خطاب الرئيس أنور السادات، في الذكرى الثانية لوفاة الزعيم الخالد جمال عبد الناصر،28 سبتمبر 1972
المصدر: "قال الرئيس السادات، الجزء الثاني لعام 1972، السكرتارية الصحفية لرئيس الجمهورية، ص 168 - 172"

بسم الله.

         تبارك الذى بيده الملك وهو على كل شىء قدير، الذى خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا وهو العزيز الغفور.

         حين نلتقى اليوم - أيها الأخوة والأخوات - فى هذه الذكرى لكى نتدبر.. ونتأمل.. فإننى أجدني دائما فى موقف صعب، أريد أن اتحدث عن جمال، وجمال بالنسبة لى أخ وصديق منذ صبانا، وزعيم في شبابنا الى أن رحل عنا، تختلط كل هذه الأحاسيس ويكاد يغلب بعضها على الآخر.

شخصية الزعيم

         فى العام الماضى حاولت أن أتناول بعض الجوانب من شخصية جمال.

         واليوم.. أريد أن أتناول معكم في هذه الذكرى جانبا عبقريا واحدا فى حياة جمال، هو أن جمال الزعيم، الذى سمعنا من كل الأخوة  والأخوات الذين سبقونى بالكلام، عما فعله للفلاحين، وللعمال، وللمثقفين، وللرأسمالية الوطنية، وللجنود، وللمرأة، وللشباب.

         هذا الزعيم العملاق.. كل ما سمعناه كان له نبع واحد، هذا النبع- هو أن جمال عبد الناصر بعث من جديد الشخصية المصرية، فنحن جميعا نعلم أن جمال أول حاكم مصرى بعد ألفين سنة من أجل ذلك كان طبيعيا أن تكون ولايته بعثا حقيقيا للشخصية المصرية التى ظلت صامدة عبر آلاف السنين، أعطت العالم أول حضارة فى التاريخ، وأقامت أول دولة وأول حكومة في التاريخ، كان طبيعيا أن تكون زعامة جمال وولاية جمال بعثا للشخصية المصرية، وكان هذا هو النبع الذى صدر عنه، كل ما سمعناه.. وما سنسمعه.. وكل ما عايشناه.. وما سنعايشه فى المستقبل، من فكر جمال.. ومن زعامة جمال.. ومن أعمال جمال..

          ما هى أبعاد هذه الشخصية المصرية ؟ لقد ظلت الشخصية المصرية عبر التاريخ ذات أبعاد أساسية. الأصالة - الصلابة - الايمان، أصالة شعب عمره المكتوب أكثر من سبعة آلاف سنة، صلابة شعب عاش على هذه الأرض الطيبة الخيرة وهو متمسك بها، معتز بكل ذرة من ترابها، والايمان الذى لا حدود له، إيمان بالله سبحانه وتعالى، إيمان بهذه الأرض وكل من عليها وما عليها، ايمان بكل القيم التى أرادها الله - سبحانه وتعالى لصلاح هذا الكون، ايمان بالذات.. بالنفس.. عبر آلاف السنين.

الشخصية المصرية

         تعرض هذا الشعب لعشرات الغزوات ولم يذب أبدا شعبنا فى أى معتد أو أجنبى جاء إلى هذا البلد بل ذاب كل المعتدين فيه ولم يذب شعبنا أبدا احتفظ شعبنا عبر الأجيال الى يومنا هذا بأصالته، بصلابته، بايمانه، لأنه احتفظ  دائما بشخصيته.

         كانت روعة جمال أنه بعث هذه الشخصية من جديد بأبعادها كلها، أبعاد الأصالة والصلابة والإيمان ولنحاول أن نستعرض بعض علامات الطريق على المسيرة التى سار فيها جمال لأول ما بدأ جمال. وفى يقينى أن من أروع ما أنجزه جمال، هو أنه في وسط هذا العالم المضطرب بالأفكار والأيديولوجيات، والصراعات، حين فكر واختار، لم يستورد ايديولوجية أو مبادئ من خارج هذه الأرض.. وإنما استلهم الشخصية المصرية. استلهم أن الرأسمالية لا تصلح لنا.. جربناها، كان يعيش نصف في المائة فقط فى هذا الشعب في ظل النظام الرأسمالى.. يتمتعون بكل شيء، وبقية الشعب محرومون من كل شيء، الحزبية جربناها.. وعانينا منها، وكان من أهم مبادئ ثورتنا في 23 يوليو 52 أن نقضي على الحزبية، وأن نقيم نظاما ديمقراطيا سليما، وهو المبدأ السائد في الطرف الآخر الماركسية تقول بسيادة طبقة البرولوتارى وهي أيضا لا تصلح لشعبنا.

         لقد عاش شعبنا عبر تاريخه الطويل كما قلت ولم يفقد شخصيته أبدا ذات الأبعاد الثلاثة. الأصالة والصلابة والايمان، رفض ديكتاتورية طبقة.. أو أية دكتاتورية.. أيا كان الذى يفرضها. سواء كانت طبقة.. أو فردا.. أو جماعة.. أو حزبا.. رفضها جمال، لأنها لا تصلح لنا بطبيعة تكوين هذا الشعب، أو النبع الذى يصدر عنه انفعال هذا الشعب، وهو أنه عائلة واحدة، يحس فيها كل انسان بأخيه، كما هو الحال إلى يومنا هذا فى القرية.. ليست المدينة أبدا تعبيرا عن شيء، التعبير الحقيقى عن شعبنا هو القرية، وستظل القرية إلى الأبد هى التعبير الحقيقى عن شعبنا، أسرة واحدة، عائلة واحدة، اذا حاول أحد أن يفرض سيطرته على هذه الأسرة  نبذوه ..  ولكن برفق وبأخوة. وعندما يقتضى الأمر يقفون منه الموقف الذى يجب أن يقفونه منه.. شعب استمد أصالته من عمر طويل، وحضارته هى أول حضارات التاريخ في هذا العالم - بشهادة العالم كله - فهو يرتفع فوق المظاهر، هو شعب يذهب أو يعنى دائما بالجوهر.. وليس بالمظهر، وهو شعب مجامل.. شعب طيب.. ولكنه فى الحق صلب، لأن الأصالة لابد أن تورثه الصلابة، الى جانب ذلك شعب مؤمن له قيمه، يؤمن بالوفاء، يؤمن بكل القيم.. كما قلت.. التى أرادها الله سبحانه وتعالى لهذا الكون والبشر لكي يعيشوا حياة  قوية  شريفة، يؤمن بالحب، يحس كل إنسان بأخيه فى القرية، يشارك كل انسان أخاه فى مأتمه وفى فرحه.. وفى عمله.. وفي حقله.. فى كل المناسبات، أسرة واحدة.

         عندئذ اهتدى جمال وسط هذا الصراع من الايديولوجيات والمبادىء الى شخصية شعبنا، وهو الذى أزال التراب عن الشخصية المصرية، اهتدى الى تحالف قوى الشعب العاملة، وفى يقينى أن هذا كان قمة من قمم عبقرية جمال عبد الناصر. ليست رأسمالية لكى تتمتع القلة بكل شىء.. ويحرم المجموع من كل شىء تحت اسم المنافسة. وليست فرض دكتاتورية طبقة من الطبقات على بقية الطبقات. شعبنا بطبعه كما قلت.. في القرية ينفر من فرض الأمر عليه أيا كان.. فرد.. أو عائلة.. أو طبقة.. يرفض هذا. شعبنا بطبعه السمح.. يريد أن يعيش الكل فى إطار الأسرة الواحدة، ومن واقع إيمانه.. وماورثه.. ورسالة السماء.. هنا على

هذه الأرض.. يجب أن يكون أمرهم شورى بينهم من أجل ذلك.. فأنا أقول إن تحالف قوى الشعب العاملة، كان نظرية.. وقمة من قمم عبقرية جمال عبدالناصر.

         كما قلت هو منطقى مع نفسه، لأنه يتصرف من واقع الشخصية المصرية، فهو أول حاكم مصرى يأتى بعد ألفين سنة.

         ولنستعرض هذه الشخصية فى بعض مراحل كفاحه.. لن نستطيع فى هذا الاجتماع أن نلم بكل مراحل كفاحه، أو بكل ما صنع، نستطيع فقط أن نمر مرورا على بعض المواقف. فى عدوان سنة 56، امبراطوريتان من امبراطوريات العالم الكبرى فى ذلك الوقت، الامبراطورية البريطانية، وكان ايدن رئيس وزرائها، والامبراطورية الفرنسية، وكان جى موليه رئيس وزرائها.. يرسلان انذارا إلى مصر.. حينما تمارس مصر إرادتها على أرضها بتأميم قناة السويس، وتتحرك الجيوش البريطانية والفرنسية، ويأتى الانذار لعبد الناصر وكلكم تعلمون ما كانت عليه قوتنا في ذلك الوقت بالنسبة لقوة الامبراطوريتين الاثنين اللى كان من وراهم حلف الأطلنطى أيضا، يقف عبد الناصر فى الشخصية الصحيحة، ذات الأبعاد الثلاثة، الأصالة.. الصلابة .. الإيمان، ويرفض الانذار، فى الوقت الذى كانت تتساقط فيه القنابل على مدننا.. هنا كان جمال عبد الناصر يقف فى الأزهر، وينادى: سنقاتل.. سنقاتل في وجه كل أولئك الأقوياء. ما سر هذه القوة ؟.. وبالحساب المادى.. سلاح حلف الأطلنطى، وسلاح الامبراطوريتين أمام  سلاح  نكاد نكون فيه عزل.. ما سر هذا ؟ هو نبع الشخصية المصرية ذات الأصالة وذات الصلابة، وذات الايمان.. وصمد عبد الناصر.. وصمد شعبنا كله، لأنها شخصيته.. إرادته. واندحر العدوان.

         حينما عقدنا صفقة الأسلحة الأولى سنة 55، وقامت قيامة أمريكا والدول الغربية .. لأننا كسرنا احتكار السلاح.. وبدأوا التهديد.. والوعيد.. وأعلنت أمريكا أنها بسبيلها إلى إرسال مندوب إلى مصر لكى يقدم انذار، وكيت وكيت.. ببساطة كان رد عبد الناصر " انني لا أقبل أى تدخل في شئونى الداخلية وأية كلمة سيلفظ بها هذا المندوب سأطرده " وجاء المندوب ولم يفتح فمه بكلمة واحدة بل تحدث فى مواضيع أخرى، الشخصية المصرية بأبعادها، الصلابة.. والأصالة.. والايمان..

         منزيس رئيس وزراء استراليا أرسلوه بعد تأميم القناة مفوض عن مؤتمر لندن الذى انعقد في لندن في صيف 56 وجاء ليتفاوض مع عبد الناصر. ومنزيس من غلاة الاستعماريين، واعتقد في وقت من الأوقات أنه يستطيع أن يوجه انذارا لعبد الناصر، أو أن يخيفه، واجتمع به عبد الناصر.. وناقش معه القضية بكاملها، وفى اللحظة التى ظن فيها منزيس رئيس وزراء استراليا أنه يستطيع فيها أن يحاول تهديد عبد الناصر، كان الحديث فى مجلس قيادة الثورة، يدوبك نطق بأول كلمة عن الغرب.. وقوة الغرب، قفل عبد الناصر الورق أمامه وقال له المقابلة انتهت، أنا لا أقبل انذارات.

شخصية عبد الناصر.. شخصية مصر

         فى نفس هذا الوقت، لكى تتضح لنا جوانب شخصية عبد الناصر، التى هى فى الواقع شخصية مصر، حينما عقد مؤتمر لندن.. وكان الهجوم على مصر.. وعلى عبد الناصر بالذات فى أوج مراحله تعدى كل الحدود، قرر عبد الناصر أن يسافر الى لندن لحضور مؤتمر لندن، وفعلا جهزت الطائرة.. وجهز الوفد.. وشعر ايدن هناك. عبد الناصر رايح لأنه مؤمن بحقه فى تأميم قناة السويس، وحق بلده، رايح بشخصيته المصرية الأصيلة. الصلبة.. المؤمنة.. رايح يواجه الكل فى لندن، عندئذ لجأ ايدن الى ما عابوه عليه.. حتى البريطانيين.. وحتى حزبه نفسه.. إلى تجريح عبد الناصر تجريحا يستحى معه أن يسافر عبد الناصر، ولكن كانت الطائرة فى المطار.. والجوازات.. وكل شىء كان معد ليه، لا يتردد أبدا فى أن يواجه الكل، وفى مكانهم.. في عقر دارهم .. لكى يثبت حقه.. وحق بلده.. بالأصالة.. والصلابة.. والإيمان - بأبعاد الشخصية المصرية.

         حين تطلب الأمر أن تصفى الامتيازات الطبقية في مصر لم يتردد عبد الناصر.. ولكن لم يلجأ إلى ما ينادى به البعض فى العالم.. أو ما فعله البعض فى دول أخرى.. وإنما تصفية هذه الامتيازات حتى من قبل صدور الميثاق، والنص فيه على تذويب الفوارق سلميا، حتى من قبل أن يصدر هذا الميثاق.. لجأ فعلا الى تصفية امتيازات الطبقة سلميا، ولم يلجأ إليها دمويا، لأن هذا من واقع شخصيتنا المصرية.

         ونص على هذا فى الميثاق بعد ذلك، ولكن كانت هذه قوانين يوليو الاشتراكية سنة 61، كانت قبل صدور الميثاق سنة 62، في كل تصرف.. فى كل انفعال.. كان ينفعل بمصر.. بأرض مصر.. بتراب مصر.. بالشخصية المصرية ذات الأصالة.. والصلابة.. والايمان. في عمله من أجل الوحدة العربية أيضا، نحن نعلم، عبر التاريخ.. أن الوحدة العربية مصيرا، الوحدة العربية ليست شعارا، أو ليست مجرد امبراطورية تكون.. كما هاجمه أعداؤنا فى ذلك الوقت، أبدا.. الوحدة العربية مصير مشترك حتمى. أوربا الغربية اليوم، فرنسا الامبراطورية، ألمانيا الغربية أغنى دولة فى العالم، انجلترا الامبراطورية.. كل هؤلاء اليوم يبحثون عن سبيل لاقامة وحدة بينهم.. لأنه ما عدش للكيانات الصغرى بقاء فى عالم الأقوياء الذى نعيشه اليوم اهتدى عبد الناصر قبل أن يبحثوا هؤلاء. أو يهتدوا هؤلاء.. اهتدى عبد الناصر بفطرته المصرية.. الصحيحة.. السليمة.. الى أن الوحدة العربية قدر ومصير. وقف الى جانب ثورة الجزائر، وقف الى جانب ثورة اليمن، قامت الوحدة .. أول وحدة عربية بين مصر وسوريا، وحينما تآمر المتآمرون لضرب هذه الوحدة.. تصرف عبد الناصر أيضا بوحى من الشخصية المصرية.. لقد وقع التآمر.. فهل نسفك الدم ؟

رفض عبد الناصر أن يسفك الدم.. وطلب السلام لسوريا.. وكان حكيما، فنحن اليوم مصر وسوريا وليبيا.. أيضا بعد أن قامت ثورتها  في سنة 69، نحن الآن دولة اتحاد الجمهوريات العربية، القائم على أسس استفدنا فيها من كل ما حدث فى الماضي، واهتدينا فيها.. بنبض عبد الناصر. . الذى وضع من الميثاق الذى اتفقنا عليه اتحاد الجمهوريات العربية، كان بخط عبد الناصر قبل أن يموت من واقع التجربة والخبرة، لم تذهب التجربة هباء.. وإنما استطعنا أن نحققها في مراحل تالية، على مدى أوسع من مصر وسوريا.. لم تصبح مصر وسوريا وحدهما.. وانما مصر وسوريا وليبيا. واليوم ننتقل الى مرحلة أخرى بقيام الوحدة الكاملة بين مصر وليبيا.. بذل في كل هذا من ذاته، من نفسه ، من تراب هذه الأرض، ومن النبع الذى يروينا جميعا، هنا على أرض مصر الشخصية المصرية. وفى وسط هذا العالم المتصارع اختار عبد الناصر طريق عدم الانحياز، نحن لا ننحاز الا للحاق.. وللعدل، وقامت قيامة حكام حكومة أمريكا فى ذلك الوقت، وكان هناك المستر دالاس وزير خارجيتهم .. وأعلن صر احة أن مسألة عدم الانحياز مسألة لا أخلاقية، والغريب أنهم يتوسلون بمثل هذه التعبيرات بلا حياء، مسألة عدم الانحياز لا أخلاقية.. وثبت لهم بعد هذا أن هذا الكلام هو اللا أخلاقى، وليس عدم الانحياز.. وصمد عبد الناصر، وتكون ما يسمى بالعالم الثالث بين القوتين الكبيرتين، كل هذا ما أردت به- لو اننى أتيح لى ان أتحدث- لتحدثت ساعات طويلة عن مسيرة عبد الناصر وعن فكر عبد الناصر، وعن تراث عبد الناصر.. ولكننا كما قال من سبقونى من الأخوة والأخوات.. نحن نعيشها ونعايشه كل يوم، فى الميثاق.. في بيان 30 مارس.. فى التطبيق.. فى كل مظاهر الحياة من حولنا.. حياتنا الجديدة التى عشناها. وتفجرت بعد ثورة 23 يوليو، نعيش كل هذا يوما بيوم مع عبد الناصر وبفضل عبد الناصر من أفراد متناثرين أصبحنا شعبا ثائرا.. وأمة وجدت نفسها.. وامتلكت مقدارتها وقوميتها، أمة تحمل كتابها بيمينها، ومشعل الثورة فى يسارها، أمة تحركت.. ولن تتوقف، أمة أرادت.. وسيكون لها بعون الله كل ما تريد ..

الموقف الحالى

         من هذا الواقع الذى حدثتكم عنه وأنا أتحدث عن عبد الناصر، أريد أن أنتقل ونحن نجتمع اليوم فى هذه المناسبة الى الموقف الحالى.. وقبل أن أبدا حديثى عن الموقف الحالى.. أقول لكم بصراحة.. وبصدق.. انه منذ بدأ العدوان فى يونيو 67، ومنذ تلك الأيام المظلمة الكئيبة التى عشناها بعد ذلك، وطوال السنوات الخمس الماضية، لم أشعر حقيقة أننى أتنفس بسهولة الا هذا الصيف. لعل هذا يعطى بعض الضوء على ما سأقوله لكم بشأن الموقف الحاضر، نحمد الله نحن نتنفس الآن بسهولة وبيسر ووجهت فى الصيف الماضى بموقف كنت أصفه كما يصفه بعض الروائيين، بأنا نقف على الرمال الناعمة، المسألة ليست الا وقت لكى تبتلعنا هذه الرمال الناعمة المتحركة من تحت أقدامنا. القضية لاتتحرك، اسرائيل تتلقى كل انواع المعونة من أمريكا وكل أنواع السلاح، الادعاء الأمريكى، حتى بعد اجتماع موسكو في 20 أبريل الماضي، الادعاء الأمريكى تزايد بأنهم هم الوحيدين القادرين على الحل، ولا أحد يستطيع أن يحل المشكلة سواهم، وسيل.. كما قلت.. سيل من المعونات العسكرية والاقتصادية على اسرائيل لا ينقطع، من هنا كان عتابى على الأصدقاء، لأن هذا الموقف الذى حصل بعد ذلك فى لبنان.. من مارس 71 وأنا باتكلم فيه وباتكلم فيه بصراحة، تذكروا انه فى 13 يناير الماضي، وفى حديث تليفزيوني الى الشعب، قلت اننى وجهت للرئيس الأمريكى رسالة، قلت له ان وقاحة إسرائيل، وإن غرور إسرائيل وصل الى درجة الوقاحة.. ده فى 13 يناير الماضي من هذا العام. من سنة 71، وأنا باقول لأصدقائنا لاخواننا السوفييت إنه لا يمكن أن نترك اسرائيل فى هذه العربدة، لأنها بتعربد فى المنطقة.. تفعل ما تشاء. تضرب اينما تريد. بالشكل الذى تريده ولا رادع، علشان كده.. اللى حصل فى لبنان ما كانش مستغرب من جانبى، ده أنا من سنة ونصف باتكلم فى هذا.. قلته للأمريكان صراحة.. وعلنا، وقلته للاصدقاء.. منذ اجتماع مارس 71، إن هذه العربدة الاسرائيلية لازم يكون لها حد، ولن يكون لها حد الا بالردع داخل عمق اسرائيل، ده كان مصدر عتابى على الأصدقاء.. لكن اللى حصل فى لبنان لا يجب أبدا أن يدعونا إلى العصبية أو التشنج، اطلاقا.. أنا باقول إن الموقف من سنة ونصف أنا حاسس بيه، وعارف انه لابد حيحصل لما ينزل على اسرائيل سيل من السلاح والمعونات والتأييد.. لما يحصل الموقف ده، ده أمر طبيعى للى بيجرى.. ولمسار الحوادث.. لكن تيجى تتأمل اللى وقع، وأنا بتكلم هنا علشان يسمعنى الأخوة العرب جميعا، من المسئول عما وقع فى لبنان؟ بالدرجة الأولى، فى تقديرى.. نحن جميعا كعرب مسئولين عما وقع فى لبنان، لا نهرب من المسئولية، ولكنى استطيع ان اتحدث عن دولة الاتحاد فى مصر الى اليوم، صارفين 4 آلاف مليون جنيه، ومستمرين فى تعزيز قواتنا للساعة الحاسمة.، سوريا بتصرف 60% من مجموع ميزانيتها على جيشها، ومفيش أظن دولة أخرى في العالم تستطيع انها تصرف 60% من مجموع ميزانيتها كلها على قواتها المسلحة، وهى رابضة أمام العدو الاسرائيلى، وليبيا وضعت كل امكانياتها علشان المعركة، استطيع أن اتحدث عن دولة الاتحاد، ولكن مجموعنا كعرب.. هو المسئول الأول عما حدث في لبنان، ولا يجب أن نهرب من هذه المسئولية ما حدث فى لبنان مهين لكل عربى.. ويجب أن يكون هذا واضحا للكل.. حكاما وشعوبا، أمريكا تعطى الاشارة لاسرائيل بالفيتو الأمريكى، بتشجيعها.. وتعلن اسرائيل صراحة.. أن أمريكا علمت مسبقا بما سيحدث، وأنها فهمت المبررات لهذا العمل.. مبررات قتل الأطفال والنساء بقنابل النابالم والقضاء على الشعب الفلسطينى.

         لما أقول احنا كعرب مسئولين، بقولها لان أمريكا اللى ادت اشارة الضوء الأخضر بالفيتو، وأمريكا اللى فهمت المبررات.. ووافقت على كل ما حدث.. أمريكا اليوم يحافظ على مصالحها العرب، وتأخذ أرباح خرافية من العرب، عشان كده باقول احنا كعرب المسئولين بالدرجة الأولى، لا نلقى اللوم على غيرنا أبدا، ليس معنى هذا أننى ألوم أويائس أبدا بس دعونا نضع الحقائق مجردة، ودعونا لا نخدع أنفسنا أبدا، نكون صريحين أمام الله وأمام أنفسنا.. وأمام ضمائرنا.. وأمام أجيالنا المقبلة ما حدث فى

لبنان حيتكرر، طالما ان اسرائيل بتتمتع بالتأييد الأمريكى السافر باستخدام الفيتو، واعلان رسمى عن فهم المبررات وتأييد هذه المبررات لقتل الأطفال والنساء بقنابل النابالم، سيتكرر.. وعلينا نحن العرب جميعا، كما قلت لوزراء الخارجية العرب حينما اجتمعت بهم فى الاسبوع الماضى، علينا أن نبحث، انا لست يائسا أبدا، وانما علينا أن نبحث عن الموقف الذى نجمع عليه، لكى تحس أمريكا بقوتنا كعرب، ولدينا امكانيات لا نهاية لها كعرب، سواء كانت سياسية.. أو اقتصادية.. أو عسكرية في الوضع الحالى لدينا امكانيات هائلة، أرجو أن يكون فى هذا مفتاح في المرحلة المقبلة لموقف عربى كما قلت لوزراء الخارجية العرب، وموقف عربى.. أيا كان هذا الموقف، حينما شعرت، ونحن فى قلب المعركة، انه لابد ان نقف وقفة مع الصديق لأن الأمر يتعلق بالمعركة، لم أتردد عن إتخاذ هذه الوقفة، طيب ما بالنا كعرب وأطفالنا ونساءنا فى المخيمات، والشعب الفلسطينى يقضى عليه بامريكا.. وسلاح امريكا.. وتأييد أمريكا، ما بالنا لا نأخذ منها موقف مخطط معروف، أنا بقول مش جديد ليه، واتكلمت فيه من 71، معروف أن الملك حسين، في كل مرة زار فيها الولايات المتحدة من بعد العدوان، سواء لجونسون أو لنيكسون، كان بيعود بخطة للقضاء على العمل الفدائى، والقضاء على شعب فلسطين ذاته، ما قدرلوش ان يبدأ هذا الا في سبتمبر سنة 70 بالمذبحة اللى بدأها، وجاء لمؤتمر القمة هنا، وعاد الملك حسين وأكمل كل المخطط المرسوم له اللى بينفذه النهارده، هو هو نفس المخطط بتكمله إسرائيل، ما بدأه الملك حسين بتكمله اسرائيل. القضاء على الشعب الفلسطينى بحجة المقاومة، وبالتالى طبعا فى القضاء على الشعب الفلسطينى، القضاء على المقاومة، وعلى كل شيء، إنما الهدف الأساسي هو القضاء على الشعب الفلسطينى، علشان القضية الفلسطينية، والشخصية الفلسطينية تنتهى نهائيا.

         زى مسز مائير ما بتقول مفيش حاجة اسمها شعب فلسطين، ولا كيان فلسطينى، طيب اذا كان ده المخطط، واذا كان النهارده امريكا بتتحجج بحادث ميونيخ هى واسرائيل، وبيعملوا حرب أعصاب وارهاب على العالم كله، وخاصة العالم العربى، علشان يطلعوا من هذا بنتيجة هى القضاء على شعب فلسطين، ونسف قضية فلسطين من أساسها، وبالتالى نسف الموقف في الشرق الأوسط كله من أساسه، اذا كان هذا هو المخطط مش محتاجين نتنرفز ولا نشنج، نفكر بعقل.. إخواننا الجزائريين كانوا في نفس الموقف فى وقت من الأوقات " وكان الشعار أن الجزائر فرنسية، انتهى ده من سنة 1800، وهى فرنسية فى العالم كله، وكان فيه نص مليون عسكرى من الجمهورية الرابعة الفرنسية جوه الجزائر، ووراهم سلاح حلف الأطلنطى بتاع جى موليه، واكمل اخواننا الجزائريون طريقهم، وردوا على الجزائر الفرنسية، اقاموا حكومتهم المؤقتة والله ردا على أن مسز مائير انه مفيش حاجة اسمها فلسطين، ولا شخصية فلسطينية، والمخطط الأمريكى اللى ابتداه الملك حسين، وبتكمله اسرائيل النهارده بكل عربدة ووقاحة، وبتقول اينما اجدهم حضربهم، بالتأييد الأمريكي.. والمال الأمريكى.. والنابالم الأمريكى.. أظن قد آن الآوان إن إخواننا الفلسطينيين يشكلوا كيانهم، وانا أود أمامكم هنا، أن أعلن هنا فى مصر، سنرحب وسنعترف بهذا الكيان عندما يتخذ شعب فلسطين والمقاومة الاجراءات اللازمة لقيام حكومتهم المؤقتة، نفس اللى جرى فى الجزائر بالضبط بيحصل النهارده لفلسطين. مطلوب القضاء على كل شيء لفلسطين، زى ما كان هناك الجزائر فرنسية مفيش حاجة اسمها الجزائر جزائرية يبقى امر اخر فى الواقع، يعنى لا يجب أن نحمل الأحداث اكثر مما هى، أو ان تحمل بالذات لبنان أكثر مما يحتمل، كلنا نعرف مدى ما عند لبنان من قوة، الموقف احنا جميعا كعرب مسئولين عنه، وبرضه الأخوة العرب، برضه فى مثل هذه الظروف، بلاش توزيع الاتهامات.. كل من عاش التاريخ العربى فى الخمسينات يعرف تماما انه لو قدر للبنان أن يحكمه واحد من بيت فرنجيه هو حميد فرنجية شقيق الرئيس سليمان فرنجية النهارده. لو قدر للبنان أن يحكمه حميد فرنجية فى الخمسينات لتجنب لبنان ما تعرض له من هزات فى أواخر الخمسينات، ولتجنبت الساحة العربية كلها ما تعرضت له ايضا من هزات وصراعات وانقسامات، ليه هذا البيت ؟ بيت عربى، بيت فيه النخوة العربية، سليمان فرنجية النهاره رئيس لبنان هو اخر حميد فرنجية فى المبادئ زى ما هو اخوه في الرضاعة، اخوه فى المبادئ.. وأيام الهزة الكبيرة فى اواخر الخمسينات كل عربى سياسي معاصر عارف عمل ايه سليمان فرنجية، عشان كده بقول بلاش توزيع الاتهامات، بل بالعكس انا باقول ان الرئيس سليمان فرنجية في حفاظه على كيان لبنان احرص على عروبة لبنان تماما حرصه على كيان لبنان، وعلى وجود لبنان، وده امر بيفسره تاريخ كل واحد، محدش يقدر ينفصل عن تاريخه ابدا، عشان كده بقول بلاش نوزع الاتهامات، بس خلونا نقعد ونناقش الأمور بعقل، وبأسلوب عملى، عايزين يقضوا على الكيان الفلسطينى والشخصية الفلسطينية، لا نقيمها.. نوقفها.. ندافع عنها جميعا، بلاش المزايدات.. بلاش المهاترات.. وبلاش الكلام ده كله، بالنسبة لينا احنا هنا زى ما قلت لكم بنحمد الله أن أحنا بنتنفس النهارده براحة،  معركتنا فى طريقها تماما، فى أواخر الشهر الماضى أرسلت رسالة الى الرئيس بريجنيف، شخصية منى، أوضحت فيها موقفنا كاملا.. وبوضوح.. وبصراحة.. وبصداقة، الخطوة التالية ننتظرها منهم، وسيكون تصرفنا مبنى عليها.. فى نفس الشهر تلقيت من المستر هيث رئيس وزراء بريطانيا رسالة، ورديت عليها، وزارهم اخيرا وزير خارجيتنا زى ما قريتم حضراتكم، وبتسير العلاقات من حسن الى أحسن مع بريطانيا، مع امريكا سمعنا خطبة المستر روجرز وزير خارجية امريكا فى الأمم المتحدة أخيرا، وعاد لنغمة المفاوضات المباشرة، والحل الجزئى لفتح قناة السويس، وكأن هذا الانسان لا يعيش هذا العصر، ولم يتعلم من أخطائه، كل ما استطيع أن أقوله لكم إنه كل كلام عن مفاوضات مباشرة عن حل جزئي مرفوض شكلا وموضوعا، زى ما كان مرفوض منذ سنة تماما، عشان نبقى واضحين.. وموقفنا واضح تماما.. لا مفاوضات مباشرة، لا حل جزئى، واذا كانت امريكا بتستمر فى هذا فده مش موقف جديد علينا منها، واحنا عارفين موقفها كويس وبنجهز نفسنا لمواجهة كل هذه الاحتمالات بيبقى الحقيقة فى الآخر شيء واحد أريد انه يكون واضح لديكم، فى كل تصرفاتنا.. فى صداقتنا.. فى تعاملنا.. في فرحنا.. في حزننا.. فى الليل.. فى النهار.. فى كل وقت لا يشغلنا الا معركتنا لتحرير الارض، وعليه بتقوم كل علاقاتنا مع الكل، مدى ما يساهم به أى واحد لانجاز

معركتنا هو المدى الذى نسير معاه فيه، وهو المدى الذى تنبنى عليه علاقاتنا.. أو صداقتنا.. أو عداوتنا يكون ده واضح وصريح، ليه ؟ لانه بيحاولوا يشككوا، احنا مش فاضيين لهذا الكلام، ومش فاضيين لهذه التشكيكات. احنا ماضيين فى طريقنا، قواتنا المسلحة بتكمل واجباتها على أكمل وجه، تخطيطنا ماشى في كل النواحي سياسيا وعسكريا.

         أحب أقول لكم بصراحة لن استمع لأى ض

Hosted by YallaHosting