بيان الرئيس أنور السادات، رئيس جمهورية مصر العربية
في الاجتماع المشترك لمجلس الشعب
واللجنة المركزية للاتحاد الاشتراكي العربي
 

القاهرة: 26 مارس 1973
الأهرام، القاهرة: 27 مارس 1973
 

          لقد فكرت في هذا الاجتماع جرياً على التقاليد التي أرسيناها معاً والتي أثبتت الممارسة صلاحيتها.

          وكان التزامي أمامكم - وسيبقى هذا الالتزام - أن أجئ إليكم عند كل علامة بارزة على الطريق وأضع أمامكم ما عندي، وأسمع منكم وندير حواراً نخرج منه عارفين أين تكون خطوتنا التالية ومكانها على خط سيرنا، وما تنتظر منها وماذا نتحمل في سبيلها.

          وذلك يحقق لنا ضمانات، إننا نمارس ديمقراطية ونراجع أنفسنا باستمرار ولا نستسلم للمصادفات أو المفاجآت، وإنما نبقى في كل الظروف ممسكين بزمام الحوادث نقودها ولا تقودنا.

          واليوم أشعر أننا أمام علامة بارزة استوجبت الدعوة إلى هذا الاجتماع.

          تذكرون إننا التقينا هنا في يوليه الماضي عندما اتخذت قرارات بشأن الخبراء والمستشارين السوفيت، كان ذلك علامة بارزة في عملنا. ويجب أن نتذكر أن هذا القرار لم يكن عملاً عدائياً ضد الاتحاد السوفيتي لأن موقفنا منه موقف الصديق، وإنما كان قراراً اتخذناه لأنفسنا وبأنفسنا ولدواعي مصلحتنا معه. ثم عدنا إلى الاجتماع في أكتوبر معاً بعد اتصالات مع الاتحاد السوفيتي في محاولة لاستجلاء الأمور.

          واليوم ومع تطورات مهمة في كل الميادين، أعتقد أننا أمام علامة بارزة اقتضت أن أدعوكم للاجتماع اليوم لأن هناك علامة بارزة في طريق نضالنا.

          تذكرون أنه في أول مايو 1971 وفي خطابي في حلوان قلت بالحرف الواحد أنه لا بد لنا أن نتخذ من هذه المعركة نقطة انطلاق لبناء جديد. وضربت مثلاً يومها بمعركة الاتحاد السوفيتي عام 1941 وكيف اتخذ من هزيمته في صيف 1941 عندما وصل الألمان إلى 15 كيلو متراً من موسكو، اتخذ منها نقطة انطلاق لإعادة البناء إلى جانب تحرير الأرض

ضربت هذا المثل وقلت حتى لو انتصرنا في المعركة ولم نعد بناء الدولة وبناء الشعب وبناء الفرد على أساس من العلم والإيمان حتى لا نتخلف عن العصر الذي نعيش فيه، وفي نفس الوقت نتمسك بمقومات أساسية لا يمكن لنا أن ننتزعها ولا يمكن أن نحقق أي شئ إذا أهملناها أو تخلينا عنها.

          من هنا يبدأ كلامي معكم اليوم، لأنه ما لم نجعل من هذه المعركة نقطة انطلاق لبناء جديد كامل في كل اتجاه، مثل بناء القوات المسلحة وبناء المصانع وبناء الأفراد، إذا لم تكن المعركة نقطة انطلاق لبناء جديد، فلن يكتب البقاء لشعبنا، وسنتعرض لغزوات مماثلة ونظل متخلفين عن مسئوليتنا وعصرنا الذي نعيش فيه، وهذا معناه الفناء أو الهزيمة الكاملة لهذا الشعب.

          اليوم أريد أن أستعرض معكم، ونحن أمام علامة بارزة من علامات النضال، وأصفها بالوصف الذي يجب أن نلتزم به جميعاً، المرحلة التي نبدأها بقراركم اليوم هي "مرحلة المواجهة الشاملة".

          بعد أن نؤمن جميعاً بنتيجة ما أسرده أمامكم من عمل في الداخل والخارج، بعد أن ندرس أبعاده علينا أن ندخل مرحلة المواجهة الشاملة ونحن نؤمن بقدرنا لكي لا نضل أو نتردد، كما حدث للبعض في الفترة الماضية. إن المرحلة الجاية مرحلة المواجهة الشاملة بكل أبعادها.. لماذا؟

          في الفترة الماضية ومنذ العدوان على مدى خمس سنوات ونصف السنة دخلنا مراحل كثيرة مرحلة الصمود، مرحلة الاستنزاف، جهد دبلوماسي في كل اتجاه، عرضنا مبادرات وقبلنا مبادرات.

          كل ما يمكن عمله عملناه، ولكن كان التزمنا دائماً من أول يوم بمبدأين:

  • لا تفريط في شبر من الأرض.
  • لا مساومة على حقوق شعب فلسطين.

          في كل هذه المراحل وحتى هذه اللحظة، كان التزامنا هذا قائماً، لأنه محدد اتفقنا عليه وقررناه لأنه نابع من ضمير شعبنا ومن إرادته.

          ما الذي تم في المرحلة الماضية؟

الوضع الخارجي: في الفترة الأخيرة كان لنا ولا يزال نشاط دبلوماسي مكثف مع القوى الخمس الكبرى ومع غرب أوروبا ومع آسيا ومع الدول غير المنحازة، ومع العالم كله، ومع الأمم المتحدة

وكنا في هذه الفترة نسير على خطين متوازيين: الإعداد العسكري، والنشاط الدبلوماسي المكثف والمستمر داخل إطار البناء الاشتراكي الذي التزمنا به في الميثاق وفي بيان 30 مارس وبرنامج العمل الوطني الذي أضفته أنا إلى بيان 30 مارس.

          ونيجي نستعرض الآن نتيجة الجزء الذي تم إلى وقتنا هذا من نشاطنا الدبلوماسي:

أولاً - الموقف العربي: في الموقف العربي سلبيات كثيرة للأسف، ولكن أيضاً فيه إيجابيات، صحيح أننا لم نعقد مؤتمر قمة، وربما لم يكن هذا الوقت مناسباً الآن، لأنه في تقديري ويقيني أن عقد مؤتمر قمة بدون تحضير وبدون أن تكون الأمور مهيأة لنجاحه يمثل صدمة ولا يكون في صالح المعركة. لقد بدأت حملة تشكيك وحرب نفسية شرسة ضدنا منذ يناير 1972، وقد نبهت عنها في ذلك الوقت. ففي أول يوم من يناير 1972 وقف وزير خارجية أمريكا ليعلن أنه رغم تفوق إسرائيل ستعطيها أمريكا السلاح حتى تضمن لها التفوق باستمرار، وظلوا بين وقت وآخر يسربون أخباراً، مرة عن ذوارق حربية، ومرة أخرى عن اتفاقية التصنيع التي عقدت في نوفمبر 1971 لتصنيع الأسلحة الأمريكية داخل إسرائيل. وكان الهدف من هذه الحرب النفسية هو ضرب جبهتنا الداخلية. لقد انتصرت إسرائيل في معركة عسكرية سنة 67، ولكنها لم تحقق انتصاراً سياسياً، وبقيت المشكلة أعقد مما كانت.

          لقد كان هدفهم من أول عام 72 هو ضرب الجبهة الداخلية بحرب نفسية شرسة تقول للعرب أنه لا فائدة، إسرائيل متفوقة وسنجعلها متفوقة أكثر، ولا سبيل أمامكم إلا التسليم بشروط أمريكا وإسرائيل - وقد نبهت إلى ذلك في أحاديثي عام 72. نتيجة لهذه الحملة الشرسة أصبحت توجد في العالم العربي فجوة تصديق، لم يعد أحد يصدق أن أحداً لديه القدرة لخوض معركة، نجحت أمريكا وإسرائيل في أن يحدثا فجوة تصديق في العالم العربي. ولهذا لا يمكن الدعوة إلى عقد مؤتمر قمة قبل أن تزول فجوة التصديق. وبالرغم من أنه لم يعقد مؤتمر قمة، إلا أن هناك اتصالات ثنائية، وعلى سبيل المثال، فإن دولة اتحاد الجمهوريات العربية التي تضم مصر وسوريا وليبيا، تتقدم بخطوات وئيدة ولكن على أرض صلبة لتكون نواة حقيقية لعمل موحد.

          وأنتهز هذه الفرصة لأحيي شعب سوريا والقوات السورية المسلحة على الجبهة الشمالية التي تشكل جزءاً من الجبهة ومن القيادة الموحدة. كما أحيي الشعب الليبي وقادته الذين يشاركوننا في معركتنا ويقفون معنا لمواجهة المصير.

          وهناك اتصالات ثنائية ولها نتائج إيجابية فعلاً، ولم يحن الأوان للإفصاح عنها الآن، ومن الخير أن نجعلها تستمر دون أن يعرف أعداؤنا شيئاً عنها. المهم المعركة، والمعركة قبل كل شئ وفوق كل شئ. هناك اتصالات ثنائية وإيجابيات بالنسبة للموقف العربي بالرغم من السلبيات التى نراها أخيراً مثل الموقف بين العراق والكويت والموقف بين الأردن والمقاومة

ثانياً - الموقف بالنسبة للدول الخمس الكبرى: بدأنا حملة اتصالات مكثفة ومستمرة حتى الآن، وقد بدأنا بالخمسة الكبار الذين يملكون حق الفيتو في مجلس الأمن وعليهم التزام نحو السلام، سلام العالم ككل بصرف النظر عن الاتجاهات لأي قوة من هذه القوى.

          وقد بدأ حافظ إسماعيل بزيارة الاتحاد السوفيتي. وهنا يهمني أن أقرر أمامكم أننا وضعنا في هذه الزيارة، ثم في زيارة الفريق أول أحمد إسماعيل في فبراير الماضي علاقاتنا الودية مع الاتحاد السوفيتي في إطارها الصحيح وعلى خطها المستقيم تماماً، وكان ذلك هدفاً من أهدافنا. وبعد جلستين طويلتين بين بريجنيف وحافظ إسماعيل وأحمد إسماعيل أستطيع أن أقول أننا وضعنا علاقاتنا في إطارها الصحيح الذي نرضى عنه جميعاً، وهذا هدف من أهدافنا.

          بعد ذلك سافر حافظ إسماعيل إلى لندن، وقابل رئيس الوزراء ووزير الخارجية، وأمامه قالت بريطانيا أنهم ملتزمون بالموقف الذي اتخذوه في هاروجيت بالنسبة لقرار مجلس الأمن وبالنسبة للقضية، ولا جديد في موقف بريطانيا.

          ثم سافر حافظ إسماعيل إلى واشنطن وظهر كلام كثير عن هذه الزيارة، لأن الملك حسين كان قد زار واشنطن ومائير كانت على وشك الزيارة. غير أننا كنا قد أعلنا عن خطتنا قبل ذلك بوقت طويل، ولكي نكون واضحين فإن حافظ إسماعيل لم يذهب إلى واشنطن بمبادرة من عندنا ولا يسمع مبادرة من عندهم. لقد ذهب إلى أمريكا بوصفها دولة كبرى ليسمع منهم تفكيرهم ولهم علاقاتهم القوية بإسرائيل. وكان لا بد أن نستكشف آراء أمريكا لأنها طرف أساسي في القضية. حافظ إسماعيل قابل نيكسون وروجرز وكيسنجر. ويهمني أن أحدد موقفنا الذي سافر به حافظ إسماعيل حتى نكون واضحين. موقفنا كما وصفه أمامهم جميعاً هو الموقف المبدئي الذي التزمنا به هنا أمام شعبنا، لأنه الموقف الوحيد المقبول منا ومن شعبنا. قال لهم، ليس لدينا مبادرات.

          واستمعنا للموقف الأمريكي، ويؤسفني أن أقرر أمامكم، أن خلاصة الاتصالات مع أمريكا لا تؤشر إلا إلى مؤشر واحد هو: أن علينا نحن أن نقدم تنازلات حتى يمكن أن تتحرك القضية، لا أن تحل. تنازلات في أشكال كثيرة متعددة ومعلنة.

          قالت أمريكا إنها لا تستطيع ولا تملك الضغط على إسرائيل، صحيح كان هناك موقف إيجابي من الرئيس نيكسون عندما قال لحافظ إسماعيل: إن المشكلة هي كيف يمكن أن نوفق بين سيادة مصر الكاملة على أرض مصر، وبين مقتضيات الأمن الإسرائيلي. هذا الكلام بشكله الظاهري إيجابي، وإذا أردنا حله وكشف عقلية المسئولين الأمريكيين، يفسره ما قاله ايبان أخيراً، إن أمريكا تنسق مع إسرائيل، ولم تنف أمريكا هذا الكلام، وتعمدت تسريب أخبار صفقة الفانتوم الأخيرة لردع العرب. كيف يمكن التوفيق بين السيادة المصرية وأمن إسرائيل

لقد قال لهم حافظ إسماعيل إننا لا نفرط في شبر من الأرض ولا نساوم على حقوق شعب فلسطين ولا نقبل حلاً جزئياً ولا تسوية منفردة.

          ويأتي كلام الأمريكيين كله متجهاً إلى مقتضيات الأمن الإسرائيلي، وتحت هذه المقتضيات تأتي التنازلات:

  • نزع سلاح سيناء مرفوض.

  • إعطاء إسرائيل أي حق على أرضنا تحت غلاف السيادة في أي صورة مرفوض.

  • لا تنازل على أي صورة من الصورة نحن نعني ما نقول، لا تفريط في أي شبر من الأرض. وسيادة مصر على أرضها كاملة. ولا نقبل حلاً منفرداً ولا نفرط في أي شبر من الأرض العربية، ولا تفريط في حقوق فلسطين.

          خلاصة الموقف الأمريكي مطلوب تنازلات معلنة لإسرائيل حتى ترضى وتتحرك القضية. وانه ليس لأمريكا قوة ولا إمكانية للضغط على إسرائيل.

          وفي حديث روجز مع حافظ إسماعيل، لم يكن عند روجرز غير الحل المرحلي وفتح القناة وحل القضية على مراحل، ونحن نرفض ذلك.

          خلاصة الموقف الأمريكي مع الأسف، مطلوب منا تنازلات علنية حتى تتحرك القضية لا أن تحل، مع العلم من جانبنا بأن أمريكا لا يمكنها أن تضغط على إسرائيل.

          هذا الموقف تفسره زيارة مائير والإعلان عن صفقة السلاح وهذا موضوع يشكل خطورة ستشعر بها أمريكا بعد ذلك. سلوك أمريكا وتزويدها لإسرائيل بمزيد من السلاح لاحتلال أرضنا موقف في غاية الخطورة، ويزيد من خطورته ما قاله ايبان من أن هذا الموقف ردع للعرب. وهذا موقف خطير وعلى أمريكا أن تتحمل مسئوليته بالكامل.

          في نفس الوقت على إخواننا العرب أن يراجعوا هذا الموقف ويزنوه بميزانه.

          في بون حافظ إسماعيل قابل في طريق عودته برانت مستشار ألمانيا، وموقف ألمانيا كما هو وأبلغوه أنهم يريدون أن يلتزموا بنوع من الحياد بين الطرفين، ومحاولة القيام بدور إذا استطاعوا ذلك.

          أما فرنسا فكانت مشغولة بمعركة الانتخابات وسوف يتم الاتصال بها، رغم أننا كلنا نعرف موقفها. وسوف نتصل بها بوصفها دولة كبرى لنطلعها على آخر موقفنا ونعرف منها كل ما يجول بخاطرهم

ومن الصين تلقيت تقريراً من الدكتور الزيات. وموقف الصين موقف مبدئي في تأييدنا بالكامل.

          واتصالاتنا لم تتم فقط مع الخمسة الكبار، وإنما جرت أيضاً مع أقطاب عدم الانحياز، يوجوسلافيا والهند، وتمت أيضاً بالكتلة الشرقية حيث قام المهندس سيد مرعي بزيارة خمس من هذه الدول. والدكتور الزيات يكمل الآن رحلته في آسيا.

          بهذا نكون قد غطينا الموقف العربي وموقف الخمسة الكبار، والاتصالات المكثفة مستمرة في كل اتجاه.

          والهدف من هذا النشاط الدبلوماسي المكثف كما قلت، إننا لا نعرض مبادرات ولا ننتظر مبادرات، إنما نريد أن نطلع العالم كله على ما وصلت إليه المرحلة التي نجتازها وكيف أن الوضع أصبح متفجراً وقابلاً للانفجار في أي لحظة.

          وفي الرسائل التي وجهتها إلى الخمسة الكبار قلت لهم أن الموقف على وشك الانفجار، وعلى كل مسئول في العالم أن يتحمل مسئوليته إزاء السلام العالمي، فالقضية لم تعد تحتمل أكثر من ذلك.

          كنا نسير ولازلنا نسير في خطين متوازيين:

  • بناء وإعداد عسكري بكل ما نستطيع.
  • ونشاط سياسي مكثف.

          نخرج من هذا الجزء لنتقدم نحو المرحلة القادمة. ولن يتوقف العمل السياسي والدبلوماسي، لا قبل المعركة ولا في أثنائها ولا بعدها - النشاط السياسي والدبلوماسي مستمر قبل المعركة وأثناء المعركة وبعد المعركة.

 

          نخرج من هذه المرحلة بالنتائج التالية:

الاتحاد السوفيتي يؤيد موقفنا ويتفهمه ويقف معنا. وقد عادت علاقاتنا معه كما كانت ووضعناها في إطارها الصحيح الذي كنا نحرص عليه.

1.

أمريكا، بعد كل ما قلته يتضح تماماً أنهم يطلبون منا أن نسلم على مراحل أو أن نقبل حلاً جزئياً أو منفرداً، تنازلات تنتهي كلها إلى التسليم على مرحلة أو مراحل. وتصر أمريكا على أمر آخر هو المفاوضات بيننا وبين إسرائيل. وهنا يهمني أن أقرر أمامكم أن ذلك مرفوض.

2.

أمريكا أعلنت إنها تمد إسرائيل بالسلاح. وأعلنت إنها ستحتفظ بالتفوق لإسرائيل لتردع العرب. وسربت عمداً أنباء عن معونات مستمرة لإسرائيل. الشواهد كلها تشير إلى أنها عملية حرب نفسية على جبهتنا الداخلية. فقد تعهدت أمريكا لإسرائيل بالتفوق حتى ييأس العرب.

          النقطة الواضحة هو موقف أمريكا. وهو عنصر أساسي من عناصر المعركة، تصعيد الموقف بالاتفاق مع إسرائيل لزلزلة الجبهة الداخلية. يريدون أن يهدموا إرادتنا من الداخل بعد أن استطعنا أن نبني جبهتنا العسكرية. حتى ننفجر من الداخل ونختلف على أنفسنا فلا يمكن لقوتنا أن تقوم بمعركتها. وإذا حدث انفجار داخلي فلن تكون إسرائيل وأمريكا في حاجة إلى معركة وتنتهي القضية وننتهي كشعب وتتحقق أهداف إسرائيل وأمريكا.

          أردت أن أخرج بهذا الدرس إلى العالم، وعايز أقول لكم حاجة. في غرب أوروبا قالوا لنا: لا بد أن يحس العالم بكم ويعرف قضيتكم، وأنتم وحدكم القادرون على أن تجعلوا العالم يحس بكم. لا أمريكا ولا روسيا.

          خلاصة الموقف: أن نأخذ مسئوليتنا كاملة بتحرك عسكري جاد وتحرك سياسي جاد. وبدون ذلك لن يحس بنا العالم وتظل القضية معلقة. وأقصى ما نصل إليه هو حل جزئي أو مرحلي.

          هذه المرحلة علامة بارزة. مرحلة المواجهة الشاملة وقد كان مقرراً أن يعقد هذا الاجتماع في نوفمبر الماضي بناء على حسابات في الصيف. وفي افتتاح مجلس الشعب في نوفمبر الماضي، قلت إنني في أغسطس دعوت رئيس الوزراء وأمين الاتحاد الاشتراكي ووزير الحربية وأعطيتهم تصوري عن المرحلة. وكان تخطيطي أن ندخل هذه المرحلة في نوفمبر الماضي. لكن لظروف لم يحن الأوان للكشف عنها تأجلت - وكان هذا محسوباً منذ الصيف الماضي - وهذا معناه إننا نسير بخطة وليس نتيجة لأحداث أو متغيرات.

          الدرس الذي خرجنا منه بوضوح هو أنه لا بد أن تدب الحياة فينا ونقول للعالم إننا أحياء ونستطيع أن نغير الموقف عسكرياً وسياسياً. ولا يكفي أن ننتصر، بل لا بد من البناء، ونحن مؤهلون لذلك. يجب بناء الدولة جنباً إلى جنب مع المعركة، وإلا لن يكتب لنا البقاء.

          أنتقل للجزء الداخلي في المرحلة الماضية. في مستهل كلامي قلت لكم أنه في مايو سنة 71 وقفت في حلوان وقلت لا بد أن نجعل من هذه المعركة منطلقاً لبناء جديد، وإلا كتب على شعبنا الضياع نهائياً. لا يكفي أن ننتصر في المعركة، لا بد من البناء الجديد القائم على كل ما في العصر من علم وتكنولوجيا ونحن لا ينقصنا لا العقول ولا القواعد الصناعية ولا الكادرات ولا أي شئ. موجود عندنا كل شئ ومؤهلين أن ندخل هذا العصر بخلاف دول كبيرة مثلنا. نحن مؤهلون تماماً، بل أجزاء منها موجود

أقول إنه بدون أن نتخذ من هذه المعركة نقطة انطلاق تكتب لشعبنا الحياة، وضربت مثلاً كما قلت بالاتحاد السوفيتي. الاتحاد السوفيتي في عام 41 كان التفوق العلمي والفني الألماني عليه أضعاف تفوق إسرائيل علينا، أضعاف أضعاف، بل أن ألمانيا أخذت العالم كله بما فيه الدول الصناعية العظمى على غرة. عشرة سنين ظل هتلر يجهز فيها نفسه، تماماً كما ظلت إسرائيل تجهز نفسها عشر سنين من 57.

          أخذ هتلر الدول الصناعية الكبرى على غرة إنجلترا كانت دولة صناعية من الدرجة الأولى، أمريكا كانت دولة صناعية من الدرجة الأولى، فرنسا كانت دولة صناعية من الدرجة الأولى. ومع ذلك لأن هناك واحداً ظل يجهز نفسه عشر سنوات والثاني نايم، أمكن أن يأخذ فترة زمنية تفوق فيها الألمان ليس فقط على روسيا التي لم تكن دولة صناعية درجة أولى، كانت دولة عادية. فهو تفوق على الدول الصناعية الدرجة الأولى لأنهم لم ينتبهوا، وكان هو منتبه ويرتب نفسه كما حدث بين إسرائيل وبيننا.

          أقول إنه ما لم يسر البناء، بناء الدولة الجديدة إلى جانب المعركة، الاثنين في وقت واحد، لن يكتب لشعبنا البقاء. الاتحاد السوفيتي ظل ثلاث سنوات يحارب حرباً شرسة إلى أن أخرج الألمان من أرضه، ولكنه لم يقف، أكمل البناء الجديد الذي جعل الاتحاد السوفيتي قوة من قوتين كبيرتين في العالم اليوم. طلعوا القمر وأرسلوا لونوخود على القمر، وعندهم تكنولوجيا، وعندهم صواريخ عابرة، وتذهب أمريكا تتفق معهم، ويسافر نيكسون إلى موسكو لكي يتفق معهم. لماذا؟، أقاموا البناء إلى جانب تحرير الأرض.

          هذا ما قصدته إذا لم تكن المعركة نقطة انطلاق لبناء جديد، فحتى لو كسبنا المعركة عسكرياً وحررنا أرضنا بعد خمس سنين، سنكون في وضع أسوأ ويعتدي علينا مرة أخرى، وسيكون أبعاد الاعتداء أمام التقدم العلمي الرهيب الذي يسير في العالم أكثر من أبعاد ما وقع علينا. وتكون الهزيمة ألعن مما وقع في سنة 67.

          هذا التفسير لكلامي ما لم نجعل من المعركة نقطة انطلاق لبناء جديد، يبقى إحنا بنقامر بمصير شعبنا أمام الله وضمائرنا وأمام شعبنا والأجيال القادمة.

          ماذا حدث في الداخل؟ إحنا حكينا عن اللي حصل في الخارج وطلعنا بالدرس المستفاد. ماذا حدث في الداخل؟، إحنا بدأنا مسيرتنا منذ عبد الناصر، بالميثاق وبيان 30 مارس. في 28 سبتمبر سنة 70 توفي عبد الناصر، تحملنا كلنا المسئولية ومضينا إلى أن جاء 15 مايو. في 15 مايو قلنا هنا علامة من علامات الطريق، الميثاق هو دليلنا تماماً، بيان 30 مارس هو الأساس اللي الشعب أعطاني ثقته وانتخبني على أساسه، هذه هي الوثائق الأساسية ما بعد 15 مايو، وهو استمرار للميثاق ولبيان 30 مارس، ولكن بعد 15 مايو وبعدما تكشف لنا ما تكشف كشعب ناديت قلت علشان نطبق الميثاق التطبيق السليم ونمارس الممارسة الديمقراطية السليمة الواردة في بيان 30 مارس، يبقى إنه لا بد أن نأخذ بدولة المؤسسات وسيادة القانون، من هنا بيكتسب 15 مايو أهمية، مش لأنه تاريخ ثورة جديدة، أبداً ثورة 23 يوليه ثورة واحدة لا تتجزأ، وثائقنا وثائق ثابتة، الميثاق، بيان 30 مارس. ووضعت أنا بعد 15 مايو برنامج العمل الوطني. وثائقنا ثابتة

لكن بعد 15 مايو لكي نطبق الميثاق ولكي يشترك الشعب كله في حمل المسئولية قلنا دولة المؤسسات وسيادة القانون، ووضع مجلس الشعب القوانين المنفذة للدستور ومنها قانون الحريات، حصلت المناقشات في مجلس الشعب، وبدأ كل إنسان بعد 15 مايو يحس تماماً بمسئولية في المرحلة وفي المعركة اللي إحنا عايشنها، وعندما أقول المعركة فالمعركة قائمة منذ العدوان ومن قبل العدوان، وإنما دخلت في دورها بعدوان 67 في الدور النهائي لها. نحن في معركة من 67 مش جديد الذين يريدون التشكيك في المعركة.

          إحنا في المعركة من 67 والمعركة قائمة من 67، قلنا علشان نطبق الميثاق ونطبق الخط الاشتراكي بتاعنا بنعمل دولة المؤسسات وسيادة القانون ونعطي ضوابط للسلوك الديمقراطي، كيف؟ العلاقة بين المؤسسات وبعضها، وبالتالي بين الدولة كلها كدولة وبينها وبين الشعب. لا بد أن أكون صريحاً معاكم، آمالي في هذه الناحية بالقدر الذي كنت أريده لم يتحقق بالنسبة لدولة المؤسسات أو سيادة القانون، لماذا؟ بعض الأوضاع والحساسيات القديمة فرضت نفسها، بعض القوى لم تعرف دورها في الممارسة الجديدة. قواعد الممارسة نفسها كانت دائماً محفوفة بخطر بعد الظروف التي عشناها كلنا واللي انتم عشتوها. قواعد الممارسة التي نبهت عنها في مجلس الشعب محفوفة بالمخاطر، كلها يعني مثل هذا الموقف، وأنا قلت في مجلس الشعب إنه لا بد أن الإنسان يتجاوز ويكون فيه شئ من التجاوز لكي تكمل التجربة. يعني معناها إنه تحصل أخطاء ونصلح الأخطاء، لكن المسألة تعدت هذا لأنه كما قلت توجد حساسيات وكما قلت هناك ناس لم يقدروا على تحمل الدور المطلوب منهم تماماً، وكما قلت وهذه أخطر نقطة، الممارسة فهمت خطأ، الناس يتكلمون عن الصراع بين الحكومة والاتحاد الاشتراكي، وبين الاتحاد الاشتراكي والحكومة، وبين مجلس الشعب والاتحاد الاشتراكي، وبين مجلس الشعب والحكومة. في دولة مؤسسات، هذا مش ممكن لأن ذلك يعني دولة متناقضات وليس مؤسسات.

          علماً بأنه في وسط هذا كله يحكمنا ظرف قاهر وهو المعركة. ولا نستطيع أن نؤجل المعركة إلى أن نرتب أنفسنا، ونرتب الممارسة، لأنه لا مصلحة وطننا ولا المرحلة التاريخية اللي بنمر بيها ولا مرحلة الظروف الدولية التي تحيط بنا والتي تحدثت لكم عنها والتي أسفر عنها اتصالنا بالعالم كله تسمح أن تنتظر المعركة حتى نرتب أنفسنا في الداخل، فالمعركة ملحة تماماً كما أن الممارسة السليمة ودولة المؤسسات وسيادة القانون ملحة ولا بد أن يسير الاثنان معاً.

          ماذا كانت نتيجة ذلك؟. كانت نتيجته التضارب الذي حصل، ونتيجته الصراعات التي طلعت من داخلنا. أسباب البلبلة في موقفنا نحن خلقناها من داخلنا وانعكست طبعاً على العالم من حولنا، وأنا نبهت لهذا في اجتماع عام في مجلس الشعب، ونبهت في اجتماعي مع اللجنة الدائمة لمجلس الشعب، ونبهت في اجتماعي مع الصحفيين الذين حضروا. نتيجة هذه التناقضات حصلت بلبلة لنا وعكسنا هذه البلبلة من حولنا على العالم، بل وهذا ما ساءني فعلاً أننا شوهنا سمعة مصر بدون داعي. بيان يطلع باسم طلبة، وأنتم كلكم تعرفون أن هناك 250 ألف طالب في الجامعات والمعاهد العليا والذين قبض عليهم في ديسمبر يبلغ عددهم 48 تقريبا ً

هل هؤلاء يمثلون طلبة مصر. نحن الذين بلبلنا أنفسنا من يريد البلبلة في وسطنا. كما قلت لكم إنه نتيجة للحملة التي ابتدت في أول يناير 72 بواسطة المستر روجرز والتصعيد اليوم الذي طلع سنة 72 بعد زيارة جولدا مائير والإعلان بأنه لردع العرب، إنما يقصد أن يبلبلوا جبهتنا من الداخل وننقسم على أنفسنا وننفجر على نفسنا من داخلنا. هذا هو هدف العدو في الخارج. في الداخل نحن بنعمله ونهيئ له الجو، ولحسن الحظ ونحمد الله أن أثر كل هذا كان محدوداً جداً، وإنما أحدثكم عنه لأنه يشكل علينا خطورة بالنسبة للمرحلة القادمة مرحلة المواجهة الشاملة، فلا نتحمل أبداً أن نمر في مراحل بلبلة نكون نحن الذين نعملها بأنفسنا.

          ومن ناحية أخرى لا شك أن عندنا في الجهاز الحكومي أوضاع بيروقراطية، أيضاً أوضاع ناشفة في مصالح الناس، الروتين والبيروقراطية أخطبوط رهيب جاثم على صدور الناس كلها، وهو أيضاً من ضمن العوامل، نتيجة لهذا حصل نوع من التسيب السياسي في البلد، التشكيك في كل شئ، أي قرار يصدر يتعرض للتشكيك، لا توجد خطة، الدولة ليس لها خطة، وهبطوا إلى شن الحملات الشخصية على الأشخاص التي ربما وصلت إلى أسماعكم. نوع غريب من التسيب السياسي، أكبر ظاهرة فيه هي التي جرت في الجامعات، والذي وقع في الجامعات كان من بدء الصيف الماضي وليس من بدء فتح الجامعات. أنا اتكلمت في مجلس الشعب عن هذا. ده ماشي من الصيف الماضي تكملة لحركة 72 الأولى اللي اتشكلت فيها ما يسمى بلجنة الطلبة العليا، ولما دي ما نجحتش وانتهت الحركة واعترف فيها الناس من القائمين بالأدوار اللي قاموا بيها. لكن جينا في المؤتمر القومي وقلنا نسامحهم ونوديها الجامعات، راحت للجامعات ولم يحقق فيها.

          واستمر النشاط حتى أكتوبر 72، ما بقاش علشان يغيروا الاسم، لكن الهدف هو. بدل لجنة الطلبة العليا لجنة الدفاع عن الديمقراطية والدفاع عن الحريات.

          قبلها زي ما حكيت لكم في مجلس الشعب حصلت في جامعة عين شمس الندوة اللي أطلقوا عليها ندوة فكر عبد الناصر، اللي أرادوا بيها أن يطلعوا عبد الناصر ماركسي. طيب أمال عمل تحالف قوى الشعب العاملة ليه. ده أنا هنا في 28 سبتمبر هنا في هذه القاعة وإحنا في ذكراه بأقول إن من عبقريات عبد الناصر حتمية تحالف قوى الشعب العامل. هذه النظرة اللي ابتكرها ليه، لأنه زي ما حكيت لكم في 28 سبتمبر الراجل ما بيستلهمش إلا من تراب هذا البلد، وطنيته وطبيعته وتكوينه وأهدافه والمرحلة اللي بيمر بها، طيب ما كان ممكن يقول ديكتاتورية حزب أو ديكتاتورية البروليتاريا أو تعود أحزاب أو أي حاجة. لا قال تحالف قوى الشعب العامل. بنقول إن العمل هو المقدس، قال هذا عبد الناصر كل من يتقاضى من عمله راتب ومعندوش غيره من أول رئيس الجمهورية إلى أصغر واحد كلنا عمال والعمل هو أشرف شئ.

          في الندوة دي بيطلعوه ماركسي، وزي ما قلت لكم راح لهم أستاذهم وقال لهم الكلام ده اللي بتقوله مش فكر عبد الناصر، الكلام الذي تقولونه ماركسية فكر عبد الناصر موجود في خطبه وفي وثائق الثورة وفي

فلسفة الثورة وفي الكلام الذي تركه عبد الناصر. موجود ومطبوع ومكتوب ومسجل. وحتى الكلام كله، ولسنا في حاجة لأحد يبحث لنا عنه يجيبه لنا، موجود عندنا مسجل.

          بدأت منذ ذلك يعني في الصيف، بدأت بهذه وبعدين دخلت على الجامعات وابتدى. إحنا بنقول الوثائق الأساسية عندنا بعد 15 مايو هي نفسها الوثائق اللي قبل 15 مايو. الميثاق وبيان 30 مارس وأنا أضفت عليه برنامج العمل الوطني بعد 15 مايو. ابتدت قوى لها مصالح تتحرك. القضية راحت للمدعي الاشتراكي الذي حولت له. والذي أرجوه من مجلس الشعب أن يصدر قانونه.

          أنا كل ما بيهمني سلامة المجتمع وبأرجو أن يصدر مجلس الشعب قانون المدعي الاشتراكي لحماية المجتمع. فلا يوجد مجتمع في الدنيا إلا وله حماية.

          المدعي العام في أمريكا وهو وزير العدل بيحمي النظام الرأسمالي. المدعي الاشتراكي في المعسكر الاشتراكي في روسيا وفي غيرها بيحمي النظام الاشتراكي. هنا نريد مدعي اشتراكي يحمي هذا النظام. يحمي الأموال العامة ويحمي المجتمع من الانحراف. القاضي لا سلطان عليه إلا لضميره. ويجب أن نشجع هذا حتى نعطي ضمانة لشعبنا لكي يثق في من يقف لحماية مصالح المجتمع. ولذلك أطالب بأن يصدر قانون المدعي الاشتراكي بجميع أركانه.

          نتيجة لقولنا دولة المؤسسات وسيادة القانون، ابتدت عناصر انضرت من التغيير اللي حصل في 15 مايو، كلنا نعرفهم، بتوع التنظيم الطليعي، جزء كبير من اليسار اللي كان ارتباطه بمراكز القوى، لأن مراكز القوى كانت شغالة باليسار. ولنتكلم بصراحة وكلكم يعرف هذا. والميثاق لما كان في المعهد الاشتراكي كان بيتفسر على إنه ماركسي علشان كده عاوزين يحولوا عبد الناصر ماركسي. هؤلاء أضيروا في 15 مايو. ولذلك أقول أن 15 مايو أصبح له أهمية ولازم نعي ونرجع تاني لهذا.

          التنظيم الطليعي زائد الجزء الكبير من اليسار الذي اعتقد صدقاً أو كذباً أو مصلحة أو انتهازية أنه أضير في 15 مايو ابتدى كله يتآمر. وفي ظل سيادة القانون ودولة المؤسسات، ومن خلالها تهيأ لهم أنهم يستطيعون النفاذ إلى أي وضع.

          من أول أكتوبر حتى الآن ما زالت بعض عناصر شغالة في هذا. افتكروا أن ده سبيل للتآمر. بقت سيادة القانون ودولة المؤسسات وقانون الحريات سبيل للتآمر، لا، أنا لن أتراجع عن دولة المؤسسات ولا عن قانون الحريات ولا عن سيادة القانون. لكن يجب وضع الضوابط. ومن هنا تجئ أهمية أن أقول أنه في المرحلة المقبلة غير مسموح بهذا على الإطلاق. فقد تركنا أربعة شهور واتفرجنا واتفضحنا في العالم كله. طلبة مصر استنجدوا بطلبة العالم، وهم كلهم ناس أمام القضاء وأمام النيابة ستقول رأيها فيهم

 هم 40 أو 48 طالباً، ويصور هذا في الخارج على أنهم طلبة مصر الربع مليون، ويشترك صحفيون من عندنا للأسف، وناس من عندنا يطلعوا هذا الكلام وتهتز الدنيا كلها، نقبض على دول رؤوس الفتنة بالقانون العام العادل وليس بقانون الطوارئ. يقولون أين سيادة القانون والمعتقلات. ليس في مصر معتقل اليوم. لقد مر عام ونصف ليس في مصر معتقل ولا معتقلين ولا معتقلاً، هذا انتهى ومن يقبض عليه يكون بأمر النيابة وبإذن النيابة وبإجراء قانوني.

          لماذا هذا التصعيد. قالوا في الكتابات التي عند المدعي الاشتراكي لا بد من العنف الثوري أمام أيدي السلطة المرتعشة. انهم يريدون تحويل بلادنا لمجزرة. هذا الكلام مستورد من الخارج وبلادنا لا ترغب في ذلك أبداً. بلادنا لم تعش عمرها على الدم ولا تحب الدماء أبداً.

          لقد نشأنا كلنا هكذا، وهذا مخالف لميثاقنا، لأن ميثاقنا يقضي بأن تحل التناقضات سلمياً وليس بالصراع الدموي. وحتى في تغيير هيكل المجتمع الكبير الذي صنعه عبد الناصر، التغيير الضخم بقوانين 61 لم يرق دم عندنا.

          مصر طول عمرها وسط، لا تحب التطرف أبداً. نحن عمرنا سبعة أو ثمانية آلاف سنة، استوعبنا كل من أغاروا علينا. بالنسبة للكارثة التي عشناها وهي إننا بنواجه عدواً لا بد من تجهيز أنفسنا له، والدم نفقده هناك ولا نريد أن نفقده هنا، لا نريد إثارة أية أحقاد.

          يصعد اثنان كما رويت لكم إلى الأتوبيس ويجلسوا وسط الركاب ويقولان إن الطلبة ضربوا بالأمس وتوفى أحدهم، ويهبطان بعد محطتين بعد أن يسمع الركاب. من ناحية ثانية يأخذا أمهات المقبوض عليهم ويبعثوهن إلى نقابات مهنية وإلى الجامعة لكي يقلبوا الشعور ويقلبوا المشاكل. الموضوع ريحته غريبة. ولأول مرة يحدث، ما هذا. تدبير وإصرار وتخطيط، قلت لممدوح دي وراها حاجة لأن هؤلاء أعداد قليلة في جامعتين اثنين فقط القاهرة وعين شمس ينتظرون الطلبة بعد المحاضرة الأولى الساعة 11.30، الجماعة اللي عاوزين يزوغوا هما اللي بيأخذوهم وياهم ويطلعوا، كانوا بيعملوا المظاهرات، هما دول طلبة مصر، لا. بقية الجامعات العليا كلها منتظمة. كان في تدبير كل الدنيا ما تهدى. الأمن المركزي، الأمن المركزي ده معمول علشان مظاهرات. لا الشرطة تغير مفهومها من زمان، الأمن المركزي بالتدريب اللي هو فيه النهاردة معمول علشان أساس من أسس المقاومة الشعبية زي يوم ما تقوم المعركة، ويتدرب زي الصاعقة في الجيش بالضبط علشان مقاومة شعبية لحماية ظهر قواتنا المسلحة داخل الشعب، ده مش عملينه علشان مظاهرات، إيه. الكلام ده كان زمان.

          إحنا كلنا في جرح ومجروحين وكلنا بنعاني الغلاء والبيروقراطية اللي حكيت لكم عليها وتناقضات، فيه مليون مشكلة، تليفونات شبكتها اللي كان لازم تتغير من 20 سنة فات عليها 50 سنة كل شئ عندنا محمل بأكثر مما يتحمل، لكن بنقول بنستحمل ده كله، نكمل معركتنا وبعدين بنكمل البناء، بنعيده كله، بنبني في الحيز

اللي يخلي عملية البناء الاشتراكي مستمرة، لكن بنكمل معركتنا، وبعدين بننطلق في البناء كله بقى، علشان كل شبكاتنا، الميه والتليفونات والمجاري، كله يتغير مرة واحدة بس لما نخلص معركتنا.

          أي إنسان ممكن ينتقد النهاردة، وأنا بأتكلم الكلام ده للصحفيين الموجودين معانا لأن كان لهم موقف غريب، انتقادات، بقولك المطر نزل فوق التليفونات، أمال هتعملوا إيه في المعركة. المعركة من أول يوم في المعركة التليفونات هتتعطل عندنا وعندهم من أول يوم في المعركة كل شئ سيتعطل عندنا وعندهم، بل هو سيضربني وأنا سأضربه مش مشكلة. دي الفهم الصح في حوادث الطلبة. كان موقف الصحافة غريب جداً وهم معانا وقاعدين معاكم ودلوقت تسمعهم، مفيش صحفي واحد يدافع عن دولة المؤسسات وسيادة القانون، أنا مش عاوزه يدافع عن حاجة عن السلطة زي ما بيقولوا لأن بس دافعوا عن دولة المؤسسات وسيادة القانون، لأنه بدونها ماكنش حد يقدر يفتح بقه زي ما بيتكلموا دلوقت، محدش أبداً، إما خوفاً من الطلبة أو مجاراة للطلبة. وكذا أو هو ذاته مرعوب وبيقلك الدنيا راحت ليه كده ليه، ده في الصحافة جرى حتى لدرجة إن خمسة يسيطروا على نقابة الصحفيين ويصدروا قرارات، وأرسلوا ليه إنذار في بحر أسبوعين، الجمعية العامة مجتمعة وعليك انك تعمل كذا وكذا، الجمعية مجتمعة أسبوعين، إزاي هنشوف إيه هل ستحاسبني، إنذارات حاجة غريبة، تسيب سياسي وشئ غريب. ما فيش اجتماع إلا وحضروه معايا الصحفيين معايا هنا، وعارفين الصورة كاملة، إنما بقولك الوضع مش واضح انتم أكثر ناس بتعرفوا البرقيات وعارفين إيه اللي بيقال بره وعارفين إيه الصورة وعارفين إنه ما لم نعمل معركتنا لن يحس بنا العالم. إننا داخلين ومقبلين على هذا حضرتوا اجتماعاتنا كلها على مستوى المسئولية.

          للأسف ضمن التسيب السياسي اللي حصل كانت النتيجة إن التآمر أخذ مداه إلى أن مسكنا التآمر، مفيش داعي أقول تفصيلات لأنها عند المدعي الاشتراكي، هو اللي يملك إنه يقول تفصيلات عن هذا الموضوع في الوقت الذي يراه مناسب. لكن عاوز أقولكم عملية الطلبة المنشور الأول والثاني اللي طبع اتقال عليه إنه يمثل الحركة الطلابية، ويوزع باسم الطلاب للشقق اللي كانت تؤجر مفروشة، أي طالب هذا الذي يستطيع أن يؤجر شقق في شارع الهرم علشان يأوي طلبة مطلوب القبض عليهم ويأكلهم، إيه النوع الجديد من الطلبة ده. إحنا على أيامنا كنا غلابة، إيه دخول الأمهات لمدرجات الجامعة والنقابات، كل هذا موجود ومسجل أيضاً بأمر النيابة، اتمسك التآمر لكن ليس هذا ما أريد أن أتكلم عنه النهاردة معاكم. هل في مرحلة المواجهة الشاملة المقبلة فيه مكان لمثل هذا أن يتكرر تاني.

          أظن زي ما خرجنا بدرس مستفاد من عملية نشاطنا الدبلوماسي بأخرج دلوقتي بدرس مستفاد مما حدث في الجبهة الداخلية نتيجة سوء الفهم أو سوء القصد والتعمد، نحو فهم دولة المؤسسات وسيادة القانون والحريات. أظن نطلع بدرس مستفاد إننا في المرحلة المقبلة مرحلة المواجهة الشاملة، بل في مرحلة السلم أيضاً لا يجب أن نسمح لأحد أن ينال من المؤسسات ولا من سيادة القانون ولا من الحريات، ولا يتصور أن يتخذ من هذا السبيل للتآمر على البلد لا في الحرب ولا في السلم

وعلى سبيل المثال أولادنا الطلبة بيستغل اسمهم في كل هذا، وأنا بأقول إنهم أبرياء من كل هذا. علشان كده بأقول وطلبت من وزير الشباب أن يتولى الطلبة بأنفسهم وضع ميثاقهم هم، ميثاق المعركة الطلابية ويقولولي هل الحركة الطلابية حرق الأتوبيسات، واللا الحركة الطلابية تكسير المعامل اللي إحنا بنشقى لأجل أن نبنيها لهم لأجل أن يتعلموا، واللا ناسيين المدن الجامعية اللي بنصرف عليها ملايين من أجل القادمين من الأرياف. هل هذه هي الحركة الطلابية التي تعبر باسم طلابنا؟ لا طلابنا أنا عارف إنهم أبرياء من هذا. يضعوا ميثاق الحركة الطلابية. يلتزموا به. الكل داخل هذا الميثاق له على الدولة حق العلم، وله كمواطن أن يقول رأيه كاملاً بالأسلوب الديمقراطي السليم، بعد ذلك ومن يخرج عن هذا ليس طالب ولا نعامله كطالب بمقتضى هذا الميثاق.

         المسيرة لا بد أن تسير على طول إلى الأمام إن شاء الله في الحرب أو في السلم.

         لما نخرج من المرحلة القادمة المواجهة الشاملة، وأقول ماذا ستكون ملامحها، ملامح المرحلة الماضية قلنا إعداد عسكري بكل طاقاتنا، تحرك دبلوماسي كامل ومكثف كل هذا داخل البناء الاشتراكي الذي نحن بنبنيه، أنا بقول مسئوليات المرحلة القادمة مرحـلة الـمواجهة الشاملة ها تكون زي ما هية:

أولاً:

إكمال البناء العسكري لكي يتم مهمته بكل قوة وبكل ما نستطيع.

ثانياً:

إكمال التحرك الدبلوماسي اللي أنا قلت أنه قبل المعركة وخلال المعركة وبعد المعركة لن يتوقف.

         بيزيد شيء عن مهام المرحلة الماضية هي التضحيات. مرحلة المواجهة الشاملة بندخلها كشعب، كل واحد فينا يحمل مسئوليته وقدره في ايده لأن المعركة لن تكون على الجبهة فقط، ولا في سينا فقط. لكن المعركة ستكون على القرية وعلى المصنع وعلى المدرسة وعلى القناطر وعلى الكوبري وعلى كل مكان.

         في بلدنا إذن نحن كلنا في المعركة كلنا كشعب إذن. لا بد أن توزع أعباء المعركة توزيعاً عادلاً على كل إنسان، ولا بد أن يتحمل كل واحد فينا بقدر طاقته أعباءه في هذه المعركة. ولكن هذا يحتاج إلى تشريع ومجلس الشعب كفيل بدراسة ذلك. أمامنا حالات مماثلة حصلت مثل معركة إنجلترا وإلى أي مدى كان الشعب بيساهم. كل إنسان بما يستطيع وبما تسمح به. والدولة بتسخر كل الإمكانيات للمعركة، وأيضاً فإن على مجلس الشعب أن يدرس بسرعة هذا الكلام ويوزع ويعيد توزيع أعباء المعركة علينا كلنا كشعب. ولمجلس الشعب في هذا نظرية في أصحاب الدخول الطفيلية وفي الناس الذين ظهرت عليهم فجأة علامات جديدة. التشريع كفيل لأن يصحح هذا مثلما فعلت قبلنا دولة مثل إنجلترا وغيرها. ليس الحقد مثلما كان يريد المتآمرون أن يفعلوا. حقد أسود يصل بنا في النهاية إلى أن نبقى نسيح دم بعض وتاركين العدو على أرضنا. هناك من الواجبات الأساسية مثل قانون المدعي الاشتراكي على مجلس الشعب إنه يعيد توزيع أعباء المعركة، ولا يوجد واحد على أرض هذا الوطن إلا ويتحمل على قدر ما عنده ولا بد أن يكون هذا واضح

 أنا كنت زمان كنا نضحك على حكاية العشور كما كنا نقرأ ويقولوا دول فارضين عشور، ولما بيأتي واحد رايح السوق وداخل يقوموا فارضين على المعزة مش عارف كام وعلى ده إيه وعلى ده إيه. يقولوا عليها العشور عندنا في الفلاحين، الإنسان كان بيضحك.

          لأ النهاردة لأ، النهاردة الكلام ده حقيقي. كل من عنده ميزة عن الثاني لازم تكون تضحيته أكثر ممن ليس عنده ميزة. لازم الأعباء تتوزع بالتساوي، عندئذ كلنا كشعب أياً كانت الصورة سنتحمل أعباء معركتنا، وكذلك في التموين أيضاً. نصارح الشعب بالحقيقة كاملة، المادة دي عندنا، والمادة دي ليست عندنا، وبس تتقسم بالعدل. المسئول الكبير لا يحصل على الأكثر، لا. بالعدل وبالتساوي ويدخل الاتحاد الاشتراكي هنا ويمسك ويضع أيدينا على الناس اللي فعلاً لا تريد أن تتحمل مسئولياتها أو التي لا تستطيع أن تقدر مسئولية المرحلة التي نعيش فيها. كل إنسان فينا لازم يقوم بشغله ويقوم بمسئوليته في هذا، إذا كان خلاصة الموقف الخارجي الذي قلت لكم عليه هو أنه لا بد وأن نقول للعالم أن لنا قضية، أي أن نتحمل في هذا تحريك الموقف عسكرياً، كل ما تقتضيه من تضحيات، وسبق أن قلنا قبل ذلك وزي ما قلتلكم، روسيا من أجل أن تطهر بلدها دفعت 2 مليون فرد في بلد واحدة ليننجراد ومليون شخص منهم نصف مليون مدفونين في جبانة واحدة، مدينة واحدة راح فيها مليون، نصف مليون في جبانة واحدة، حرروا أرضهم وبقوا قوة كبرى. المعركة معناها التضحيات زي ما قلت لكم، خلاصة الموقف الخارجي أنتم جاهزين تتحملوا التضحيات وتخوضوا معركتكم وتقولوا للعالم نحن هنا ونستطيع أن نملي إرادتنا وأن نتحدى عدونا أم لا.

          إذا كان هذا خلاصة الموقف بعد الاتصالات الدبلوماسية، وخلاصة الموقف الداخلي في المرحلة إنه لم يعد من سبيل أمامنا أن نؤخر المعركة على حساب ترتيب أوضاع في الداخل، ولا أن نؤخر أوضاعاً في الداخل على حساب المعركة.

          الكل لا بد أن يسير جنباً إلى جنب. إذن مرحلة المواجهة الشاملة التي نؤمن فيها بقدرنا ولا نضن ولا نتردد أصبحت مرحلة حتمية ولقد دخلناها شئنا أو لم نشأ. دخلناها إذن، فلندخلها كما يجب أن ندخلها.

          من أجل هذا وخلاف ما كنت أتمناه ورددته كثيراً، وصلت إلى قرار أن أتحمل قدري بنفسي في هذه المرحلة، كما يتحمل كل إنسان منكم. وأطلب من كل واحد فيكم أن يتحمل أيضاً قدره بنفسه وفي يديه. هناك لحظات في التاريخ لا بد أن يتقدم الإنسان ويحمل قدره ويفعل ما يريده. نحن نعيش هذه اللحظات.

          ويبقى وضع واحد حينما أتولى أنا رئاسة الوزارة، إذا ما وافقتم حضراتكم على هذا، أن تشكل لجنة لوضع ضوابط المساءلة الدستورية أمام مجلس الشعب من واقع دستورنا الموجود، لأن نظامنا رئاسي يسمح به الدستور وضمن نطاق الدستور. فقط تعلمنا من المرحلة الماضية، فلنضع ضوابط لكل حركة من حركاتنا حتى لا يتكرر مرة أخرى ما تكرر من تآمر ومن مزايدات وخلافه. وأعتقد إني بهذا أعطيت الصورة كاملة وقلت لكم ما في نفسي وقلت لكم الوضع

يبقى شيء واحد هو أنه قد يساء فهم هذه الخطوة أو في أقل القليل المتآمرون سوف يحاولون إخراجها عن هدفها. أنا أقول أمامكم أن دولة المؤسسات كمبادئ وفلسفة لا بد أن تستمر ولا بد أن نمنع عنها كل تآمر. سيادة القانون كمبدأ وكفلسفة أمر لا مناقشة فيه إطلاقاً. يزيد على هذا أنه في المرحلة المقبلة، كل شهر، هذا المؤتمر المشترك سيجتمع في المرحلة المقبلة ونستعرض كل المراحل التي نمر بها إلى أن نجتاز المرحلة الحرجة القائمة ونقرر لنفسنا الأوضاع التي نريد أن نقررها، إنما أريد أن تتسع القيادة ويكون هذا المؤتمر المشترك كله كل شهر أو كلما دعت الحاجة أو كلما جد أمر.

          وبذلك نوسع قاعدة القرار أكثر حتى نطمئن كلنا، لأنني كما قلت إننا كلنا في المعركة نحمل قدرنا، كل واحد منا يحمل قدره على يده للمرحلة المقبلة.


 

Hosted by YallaHosting