
|
بيان الرئيس
أنور السادات، رئيس جمهورية مصر العربية القاهرة: 26
مارس 1973 لقد فكرت في هذا الاجتماع جرياً على التقاليد التي أرسيناها معاً والتي أثبتت الممارسة صلاحيتها. وكان التزامي أمامكم - وسيبقى هذا الالتزام - أن أجئ إليكم عند كل علامة بارزة على الطريق وأضع أمامكم ما عندي، وأسمع منكم وندير حواراً نخرج منه عارفين أين تكون خطوتنا التالية ومكانها على خط سيرنا، وما تنتظر منها وماذا نتحمل في سبيلها. وذلك يحقق لنا ضمانات، إننا نمارس ديمقراطية ونراجع أنفسنا باستمرار ولا نستسلم للمصادفات أو المفاجآت، وإنما نبقى في كل الظروف ممسكين بزمام الحوادث نقودها ولا تقودنا. واليوم أشعر أننا أمام علامة بارزة استوجبت الدعوة إلى هذا الاجتماع. تذكرون إننا التقينا هنا في يوليه الماضي عندما اتخذت قرارات بشأن الخبراء والمستشارين السوفيت، كان ذلك علامة بارزة في عملنا. ويجب أن نتذكر أن هذا القرار لم يكن عملاً عدائياً ضد الاتحاد السوفيتي لأن موقفنا منه موقف الصديق، وإنما كان قراراً اتخذناه لأنفسنا وبأنفسنا ولدواعي مصلحتنا معه. ثم عدنا إلى الاجتماع في أكتوبر معاً بعد اتصالات مع الاتحاد السوفيتي في محاولة لاستجلاء الأمور. واليوم ومع تطورات مهمة في كل الميادين، أعتقد أننا أمام علامة بارزة اقتضت أن أدعوكم للاجتماع اليوم لأن هناك علامة بارزة في طريق نضالنا. تذكرون أنه في أول مايو 1971 وفي خطابي في حلوان قلت بالحرف الواحد أنه لا بد لنا أن نتخذ من هذه المعركة نقطة انطلاق لبناء جديد. وضربت مثلاً يومها بمعركة الاتحاد السوفيتي عام 1941 وكيف اتخذ من هزيمته في صيف 1941 عندما وصل الألمان إلى 15 كيلو متراً من موسكو، اتخذ منها نقطة انطلاق لإعادة البناء إلى جانب تحرير الأرض ضربت هذا المثل وقلت حتى لو انتصرنا في المعركة ولم نعد بناء الدولة وبناء الشعب وبناء الفرد على أساس من العلم والإيمان حتى لا نتخلف عن العصر الذي نعيش فيه، وفي نفس الوقت نتمسك بمقومات أساسية لا يمكن لنا أن ننتزعها ولا يمكن أن نحقق أي شئ إذا أهملناها أو تخلينا عنها. من هنا يبدأ كلامي معكم اليوم، لأنه ما لم نجعل من هذه المعركة نقطة انطلاق لبناء جديد كامل في كل اتجاه، مثل بناء القوات المسلحة وبناء المصانع وبناء الأفراد، إذا لم تكن المعركة نقطة انطلاق لبناء جديد، فلن يكتب البقاء لشعبنا، وسنتعرض لغزوات مماثلة ونظل متخلفين عن مسئوليتنا وعصرنا الذي نعيش فيه، وهذا معناه الفناء أو الهزيمة الكاملة لهذا الشعب. اليوم أريد أن أستعرض معكم، ونحن أمام علامة بارزة من علامات النضال، وأصفها بالوصف الذي يجب أن نلتزم به جميعاً، المرحلة التي نبدأها بقراركم اليوم هي "مرحلة المواجهة الشاملة". بعد أن نؤمن جميعاً بنتيجة ما أسرده أمامكم من عمل في الداخل والخارج، بعد أن ندرس أبعاده علينا أن ندخل مرحلة المواجهة الشاملة ونحن نؤمن بقدرنا لكي لا نضل أو نتردد، كما حدث للبعض في الفترة الماضية. إن المرحلة الجاية مرحلة المواجهة الشاملة بكل أبعادها.. لماذا؟ في الفترة الماضية ومنذ العدوان على مدى خمس سنوات ونصف السنة دخلنا مراحل كثيرة مرحلة الصمود، مرحلة الاستنزاف، جهد دبلوماسي في كل اتجاه، عرضنا مبادرات وقبلنا مبادرات. كل ما يمكن عمله عملناه، ولكن كان التزمنا دائماً من أول يوم بمبدأين:
في كل هذه المراحل وحتى هذه اللحظة، كان التزامنا هذا قائماً، لأنه محدد اتفقنا عليه وقررناه لأنه نابع من ضمير شعبنا ومن إرادته. ما الذي تم في المرحلة الماضية؟ الوضع الخارجي: في الفترة الأخيرة كان لنا ولا يزال نشاط دبلوماسي مكثف مع القوى الخمس الكبرى ومع غرب أوروبا ومع آسيا ومع الدول غير المنحازة، ومع العالم كله، ومع الأمم المتحدة وكنا في هذه الفترة نسير على خطين متوازيين: الإعداد العسكري، والنشاط الدبلوماسي المكثف والمستمر داخل إطار البناء الاشتراكي الذي التزمنا به في الميثاق وفي بيان 30 مارس وبرنامج العمل الوطني الذي أضفته أنا إلى بيان 30 مارس. ونيجي نستعرض الآن نتيجة الجزء الذي تم إلى وقتنا هذا من نشاطنا الدبلوماسي: أولاً - الموقف العربي: في الموقف العربي سلبيات كثيرة للأسف، ولكن أيضاً فيه إيجابيات، صحيح أننا لم نعقد مؤتمر قمة، وربما لم يكن هذا الوقت مناسباً الآن، لأنه في تقديري ويقيني أن عقد مؤتمر قمة بدون تحضير وبدون أن تكون الأمور مهيأة لنجاحه يمثل صدمة ولا يكون في صالح المعركة. لقد بدأت حملة تشكيك وحرب نفسية شرسة ضدنا منذ يناير 1972، وقد نبهت عنها في ذلك الوقت. ففي أول يوم من يناير 1972 وقف وزير خارجية أمريكا ليعلن أنه رغم تفوق إسرائيل ستعطيها أمريكا السلاح حتى تضمن لها التفوق باستمرار، وظلوا بين وقت وآخر يسربون أخباراً، مرة عن ذوارق حربية، ومرة أخرى عن اتفاقية التصنيع التي عقدت في نوفمبر 1971 لتصنيع الأسلحة الأمريكية داخل إسرائيل. وكان الهدف من هذه الحرب النفسية هو ضرب جبهتنا الداخلية. لقد انتصرت إسرائيل في معركة عسكرية سنة 67، ولكنها لم تحقق انتصاراً سياسياً، وبقيت المشكلة أعقد مما كانت. لقد كان هدفهم من أول عام 72 هو ضرب الجبهة الداخلية بحرب نفسية شرسة تقول للعرب أنه لا فائدة، إسرائيل متفوقة وسنجعلها متفوقة أكثر، ولا سبيل أمامكم إلا التسليم بشروط أمريكا وإسرائيل - وقد نبهت إلى ذلك في أحاديثي عام 72. نتيجة لهذه الحملة الشرسة أصبحت توجد في العالم العربي فجوة تصديق، لم يعد أحد يصدق أن أحداً لديه القدرة لخوض معركة، نجحت أمريكا وإسرائيل في أن يحدثا فجوة تصديق في العالم العربي. ولهذا لا يمكن الدعوة إلى عقد مؤتمر قمة قبل أن تزول فجوة التصديق. وبالرغم من أنه لم يعقد مؤتمر قمة، إلا أن هناك اتصالات ثنائية، وعلى سبيل المثال، فإن دولة اتحاد الجمهوريات العربية التي تضم مصر وسوريا وليبيا، تتقدم بخطوات وئيدة ولكن على أرض صلبة لتكون نواة حقيقية لعمل موحد. وأنتهز هذه الفرصة لأحيي شعب سوريا والقوات السورية المسلحة على الجبهة الشمالية التي تشكل جزءاً من الجبهة ومن القيادة الموحدة. كما أحيي الشعب الليبي وقادته الذين يشاركوننا في معركتنا ويقفون معنا لمواجهة المصير. وهناك اتصالات ثنائية ولها نتائج إيجابية فعلاً، ولم يحن الأوان للإفصاح عنها الآن، ومن الخير أن نجعلها تستمر دون أن يعرف أعداؤنا شيئاً عنها. المهم المعركة، والمعركة قبل كل شئ وفوق كل شئ. هناك اتصالات ثنائية وإيجابيات بالنسبة للموقف العربي بالرغم من السلبيات التى نراها أخيراً مثل الموقف بين العراق والكويت والموقف بين الأردن والمقاومة ثانياً - الموقف بالنسبة للدول الخمس الكبرى: بدأنا حملة اتصالات مكثفة ومستمرة حتى الآن، وقد بدأنا بالخمسة الكبار الذين يملكون حق الفيتو في مجلس الأمن وعليهم التزام نحو السلام، سلام العالم ككل بصرف النظر عن الاتجاهات لأي قوة من هذه القوى. وقد بدأ حافظ إسماعيل بزيارة الاتحاد السوفيتي. وهنا يهمني أن أقرر أمامكم أننا وضعنا في هذه الزيارة، ثم في زيارة الفريق أول أحمد إسماعيل في فبراير الماضي علاقاتنا الودية مع الاتحاد السوفيتي في إطارها الصحيح وعلى خطها المستقيم تماماً، وكان ذلك هدفاً من أهدافنا. وبعد جلستين طويلتين بين بريجنيف وحافظ إسماعيل وأحمد إسماعيل أستطيع أن أقول أننا وضعنا علاقاتنا في إطارها الصحيح الذي نرضى عنه جميعاً، وهذا هدف من أهدافنا. بعد ذلك سافر حافظ إسماعيل إلى لندن، وقابل رئيس الوزراء ووزير الخارجية، وأمامه قالت بريطانيا أنهم ملتزمون بالموقف الذي اتخذوه في هاروجيت بالنسبة لقرار مجلس الأمن وبالنسبة للقضية، ولا جديد في موقف بريطانيا. ثم سافر حافظ إسماعيل إلى واشنطن وظهر كلام كثير عن هذه الزيارة، لأن الملك حسين كان قد زار واشنطن ومائير كانت على وشك الزيارة. غير أننا كنا قد أعلنا عن خطتنا قبل ذلك بوقت طويل، ولكي نكون واضحين فإن حافظ إسماعيل لم يذهب إلى واشنطن بمبادرة من عندنا ولا يسمع مبادرة من عندهم. لقد ذهب إلى أمريكا بوصفها دولة كبرى ليسمع منهم تفكيرهم ولهم علاقاتهم القوية بإسرائيل. وكان لا بد أن نستكشف آراء أمريكا لأنها طرف أساسي في القضية. حافظ إسماعيل قابل نيكسون وروجرز وكيسنجر. ويهمني أن أحدد موقفنا الذي سافر به حافظ إسماعيل حتى نكون واضحين. موقفنا كما وصفه أمامهم جميعاً هو الموقف المبدئي الذي التزمنا به هنا أمام شعبنا، لأنه الموقف الوحيد المقبول منا ومن شعبنا. قال لهم، ليس لدينا مبادرات. واستمعنا للموقف الأمريكي، ويؤسفني أن أقرر أمامكم، أن خلاصة الاتصالات مع أمريكا لا تؤشر إلا إلى مؤشر واحد هو: أن علينا نحن أن نقدم تنازلات حتى يمكن أن تتحرك القضية، لا أن تحل. تنازلات في أشكال كثيرة متعددة ومعلنة. قالت أمريكا إنها لا تستطيع ولا تملك الضغط على إسرائيل، صحيح كان هناك موقف إيجابي من الرئيس نيكسون عندما قال لحافظ إسماعيل: إن المشكلة هي كيف يمكن أن نوفق بين سيادة مصر الكاملة على أرض مصر، وبين مقتضيات الأمن الإسرائيلي. هذا الكلام بشكله الظاهري إيجابي، وإذا أردنا حله وكشف عقلية المسئولين الأمريكيين، يفسره ما قاله ايبان أخيراً، إن أمريكا تنسق مع إسرائيل، ولم تنف أمريكا هذا الكلام، وتعمدت تسريب أخبار صفقة الفانتوم الأخيرة لردع العرب. كيف يمكن التوفيق بين السيادة المصرية وأمن إسرائيل لقد قال لهم حافظ إسماعيل إننا لا نفرط في شبر من الأرض ولا نساوم على حقوق شعب فلسطين ولا نقبل حلاً جزئياً ولا تسوية منفردة. ويأتي كلام الأمريكيين كله متجهاً إلى مقتضيات الأمن الإسرائيلي، وتحت هذه المقتضيات تأتي التنازلات:
خلاصة الموقف الأمريكي مطلوب تنازلات معلنة لإسرائيل حتى ترضى وتتحرك القضية. وانه ليس لأمريكا قوة ولا إمكانية للضغط على إسرائيل. وفي حديث روجز مع حافظ إسماعيل، لم يكن عند روجرز غير الحل المرحلي وفتح القناة وحل القضية على مراحل، ونحن نرفض ذلك. خلاصة الموقف الأمريكي مع الأسف، مطلوب منا تنازلات علنية حتى تتحرك القضية لا أن تحل، مع العلم من جانبنا بأن أمريكا لا يمكنها أن تضغط على إسرائيل. هذا الموقف تفسره زيارة مائير والإعلان عن صفقة السلاح وهذا موضوع يشكل خطورة ستشعر بها أمريكا بعد ذلك. سلوك أمريكا وتزويدها لإسرائيل بمزيد من السلاح لاحتلال أرضنا موقف في غاية الخطورة، ويزيد من خطورته ما قاله ايبان من أن هذا الموقف ردع للعرب. وهذا موقف خطير وعلى أمريكا أن تتحمل مسئوليته بالكامل. في نفس الوقت على إخواننا العرب أن يراجعوا هذا الموقف ويزنوه بميزانه. في بون حافظ إسماعيل قابل في طريق عودته برانت مستشار ألمانيا، وموقف ألمانيا كما هو وأبلغوه أنهم يريدون أن يلتزموا بنوع من الحياد بين الطرفين، ومحاولة القيام بدور إذا استطاعوا ذلك. أما فرنسا فكانت مشغولة بمعركة الانتخابات وسوف يتم الاتصال بها، رغم أننا كلنا نعرف موقفها. وسوف نتصل بها بوصفها دولة كبرى لنطلعها على آخر موقفنا ونعرف منها كل ما يجول بخاطرهم ومن الصين تلقيت تقريراً من الدكتور الزيات. وموقف الصين موقف مبدئي في تأييدنا بالكامل. واتصالاتنا لم تتم فقط مع الخمسة الكبار، وإنما جرت أيضاً مع أقطاب عدم الانحياز، يوجوسلافيا والهند، وتمت أيضاً بالكتلة الشرقية حيث قام المهندس سيد مرعي بزيارة خمس من هذه الدول. والدكتور الزيات يكمل الآن رحلته في آسيا. بهذا نكون قد غطينا الموقف العربي وموقف الخمسة الكبار، والاتصالات المكثفة مستمرة في كل اتجاه. والهدف من هذا النشاط الدبلوماسي المكثف كما قلت، إننا لا نعرض مبادرات ولا ننتظر مبادرات، إنما نريد أن نطلع العالم كله على ما وصلت إليه المرحلة التي نجتازها وكيف أن الوضع أصبح متفجراً وقابلاً للانفجار في أي لحظة. وفي الرسائل التي وجهتها إلى الخمسة الكبار قلت لهم أن الموقف على وشك الانفجار، وعلى كل مسئول في العالم أن يتحمل مسئوليته إزاء السلام العالمي، فالقضية لم تعد تحتمل أكثر من ذلك. كنا نسير ولازلنا نسير في خطين متوازيين:
نخرج من هذا الجزء لنتقدم نحو المرحلة القادمة. ولن يتوقف العمل السياسي والدبلوماسي، لا قبل المعركة ولا في أثنائها ولا بعدها - النشاط السياسي والدبلوماسي مستمر قبل المعركة وأثناء المعركة وبعد المعركة.
نخرج من هذه المرحلة بالنتائج التالية:
أمريكا أعلنت إنها تمد إسرائيل بالسلاح. وأعلنت إنها ستحتفظ بالتفوق لإسرائيل لتردع العرب. وسربت عمداً أنباء عن معونات مستمرة لإسرائيل. الشواهد كلها تشير إلى أنها عملية حرب نفسية على جبهتنا الداخلية. فقد تعهدت أمريكا لإسرائيل بالتفوق حتى ييأس العرب. النقطة الواضحة هو موقف أمريكا. وهو عنصر أساسي من عناصر المعركة، تصعيد الموقف بالاتفاق مع إسرائيل لزلزلة الجبهة الداخلية. يريدون أن يهدموا إرادتنا من الداخل بعد أن استطعنا أن نبني جبهتنا العسكرية. حتى ننفجر من الداخل ونختلف على أنفسنا فلا يمكن لقوتنا أن تقوم بمعركتها. وإذا حدث انفجار داخلي فلن تكون إسرائيل وأمريكا في حاجة إلى معركة وتنتهي القضية وننتهي كشعب وتتحقق أهداف إسرائيل وأمريكا. أردت أن أخرج بهذا الدرس إلى العالم، وعايز أقول لكم حاجة. في غرب أوروبا قالوا لنا: لا بد أن يحس العالم بكم ويعرف قضيتكم، وأنتم وحدكم القادرون على أن تجعلوا العالم يحس بكم. لا أمريكا ولا روسيا. خلاصة الموقف: أن نأخذ مسئوليتنا كاملة بتحرك عسكري جاد وتحرك سياسي جاد. وبدون ذلك لن يحس بنا العالم وتظل القضية معلقة. وأقصى ما نصل إليه هو حل جزئي أو مرحلي. هذه المرحلة علامة بارزة. مرحلة المواجهة الشاملة وقد كان مقرراً أن يعقد هذا الاجتماع في نوفمبر الماضي بناء على حسابات في الصيف. وفي افتتاح مجلس الشعب في نوفمبر الماضي، قلت إنني في أغسطس دعوت رئيس الوزراء وأمين الاتحاد الاشتراكي ووزير الحربية وأعطيتهم تصوري عن المرحلة. وكان تخطيطي أن ندخل هذه المرحلة في نوفمبر الماضي. لكن لظروف لم يحن الأوان للكشف عنها تأجلت - وكان هذا محسوباً منذ الصيف الماضي - وهذا معناه إننا نسير بخطة وليس نتيجة لأحداث أو متغيرات. الدرس الذي خرجنا منه بوضوح هو أنه لا بد أن تدب الحياة فينا ونقول للعالم إننا أحياء ونستطيع أن نغير الموقف عسكرياً وسياسياً. ولا يكفي أن ننتصر، بل لا بد من البناء، ونحن مؤهلون لذلك. يجب بناء الدولة جنباً إلى جنب مع المعركة، وإلا لن يكتب لنا البقاء. أنتقل للجزء الداخلي في المرحلة الماضية. في مستهل كلامي قلت لكم أنه في مايو سنة 71 وقفت في حلوان وقلت لا بد أن نجعل من هذه المعركة منطلقاً لبناء جديد، وإلا كتب على شعبنا الضياع نهائياً. لا يكفي أن ننتصر في المعركة، لا بد من البناء الجديد القائم على كل ما في العصر من علم وتكنولوجيا ونحن لا ينقصنا لا العقول ولا القواعد الصناعية ولا الكادرات ولا أي شئ. موجود عندنا كل شئ ومؤهلين أن ندخل هذا العصر بخلاف دول كبيرة مثلنا. نحن مؤهلون تماماً، بل أجزاء منها موجود أقول إنه بدون أن نتخذ من هذه المعركة نقطة انطلاق تكتب لشعبنا الحياة، وضربت مثلاً كما قلت بالاتحاد السوفيتي. الاتحاد السوفيتي في عام 41 كان التفوق العلمي والفني الألماني عليه أضعاف تفوق إسرائيل علينا، أضعاف أضعاف، بل أن ألمانيا أخذت العالم كله بما فيه الدول الصناعية العظمى على غرة. عشرة سنين ظل هتلر يجهز فيها نفسه، تماماً كما ظلت إسرائيل تجهز نفسها عشر سنين من 57. أخذ هتلر الدول الصناعية الكبرى على غرة إنجلترا كانت دولة صناعية من الدرجة الأولى، أمريكا كانت دولة صناعية من الدرجة الأولى، فرنسا كانت دولة صناعية من الدرجة الأولى. ومع ذلك لأن هناك واحداً ظل يجهز نفسه عشر سنوات والثاني نايم، أمكن أن يأخذ فترة زمنية تفوق فيها الألمان ليس فقط على روسيا التي لم تكن دولة صناعية درجة أولى، كانت دولة عادية. فهو تفوق على الدول الصناعية الدرجة الأولى لأنهم لم ينتبهوا، وكان هو منتبه ويرتب نفسه كما حدث بين إسرائيل وبيننا. أقول إنه ما لم يسر البناء، بناء الدولة الجديدة إلى جانب المعركة، الاثنين في وقت واحد، لن يكتب لشعبنا البقاء. الاتحاد السوفيتي ظل ثلاث سنوات يحارب حرباً شرسة إلى أن أخرج الألمان من أرضه، ولكنه لم يقف، أكمل البناء الجديد الذي جعل الاتحاد السوفيتي قوة من قوتين كبيرتين في العالم اليوم. طلعوا القمر وأرسلوا لونوخود على القمر، وعندهم تكنولوجيا، وعندهم صواريخ عابرة، وتذهب أمريكا تتفق معهم، ويسافر نيكسون إلى موسكو لكي يتفق معهم. لماذا؟، أقاموا البناء إلى جانب تحرير الأرض. هذا ما قصدته إذا لم تكن المعركة نقطة انطلاق لبناء جديد، فحتى لو كسبنا المعركة عسكرياً وحررنا أرضنا بعد خمس سنين، سنكون في وضع أسوأ ويعتدي علينا مرة أخرى، وسيكون أبعاد الاعتداء أمام التقدم العلمي الرهيب الذي يسير في العالم أكثر من أبعاد ما وقع علينا. وتكون الهزيمة ألعن مما وقع في سنة 67. هذا التفسير لكلامي ما لم نجعل من المعركة نقطة انطلاق لبناء جديد، يبقى إحنا بنقامر بمصير شعبنا أمام الله وضمائرنا وأمام شعبنا والأجيال القادمة. ماذا حدث في الداخل؟ إحنا حكينا عن اللي حصل في الخارج وطلعنا بالدرس المستفاد. ماذا حدث في الداخل؟، إحنا بدأنا مسيرتنا منذ عبد الناصر، بالميثاق وبيان 30 مارس. في 28 سبتمبر سنة 70 توفي عبد الناصر، تحملنا كلنا المسئولية ومضينا إلى أن جاء 15 مايو. في 15 مايو قلنا هنا علامة من علامات الطريق، الميثاق هو دليلنا تماماً، بيان 30 مارس هو الأساس اللي الشعب أعطاني ثقته وانتخبني على أساسه، هذه هي الوثائق الأساسية ما بعد 15 مايو، وهو استمرار للميثاق ولبيان 30 مارس، ولكن بعد 15 مايو وبعدما تكشف لنا ما تكشف كشعب ناديت قلت علشان نطبق الميثاق التطبيق السليم ونمارس الممارسة الديمقراطية السليمة الواردة في بيان 30 مارس، يبقى إنه لا بد أن نأخذ بدولة المؤسسات وسيادة القانون، من هنا بيكتسب 15 مايو أهمية، مش لأنه تاريخ ثورة جديدة، أبداً ثورة 23 يوليه ثورة واحدة لا تتجزأ، وثائقنا وثائق ثابتة، الميثاق، بيان 30 مارس. ووضعت أنا بعد 15 مايو برنامج العمل الوطني. وثائقنا ثابتة لكن بعد 15 مايو لكي نطبق الميثاق ولكي يشترك الشعب كله في حمل المسئولية قلنا دولة المؤسسات وسيادة القانون، ووضع مجلس الشعب القوانين المنفذة للدستور ومنها قانون الحريات، حصلت المناقشات في مجلس الشعب، وبدأ كل إنسان بعد 15 مايو يحس تماماً بمسئولية في المرحلة وفي المعركة اللي إحنا عايشنها، وعندما أقول المعركة فالمعركة قائمة منذ العدوان ومن قبل العدوان، وإنما دخلت في دورها بعدوان 67 في الدور النهائي لها. نحن في معركة من 67 مش جديد الذين يريدون التشكيك في المعركة. إحنا في المعركة من 67 والمعركة قائمة من 67، قلنا علشان نطبق الميثاق ونطبق الخط الاشتراكي بتاعنا بنعمل دولة المؤسسات وسيادة القانون ونعطي ضوابط للسلوك الديمقراطي، كيف؟ العلاقة بين المؤسسات وبعضها، وبالتالي بين الدولة كلها كدولة وبينها وبين الشعب. لا بد أن أكون صريحاً معاكم، آمالي في هذه الناحية بالقدر الذي كنت أريده لم يتحقق بالنسبة لدولة المؤسسات أو سيادة القانون، لماذا؟ بعض الأوضاع والحساسيات القديمة فرضت نفسها، بعض القوى لم تعرف دورها في الممارسة الجديدة. قواعد الممارسة نفسها كانت دائماً محفوفة بخطر بعد الظروف التي عشناها كلنا واللي انتم عشتوها. قواعد الممارسة التي نبهت عنها في مجلس الشعب محفوفة بالمخاطر، كلها يعني مثل هذا الموقف، وأنا قلت في مجلس الشعب إنه لا بد أن الإنسان يتجاوز ويكون فيه شئ من التجاوز لكي تكمل التجربة. يعني معناها إنه تحصل أخطاء ونصلح الأخطاء، لكن المسألة تعدت هذا لأنه كما قلت توجد حساسيات وكما قلت هناك ناس لم يقدروا على تحمل الدور المطلوب منهم تماماً، وكما قلت وهذه أخطر نقطة، الممارسة فهمت خطأ، الناس يتكلمون عن الصراع بين الحكومة والاتحاد الاشتراكي، وبين الاتحاد الاشتراكي والحكومة، وبين مجلس الشعب والاتحاد الاشتراكي، وبين مجلس الشعب والحكومة. في دولة مؤسسات، هذا مش ممكن لأن ذلك يعني دولة متناقضات وليس مؤسسات. علماً بأنه في وسط هذا كله يحكمنا ظرف قاهر وهو المعركة. ولا نستطيع أن نؤجل المعركة إلى أن نرتب أنفسنا، ونرتب الممارسة، لأنه لا مصلحة وطننا ولا المرحلة التاريخية اللي بنمر بيها ولا مرحلة الظروف الدولية التي تحيط بنا والتي تحدثت لكم عنها والتي أسفر عنها اتصالنا بالعالم كله تسمح أن تنتظر المعركة حتى نرتب أنفسنا في الداخل، فالمعركة ملحة تماماً كما أن الممارسة السليمة ودولة المؤسسات وسيادة القانون ملحة ولا بد أن يسير الاثنان معاً. ماذا كانت نتيجة ذلك؟. كانت نتيجته التضارب الذي حصل، ونتيجته الصراعات التي طلعت من داخلنا. أسباب البلبلة في موقفنا نحن خلقناها من داخلنا وانعكست طبعاً على العالم من حولنا، وأنا نبهت لهذا في اجتماع عام في مجلس الشعب، ونبهت في اجتماعي مع اللجنة الدائمة لمجلس الشعب، ونبهت في اجتماعي مع الصحفيين الذين حضروا. نتيجة هذه التناقضات حصلت بلبلة لنا وعكسنا هذه البلبلة من حولنا على العالم، بل وهذا ما ساءني فعلاً أننا شوهنا سمعة مصر بدون داعي. بيان يطلع باسم طلبة، وأنتم كلكم تعرفون أن هناك 250 ألف طالب في الجامعات والمعاهد العليا والذين قبض عليهم في ديسمبر يبلغ عددهم 48 تقريبا ً هل هؤلاء يمثلون طلبة مصر. نحن الذين بلبلنا أنفسنا من يريد البلبلة في وسطنا. كما قلت لكم إنه نتيجة للحملة التي ابتدت في أول يناير 72 بواسطة المستر روجرز والتصعيد اليوم الذي طلع سنة 72 بعد زيارة جولدا مائير والإعلان بأنه لردع العرب، إنما يقصد أن يبلبلوا جبهتنا من الداخل وننقسم على أنفسنا وننفجر على نفسنا من داخلنا. هذا هو هدف العدو في الخارج. في الداخل نحن بنعمله ونهيئ له الجو، ولحسن الحظ ونحمد الله أن أثر كل هذا كان محدوداً جداً، وإنما أحدثكم عنه لأنه يشكل علينا خطورة بالنسبة للمرحلة القادمة مرحلة المواجهة الشاملة، فلا نتحمل أبداً أن نمر في مراحل بلبلة نكون نحن الذين نعملها بأنفسنا. ومن ناحية أخرى لا شك أن عندنا في الجهاز الحكومي أوضاع بيروقراطية، أيضاً أوضاع ناشفة في مصالح الناس، الروتين والبيروقراطية أخطبوط رهيب جاثم على صدور الناس كلها، وهو أيضاً من ضمن العوامل، نتيجة لهذا حصل نوع من التسيب السياسي في البلد، التشكيك في كل شئ، أي قرار يصدر يتعرض للتشكيك، لا توجد خطة، الدولة ليس لها خطة، وهبطوا إلى شن الحملات الشخصية على الأشخاص التي ربما وصلت إلى أسماعكم. نوع غريب من التسيب السياسي، أكبر ظاهرة فيه هي التي جرت في الجامعات، والذي وقع في الجامعات كان من بدء الصيف الماضي وليس من بدء فتح الجامعات. أنا اتكلمت في مجلس الشعب عن هذا. ده ماشي من الصيف الماضي تكملة لحركة 72 الأولى اللي اتشكلت فيها ما يسمى بلجنة الطلبة العليا، ولما دي ما نجحتش وانتهت الحركة واعترف فيها الناس من القائمين بالأدوار اللي قاموا بيها. لكن جينا في المؤتمر القومي وقلنا نسامحهم ونوديها الجامعات، راحت للجامعات ولم يحقق فيها. واستمر النشاط حتى أكتوبر 72، ما بقاش علشان يغيروا الاسم، لكن الهدف هو. بدل لجنة الطلبة العليا لجنة الدفاع عن الديمقراطية والدفاع عن الحريات. قبلها زي ما حكيت لكم في مجلس الشعب حصلت في جامعة عين شمس الندوة اللي أطلقوا عليها ندوة فكر عبد الناصر، اللي أرادوا بيها أن يطلعوا عبد الناصر ماركسي. طيب أمال عمل تحالف قوى الشعب العاملة ليه. ده أنا هنا في 28 سبتمبر هنا في هذه القاعة وإحنا في ذكراه بأقول إن من عبقريات عبد الناصر حتمية تحالف قوى الشعب العامل. هذه النظرة اللي ابتكرها ليه، لأنه زي ما حكيت لكم في 28 سبتمبر الراجل ما بيستلهمش إلا من تراب هذا البلد، وطنيته وطبيعته وتكوينه وأهدافه والمرحلة اللي بيمر بها، طيب ما كان ممكن يقول ديكتاتورية حزب أو ديكتاتورية البروليتاريا أو تعود أحزاب أو أي حاجة. لا قال تحالف قوى الشعب العامل. بنقول إن العمل هو المقدس، قال هذا عبد الناصر كل من يتقاضى من عمله راتب ومعندوش |