كلمة الرئيس أنور السادات، رئيس جمهورية مصر العربية
أمام وفود مؤتمر علماء المسلمين

القاهرة، 14 سبتمبر 1972
جريدة "الأهرام ": العدد الصادر فى 15 سبتمبر 1972

أيها الأخوة والأحباب وممثلي أمتنا الإسلامية

        ارحب بكم على أرض مصر باسم شعب مصر الذي طالما حمل عبر التاريخ أمانة الحفاظ على دعوتنا الإسلامية. كما أرحب، بهم باسم أزهرنا الذي ناضل عبر التاريخ لكي يحفظ للرسالة وللإسلام قوته ومقوماته.

        أرحب بكم باسمي شخصيا كأخوة وكأهل نجتمع اليوم في لحظة من أدق لحظات حياتنا التي نعيشها أو عشناها في الماضي وأننا نعلم عبر التاريخ أن الإسلام كان هدفا مستهدفا دائماً للاستعمار وللغزاة.. واليوم نحن نعيش أخطر معركة في حياتنا كأمة إسلامية، وهي أمة واحدة كما قال لنا سبحانه وتعالى في كتابه.

        إننا نتعرض لأخطر امتحان نمتحن له في إيماننا وفي صلابتنا في حفاظنا على مقومات إسلامنا كما نتعرض أكثر من ذلك لأخطر غزوة لا تستهدفنا نحن وحدنا، وإنما تستهدف كل القيم التي أرادها الله في رسالاته السماوية كلها. ومن قبل تعرضنا لمثل هذه الغزوات- كما ذكر بحق الأخ صالح- غزوة صليبية جاءت تتستر تحت اسم الصليب ولكنها في داخلها استعمار يريد التهام الأرض، وتعرضنا لغزوة تترية.. وفى كل هذا صمدت أمتنا وخرجنا بعون الله وتوفيقه، منتصرين.

        واليوم علينا أن نواجه هذه الغزوة الشرسة غزوة الصهيونية مع الاستعمار لأنها لا تستهدف عقيدتنا وحدها، وإنما تستهدف أرضنا ومستقبلنا ومصيرنا وحياة أجيالنا المقبلة، وأن تسيطر على كل شيء.

        لقد مرت علينا غزوات من قبل واستطعنا بعون الله وثبات إيماننا أن ننتصر فيها ونزيح كابوس الاستعمار.

        واليوم كيف نستطيع أن نواجه الغزوة الجديدة الشرسة التي تجمع في داخلها كل شراسة ودناءة الصهيونية، إلى جانب ضراوة أطماع الاستعمار.. كيف نواجه هذه الغزوة؟

        من قبل قلت لكم وقلت لامتنا كلها، إننا في هذه البلد، مصر.. مصر التي عرفتموها جميعا عبر التاريخ وعبر الأجيال، وأزهركم الذي عرفتموه عبر التاريخ والأجيال.. سنظل بعون الله أمناء على الرسالة، لن نفرط

فيها مهما كانت التضحيات، ولن نسلم بما يقولون أنه أمر واقع.. لن نيأس.. لن تتخاذل أو نستسلم، مهما كانت التضحيات ومهما طال الزمن.

        عرفتم مصر وأزهركم عبر القرون الماضية.. الرسالة هي الرسالة، والشعب، هو الشعب، والأمانة هي الأمانة، لن نفرط أبداً مهما كانت التضحيات، ولكن علينا لمواجهة هذه الغزوة الشرسة أن نتسلح بسلاح العصر الذي نعيش فيه.. لا يمكن أن نتخلف ونحن نواجه صهيونية دنيئة غادرة واستعماراً شرساً أليماً.. من أجل ذلك ناديت بدولة العلم والإيمان فالعلم وحده، من غير الإيمان، قد يقينا شر هذه الغزوة ماديا، لكنه لن يستطيع على المدى الطويل أن يبني النفوس التي يجب أن يبنيها مجتمعنا، كما نشأنا وكما تنص عليه رسالتنا، وما اختمر في هذه الأرض من مبادئ وتقاليد وقيم.

        والإيمان وحده في مواجهة الغزوة لا يكفى لأن لدى عدونا من مستحدثات العصر ما يستطيع به أن يكسب جولة وجولة وجولة، إذا لم نتسلح لها بالسلاح الذي يتسلحون به.

        من أجل ذلك فإن العلم والإيمان شرطان أساسيان لنجتاز هذه المحنة التي نعيشها اليوم.

        الأمة الإسلامية لم تفرق العلم عن الإيمان.. كان العالم عالم فلك ورياضة، إلى جانب تفقهه في علوم الدين. هذا ما نقله الغرب عنا منذ البدء.. والعلم والإيمان متلازمان في رسالتنا وعقيدتنا، وما أحرانا اليوم أن نعود إلى ما كنا عليه. العلم والإيمان.. ومهما كانت قوى البغي ومهما تبدت شراسة الاستعمار أو دناءة الصهيونية في أساليبها وغدرها، لن ينال هذا من صمودنا.

        كم من أمم كبرى اليوم واجهت الهزائم. بل القوتين الكبيرتين أمريكا والاتحاد السوفيتي.. أمريكا تلقت هزيمة في 1941 وكانت أقوى دولة في العالم تلقت هزيمة على يد اليابان.. والاتحاد السوفيتي أيضا حينما هاجمته جيوش النازي تلقى هزيمة.. وقام الشعب الأمريكي وقام الشعب السوفيتي برد تلك الغزوات وبدفع ثمن تحرير الأرض والصمود.

        فإذا كنا نواجه ظرفا عصيبا في تاريخنا وحياتنا.. وهزيمة في يونيه 1967، فهى لا تعني أننا انتهينا أو سلمنا.. لقد خرج الشعب المصري في 9 و 10 يونيه وهو أعزل من كل شيء إلا من الإيمان ليقول لا.. لا أسلم، ولن تهزم إرادتي كشعب.

        ولقد انتصرت إسرائيل عسكريا ولكنها لم تهزم إرادتنا كشعب، ولم تهزم صمودنا وتصميمنا ويقيننا، ولن تهزمنا بإذن الله.

        ولكن لكي نعد للمعركة المقبلة لابد لنا من أن نستحضر كل مقومات عقيدتنا وتاريخنا ونضالنا وكفاحنا في أسلوب نعني به دولة العلم والإيمان.. بالعلم نواجه السلاح والسلام.. وبالإيمان نقول بيقين لعدونا نحن لا

نخاف شيئا أبداً الآن.. كل شيء بيد الله سبحانه ونحن نؤمن أننا في دفاعنا عن عقيدتنا وأرضنا ومستقبل أجيالنا إما أن ننتصر أو نستشهد، وفي كلا الحالتين منتصرون بعون الله.

       يقتضينا هذا أن تكون نظرتنا إلى العالم من خلال عقيدتنا نظرة جديدة.. لابد أن نربي الطفل والشباب والراشد على مبادئ وقيم أخشى أن تكون قد أهملت في الفترة الماضية.. لابد أن نعمل جميعاً كل منا في مكانه لنبني المجتمع الإسلامى الجديد القائم على العلم والإيمان.. لا نهمل العلم أبداً وعلينا في نفس الوقت أن نرسخ من الإيمان.

       إن هذه المرحلة بلاء ابتلينا به وامتحان نمتحن فيه أدعو الله أن يوفقنا جميعاً لكي ننجح في هذا الامتحان ونجتاز هذا البلاء كما اجتزنا ما ابتلينا به من قبل في غزوات سابقة وأن نخرج من هذه الغزوة الشرسة أقوى في يقيننا وإيماننا وتمسكنا ببناء المجتمع الإسلامي الجديد على أساس من العلم والإيمان فلا يجب أن نتخلف مرة أخرى.

       أمر آخر هام وجوهري في رسالتنا: لماذا الحقد والفرقة والتشتت؟ لن نستطيع أن نبني بالحقد أبداً.. دعونا نضرب كل هذا ونعود لجوهر عقيدتنا.. الحب والصفاء والأخوة والقوة التي تتولد بالإيمان وبالثبات وباليقين دعونا نعود إلى جوهر رسالتنا: الإيمان هو ما وقر في القلب، الإيمان اخوة. محبة. يقين. غيرة على قيمنا وعلى حياتنا وأرضنا أيضا.. وعلى مستقبل مجتمعنا الإسلامي.. على إيمان إيجابي كامل.

       بعد هذا أعود فأكرر ترحيبي بكم على تراب هذه الأرض التي عرفتموها وعرفتم تاريخها في الحفاظ على الدعوة والنضال في سبيلها.. في هذا المكان وهو يمثل قطعة من ريف مصر.. من الأرض الطيبة التي تؤمن بكل القيم الشريفة والنبيلة الطيبة التي انبتت هذا الشعب وصاغت له عبر الأجيال من خلال رسالات السماء، سماحة وصلابة وقوة وأصالة.

       أعود فأرحب بكم باسم هذه الأرض وباسم شعبها وباسم أزهرنا وادعوا الله سبحانه وتعالى أن يكون لقاؤنا المقبل على هذه الأرض وقد طهرت.. واختتم كلمتى لكم بحديث لبعض الصوفية بدأت به ولايتى (رب علمت فقدرت فلك القوة والقهر، وبيدك الخلق والأمر، فكن معنا يارب بالقرب).

والسلام عليكم ورحمة الله.

 


المصدر: موسوعه مقاتل من الصحراء على شبكه الانترنت

 

Hosted by YallaHosting