خطاب الرئيس أنور السادات، رئيس جمهورية مصر العربية
في افتتاح الدورة الجديدة لمجلس الشعب

القاهرة، 15 أكتوبر 1972
جريدة الأهرام، القاهرة: 16 أكتوبر 1972

بسم الله،

كل عام وأنتم بخير،

أيها الأخوة والأخوات أعضاء مجلس الشعب،

        لقد وصلنا في نضالنا إلى نقطة أصبح فيها محتماً على كل واحد منا أن يحمل مسؤوليته بالكامل، وان يعطي كل ما عنده بغير حساب، وان يكون مستعداً إلى أقصى درجات الاستعداد لتلبية نداء الواجب المقدس فى أي وقت وفى أي مكان.

        إن شعوباً قبلنا واجهت مثل ما نواجه اليوم وسمعت صيحة النذير تقول لها: ليس أمامكم إلا العرق والدم والدموع. والصيحة التي يجب أن تملأ آذاننا نحن اليوم هى انه: ليس أمامنا إلا الحق والدم والأمل، لأنه لم يعد هناك مجال فى نضالنا للدموع لأن الذي نخوضه ليس حرباً بالمعنى القديم للحروب وإنما الذي نخوضه هو صراع الحياة والموت معاً. والنتيجة ليست مجرد النصر أو الهزيمة وإنما نتيجته كما قلت أمامكم وأمام شعبنا أكثر من مرة نتيجته هي: نكون أو لا نكون.

        ونحن حين نقول ذلك لانهول من الخطر الذي نواجهه ولا نبالغ في تصويره، وينبغي علينا هنا أن نفرق بين مسألتين:

الأولى: أن الخطر كبير من حيث إن العدو الذي يتربص بنا لا يشتبك معنا على نزاع حدود أو على مغانم تكون له أو تكون لنا، وإنما الصدام على أرضنا بكل ما فيها ومن فيها.

        إن الاستعمار الاستيطاني المسلح على نحو ما نرى في إسرائيل يخلع شعباً من أرضه، ووسيلته في الخلع هي الإبادة والتشريد وفق خطة مقررة وليس هناك حد يتوقف عنده وإنما مطامعه متجددة باستمرار، متسعة بمقدار ما يستطيع سلاحه، أو السلاح الذي يعطى له، أن يصل.

        هكذا رأيناه فيما احتل من فلسطين سنة 1948.

        هكذا رأيناه فيما احتله بعد ذلك سنة 1949

ونحن نراه الآن في الضفة الغربية للأردن، وفي القدس، وفي المرتفعات السورية، وفي غزة، وفي سيناء. نراه في كل هذه الأماكن.

         وما لم نقف،

         وما لم نتصد،

         وما لم نقاتل،

         وما لم ننتصر، فلسنا نعرف غداً أين تكون المطامع وإلى أي حد يصل التآمر الذي استبد به غرور القوة، ووجد من يعطيه منها مددا دائما بغير قيد ولا شرط، واعني به المدد الأمريكى لإسرائيل.

النقطة الثانية: أن الخطر مع جسامته ليس هولاً لا يقهر وإنما على العكس من ذلك تماماً فإن هزيمته ممكنة ويساعد عليها أن هذا الخطر رغم جسامته مضاد لمنطق الطبيعة، مضاد لحركة التاريخ.

        وإنما يتعين علينا أن نتذكر أن الطبيعة لا تفرض منطقها في  مدى زمني مقبول، كما أن التاريخ لا يفرض حركته فى هذا المدى الزمني المقبول، إلا إذا كان هناك عمل إنساني منظم، قادر بالعلم وقادر بالإيمان على أن يضع نفسه في الاتجاه الصحيح لمنطق الطبيعة وفي الاتجاه الصحيح لحركة التاريخ.

        وليست هذه معجزة مستحيلة، وإنما هي مسألة قابلة للتحقيق عندما يتوافر المناخ الملائم لها. والمناخ الملائم لها هو مناخ الوطنية التي تجعل من كل إنسان كتلة حية من أرض وطنه. وتجعل من كل كتلة أرض حياة تنبض وتهب وتقاتل.

        والوطنية بهذا المعنى ليست مجرد نبرة حماسية، وإنما هي، وبهذا المعنى، رباط مقدس بين الأرض والإنسان في كل شيء، في الحياة وفي الحرية، وفي الكرامة، وفي الشرف.

        رباط مقدس، أبدياً أزلياً، إراده الله. وما أراده الله لا يمكن أن يكون غيره.

أيها الأخوة والأخوات أعضاء مجلس الشعب،

        علينا إذن أن نفرق بين هاتين النقطتين ولا نسهو ولا نخطئ أبدا.

        جسامة الخطر من ناحية، وإمكانية صده وتصفيته من ناحية أخرى.

        ومن هاتين النقطتين: استيعابهما بعمق، والانطلاق منهما بوعي، نستطيع أن نفكر وأن نخطط وأن نواجه، راضين بمسئولية العرق والدم، واثقين بعدهما بالأمل في نصر الله سبحانه وتعالى وتأييده.

        وحين نصل أيها الاخوة والأخوات إلى هذه النقطة في نضالنا فإننا نصل إليها واثقين، لسنا فقط في إننا على حق، وإنما واثقون أيضا في أن امتنا كلها وهي في نفس موقفنا تماماً من الخطر، تدرك أيضا أننا على حق، كما أن العالم كله وراء امتنا العربية، يدرك هو الآخر أننا على حق

  ذلك إننا لم نترك محاولة إلا وجربناها، ولا باباً إلا وطرقناه، ولا اقتراحاً إلا وأصغينا إليه كأحسن ما يكون الإصغاء. راغبين بصدق في السلام، غير مشترطين للسلام إلا ضمانة واحدة لا يمكن بغيرها أن يكون السلام، وهي ضمانة العدل،

        وفي ذلك كله فلقد كنا أكثر ما نكون استجابة ومرونة لكل المتغيرات في عالمنا، ويشهد الله أننا بذلنا ما هو فوق طاقة البشر وتحملنا عبئاً تنوء بحمله الجبال.

        لكن أحداً في هذه الدنيا لا يستطيع مهما بلغت قوته، ومهما وصل جبروته وطغيانه، والذي اقصده هنا هو الولايات المتحدة الأمريكية، وليست إسرائيل، أقول إن أحداً مهما بلغت قوته وجبروته وطغيانه إن الولايات المتحدة الأمريكية مهما بلغت قوتها وجبروتها وطغيانها لن تستطيع أن تفرض على شعبنا خرافة سلام الأمر الواقع، لأن سلام الأمر الواقع في حقيقته استسلام. ولن تستطيع الولايات المتحدة الأمريكية أيضاً بكل جبروتها وسلاحها أن تحاصر شعبنا وأمتنا باليأس لأننا ندرك أن اليأس في مثل هذا الصراع الذي نخوضه اليوم هو الفناء سواء بسواء.

        ذلك لن يحدث. ولن ترغمنا عليه أية قوة على هذه الأرض، حتى وان ملكت آلاف الصواريخ المحملة بالرؤوس النووية، وحتى إذا استطاعت أن تمشي فوق تراب القمر.

        إن القوة لا تستطع أن تقهر المبادئ مهما طال الزمن.

        ثم إن العلم لا يمكن أن يتحول في يد المتقدمين إلى سلاح إرهابي لأن ذلك ضد القيمة الإنسانية للعلم.

        وعلى سبيل المثال، إن القوة الأمريكية أمامنا في الدنيا كلها عاجزة، تستطيع أن تفعل ما شاءت لها غرائزها، وتستطيع أن تشعل في الأرض حريقاً ودماراً، لكنها لا تستطيع أن تصل من ذلك كله إلى نتيجة إيجابية واحدة.

        إن القتل سهل، والحريق والدمار متاح، ولكن ما هي النتيجة الإيجابية التي وصلت إليها أمريكا.

        ما هي النتيجة الإيجابية التي وصلت إليها أمريكا في فيتنام؟

         هل استسلم شعب فيتنام؟ أبداً. ما هي النتيجة الإيجابية التي وصلت إليها في الشرق الأوسط؟

        هل قبلت شعوب الأمة العربية بالأمر الواقع ؟ أبداً ولن تقبل به وسوف تظل ترفضه وسوف يجئ يوم ليس ببعيد تعرف فيه الولايات المتحدة أنها دخلت في تناقض عدائي مع أمة عظمى في سبيل حماقة أسطورية أفرزتها الدعاوى العنصرية المريضة.

        ثم إن الِعلم الأمريكي أمامنا حتى في الولايات المتحدة نفسها عاجز بمثل عجز القوة الأمريكية.

        ولنسأل أنفسنا: هل أصبح المجتمع الأمريكي أكثر سعادة، وهل انتهت مخاوف الفرد وهواجسه، وهل وصل المجتمع هناك إلى الجنة الموعودة ؟

ما زال المجتمع هناك مجتمع عنف تمزقه التناقضات الاجتماعية الحادة وتضيع منه يوماً بعد يوم هذه القيم الحضارية التي كان الظن يوماً من الأيام إنها انتقلت إليه في دورة طبيعية من دورات التطور التاريخي.

         إن الحلم الأمريكي يضيع لأن العلم بغير روح لايصبح طاقة بناءة وإنما يصبح قوة تدمير للنفس قبل أن يكون قوة تدمر للغير.

         إن العلم الأمريكي في فيتنام مثلا دمر بغير حساب. ولكن ذلك التدمير في فيتنام بغير حساب دمر أيضاً في روح الشعب الأمريكي بغير حد ولا حساب.

أيها الأخوة والأخوات أعضاء مجلس الشعب،

         لقد حاولنا وجربنا وطرقنا كل الأبواب. وأصغينا إلى كل المقترحات. وكنا أكثر استجابة ومرونة لكل المتغيرات.

         وكان ذلك كله صادراً عن ثلاثة أشياء:

          السلام القائم على العدل أولاً.

          والمبدأ الذي لا يمكن أن نحيد عنه ثانياً.

          والفهم الضروري لأنفسنا ولقضايانا، ولعالمنا ومشاكله في المقام الثالث.

         ثم وصلنا الآن إلى نقطة أصبح محتماً فيها على كل واحد منا، كما قلت لحضراتكم، أن يحمل مسؤوليته بالكامل، وأن يعطي كل ما عنده بغير حساب، وأن يكون مستعداً إلى أقصى درجات الاستعداد.

         ولقد كنت أدرك أننا بقرب هذه النقطة في هذه الملحمة النضالية العظيمة التي يخوضها شعبنا منذ عشرين سنة تحت ألوية ثورة 23 يوليه والتي قادها ذلك المصري العظيم، ذلك العربي العظيم، ذلك الإنسان العظيم جمال عبد الناصر.

         ولعلي أقول لحضراتكم إنني فور الانتهاء من أعمال المؤتمر القومي الأخير للاتحاد الاشتراكي العربي، وقد احتفلنا فيه بالعيد العشرين لثورة يوليه المجيدة، كرست كل جهدي تأهبا لهذه النقطة القادمة على طريق نضالنا.

         كان في اعتقادي دائما أننا يجب أن نبدأ من البداية الصحيحة، وأن نضع أنفسنا في الموقع الذي نخوض فيه معركتنا إلى النهاية المنتصرة بإذن الله.

         كنت على ثقة أن كل شيء يبدأ بنا، وأن كل شيء ينتهي بنا.

  كل شيء يبدأ بأيماننا، وكل شيء ينتهي، بتصميمنا، وهكذا فإني في الشهور الماضية وضعت أمامي الأولويات الثلاث التالية:

  • إطلاق كل القوة الكامنة في الجهاز التنفيذي.
  • ترتيب أوضاع  قواتنا المسلحة.
  • تعبئة كل إمكانيات التنظيم السياسي.

        وبالنسبة للأولوية الأولى فلقد كنت، وما زلت اعتقد أنه في ظروفنا الراهنة وفي هذه المرحلة من تطورنا فإن كفاءة الجهاز التنفيذي، أقصد الحكومة، سوف تكون حداً فاصلاً بين القدرة على تحقيق الهدف وبين القصور عن تنفيذه.

        وعقدت اجتماعات مطولة مع الدكتور عزيز صدقى رئيس الوزراء، ووضعت أمامه كل ما أتصوره للمرحلة القادمة، وطلبت منه أن يتحرك بغير انتظار.

        وربما تلاحظون حضراتكم أنه كانت هناك سياسات وقرارات كان الأمر يقتضي عرضها عليكم في وقتها ولكن تقديرنا كان أن نتحرك، عارفين في النهاية أن كل شيء سوف يجئ إليكم وسوف يعرض أمامكم.

        إن الوزارة، كما لابد لاحظتم حضراتكم جعلت من شهور الصيف الفائت فترة نشاط مكثف توجه هذا النشاط إلى عديد من المشكلات بحلول وجدناها ضرورية، وسبق هذا النشاط إلى عديد من الاحتمالات وجدنا المبادرة إليها أوجب من الانتظار.

        لقد تحركت الوزارة في مجالات شتى من مجالات الإنتاج والخدمات، وأثق أن السجل سوف يكون مرضياً حينما يعرض على حضراتكم وحين يتقدم إليكم رئيس الوزراء ببيانه الوزاري، وحين يتقدم إليكم الوزراء بما أنجزوا من عمل أو بما ينوون إنجازه من عمل.

        وأثق في نفس الوقت أن مناقشتكم الحرة هنا سوف تضيف إلى ذلك كله وسوف تزيده عمقاً واتساعاً.

         هذه بالنسبة للأولوية الأولى.

        وبالنسبة للأولوية الثانية فلست في حاجة إلى أن أقول لكم إن القوات المسلحة كانت ولا تزال درع هذا الشعب والضمان الأكبر لحريته إنساناً وتراباً.

        ولقد عقدت العديد من الاجتماعات مع الفريق أول صادق، وبدوره فإنني أطلعته على فكري كله.

        إن قواتنا المسلحة خاضت حرباً في ظروف هي أصعب ما تكون.

 ثم إنها بعد الحرب تعرضت لظروف هي من أصعب ما يكون، ويكفي أن نتذكر أن مئات الألـوف من شبابنا تحت السلاح، وتحت أقصى حالات الاستعداد منذ أكثر من خمس سنوات وسط طبيعة شاقة وأمام احتياجات ملحة. وفي مواجهة عدو يحصل على أكثر مما يريد.

          وفى هذا كله صبرت القوات المسلحة وصابرت.

          لم ينقصها الإيمان يوماً، ولا نقصتها روح القتال، ولا كفت عن إعداد نفسها لنداء وطنها حين يصدر إليها الإشارة في ظروف يجب أن تتهيأ لصدور الإشارة.

          أما بالنسبة للأولوية الثالثة، وكان يجب أن تكون الأولى بحكم الضرورات التي تفرض أن يخدم التنظيم السياسي وأن يحكم من حيث هو يخدم، فإنني مرة ثالثة التقيت بالمهندس سيد مرعي ووضعت أمامه تصوري لتنشيط وتكثيف وتعميق عمل التنظيم السياسي بحيث يصل إلى أن يكون القوة المعبرة عن أهداف النضال الشعبي والقوة القائدة لتحقيق أهداف هذا النضال.

          ولابد لنا أن نتفق جميعاً، على أن نضالنا لايستطيع أن يصل إلى تحقيق أهدافه العليا إلا تحت قيادة تنظيم شعبي تنبع حركته من حركة الجماهير وتكون عناصره هي الطلائع التي تملأ المواقع الحساسة في الساحة وفق فكر وطني وقومي أصيل يصف بوضوح ما يريد، ويعرف بيقين كيف يستطيع بقوة الجماهير أن يحقق ما يريد.

أيها الأخوة والأخوات أعضاء مجلس الشعب،

          لقد استطعنا في مجال هذه الأولويات الثلاث التي قدمتها على غيرها استعداداً للنقطة التي نوشك أن نصل إليها ما يمكن أن نقول، بغير ادعاء، إن قيمته كبيرة.

          واعرف انه ما زالت أمامنا جهود أخرى كثيرة نبذلها في مجال هذه الأولويات وفي مجالات أخرى غيرها وأن مجلسكم الموقر سوف يكون قوة دافعة لهذه الجهود.

          ولقد بدأنا لأننا لم نكن نستطيع أن ننتظر وتحركنا لأن الحركة كانت ضرورية بل حيوية.

          وكان تقديري، ولا يزال، إننا يجب أن نفرض أنفسنا على المتغيرات الطارئة بسرعة ولا ننتظر وإلا وجدنا هذه المتغيرات تفرض نفسها علينا وتتركنا وراءها.

          وأجد من واجبي أن أقول لكم بعد ذلك كله أن حجم الجهد المطلوب بالعرق والدم لتحقيق الأمل يحتاج إلى كل إنسان على هذه الأرض، إلى كل رجل وإلى كل امرأة، إلى كل شيخ بل إلى كل طفل.

          لأن التحدي هو أن نكون أو لا نكون، تكون أمتنا العربية كلها أو لا تكون.

  لذلك فإنني أجد من واجبي وقد وصلت إلى هذه الإشارة إلى أمتنا العربية أن أحدد أمامكم بوضوح مسألتين أرى منهما خطراً كبيراً وأتمنى لو استطاعت أمتنا أن تتداركه.

          المسألة الأولى هي أن العمل العربي المشترك لا يبدو الآن في وضع يمكنه من أداء دوره الفعال في المعركة وهي معركة الجميع لأنها مستقبل الكل ومصيرهم بغير استثناء.

          إن الأمة العربية، في وقت خطر داهم، تبدو وكأنها مشغولة عنه بغيره مما لا أريد أن أفيض فيه الآن.

          ولقد أكون منصفاً فأقول إن هناك جهوداً عربية لها قيمتها ولها تأثيرها ولكن الحق يقتضيني أن أقول أيضاً إن هذه الجهود لم تبلغ بعد حدها الممكن فضلا عن حدها اللازم.

          ومع أن هناك علامات مشجعة كقيام دولة اتحاد الجمهوريات العربية بين جمهورية مصر العربية، والجمهورية العربية الليبية، والجمهورية العربية السورية، والاستعداد لإقامة الوحدة الشاملة بين مصر وليبيا، إلا أن التحدي ليس موجهاً إلى دولة واحدة أو اثنتين أو ثلاث من دول هذه الأمة العربية وإنما التحدي موجه لها كلها.

          وكان حلمنا في وقت من الأوقات من الخليج إلى المحيط. والخطر علينا الآن في هذا الوقت من الخليج إلى المحيط أيضا.

          ولا يمكن لأمتنا أن تواجه ذلك التحدي بالانشغال بقضايا فرعية هي أبعد ما تكون عن قضية المصير فضلا عما فيها من استنزاف لجهود تحتاجها قضية المصير.

          وقد أقول لحضراتكم إننى لست يائساً من إمكانية العمل العربي المشترك، بل العمل العربي الموحد، بل العمل العربي الواحد، ولعلنا أن نعثر على الصياغة الصحيحة لهذا الجهد الذي نريده والإطار الأكثر ملاءمة لإيجاده، وهذه مهمة نباشرها فعلا عن إدراك بان النجاح فيها سوف يحدث آثاراً واسعة المدى على الصراع الذي نخوضه وهو صراع لا تواجهنا فيه إسرائيل وحدها.

          أما المسألة الثانية، في صدد العمل العربي، هي المقاومة الفلسطينية، ونحن أول من يدرك طليعة التعقيدات التي تتشابك في الساحة الفلسطينية ولكننا مع ذلك كله نعتقد أن نضالنا العربي العام لا يستطيع أن يكمل مسيرته ولا أن يحول هذه المسيرة إلى زحف منتصر ما لم تكن الطلائع المسلحة للشعب الفلسطيني في المقدمة وفي الصف الأول.

          ولقد كانت سياستنا إزاء المقاومة الفلسطينية ترتكز على عنصرين:

الأول: اعتبار المقاومة الفلسطينية هي الممثل الشرعي الحر لشعب فلسطين.

الثاني: إننا نقيس موقف كل بلد عربي ونقيس اتجاهه من علاقته بالمقاومة الفلسطينية.

 كانت سياستنا ترتكز على هذين العنصرين ولا تزال ولن تتغير وإن كنا نتمنى من صميم قلوبنا أن تتمكن فصائل المقاومة الفلسطينية من تحقيق وحدتها ومن تركيز عملها.

         إن الغرور قد وصل بالعدو إلى حد إنكار كل وجود لشعب فلسطين.

         من هنا كان اقتراحي في الخطاب الذي ألقيته يوم 28 سبتمبر ونحن نحتفل بذكرى جمال الذي أعطى لهذه الأمة كلها عمره وجاد بنفسه الأخير وهو يحارب مع المقاومة الفلسطينية، معركة من أعنف وأشرس معاركها، أقول من هنا كان اقتراحي بأنه إذا تألفت حكومة فلسطينية في المنفى فإننا على استعداد للاعتراف بها.

         ولم نكن بهذا نريد أن نفرض عليهم ما لم يستعدوا له بعد أو ما لم تتهيأ ظروفهم لتحقيقه.

         لقد عرضت اقتراحاً وتركت الرأي فيه لهم ولشعب فلسطين. ولم يكن الاقتراح إلا محاولة للرد على التحدي الذي وصل إلى حد إنكار الوجود ذاته على شعب فلسطين.

         وهو مجرد صيغة للمناقشة.

         وهناك بالتأكيد صيغ أخرى ولكن الصيغ كلها وسائل للتعبير عن أهداف، وأهدافنا هنا هي:

         وحدة المقاومة الفلسطينية. ثم: تركيز عملها النضالي ؟

         وليس ذلك مهماً في حد ذاته فحسب ولكن أهميته العظمى تنبع من أن ذلك وحده هو التعبير الحقيقي والضروري عن وجود الشعب الفلسطيني وعن نضاله.

         سوف انتقل الآن، بإذنكم، أيها الاخوة والأخوات، إلى الحديث عن بعض المواقع الهامة بالنسبة لنضالنا وأبدأ منها بالعلاقات المصرية السوفيتية.

         أريد أن أضع أمام حضراتكم ما يلي:

أولاً: إننا نقدر تقديراً عالياً قيمة الصداقة العربية السوفيتية ونحن لم نقصر في الحرص عليها ولا في حمايتها ضد هجمات ضارية وجهت إليه.

         ولسنا نحن بالذين ننكر الجميل أو نتنكر لأصحابه. بل إننا لم نكن نعتبر الأمر مجاملات أو جمائل وإنما كنا نفهم العلاقات العربية السوفيتية باعتبارها صداقة استراتيجية بالنسبة لنا ونحن لم نتغير.

ثانياً: إننا اضطررنا مكرهين لوقفة موضوعية مع الصديق، وقد شرحت لكم دواعيها هنا في جلسة لهيئتكم البرلمانية أثناء دورة الانعقاد غير العادي التى دعيتم إليها في شهر أغسطس الماضي.

         كما أنني شرحت دواعيها في اجتماعات اللجنة المركزية ولغيرها من مستويات تنظيمنا وأجهزتنا السياسية.

 ولست أجد مبرراً للعودة الآن إلى هذه الدواعي ولكني أقول إنه لم تكن لنا ولن تكون لنا سياستان بل سياسة واحدة، ولم يكن لنا ولن يكون لنا وجهان بل وجه واحد، ولقد قلنا ما قلنا ووقفنا كما وقفنا بإخلاص وعلى الخط المستقيم.

ثالثا: إننا بذلنا وسوف نبذل كل جهد لتجاوز هذا الظرف الطارئ في علاقاتنا مع الاتحاد السوفيتي وسوف يكون الحكم دائماً مبادئنا التي لا نحيد عنها وأهداف نضالنا التي لا نجد بديلاً لها خصوصاً وهذه الأهداف تتصل بالأرض وبالمصير وبالشرف.

         وكما تعلمون حضراتكم فإن رئيس الوزراء سوف يسافر ومعه وفد كبير إلى موسكو غداً، وهو مكلف بمهمة يعرف الكل إنني أريدها أن تنجح وإنني أعطيها تأييدي الكامل مبدأ وضرورة في نفس الوقت.

         وأعد أن أجئ إلى مجلسكم الموقر، ولو في جلسة سرية، أحيطكم علماً بالتفصيلات والتطورات راجيا أن يكون في مقدوري ساعتها أن أعطيكم ماتطمئن به قلوبكم وترضى عنه ضمائركم.

أيها الأخوة والأخوات أعضاء مجلس الشعب،

         لعلي استعرض معكم بسرعة بعض المواقع الأخرى.

         ولعلي أشير إلى موقف الولايات المتحدة ولا أجد مناصاً مع الأسف من أن أقول إنه موقف عدائي بالنسبة لنا.

         إننا في معركتنا القادمة سوف نواجه قوة جوية إسرائيلية تجددت بالكامل من الولايات المتحدة الأمريكية.

         والدعم الأمريكي الحالي لإسرائيل تحول إلى ما يشبه خط أنابيب لا يتوقف عن الضخ ليلا نهاراً.

         والتسابق بين ساسة الولايات المتحدة إلى استرضاء إسرائيل أصبح مهزلة أو مأساة ليس لها نظير في العلاقات الدولية.

         ولقد عطلت الولايات المتحدة كل محاولة وسدت كل طريق لكي تضعنا أمام ضرورة قبول الأمر الواقع. وهذا لن يحدث.

         ومع أن موقفنا لا يحتاج إلى تأكيد جديد فإني أريد لكي يسمعوا هم، وليس لكي تسمعوا حضراتكم، أن أقول بأعلى صوت:

  • لن نتنازل عن شبر من الأرض العربية.
  • لن تكون هناك مفاوضات مع إسرائيل
  • لن يكون على هذه الأرض المصرية، ولن نسمح بأن يكون هناك على هذه الأرض العربية، من يفرط في حق لشعب فلسطين.

         لكن الوقت قد حان لكي لا نكتفي بالكلام وحده. إن الوقت قد حان لكي نجعل الولايات المتحدة تدفع ثمن هذا التأييد المجنون لإسرائيل. وتدفعه غالياً.

         وإذا كان هناك من يقولون لنا إن ما نراه الآن على المسرح السياسي الأمريكي، سواء كان وصفه المهزلة أو المأساة، هو من نتائج لعبة الانتخابات الأمريكية، فإن هذه دعوى باطلة ولقد آن أن نضرب وأن نضرب في الصميم، إلا إذا استطاعت الولايات المتحدة أن تخلص نفسها بسرعة وبحزم من هذه التبعية شبه الاستعمارية لإسرائيل وقد فعلت ذلك مرة في وقت كان رئيسها الحالي نائباً للرئيس مع الجنرال ايزنهاور الذي اختار أن يقف مع المبادئ وليس مع الصداقات خلال معركتنا المنتصرة المجيدة سنة 1956 في السويس.

         انتقل إلى موقف أوروبا الغربية وهو موقف نهتم به اهتماماً كبيراً عن تقدير للصلات الحضارية والاستراتيجية والاقتصادية عبر البحر الأبيض.

         إن أوروبا الغربية هي بالدرجة الأولى فرنسا وبريطانيا وألمانيا الغربية. وعلاقتنا بفرنسا طيبة منذ استطاع ديجول مع عبد الناصر بناء جسر بين شمال البحر الأبيض وجنوبه.

         وعلاقتنا مع بريطانيا تتحسن ونحن نرجو أن يستمر هذا التحسن. ومن سوء الحظ أننا لا نستطيع أن نقول نفس الشيء عن ألمانيا الغربية التي تمارس اليوم أساليب الإرهاب النازي ضد العرب.

         انتقل الآن إلى الدول غير المنحازة وقد يكون مفيداً أن أقول إن سياسة عدم الانحياز لم تكن مرتبطة بعصر الحرب الباردة بحيث تسقط مع انتهاء هذا العصر.

         إن سياسة عدم الانحياز هي سياسة الاستقلال الوطني. وهي سياسة السلام القائم على العدل، وهي سياسة المشاركة في رخاء العالم، وإلا انتهى العالم من استقطاب بين الكتل السياسية ذات العقائد المختلفة إلى ما يكاد أن يكون صراعاً طبقياً حاداً ودموياً بين الأغنياء والفقراء على سطح الكرة الأرضية كلها.

         نحن نؤمن بسياسة عدم الانحياز ونعتبرها منهاجاً مستمراً.

         ولعلي أضيف أمام حضراتكم إنني سوف أشرع في اتصالات مع الصديق جوزيف بروز تيتو والسيدة أنديرا غاندي لكي نجدد معًا حيوية ذلك الدور الذي حمل لواءه نهرو وعبد الناصر وتيتو.

         انتقل إلى أفريقيا وقد تأذنون لي أن اوجه من فوق منبر مجلسكم الموقر رسالة إلى الاخوة في أفريقيا أقول لهم: تذكروا أن هناك من يسعون إلى تفتيت تضامن القارة الأفريقية.

         إن الشمال العربي في القارة رفيق كفاح للقلب والغرب والشرق والجنوب من قارتنا.

 إن الاستعمار ما زال قائماً في وسط القارة لم يرحل. والذين يريدون السيطرة على القارة يتحولون الآن، من فرض سيطرتهم الدموية المباشرة عليها، إلى محاولة فرض سيطرتهم الدموية غير المباشرة عليها عن طريق الحروب المحلية والأهلية.

        إن إسرائيل أداة للاستعمار. ولقد كان الرعيل الأول من قادة التحرر الوطني في أفريقيا هم الذين دمغوا إسرائيل بكونها نموذجاً للاستعمار الاستيطاني.

        وإما عن مقدرة إسرائيل على المساعدة الفنية أو الاقتصادية في أفريقيا فإننا نرجوكم أن تستمعوا إلى شهادة الجنرال عيدي أمين في أوغندا.

أيها الأخوة والأخوات أعضاء مجلس الشعب،

        إنني أئصور أن الواجب يفرض علينا ونحن نوشك أن نصل إلى نقطة في نضالنا تحتم على كل منا أن يحمل فيها مسؤولية أن تكون لنا أوسع الصلات بالآخرين لكي يعرفوا أين هم منا ونعرف أين نحن منهم.

        من أجل ذلك فإننا سوف نقوم باتصالات واسعة مع مجموعة الدول الاشتراكية أحزابها وحكوماتها.

        وسوف نوثق اتصالاتنا بالصين التي أصبحت أول قوة آسيوية تصل إلى مرحلة القوى الأعظم وهذا مبعث إعتزازنا جميعاً.

        سوف نفتح جسوراً عريضة مع آسيا ومع أمريكا اللاتينية. إننا نعرف أن نضالنا جزء من النضال العالمي لحركة التحرر الوطني باتجاهها الاجتماعي التقدمي، ونعرف أن معركتنا هي معركة هذه القوى كلها، ونؤمن إننا فيما نحن مقبلون عليه لا نستطيع أن نستغني عن أحد بل ولا أن نعفيه من مسئوليته تجاه النضال الإنساني المشترك وتجاه السلام القائم على العدل.

أيها الأخوة والأخوات أعضاء مجلس الشعب،

        فلتبدأوا دورة جديدة ومثمرة في أعمال هذا المجلس ولتكن هذه الدورة مباركة بإذن الله من بركة هذا الشهر الفضيل، شهر القرآن وشهر التضحية، شهر المبدأ وشهر النضال.