خطاب الرئيس أنور السادات، رئيس جمهورية مصر العربية
أمام مؤتمر رؤساء الدول والحكومات الأفريقية
الأعضاء في منظمة الوحدة الأفريقية

أديس أبابا: 25 مايو 1973
الأهرام، القاهرة: 26 مايو 1973

حضرة صاحب الفخامة الرئيس جوون

أخي جلالة الإمبراطور

إخواني الأعزاء السيدات والسادة

          جئت إليكم من بقعة عزيزة من بقاع أفريقيا الأم، والتي ننتمي إليها بشريان حياة ينبع من ترابها، كما تربطنا روابط من النضال البطولي تخلق جسراً بيننا وبينكم، وتوجد بيننا روابط من النضال من أجل حرية القارة ورخاء شعوبها.

          إنه لشرف كبير أن أكون معكم اليوم لنحتفل معاً بمرور عشر سنوات على حياة منظمة الوحدة الأفريقية، ولنتمعن فيما أنجزته وحققته، ولنعمل يداً بيد لتنسيق مستقبل عملها.

          لقد أثبتت الإرادة الأفريقية عزيمتها وصلابتها. وهذه المنظمة هي التعبير الأصيل لهذه الإرادة.

          فعندما خلقت هذه المنظمة منذ عشر سنوات، شك الكثيرون في إمكانية قيامها أساساً، كما شكوا في قدرتها على مواجهة التحديات الضخمة التي كانت تنتظرها في مختلف المجالات. ولكن اجتماعنا اليوم هو ضربة لهذه المفتريات وعنوان النجاح ضد كل المعوقات.

          حقيقة لم تحقق المنظمة الشابة كل الأماني الأفريقية في الحرية والمساواة، والتقدم. فما زالت هناك مشاكل الاستعمار في أنحاء متعددة من القارة، ولازالت هناك سيطرة عنصرية لأقلية في كثير من أجزائها، ولازالت أفريقيا تطرق أبواب النهضة، تحاول أن تضمن لاقتصادياتها أرضاً صلبة تساهم في رخاء أبنائها.

          إننا كلنا نقف مع زامبيا الشقيقة في معركتها ضد الاستعمار الاقتصادي الذي يحاول أن يفرض نفسه عليها، كما يسعى لأن يفرض نفسه على شعوب أفريقيا في قارتنا ومنطقتنا.

          إننا نحيي الرئيس كاوندا في جهاده الذي هو جهادنا جميعاً، وإنني لا شك أعبر عن رأينا جميعاً عندما أقول أننا ننتظر بفارغ الصبر اليوم الذي تنضم فيه شعوب ناميبيا وزيمبابوي وموزمبيق وأنجولا وغينيا بيساو كدول مستقلة ذات سيادة. وإننا لم نأل جهداً لتحقيق هذا الأمل.

  ولكننا نسير معاً، متضامنين متعاونين، لأن أهدافنا سامية، لأننا لا نبغي تسلطاً، بل نعمل لنتخلص من تسلط ونجاهد لكي يعيش الإنسان إنساناً بغض النظر عن لونه وجنسه، ونسعى لتحرير اقتصادنا لنستخدمه لرفاهية شعوبنا.

          هذه هي المبادئ التي نسير عليها والتي وضعناها في ميثاق لهذه المنظمة، لا يمكن أن يتحقق لها إلا كل نجاح حتى ولو كانت المعوقات كبيرة وافترش طريقنا بالآلام والأشواك.

          لقد حقق هذا التضامن الأفريقي وسوف يحقق بإذن الله انتصارات لشعوبنا. لقد حاول أعداء التقدم والتحرر الأفريقي الزعم بأن هذا التضامن سيظل كلاماً حبيساً بين صفحات الميثاق، فإذا به كل يوم يبرز حياً إلى عالم الواقع، مؤكداً أن هذه المنظمة ولدت لتبقى وتعمل لتنجح.

          إن جمهورية مصر العربية مؤمنة بما يتطلبه منها واجبها الأفريقي، وضعت ولازالت تضع كل إمكانياتها المعنوية والمادية في سبيل تحرير القارة من بقايا الاستعمار والعنصرية وتقدم مؤمنة كل ما لديها من معطيات من أجل تقدمها ورخائها.

          وفي الوقت نفسه فإنها تقف أمام العالم معتزة بهذا التأييد الضخم الذي قدمته ولازالت تقدمه أفريقيا لكفاح مصر من أجل تحرير أراضيها، وهي المشكلة التي خلقها وأوجدها الاستعمار بتعاونه مع العنصرية الصهيونية، والتي لا يزال فيها المعتدي يتحدى رغبة العالم وإرادة شعوبه بتعنته باستمرار احتلاله لجزء من أراضي هذه القارة ويسلب حقوق شعب فلسطين الحر المناضل متصدياً بصلافته لكل محاولات السلام التي أقرها الضمير العالمي. بل والتي عززتها الروح الأفريقية الأصيلة بمساهمتها البناءة من أجل إيجاد حل عادل لهذه المشكلة.

          إن القضية ليست قضية أرض محتلة فحسب، بل يجب علينا ونحن قادمون على عقد جديد لهذه المنظمة في إطار ظروف وسياسات دولية جديدة، أن ننظر إليها في أبعاد أكبر. إنه اعتداء على أفريقيا، وليس على جزء من أفريقيا، إن ذلك الاعتداء ما هو إلا أحد أطراف التخطيط الذي يرمي إلى اعتصار طاقات هذه القارة. إنه الطرف الشمالي من هذا المخطط، ويقابله اعتداء وضغط في الجنوب متمثل في بقايا استعمارية وممارسة لتفرقة عنصرية. إننا يجب أن نعلم أن هذا التطويق لهذه القارة لو ترك يسعى ويدمر سوف يشل تقدمنا ويستهلك إمكانياتنا ويحول بيننا وبين استخدامها السليم لرفاهية أفريقيا وأجيالنا المستقبلة.

          إن مصر تسعى لسلام حقيقي مبني على العدل والكرامة، سلام يدوم، يخدم المنطقة ويطمئن له العالم. وهي في ذلك صادقة مع نفسها، صادقة مع العالم، صادقة مع كل مؤمن بالعدالة والحق. إن فرض الحل عن طريق الإرهاب وإقامة أوضاع يبنيها واقع الاحتلال أمر لا يخدم السلام، إنما ينهيه، ولا يوفر الاستقرار إنما يعجزه. لقد هبت أفريقيا ونادت إسرائيل بأن تحكم العقل والقانون. ولم يدخر قادة أفريقيا وسعاً فيما لزم من

سفر وبحث وحوار. ومع ذلك لم يجدوا لدى زعماء إسرائيل إلا آذانا صماء، وأطماعاً في الأرض، واغتصاباً لحق شعب فلسطين. فلا عجب من قرار أفريقيا بأن المبادئ ليست محل مناقشة. والحريات ليست محل مساومة. إن الانسحاب التام من كل الأرض المحتلة التزام واجب الأداء لا يخضع لشروط، وأن شعب فلسطين له حقه في تقرير مصيره. بل لا يمكن أن تحول القوة دون تحقيقه. في الوقت الذي يدفع فيه أعوان الحرية فرص السلام، تسعى قوى الإرهاب والتوسع إلى تجميد الأوضاع، وتسوف في كل حق عادل، وتجمد كل خطوة لتحقيق تقدم نحو السلام المتمثل في إقرار المجتمع الدولي. بل تصميم على إخراج الحل من شرعية القانون بعيداً عن التنظيم الدولي والذي اختاره العالم منذ نهاية الحرب الثانية، ليكون ملاذه وملجأه من مخاطر حرب مقبلة لن تبقي ولن تذر.

          ولا عجب أيضاً من أن تعبئ مصر كل طاقاتها في جميع الميادين السياسية والدبلوماسية والاقتصادية والدفاع من أجل تحرير الأرض واسترداد الحق، لأن ذلك هو الأساس الوحيد للسلام العادل والدائم الذي يسمح بتكريس كل جهودها للتطور والتقدم والرخاء. ونحن في هذا واثقون من تعاطف وتعاون كل الدول الأفريقية.

          إننا في هذه الآونة العصيبة من تاريخ نضالنا نواجه قدرنا، وقد عزمنا على أن نبذل كل تضحية من أجل تحقيق حرية أبناء شعبنا وأن نكفل لهم مستقبلاً آمنا حراً.

          إنني أتوجه إلى الله العلي القدير بأن يهبنا جمعياً الحكمة والصلابة كي نستمر في إعلاء كلمة الحق وأن نواجه بها جميع التحديات مهما بلغت قوة وشراسة العدو. وعندما يأتي الوقت الذي يتعين فيه على كل أمة من الأمم أن تواجه قدرها، فإنها لا بد وأن تواجه بحزم وإيمان، وإلا لما استحقت الحياة بين الأحرار.

          إن ذهاب مصر في الأيام المقبلة لمجلس الأمن ينطلق من هذه السياسة ويهدف إلى تحريك القضية من جمود يفرض عليها ويدفع بالحل السلمي إلى تكملة مسيرته ليحقق الأمن والاستقرار في منطقة مهد الأديان والسلام.

          ومن هذا المنطلق، فإن جمهورية مصر العربية لواثقة من أن كل القوى التي تعمل في أرجاء العالم كله للسلام العادل وتتطلع لعالم أفضل، سوف تتحمل مسئولياتها في هذه المرحلة الخطيرة، وأنها ستعمل بعزم وإخلاص معنا جميعاً على تحرير هذه القارة من مشاكلها ومعوقاتها من أجل تحقيق مبادئ الحرية والكرامة والعدل.

          إن تراب مصر من تراب أفريقيا، وحريته من حريتها، وسيادة مصر من سيادتها.

 إن اجتماعنا اليوم يهنئ بعضنا بما أحرزته منظمتنا خلال الفترة الماضية، إنما هو في نفس الوقت تكريم وإجلال لأولئك الزعماء الذين كان لهم من اتساع النظرة ورجاحة الفكر والعمل ما جمعهم في هذه العاصمة منذ عشرة أعوام ليوقعوا بأسمائهم الخالدة على الميثاق وثيقة مولد هذه المنظمة.

          وإذ نحيي هؤلاء الزعماء جميعاً ولنهنئ من بقي منهم معنا بنتيجة ما غرسوه، نذكر بالحب والوفاء والإجلال أولئك الرجال الذين أفنوا العمر في خدمة بلادهم وفي خدمة وطنهم الأكبر أفريقيا، ومنهم الرئيس الراحل جمال عبد الناصر. كما يهمني أن أثني على جهود سكرتير عام المنظمة ابن أفريقيا البار أنزو البنانجاكي الذي أعطى وزملائه أعضاء الأمانة العامة للمنظمة المثل الحي في التفاني لخدمة أهدافنا الجليلة.

          وإني أنتهز هذه الفرصة ومن على منبر هذه المنظمة، والقائمة على أرض أعطت للعالم بعضويتها الكثير. أنتهز هذه الفرصة لأدعوكم لمشاركتي في تقديم تحياتنا ومحبتنا وشكرنا إلى حكومة جلالة إمبراطور أثيوبيا، الدولة التي نجتمع في عاصمتها لما أحاطنا به جميعاً من رعاية وتكريم.

أيها الأخوة الأعزاء

          فلتمضي أفريقيا قدماً في طريق تقدمها، ولتسر واثقة في عزيمة أبنائها، ولتجمع في تحقيق أمانيها، وستصل بإذن الله إلى هذا المصير بتضامن شعوبنا.

          فلنحي منظمتنا، ولنحي أفريقيا.

وشكراً لكم,

 


المصدر: موسوعه مقاتل من الصحراء على شبكه الانترنت

 

Hosted by YallaHosting