خطاب الرئيس أنور السادات، رئيس جمهورية مصر العربية أمام مجلس الأمة
التونسي بمناسبة زيارته لتونس

تونس، 8 مايو 1972
جريدة "الأهرام" : العدد الصادر في 9 مايو 1972

         بسم الله

         السادة، الإخوة، رئيس مجلس الأمة وأعضاء وعضوات المجلس الموقر.

         إنه ليشرفني أن تتاح لي هذه الفرصة اليوم كي أقف على منبر مجلسكم الموقر وأتحدث معكم أنتم ممثلي شعب تونس الشقيق.

         ولعل عدداً كبيراً من حضراتكم يذكر أن وقفتي على مثل هذا المنبر ليست بالغريبة علي فلقد كان لي الشرف أن أكون في خدمة بلدي كرئيس لمجلس الأمة المصري وكان ذلك في أوقات عصيبة ومصيرية في تاريخ نضال أمتنا الطويل.

         لقد شهد المكان الذي يجتمع فيه مجلسكم اليوم توقيع صك الاحتلال الأجنبي لأراضيكم عام 1881 كما شهد تصفية آخر آثاره على الأرض عام 1964.

         وفي الخامس والعشرين من شهر يونيه سنة 1967 اتخذ المجلس - مجلسكم الموقر - قراره بأعلان الجمهورية وأجمع ممثلو الشعب على انتخاب ذلك الرجل الذي لم يتزعزع إيمانه بمصير بلده في حق أبنائه في الحرية طوال ربع قرن قضاه في الكفاح المرير وفي السجون وفى المنفى وهو الرئيس الحبيب بورقيبة الذي كان أول رئيس لجمهورية تونس والذي نتمنى له جميعا دوام الصحة والتوفيق والسداد.

        كذلك فإن هذا المجلس الموقر هو الذي اتخذ في شجاعة وإخلاص منذ نشأته وحتى يومنا هذا قرارات ثورية الواحد منها تلو الآخر. والذي استطاعت تونس بفضلها أن تحمي استقلالها وأن تقفز إلى مستوى الدول العصرية على أسس راسخة صلبة.

        إخواني رئيس وأعضاء مجلس الأمة

         أود أن أتحدث إليكم في أمور تهم بلدينا.. فإننا ننتمي إلى أمة عربية واحدة.. لها تاريخ وماض واحد.. وكفاح واحد.. ومصير واحد.. وآمال واحدة.

         إن تجربتنا في مصر والأهداف التي نعمل من أجلها منذ قيام ثورتنا في 23 يوليه سنة 52 إنما كانت من أجل بناء مجتمع قوي متحرر ودولة عصرية متحضرة.

         ولقد تمكنا بفضل طاقات شعبنا الخلاق من تحقيق منجزات كانت ضربا من المستحيل فقام السد العالى في أسوان ليزيد من رقعة الأرض الزراعية وليوفر طاقة كهربائية هائلة، كما قامت في مصر صناعات ثقيلة وخفيفة من شأنها أن تدفع بها إلى اللحاق بركب التطور والرقى.

وتمكنت الثورة في مصر من إقامة اقتصاد متين يقوم على أسس قوية وصلبة. وأقامت تنظيما سياسيا تلتقي فيه قوى الشعب العامل تتفاعل ويتفاعل بها.

        وهكذا سارت عجلة التقدم في بلادنا وزاد دخلنا القومي زيادة كبيرة. وبرغم كل تكاليف الحرب التي فرضت علينا. فإننا نجري فى بلدنا تحولا اشتراكيا يحقق تكافؤ الفرص لكل مواطن.

        ولم يكن وقد بدا تصميمنا ووضحت إرادتنا أن يتركنا الاستعمار وشأننا. إذا تصورنا هذا فإننا نكون قد أضفينا عليه صفة لا يمكنه أن يتحلى لها وهى أنه قد تخلى عن أطماعه ورغباته في السيطرة والاستغلال وهذا محال.

        فلم يكن قد مضى على ثورتنا أربع سنوات حتى عاد بكل صلفه وغروره يريد الانقضاض علينا، ويوقف عملية التطور التي ابتدأناها ولكن عجلة التطور كانت أقوى، وهزم المستعمر وركيزته إسرائيل وردوا على أعقابهم.

        ولجأ الاستعمار إلى أسلوب آخر فشن حملات التجويع والحصار الاقتصادي، ولكن مرة أخرى باءت هذه المحاولات بالفشل، فلم يكن أمام الاستعمار والحال كذلك إلا أن يعود إلى العدوان المكشوف، وقامت إسرائيل بعدوانها في الخامس من يونيه سنة 1967، ووضعت يدها على أجزاء من الوطن العربي بالقوة المسلحة واعتبرت أن في ذلك نهاية لنا واستقرارا لها.

        ولكننا الآن وبعد 5 سنوات من العدوان أصبحنا بحمد الله أقوى مما كنا عليه من قبل. فقد أعدنا بناء قواتنا المسلحة درعنا في الصمود وسبيلنا إلى التحرير. وبالرغم من كل ما ننفقه من مواردنا الذاتية على جبهتنا العسكرية. فلم نتوقف في ميادين التنمية الداخلية. ووضعنا برنامج العمل الوطني لمضاعفة الدخل القومي في عشر سنوات وكان شعارنا في ذلك يد تكافح ويد تبني. بل أن السنوات الأخيرة التي أعقبت العدوان شهدت تحركات عربية هامة فتحت آفاقا جديدة أمام إمكانيات العمل العربي الموحد وأعني بذلك قيام اتحاد الجمهوريات العربية بكل ما يمثله من تنسيق للجهود وحشد للطاقات. ولكن المشكلة مع العدو لم تنته. إن الاحتلال قائم بكل ما يمثله من انتهاك لمبادئ القانون والحق والمواثيق الدولية. وبالرغم من كل ما بذل في الأمم المتحدة وفي اللقاءات بين الأربعة الكبار وبالرغم من كل ما قدمناه من مبادرات فإن الأعداء أصروا على عناد ورفضوا إعادة ما اغتصبوه بدون حق، بل يسيرون بمخطط مرسوم من أجل تغيير ملامح الأرض وإزالة طابعها والقضاء على عروبتها على أمل التمكن من اقتطاعها بصفة نهائية.

         ولقد جربنا المحاولات الأمريكية وجاء روجرز ثم ذهب وجاء سيسكو ثم ذهب يذكرون لنا أننا لسنا مطالبين بأكثر مما فعلنا.

        ثم يجيئون في اليوم التالي بمقترحات هي في الواقع قائمة بتنازلات يريدون منا أن نقرها. وياليتهم وقفوا عند هذا الحد بل نراهم في الوقت نفسه يعملون بكل الوسائل على تثبيت هذا العدوان ودعمه بكل أنواع المساعدات العسكرية بحجة التوازن.

        وأنا أقولها هنا.. أي توازن ذلك الذي يتحدثون عنه.. هل هو التوازن الذي يسوي بين المعتدي وبين من وقعوا ضحية للعدوان ولا زالت آثاره قائمة على أراضيهم ؟

  إذا كان هذا هو منطقهم فانه يعني شيئا واحداً وهو الرغبة في الإبقاء على الأمر الواقع أي الاحتلال الإسرائيلي لأراضي ثلاث دول عربية.. بل لقد أعلنوا بصراحة وبدون مواربة أنهم يبغون تفوق دولة الاحتلال على الدول العربية مجتمعة وكأنهم يقولون انه لن يكون بوسعكم أيها العرب أبداً ما فقدتم.

         إن السلام لا يمكن أن يقوم إلا على أساس العدل وهذا لن يتأتى إلا بالحفاظ على حقوق شعب فلسطين الذي طرد من أرضه وتآمرت عليه قوى الصهيونية والاستعمار.

         ليس أمامنا إذن- أيها الإخوة- إلا أن نكافح وإلا أن نخوض معركة قومية طويلة بكل أشكالها المختلفة عن طريق تطوير قدراتنا الذاتية وتجنيد طاقاتنا وتسخير إمكانياتنا.

         إن معركة تحرير الأرض أمر حتمي وواجب مقدس يستلزم التضحيات وتضافر القوى العربية بكل ما لديها من وسائل.

         وإن الدول العربية التي وجدت في التحديات الصهيونية والاستعمارية ما يشحذ من همتها ويدفعها إلى السير بخطوات أكبر وجهد أعظم نحو تحقيق التعاون والتكامل والوحدة على مستوى الوطن العربي مشرقه ومغربه، لسوف تتمكن بإذن الله من التصدي لكل هذه التحديات والمؤمرات وتسترد كل شبر من الأرض العربية، ونستعيد الحق العربي الذي تتمادى إسرائيل في انتهاكه بكل غرور.

         الأخوة رئيس وأعضاء مجلس الأمة.. إننا في مصر ننظر بكل تقدير إلى الموقف الأخوي التضامني الذي وقفته تونس الشقيقة عندما تعرضنا للمحنه الأخيرة، وننظر بنفس الدرجة إلى التقدير والإعجاب إلى كل ما تنجزه بلادكم في شتى الميادين.

         إننا نتابع بإعجاب مخططاتكم الاقتصادية الهادفة إلى رفع مستوى معيشة الفرد وتصنيع البلاد وإدخال الإصلاحات الفلاحية وزيادة الدخل القومي وتحقيق أقصى ما يمكن من العدالة الاجتماعية للشعب.

         إن نضالكم متصل، وتاريخكم كفاح، وأني لانتهز هذه الفرصة العظيمة لأحيي شهدائكم وأبطالكم في تونس وبنزرت وقابس وفي كل مكان على أرضكم.

         وكذلك لأحيي شهداء الحركة الوطنية والحركة العمالية الذين سقطوا في ميادين الشرف دفاعا عن حرية البلاد واستقلالها وكرامتها.

         مرة أخرى أيها الإخوة أشكركم على دعوتكم وكريم استقبالكم، وإنى لأرجو أن تنقلوا وأنتم تمثلون شعب تونس عميق الود وأطيب التمنيات من شعب مصر إلى شعب هذا البلد الأمين الشقيق. وإني ادعوا الله سبحانه وتعالى أن يبارك خطاكم وأن يوفقكم إلى ما فيه خير هذا الشعب وعزته.

 


المصدر: موسوعه مقاتل من الصحراء على شبكه الانترنت

 

Hosted by YallaHosting