خطاب الرئيس أنور السادات، رئيس جمهورية مصر العربية
أمام المؤتمر المشترك لأعضاء اللجنة المركزية للاتحاد الاشتراكي العربي
وأعضاء مجلس الشعب، حول الأوضاع المحلية والعربية والدولية الراهنة

القاهرة: 23 يوليه 1973
الأهرام، القاهرة: 24 يوليه 1973

بسم الله

أيها الأخوة والأخوات

          كنا في كل عام حتى سنة 1967 نحتفل باجتماع شعبي كبير نستعرض فيه منجزاتنا ونعلن أمانينا ونستضيف أصدقاءنا ونتلقى تهانيهم. وكنا منذ سنة 67 وحتى الآن نحتفل في إطار اجتماع موسع على مستوى المؤتمر القومي للاتحاد الاشتراكي العربي، ندخل إليه بتقرير من اللجنة المركزية نناقش على أساسه ونتحدث في إطاره عن سياستنا، ثم نصدر عن المؤتمر قرارات.

          وفي هذا العام فقط اقترحت على اللجنة المركزية أسلوباً يبدو مختلفاً، وهو هذا الاجتماع في هذا المجال وعلى هذا المستوى.

          اجتماع للقيادات السياسية والشعبية المسؤولة عن القيادة، واجتماع على شكل مؤتمر مشترك من اللجنة المركزية ومجلس الشعب.

          السبب في ذلك أننا في هذه المرة نحتاج إلى شئ جديد وهو التفكير العميق في رسم سياسة تحقق كل مطالبنا الوطنية والقومية في ظل ظرف يختلف كل الاختلاف عما عشنا فيه وعاش فيه العالم منذ بداية الثورة وحتى الآن.

          كان تقديري أن المجال المحصور في البداية هو خير مجال نستطيع فيه أن نفكر. ثم أن مستوى اللجنة المركزية ومجلس الشعب هو مستوى القيادات القائدة التي تتحمل المسؤولية الأولى.

          في هذه السنة وفي هذا الاحتفال لا نحتاج إلى مجرد التهاني بالثورة ولا نحتاج إلى مجرد استعراض لمنجزاتها ولا نحتاج إلى مجرد إعلان أمانينا.

          ومع إننا نحتاج باستمرار إلى وجود أصدقائنا معنا، فإن من الخير أن نستضيف هؤلاء الأصدقاء في وقت نستطيع أن نقول لهم فيه: هذا هو فكرنا المتجدد وهذه هي مخططاتنا على أساسه.

أيها الأخوة والأخوات

          إن ثورة 23 يوليه التي قادها جمال عبد الناصر تستحق بالفعل أصدق التهاني وأخلصها وأكثرها صفاء وحرارة. ذلك لأن هذه الثورة كانت نقطة تحول فاصلة في تاريخ الشعب المصري والأمة العربية وحركة التحرر الوطني عامة.

          ويكفينا جميعاً أن نلقي نظرة على الخريطة لكي نرى رأي العين كم كان كبيراً وعميقاً وواسعاً ذلك الأثر الذي أحدثته هذه الثورة. من الناحية السياسية كانت مصر تحت ظل الاحتلال البريطاني، وفي إطار السيطرة الاستعمارية. وقد يقال الآن أن جزءاً من تراب مصر قد تعرض لاحتلال العدوان الإسرائيلي المدعم بالإمبريالية الأمريكية. ولكن ذلك شئ يختلف تماماً عما كان. ما نحن فيه الآن معركة دولة مستقلة تعرضت لمثله دول غيرنا، بل تعرضت له القوى العظمى ذاتها. لكن المعيار الحقيقي الذي يجب أن يقاس به هو معيار تحرر الإرادة الوطنية. صحيح أن بعض التراب المصري تحت الاحتلال، ولكن الإرادة المصرية كاملة الحرية. كما أننا نمارس نضالنا بكل الوسائل بما فيها حشد السلاح لكي نطهر أرض الوطن مما شابها.

          كانت الأرض العربية كلها مقسمة بين إمبراطوريتين: الإمبراطورية البريطانية في المشرق تسيطر على العراق والأردن والكويت والخليج العربي والجنوب العربي، إلى جانب أقطار أخرى غرب قناة السويس مثل ليبيا والسودان. بينما الإمبراطورية الفرنسية تسيطر على المغرب العربي وتحتل تونس والجزائر والمغرب. ووراء هاتين الإمبراطوريتين كان الاستعمار الأمريكي الجديد يقف متربصاً لانتهاز أية فرصة تسنح له حتى ينقض وحتى يكون مستعداً إذا خلت بقعة من أرض وطننا من الاستعمار التقليدي، ليكون مستعداً أن يملأها باستعماره الجديد وفقاً لنظرية أو مغالطة ملء الفراغ.

          كانت حركات التحرير الوطني قد أجهدت نفسها على كل أرض عربية دون أن تصل إلى نتائج يعتد بها أو يحسب حسابها.. ذلك لأنها لم تغير من الأمر الواقع شيئاً. قصارى ما نجحت فيه هذه التحركات هو أنها بدلت بعض الأشكال الظاهرية والسطحية لحقيقة السيطرة الاستعمارية الكاملة على المنطقة. وفي هذا الجو جاءت ثورة 23 يوليه سنة 1952. وما حدث بعدها ماثل أمام حضراتكم تنطق به الخريطة.. فقد ارتفعت أعلام الاستقلال على كل أرض عربية. وانتصرت أمتنا في جميع معاركها بقيادة وتخطيط ثورة 23 يوليه، وإن كان يجب أن نعترف أننا خسرنا معركة ضد العدو الإسرائيلي مكنته من توسيع رقعة الأرض التي احتلها بمساعدة الاستعمار والاستعمار الجديد. وكان ذلك هو انتقامهم لهزائمهم أمام الثورة العربية. ولقد تحملنا المحنة بشرف وصمدنا في شرف، وقاتلنا في شرف، وسوف نواصل النضال بعون الله في شرف إلى يوم يتطهر فيه التراب الوطني العربي كله من جريمة الصهيونية وآثار هذه الجريمة. إن محنة طرأت لا تستطيع أن تغطي طريق انتصار طويل. بل إن طريق الانتصار سوف يمد نفسه ليجرف هذه المحنة ويمحو خطيئتها من فوق أرضنا العربية الطاهرة.

ومن الناحية الاجتماعية، فإن المنطقة العربية كانت ما تزال تعيش أفكار عصور متخلفة. ولكن ثورة 23 يوليه استطاعت أن تزيح قيم الماضي البالية وأن تغرس على الأرض العربية بذوراً لفكر جديد.

          حين نرى في المنطقة الآن عمليات التحول الاجتماعي، وحين نرى جهود تطوير الصناعة والزراعة على كل بقعة منه؟ وحين نسمع كلمات التصنيع والتخطيط وحين نجد المنطقة قوة يعتد بها قادرة على التأثير في اقتصاديات العالم. حين نرى ونسمع ونجد ذلك كله، فإننا نستطيع أن ندرك إلى أي مدى كان التغيير الذي أحدثته ثورة 23 يوليه نافذاً إلى الأعماق.

          ونحن لا نقول أن المنطقة العربية بلغت ما كانت تتمناه. ولكننا نقول أن الأمة العربية وضعت نفسها على طريق العصر وعلى مستوى قيمه وأحلامه، وأنها قد دخلت بعد طول غياب إلى حلبة السباق الإنساني الكبير من أجل التقدم.

          وفي مصر بالذات فإن السجل كان عظيماً ومشرفاً بأي مقياس. التصنيع في كل المجالات، استصلاح الأراضي الجديدة، السد العالي، التحول الاجتماعي، سيطرة قوى الشعب العاملة على وسائل الإنتاج، ديموقراطية قوى الشعب التي تعززت وتأكدت بدولة المؤسسات وسيادة القانون، مظلة التأمينات الاجتماعية بما فيها حقوق العلم والعمل والصحة. سجل حافل تفخر به أي ثورة ويعتز به أي نظام. وإذا كان تأثير ذلك ينعكس على مستوى أمة بأثرها، فإن أسباب الفخر والاعتزاز تزداد بغير غرور ولا استعلاء.

          ومن الناحية الدولية، فإن مصر وشعبها وثورتها استطاعوا أن ينقلوا الأمة العربية من حالة التبعية إلى حالة التأثير الإيجابي في الأسرة الدولية وعلى أوسع نطاق.

          نحن الآن جميعاً موجودون بقوة في الأمم المتحدة، ونحن موجودون بقوة في حركات التحرر الوطني، ونحن موجودون بقوة في قيادات الوحدة الأفريقية والتضامن الأسيوي الأفريقي وعدم الانحياز، ونحن موجودون بقوة ضمن كتائب التقدم الإنساني ومع الطلائع التي تسعى إلى عالم جديد ترفرف فيه أعلام السلام القائم على العدل.

          ثم إننا الآن في هذه المنطقة الغنية استراتيجياً وسياسياً واقتصادياً في وضع نستطيع فيه أن نؤثر، ويستطيع فيه تأثيرنا أن يكون فعالاً وبناء. وهذا دور عظيم نؤديه وندعو الله أن يمكننا من مواصلة أدائه مهما كان ما يعترضنا من صعاب، بل إن الصعاب دافع إليه وليست حائلاً دونه.

أيها الأخوة والأخوات

          أما الصعاب فإنكم تعرفونها لأنكم تعيشونها جميعاً، بل أكثر من ذلك تعانونها مع جماهير شعبنا وجماهير أمتنا العربية.

 وقد شاركتم عملياً كل منكم في إطار المؤسسة السياسية أو الدستورية التي يتشرف بالانتماء إليها، شاركتم في توجيه عملنا ونضالنا أمام هذه الصعاب ومن أجل اجتيازها والتغلب عليها وإحراز النصر ضد كل مخاطرها وعوائقها.

          حين نصل إلى هذه المرحلة لا بد لي أن أقف في هذا العيد الواحد والعشرين لثورة 23 يوليه، أقف معكم وقفة لكي نستعرض ما نمر به اليوم. ولكي أكون منصفاً يجب أن أعود إلى ما قبل عدوان 67 حتى نستطيع أن نكون على بينة وأن نوصل حلقات السلسلة التي أرادوا أن يكبلونا بها إلى هذه اللحظة.

          في أوائل عام 65 قبل عدوان 67 بسنتين، في أوائل عام 65 أرسلت أمريكا وكيل وزارة الخارجية الأمريكية في ذلك الوقت فالبون، مفوضاً من الرئيس جونسون يحمل إلى مصر إنذاراً يتعلق بإنشاء قواتنا المسلحة، يتعلق بنشاطنا في التسليح كله وتحديد حجم قواتنا المسلحة. وأبرز نقطة في ذلك الإنذار في ذلك الوقت كانت وبمنتهى الصراحة وبالأسلوب الأمريكي الفج أن أمريكا ستزود إسرائيل بالسلاح، وإذا ما لجأت مصر إلى مهاجمة أمريكا فسيكون رد أمريكا هو مزيد من السلاح لإسرائيل.

          أنا باذكر الكلام ده اللي حصل في أوائل سنة 65 لأنه في الثلاث أربع أيام اللي فاتت كان وزير خارجيتنا الدكتور الزيات بيستقبل سكالي السفير الأمريكي بتاع الأمم المتحدة، وبيوجه له كلام بنفس الأسلوب وبنفس المعنى.

          في سنة 65 رفض عبد الناصر الإنذار، وفي سنة 73 رفضنا الإنذار أيضاً، لما جه سكالي للدكتور الزيات. جه سكالي للدكتور الزيات يقول له إنه بلاش عقد مجلس الأمن، أمريكا لا ترى أن يعقد مرة أخرى. وتذكروا حضراتكم أنه هذا في اللجنة المركزية من أسبوع نبهتكم لهذا. أمريكا لا ترى عقد مجلس الأمن مرة أخرى، أمريكا بترى إنه كفاية بقى قولوا لشعبكم إن إحنا نجحنا في المرحلة الأولى من عقد مجلس الأمن، وطمنوه وكفاية كده. كأننا بنعمل العملية من ورا شعبنا أو كأن المسألة بنضحك على شعبنا وخلاص.

          الأمر الثاني صيغة محددة. هذه الصيغة علينا أن نتقدم بها لمجلس الأمن لفض جلساته نهائياً وعدم دعوته تاني، وأي خروج على هذه الصيغة ترفضه أمريكا. إيه الغرور ده.

          إيه الغرور ده، وإيه التعالي ده. أنا مش عاوز أوصف بوصف آخر. إي الغرور والتعالي ده. رفضنا هذا وعقد مجلس الأمن، وهو منعقد الآن، ينعقد بكرة يكمل عمليته. ولعلمكم نحن لا نخشى الفيتو الأمريكي. رفضنا الإنذار الأمريكي واللهجة الأمريكية والأسلوب الأمريكي. ولما الدكتور الزيات قال لهم في مجلس الأمن إن أمريكا ضد السلام وزعلت- أمريكا ضد السلام، بل تؤيد العدوان عسكرياً واقتصادياً وسياسياً وبكل ما تملك.

   وصلت القضية لمجلس الأمن كمرحلة زي حضراتكم ما تعرفوا أو زي ما إحنا متابعين كلنا، كمرحلة من مراحل العمل الدبلوماسي المكثف اللي ابتديناها بدءاً من بدء هذا العام. كان لا بد إننا نروح مجلس الأمن علشان نضع العالم كله والقوى الكبرى بالذات أمام مسؤولياتهم.

          في 5 يونيه الماضي - في هذه السنة - من شهر وشوية أنا كنت بازور القوات المسلحة وقلت لأبنائنا في القوات المسلحة ماحناش رايحين مجلس الأمن علشان نستجدي حلاً زي البعض ما يتصور من الانهزاميين. إنما إحنا رايحين علشان نضع العالم والقوى الكبرى بالتحديد أمام مسؤولياتها. عملنا كل ما نستطيع عمله من أجل سلام يقوم على العدل. ولكن وضح من مناقشات مجلس الأمن زي كلنا ما تبعنا وزي العالم كله ما تابع معانا إن كل العالم في جانب، وإسرائيل وأمريكا في جانب.

          نرجع شوية للخلف ونشوف العملية دي مش جديدة. دا أنا حكيت لكم ابتدت من 65، نيجي بعد 67، حصل العدوان في 67 وهللت وطبلت أمريكا، ومرت مرحلة أليمة من يوليه 67 استعرضت فيها أمريكا عضلاتها في العالم كله وكان أساس أو منطلق أمريكا اللي انطلقت منه هو منطلقها في مجلس الأمن وقت العدوان. لما يحصل إنه لأول مرة في تاريخ الأمم المتحدة يتخذ قرار بوقف إطلاق النار ولا ينص على الانسحاب إلى النقط اللي بدأ منها العدوان - دي أول مرة في تاريخ الأمم المتحدة - استمرت أمريكا في هذا المنطلق، وكانت أيام مليئة بالمرارة والألم. واستمرت أمريكا في مناوراتها إلى أن صدر قرار مجلس الأمن في 22 نوفمبر سنة 67 واتعين يارنج مبعوثاً للسكرتير العام، ويارنج قام سنة ونصف يسافر إلى الشرق الأوسط ويرجع إلى الأمم المتحدة، وكان واضح تمام الوضوح إن المنطلق اللي انطلقت منه أمريكا سنة 65 واللي انطلقت منه عند إصدار قرار وقف إطلاق النار في مجلس الأمن سنة 67 في يونيه، هو نفسه اللي مستمر. هي السياسة هي هي - جونسون هو نيكسون. كلهم واحد، سياسة واحدة، تخطيط واحد مستمر، واللي حاييجي بعد نيكسون خطه هو نفس خطه. استمرينا لكن للإنصاف لازم أقرر.

          حقيقة أعلناها مراراً، أعلنها عبد الناصر وباعلنها أنا، إنه من أول يوم كانت قناعتنا ولا تزال أن ما أخذ بالقوة لا يسترد بغير القوة، ولكن كان علينا إننا نعيد بناء قواتنا المسلحة. إحنا بنعترف إن إحنا خسرنا معركة عسكرية فعلاً ولازم نعيد بناء قواتنا المسلحة، ولازم وإحنا بنعيد بناءها نراعي متطلبات ومقتضيات المعركة اللي إحنا بنواجهها والعدو اللي إحنا بنواجهه، والإمكانيات اللي بتضعها أمريكا في ايدين هذا العدو. أعدنا بناء قواتنا المسلحة وجت سنة 68 وبدأنا معارك المدفعية، ودخلنا في سنة 69 على معارك الاستنزاف. لما ابتدت معارك الاستنزاف وكان يارنج تعب من السفر من الأمم المتحدة للمنطقة والعودة إليها بلا نتيجة، زي ما هو واضح تماماً، قالوا في اجتماع الأربعة الكبار لأن الموقف يدعو إلى اجتماع الأربعة الكبار علشان يتحل المشكل، وابتدوا الأربعة الكبار يجتمعوا - مرة أخرى نفس منطلق أمريكا بتاع 65، ومنطلق أمريكا من ثلاث أيام فاتت. مرة أخرى ظلت أمريكا وراء اجتماعات الأربعة الكبار إلى أن أوقفتها وشلتها كاملاً، وبمنتهى

الصراحة وبلا حياء، مش حتى بتعمل ده في الخفاء، لا أبداً ده زي سكالي ماراح للزيات وبيقوله. وكمان تقدموا لمجلس الأمن، الصيغة دي وتمضوا عليها أو إحنا ما نوافقشي ونستخدم الفيتو. بلا حياء.

          قضى على اجتماعات الأربعة الكبار، قضى على اجتماعات الاثنين الكبار بعد ذلك، قضى على اجتماعات المناوبين بتوع الأربعة الكبار، وكله صراحة وجهاراً نهاراً. أمريكا - بلا حياء - وبلا أي خشا، طيب، إلى أن وصلنا إلى مبادرة روجرز سنة 70 ووقف إطلاق النار. المبادرة كان فيها شيئين اثنين، كان فيها الانسحاب ووقف إطلاق النار 90 يوماً. بمجرد أن حصل وقف إطلاق النار وشمت إسرائيل نفسها. اتفقت إسرائيل - زي المعتاد - مع أمريكا، ما هو الطريق والأسلوب اللي يتحللوا بيه من كل شئ. زي ما تذكروا بدأت حكاية إن مصر نقضت وقف إطلاق النار بإدخال الصواريخ على منطقة القناة، وزي ما بقول برضه بلا حياء. شئ غريب، طيب الأرض اللي غرب القناة أرضي واللي شرق القناة أرضي أيضاً طيب نفرض حتى إنه اتحركت الصواريخ زي ما بيقولوا على غرب القناة، طب ماهي دي أرضي ودي أرضي يعني. لا، أمام الطاغوت الأمريكي مصر خرقت وقف إطلاق النار. في هذا الوقت توفى الرئيس جمال الله يرحمه. زادت أمريكا من حملتها وشنت على طريقة أسلوب الكمبيوتر بتاعها يحسب ويقول لهم مصر دلوقت في زنقة اضغطوا عليها. وابتدوا يعملوا علينا حملة ضغط عنيفة. مصر خرقت وقف إطلاق النار، مصر.. مصر.. مصر.. علشان يدوا لإسرائيل المبرر إنها تطلع من التزام الانسحاب.

          ومنذ ذلك التاريخ بدأت عملية جديدة بين أمريكا وإسرائيل، وهي إنه وقف إطلاق النار يتحول إلى حالة دائمة لتجميد الموقف في المنطقة. لأن تجميد الموقف بوقف إطلاق النار يتيح لإسرائيل تفعل ما تشاء في الأرض المحتلة. تغير ما تشاء، بمضي الوقت بيصبح الأمر أمر واقع.

          ماكانش خافي علينا هذا الكلام، بدليل إنه لما جينا في فبراير 1971 بعد انتهاء الفترة الثانية لوقف إطلاق النار وقلنا مافيش بالنسبة لنا، وقف إطلاق النار مقيدين به إحنا من جانبنا. لما جينا في فبراير كان واضح لنا تماماً إن بعد الفترة الثانية إذا أخذوا موافقتنا على وقف إطلاق النار يبقى وقعنا في الشرك، لأنه مطلوب امتداد وقف إطلاق النار إلى ما لا نهاية علشان من خلال هذا يتجمد الوضع في المنطقة تمهيداً للأمر الواقع. وتبقى إسرائيل في أمان وفي اطمئنان وتغير ويصلها مئات الملايين اللي بتروح لها كل كام شهر، تفعل ما تشاء والعالم أمام تجمد الوضع في المنطقة بالتدريج يفقد اهتمامه وحماسه وينتهي الأمر إلى الأمر الواقع وإلى الحدود زي ما حصل في الحرب العالمية الثانية بعد 25 سنة أصبحت الحدود أمر واقع وقبلها العالم كله، وقبلها الأطراف ذاته. ما كانش خافي علينا وده السبب اللي كان إلحاح مستمر مني شخصياً إن المعركة ما تقفش، ما نسكتش، جينا في فبراير مدينا شهر واحد من جانبنا. ده كان معناه أيه؟ كان معناه إنه مبادرة روجرز سقطت نهائياً في 4 فبراير 1971، وده قرار اتخذناه هنا في القيادة. هذه المبادرة سقطت نهائياً يوم 4 فبراير وتقدمت أنا بعد ذلك بالمبادرة اللي قلت فيها إنه إذا كان مطلوب سلام حقيقي قائم على العدل فاحنا مستعدين لهذا السلام على أساس إن إسرائيل تنسحب فوراً بلا اتفاق وبلا أي توقيع. تنسحب فوراً

وقواتنا تعبر شرق القناة وبندي وقف إطلاق نار ستة شهور تمتد فترة أخرى لإتمام الحل النهائي. فإذا لم يتم الحل النهائي في نهاية تاريخ محدد يذكر، لقواتنا اللي عبرت شرق القناة أن تكمل مهمتها في تحرير الأرض. دي كانت المبادرة اللي بعد كده ماسكينها الأمريكان دالوقت ولووها وبيقولوا فتح القناة كحل جزئي لبدء تحريك المشكلة. وفي سبيل الوصول إلى حل نهائي. المخطط إذن من ساعة وقف إطلاق النار في أغسطس 1970 هو إن أمريكا وإسرائيل يحافظوا على وقف إطلاق النار تجميداً للموقف في المنطقة في سبيل الوصول في النهاية إلى الأمر الواقع وانتهاء المشكلة نهائياً.

          بعد مبادرتي وبعد ما جه روجرز هنا في مصر وأخذنا سنة 1971 كلها مناقشات. بدأوا في نهاية 1971 وأوائل 1972 بقه يفصحوا عن نفسهم تماماً وبوضوح. في أوائل 1972 نبص نلاقيهم بدأوا استهلوا السنة، أول يوم في السنة بحملة نفسية شرسة علشان يثبتوا الوضع اللي همه حريصين عليه وهو الإبقاء على وقف إطلاق النار لتجميد القضية والموقف. أنا بامثل تجميد القضية ووقف إطلاق النار، بامثل القضية تحت وقف إطلاق النار، وفي هذا التجميد بجسد مشلول شلل كامل في سبيله إلى الموت، مؤكد حيموت.. ليه؟ لأن تجميد القضية بوقف إطلاق النار مالوش إلا نهاية واحدة هو إنه في النهاية أمر واقع بيفرض.. إسرائيل بتاخذ حريتها في تغيير وعمل كل ما تريده في الأرض المحتلة وتنفيذ ما تشاء وبموافقة العالم، وبالتدريج بيفقد العالم اهتمامه وتنتهي القضية وبتصبح الحدود الجديدة هي اللي واقفة عندها إسرائيل. أنا باقول إن وقف إطلاق النار وتجميد القضية نتيجة له بيصيب القضية بالشلل التام اللي لازم يفضي إلى الموت. طيب والله إذا كان ولا بد موت بموت، طيب ما نموت وحنا صاحيين بدل ما احنا مشلولين. واحنا واقفين على رجلينا. إذا كان ولا بد إنه موت.

          زي ما قلت ابتدوا سنة 1972 في أولها يفصحوا نهائياً عن هدفهم، سياسة أمريكا كده صراحة في العالم كله، سياسة أمريكا المحددة هي الحفاظ على وقف إطلاق النار بأي ثمن.. رسمي.. خلاص، أفصحوا عنها في سنة 1972، بعدها يبتدوا حملة نفسية شرسة استمرت ومستمرة إلى هذه اللحظة. هذه الحملة النفسية الشرسة هدفها الأساسي إنه يا عرب ايأسوا، مفيش فايدة، مفيش حل، إسرائيل هتفضل متفوقة عليكم، إسرائيل حنديها باستمرار، إسرائيل سياسياً إحنا معاها وبنستخدم الفيتو، اقتصادياً بنبعت لها بالـ 500 مليون دولار كل شوية، عسكرياً كل ما في الترسانة العسكرية الأمريكية تحت أمر إسرائيل. وبعدين إعلان عن زوارق بالشكل الفلاني، عن مدفعية بالشكل الفلاني، عن قنابل بالشكل الفلاني. وحملة نفسية في غاية الشراسة هدفها الأساسي الحفاظ على وقف إطلاق النار اللي أمريكا قالت إيه صراحة إنه سياسة أمريكا بأي ثمن وأعلنته رسمياً.

          أمريكا وطبعاً هذا الخط وأنا قلت في مرات كثيرة إنه باتصالاتنا مع الأمريكان ثبت إن الأمريكان بيطلبوا لإسرائيل أكثر ما إسرائيل بتطلب لنفسها. حقيقة، دي حقيقة وواقع. فأمريكا في سياستها المعلنة المخفية في

عملها، في خط سيرها كله، الحفاظ على وقف إطلاق النار بأي ثمن، ليه؟ زي ما قلت تجميد القضية ينتهي بها إلى الموت المحقق، وأن تنفذ إسرائيل كل ما تريده.

          وصلنا إلى سنة 1973، أوائل 1973 وقررنا إن إحنا نروح مجلس الأمن علشان نضع مجلس الأمن أمام مسؤولياته. وعقد مجلس الأمن المرحلة الأولى في يوليه، وتأجل، وسبب التأجيل زي ما عرفتم حضراتكم إنه كان فيه مؤتمر قمة موجود. ومن ناحية أخرى كانت الوفود عايزة فرصة علشان تتكلم. لكن من انعقاد مجلس الأمن الفترة الأولى وضح إيه؟ وضح إن العالم كله في جانب وإسرائيل وأمريكا في جانب آخر. إسرائيل وأمريكا هدفهم الأساسي، وبرضه خلينا واضحين وخلينا فاهمين نعرف عدونا إيه؟ هدفهم الأساسي زي ما قلت ابتداء من أغسطس 1970 الحفاظ على وقف إطلاق النار بأي ثمن، ليه؟ لأن ده وراه تجميد القضية، ثم الموت بالكامل للقضية لصالح إسرائيل، بتحقق اللي هيه عايزاه كله. حرب نفسية فيه.

          إمداد إسرائيل وكل شئ بتعمله أمريكا وأعلنته صراحة. أمريكا في 72 وأوائل 73 دخلت بعملية جديدة. دخلت بعملية الحل الجزئي - إن القضية ممكن تتحرك والقضية ممكن تتحل إذا بدأت بحل جزئي بين مصر وإسرائيل هدفه فتح قناة السويس وربط هذا الحل الجزئي بالحل النهائي برباط ما. وكلام الأمريكان الرسمي، رباط ما يعني إيه؟ يعني الحل الجزئي يبقى كل اللي عملناه وكل اللي بنكافح من أجله ينتهي في الآخر يطلع إنه فتح قناة السويس، مش الأرض المحتلة بتاعتنا العربية ولا التحرير ولا أي حاجة. ترسى العملية على فتح قناة السويس.

          بدأت تدخل هذه العملية في العالم، وفوجئت بالحقيقة. في أوائل هذا العام بالذات إن دول كثيرة من غرب أوروبا ومن العالم ابتدت تاخذ هذا المنطق اللي هو باستمرار بقى التكرار التكرار التكرار، ابتدوا ياخذوا هذا المنطق ويقولوا لي الله طب ما هو ممكن يعني ممكن القضية تتحل بفتح قناة السويس وربط الحل ده اللي هو الجزئي ده بالحل العام وخلاص. القضية تأخذ مسارها في الحل وتتحرك وتنتهي الأمور. مشيت هذه النغمة في العالم كله، وحتى بعض أصدقائنا زي ما قلت لكم جم يقولوا هذا الكلام. ده كله سبب أساسي من أسباب مرواحنا لمجلس الأمن علشان نقول للعالم لا القضية مش قضية فتح قناة السويس لنا، القضية قضية الأرض المحتلة. القضية قضية تحرير أرضنا، القضية قضية تحرير كل شبر عربي، القضية قضية العدوان، القضية قضية دولة عاملة زي البلطجي في المنطقة ووراها البلطجي الكبير في العالم اللي هي أمريكا بيديها كل شئ علشان تفعل ما تشاء بتحدي العالم، لإرادة العالم، للأمم المتحدة، لمجلس الأمن، لكل شئ وبمنتهى البساطة والصراحة وعلناً أمام العالم كله.

          رحنا مجلس الأمن. المجلس ينعقد إن شاء الله بكره عشان يكمل الجزء الثاني من عمله. وزي ما قلت لكم التعليمات اللي أخدها الدكتور الزيات إحنا بنضع حقنا كاملاً وبمنتهى الوضوح وعلى مجلس الأمن أن يحدد موقفه من حقنا، وكل واحد يقول رأيه، اللي عاوز يستخدم فيتو يستخدم، واللي بيمشي مع السلام القائم على

العدل بيمشي، واللي بيمتنع بيمتنع. إحنا مش رايحين علشان نستجدي حل، إحنا رايحين عشان نضع الكل أمام مسؤليته وكل واحد يعلن موقفه بالتحديد.

          الخلاصة إيه. لا يارنج زي ما حكيت لكم قدر يحقق حاجة. لا اجتماع الدول الأربعة الكبار جه منه حاجة. مبادرة روجرز اتقلبت من انسحاب مع وقف إطلاق النار إلى تثبت وقف إطلاق النار وتثبيت احتلال إسرائيل مش انسحابها. ورقة يارنج اللي قدمها في 8 فبراير 71، امبارح أمريكا في ثورة لأنها مش عايزة يجي ذكرها خالص، وشئ غريب يوم يارنج ما عمل هذه الورقة وبعتها لإسرائيل ولنا وجاوبنا وردت إسرائيل بالنفي طلعت أمريكا رسمياً وقالت يارنج بيشتغل في حدود اختصاصه، وإحنا بنؤيده. النهاردة بتقول لك ذكر ورقة يارنج في أي كلمة في قرار حاتستخدم الفيتو. ما هو ويل للمغلوب. أمريكا خلاص متصورة إنه بوقف إطلاق النار جسد القضية انشل وفي سبيله إلى الموت المحقق. ووقف إطلاق النار موجود ومستمر وعليه بتضرب على الحديد وهو سخن علشان تكمل العملية كلها بالكامل. حتى المواقف اللي أيدتها من قبل بترجع تلغيها دلوقت بالكامل. أدي الموقف الأمريكي صراحة عشان الأمة العربية تبقى على بينة وعلشان شعبنا هنا يبقى عارف وواضحة له الصورة. مفيش حاجة نفعت أبداً.

          النهاردة وبصرف النظر عن النتيجة اللي حايصل إليها مجلس الأمن، لأنه زي ما قلت لكم سواء قرار تبناه مجلس الأمن مش حاتنفذه إسرائيل أو قرار استخدمت أمريكا الفيتو ضده وده المحتمل 90 %، خلاص واضح إنه خلاص انشل عمل مجلس الأمن. بصرف النظر عن أي شئ يصدر من مجلس الأمن لأن ده مش في حسابنا إنه هايحل الموقف الراهن. إيه اللي إحنا أمامه النهاردة. إحنا أمام دور أمريكا بكل ما فيه من تآمر.

          ناحية ثانية، قدام حلقة غريبة قوي، أمريكا علشان تكمل العملية بتقول إن وقف إطلاق النار سياستها والحفاظ عليه بأي ثمن هو سياستها رسمياً وجهاراً نهاراً، بتقول إيه بتقول على الأطراف إنها تتفاوض وإنه مفيش انسحاب قبل التفاوض. معنى الكلام ده أيه، طب ما هو لما أجي أتفاوض وهي محتلة الأرض حا تقول لي عايزة أرض، أقول لها لا، تقول طب أنا قاعدة على الأرض. اللغة غريبة، يعني لغة بتاع شغل زي النصب، عمليات النصب اللي بنقول عليها نصب أمريكاني هنا في بلدنا عملية نصب، مفاوضات، يقول لك مفاوضات، وبعدين حتى إذا قبل مبدأ المفاوضات وده مرفوض شكلاً وموضوعاً، ده حتى إذا قبل مبدأ المفاوضات، طب ما انت حاتقعد تقول له اتفضل روح يقول لك لا أنا عايز أرض. الله طب سيب أرضي الأول، يقول لك لا الاتفاق ما أسيبش الأرض قبل المفاوضات. طب بالمفاوضات أنا عايز أرضي، لا أنا قاعد زي ما أنا. حسبة نصب، عملية نصب، وإيه بدون شروط مسبقة. في أديس أبابا أنا شفت فالدهايم سكرتير عام الأمم المتحدة وكان بيتكلم وسألته قلت له هو احتلال الأرض مش شرط مسبق، إسرائيل بتقول عايزة مفاوضات بس بدون شروط مسبقة. طيب احتلال الأرض مش شرط مسبق. قال لي آه. قلت له طيب تطلع احتلال الأرض من المشكلة وترجع إسرائيل لحدود 5 يونيه ونروح الأمم المتحدة، كلنا نروح الأمم المتحدة بما فينا فلسطين تقعد

ويانا في الأمم المتحدة ونتكلم كلنا، بس قبله نرجع لخمسة يونيه. لا العملية زي ما بأقول عملية لعبة كده عملية نصب. انسحاب لا قبل المفاوضا&#