إلى جانب سماحتها فهي رسالة القوة.. قوة الفرد.. قوة المجتمع.. قوة الإيمان بالله سبحانه وتعالى هو مالك الملك يؤتي الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء ويعز من يشاء ويذل من يشاء بيده الخير انه على كل شيء قدير.

       ربنا انك تعلم ما نخفي وما نعلن وما يخفى عليك يا ربي شيء في الأرض ولا في السماء فاهدنا يارب سبلنا ووفقنا وانصرنا انك نعم المولى ونعم النصير والسلام عليكم ورحمة الله.

 


المصدر: موسوعه مقاتل من الصحراء على شبكه الانترنت

 

Hosted by YallaHosting