خطاب الرئيس أنور السادات، رئيس جمهورية مصر العربية
أمام المؤتمر المشترك لأعضاء اللجنة المركزية للاتحاد الاشتراكي العربي
وأعضاء مجلس الشعب، حول الأوضاع المحلية والعربية والدولية الراهنة

القاهرة: 23 يوليه 1973
الأهرام، القاهرة: 24 يوليه 1973

بسم الله

أيها الأخوة والأخوات

          كنا في كل عام حتى سنة 1967 نحتفل باجتماع شعبي كبير نستعرض فيه منجزاتنا ونعلن أمانينا ونستضيف أصدقاءنا ونتلقى تهانيهم. وكنا منذ سنة 67 وحتى الآن نحتفل في إطار اجتماع موسع على مستوى المؤتمر القومي للاتحاد الاشتراكي العربي، ندخل إليه بتقرير من اللجنة المركزية نناقش على أساسه ونتحدث في إطاره عن سياستنا، ثم نصدر عن المؤتمر قرارات.

          وفي هذا العام فقط اقترحت على اللجنة المركزية أسلوباً يبدو مختلفاً، وهو هذا الاجتماع في هذا المجال وعلى هذا المستوى.

          اجتماع للقيادات السياسية والشعبية المسؤولة عن القيادة، واجتماع على شكل مؤتمر مشترك من اللجنة المركزية ومجلس الشعب.

          السبب في ذلك أننا في هذه المرة نحتاج إلى شئ جديد وهو التفكير العميق في رسم سياسة تحقق كل مطالبنا الوطنية والقومية في ظل ظرف يختلف كل الاختلاف عما عشنا فيه وعاش فيه العالم منذ بداية الثورة وحتى الآن.

          كان تقديري أن المجال المحصور في البداية هو خير مجال نستطيع فيه أن نفكر. ثم أن مستوى اللجنة المركزية ومجلس الشعب هو مستوى القيادات القائدة التي تتحمل المسؤولية الأولى.

          في هذه السنة وفي هذا الاحتفال لا نحتاج إلى مجرد التهاني بالثورة ولا نحتاج إلى مجرد استعراض لمنجزاتها ولا نحتاج إلى مجرد إعلان أمانينا.

          ومع إننا نحتاج باستمرار إلى وجود أصدقائنا معنا، فإن من الخير أن نستضيف هؤلاء الأصدقاء في وقت نستطيع أن نقول لهم فيه: هذا هو فكرنا المتجدد وهذه هي مخططاتنا على أساسه.

أيها الأخوة والأخوات

          إن ثورة 23 يوليه التي قادها جمال عبد الناصر تستحق بالفعل أصدق التهاني وأخلصها وأكثرها صفاء وحرارة. ذلك لأن هذه الثورة كانت نقطة تحول فاصلة في تاريخ الشعب المصري والأمة العربية وحركة التحرر الوطني عامة.

          ويكفينا جميعاً أن نلقي نظرة على الخريطة لكي نرى رأي العين كم كان كبيراً وعميقاً وواسعاً ذلك الأثر الذي أحدثته هذه الثورة. من الناحية السياسية كانت مصر تحت ظل الاحتلال البريطاني، وفي إطار السيطرة الاستعمارية. وقد يقال الآن أن جزءاً من تراب مصر قد تعرض لاحتلال العدوان الإسرائيلي المدعم بالإمبريالية الأمريكية. ولكن ذلك شئ يختلف تماماً عما كان. ما نحن فيه الآن معركة دولة مستقلة تعرضت لمثله دول غيرنا، بل تعرضت له القوى العظمى ذاتها. لكن المعيار الحقيقي الذي يجب أن يقاس به هو معيار تحرر الإرادة الوطنية. صحيح أن بعض التراب المصري تحت الاحتلال، ولكن الإرادة المصرية كاملة الحرية. كما أننا نمارس نضالنا بكل الوسائل بما فيها حشد السلاح لكي نطهر أرض الوطن مما شابها.

          كانت الأرض العربية كلها مقسمة بين إمبراطوريتين: الإمبراطورية البريطانية في المشرق تسيطر على العراق والأردن والكويت والخليج العربي والجنوب العربي، إلى جانب أقطار أخرى غرب قناة السويس مثل ليبيا والسودان. بينما الإمبراطورية الفرنسية تسيطر على المغرب العربي وتحتل تونس والجزائر والمغرب. ووراء هاتين الإمبراطوريتين كان الاستعمار الأمريكي الجديد يقف متربصاً لانتهاز أية فرصة تسنح له حتى ينقض وحتى يكون مستعداً إذا خلت بقعة من أرض وطننا من الاستعمار التقليدي، ليكون مستعداً أن يملأها باستعماره الجديد وفقاً لنظرية أو مغالطة ملء الفراغ.

          كانت حركات التحرير الوطني قد أجهدت نفسها على كل أرض عربية دون أن تصل إلى نتائج يعتد بها أو يحسب حسابها.. ذلك لأنها لم تغير من الأمر الواقع شيئاً. قصارى ما نجحت فيه هذه التحركات هو أنها بدلت بعض الأشكال الظاهرية والسطحية لحقيقة السيطرة الاستعمارية الكاملة على المنطقة. وفي هذا الجو جاءت ثورة 23 يوليه سنة 1952. وما حدث بعدها ماثل أمام حضراتكم تنطق به الخريطة.. فقد ارتفعت أعلام الاستقلال على كل أرض عربية. وانتصرت أمتنا في جميع معاركها بقيادة وتخطيط ثورة 23 يوليه، وإن كان يجب أن نعترف أننا خسرنا معركة ضد العدو الإسرائيلي مكنته من توسيع رقعة الأرض التي احتلها بمساعدة الاستعمار والاستعمار الجديد. وكان ذلك هو انتقامهم لهزائمهم أمام الثورة العربية. ولقد تحملنا المحنة بشرف وصمدنا في شرف، وقاتلنا في شرف، وسوف نواصل النضال بعون الله في شرف إلى يوم يتطهر فيه التراب الوطني العربي كله من جريمة الصهيونية وآثار هذه الجريمة. إن محنة طرأت لا تستطيع أن تغطي طريق انتصار طويل. بل إن طريق الانتصار سوف يمد نفسه ليجرف هذه المحنة ويمحو خطيئتها من فوق أرضنا العربية الطاهرة.

ومن الناحية الاجتماعية، فإن المنطقة العربية كانت ما تزال تعيش أفكار عصور متخلفة. ولكن ثورة 23 يوليه استطاعت أن تزيح قيم الماضي البالية وأن تغرس على الأرض العربية بذوراً لفكر جديد.

          حين نرى في المنطقة الآن عمليات التحول الاجتماعي، وحين نرى جهود تطوير الصناعة والزراعة على كل بقعة منه؟ وحين نسمع كلمات التصنيع والتخطيط وحين نجد المنطقة قوة يعتد بها قادرة على التأثير في اقتصاديات العالم. حين نرى ونسمع ونجد ذلك كله، فإننا نستطيع أن ندرك إلى أي مدى كان التغيير الذي أحدثته ثورة 23 يوليه نافذاً إلى الأعماق.

          ونحن لا نقول أن المنطقة العربية بلغت ما كانت تتمناه. ولكننا نقول أن الأمة العربية وضعت نفسها على طريق العصر وعلى مستوى قيمه وأحلامه، وأنها قد دخلت بعد طول غياب إلى حلبة السباق الإنساني الكبير من أجل التقدم.

          وفي مصر بالذات فإن السجل كان عظيماً ومشرفاً بأي مقياس. التصنيع في كل المجالات، استصلاح الأراضي الجديدة، السد العالي، التحول الاجتماعي، سيطرة قوى الشعب العاملة على وسائل الإنتاج، ديموقراطية قوى الشعب التي تعززت وتأكدت بدولة المؤسسات وسيادة القانون، مظلة التأمينات الاجتماعية بما فيها حقوق العلم والعمل والصحة. سجل حافل تفخر به أي ثورة ويعتز به أي نظام. وإذا كان تأثير ذلك ينعكس على مستوى أمة بأثرها، فإن أسباب الفخر والاعتزاز تزداد بغير غرور ولا استعلاء.

          ومن الناحية الدولية، فإن مصر وشعبها وثورتها استطاعوا أن ينقلوا الأمة العربية من حالة التبعية إلى حالة التأثير الإيجابي في الأسرة الدولية وعلى أوسع نطاق.

          نحن الآن جميعاً موجودون بقوة في الأمم المتحدة، ونحن موجودون بقوة في حركات التحرر الوطني، ونحن موجودون بقوة في قيادات الوحدة الأفريقية والتضامن الأسيوي الأفريقي وعدم الانحياز، ونحن موجودون بقوة ضمن كتائب التقدم الإنساني ومع الطلائع التي تسعى إلى عالم جديد ترفرف فيه أعلام السلام القائم على العدل.

          ثم إننا الآن في هذه المنطقة الغنية استراتيجياً وسياسياً واقتصادياً في وضع نستطيع فيه أن نؤثر، ويستطيع فيه تأثيرنا أن يكون فعالاً وبناء. وهذا دور عظيم نؤديه وندعو الله أن يمكننا من مواصلة أدائه مهما كان ما يعترضنا من صعاب، بل إن الصعاب دافع إليه وليست حائلاً دونه.

أيها الأخوة والأخوات

          أما الصعاب فإنكم تعرفونها لأنكم تعيشونها جميعاً، بل أكثر من ذلك تعانونها مع جماهير شعبنا وجماهير أمتنا العربية.

 وقد شاركتم عملياً كل منكم في إطار المؤسسة السياسية أو الدستورية التي يتشرف بالانتماء إليها، شاركتم في توجيه عملنا ونضالنا أمام هذه الصعاب ومن أجل اجتيازها والتغلب عليها وإحراز النصر ضد كل مخاطرها وعوائقها.

          حين نصل إلى هذه المرحلة لا بد لي أن أقف في هذا العيد الواحد والعشرين لثورة 23 يوليه، أقف معكم وقفة لكي نستعرض ما نمر به اليوم. ولكي أكون منصفاً يجب أن أعود إلى ما قبل عدوان 67 حتى نستطيع أن نكون على بينة وأن نوصل حلقات السلسلة التي أرادوا أن يكبلونا بها إلى هذه اللحظة.

          في أوائل عام 65 قبل عدوان 67 بسنتين، في أوائل عام 65 أرسلت أمريكا وكيل وزارة الخارجية الأمريكية في ذلك الوقت فالبون، مفوضاً من الرئيس جونسون يحمل إلى مصر إنذاراً يتعلق بإنشاء قواتنا المسلحة، يتعلق بنشاطنا في التسليح كله وتحديد حجم قواتنا المسلحة. وأبرز نقطة في ذلك الإنذار في ذلك الوقت كانت وبمنتهى الصراحة وبالأسلوب الأمريكي الفج أن أمريكا ستزود إسرائيل بالسلاح، وإذا ما لجأت مصر إلى مهاجمة أمريكا فسيكون رد أمريكا هو مزيد من السلاح لإسرائيل.

          أنا باذكر الكلام ده اللي حصل في أوائل سنة 65 لأنه في الثلاث أربع أيام اللي فاتت كان وزير خارجيتنا الدكتور الزيات بيستقبل سكالي السفير الأمريكي بتاع الأمم المتحدة، وبيوجه له كلام بنفس الأسلوب وبنفس المعنى.

          في سنة 65 رفض عبد الناصر الإنذار، وفي سنة 73 رفضنا الإنذار أيضاً، لما جه سكالي للدكتور الزيات. جه سكالي للدكتور الزيات يقول له إنه بلاش عقد مجلس الأمن، أمريكا لا ترى أن يعقد مرة أخرى. وتذكروا حضراتكم أنه هذا في اللجنة المركزية من أسبوع نبهتكم لهذا. أمريكا لا ترى عقد مجلس الأمن مرة أخرى، أمريكا بترى إنه كفاية بقى قولوا لشعبكم إن إحنا نجحنا في المرحلة الأولى من عقد مجلس الأمن، وطمنوه وكفاية كده. كأننا بنعمل العملية من ورا شعبنا أو كأن المسألة بنضحك على شعبنا وخلاص.

          الأمر الثاني صيغة محددة. هذه الصيغة علينا أن نتقدم بها لمجلس الأمن لفض جلساته نهائياً وعدم دعوته تاني، وأي خروج على هذه الصيغة ترفضه أمريكا. إيه الغرور ده.

          إيه الغرور ده، وإيه التعالي ده. أنا مش عاوز أوصف بوصف آخر. إي الغرور والتعالي ده. رفضنا هذا وعقد مجلس الأمن، وهو منعقد الآن، ينعقد بكرة يكمل عمليته. ولعلمكم نحن لا نخشى الفيتو الأمريكي. رفضنا الإنذار الأمريكي واللهجة الأمريكية والأسلوب الأمريكي. ولما الدكتور الزيات قال لهم في مجلس الأمن إن أمريكا ضد السلام وزعلت- أمريكا ضد السلام، بل تؤيد العدوان عسكرياً واقتصادياً وسياسياً وبكل ما تملك.

   وصلت القضية لمجلس الأمن كمرحلة زي حضراتكم ما تعرفوا أو زي ما إحنا متابعين كلنا، كمرحلة من مراحل العمل الدبلوماسي المكثف اللي ابتديناها بدءاً من بدء هذا العام. كان لا بد إننا نروح مجلس الأمن علشان نضع العالم كله والقوى الكبرى بالذات أمام مسؤولياتهم.

          في 5 يونيه الماضي - في هذه السنة - من شهر وشوية أنا كنت بازور القوات المسلحة وقلت لأبنائنا في القوات المسلحة ماحناش رايحين مجلس الأمن علشان نستجدي حلاً زي البعض ما يتصور من الانهزاميين. إنما إحنا رايحين علشان نضع العالم والقوى الكبرى بالتحديد أمام مسؤولياتها. عملنا كل ما نستطيع عمله من أجل سلام يقوم على العدل. ولكن وضح من مناقشات مجلس الأمن زي كلنا ما تبعنا وزي العالم كله ما تابع معانا إن كل العالم في جانب، وإسرائيل وأمريكا في جانب.

          نرجع شوية للخلف ونشوف العملية دي مش جديدة. دا أنا حكيت لكم ابتدت من 65، نيجي بعد 67، حصل العدوان في 67 وهللت وطبلت أمريكا، ومرت مرحلة أليمة من يوليه 67 استعرضت فيها أمريكا عضلاتها في العالم كله وكان أساس أو منطلق أمريكا اللي انطلقت منه هو منطلقها في مجلس الأمن وقت العدوان. لما يحصل إنه لأول مرة في تاريخ الأمم المتحدة يتخذ قرار بوقف إطلاق النار ولا ينص على الانسحاب إلى النقط اللي بدأ منها العدوان - دي أول مرة في تاريخ الأمم المتحدة - استمرت أمريكا في هذا المنطلق، وكانت أيام مليئة بالمرارة والألم. واستمرت أمريكا في مناوراتها إلى أن صدر قرار مجلس الأمن في 22 نوفمبر سنة 67 واتعين يارنج مبعوثاً للسكرتير العام، ويارنج قام سنة ونصف يسافر إلى الشرق الأوسط ويرجع إلى الأمم المتحدة، وكان واضح تمام الوضوح إن المنطلق اللي انطلقت منه أمريكا سنة 65 واللي انطلقت منه عند إصدار قرار وقف إطلاق النار في مجلس الأمن سنة 67 في يونيه، هو نفسه اللي مستمر. هي السياسة هي هي - جونسون هو نيكسون. كلهم واحد، سياسة واحدة، تخطيط واحد مستمر، واللي حاييجي بعد نيكسون خطه هو نفس خطه. استمرينا لكن للإنصاف لازم أقرر.

          حقيقة أعلناها مراراً، أعلنها عبد الناصر وباعلنها أنا، إنه من أول يوم كانت قناعتنا ولا تزال أن ما أخذ بالقوة لا يسترد بغير القوة، ولكن كان علينا إننا نعيد بناء قواتنا المسلحة. إحنا بنعترف إن إحنا خسرنا معركة عسكرية فعلاً ولازم نعيد بناء قواتنا المسلحة، ولازم وإحنا بنعيد بناءها نراعي متطلبات ومقتضيات المعركة اللي إحنا بنواجهها والعدو اللي إحنا بنواجهه، والإمكانيات اللي بتضعها أمريكا في ايدين هذا العدو. أعدنا بناء قواتنا المسلحة وجت سنة 68 وبدأنا معارك المدفعية، ودخلنا في سنة 69 على معارك الاستنزاف. لما ابتدت معارك الاستنزاف وكان يارنج تعب من السفر من الأمم المتحدة للمنطقة والعودة إليها بلا نتيجة، زي ما هو واضح تماماً، قالوا في اجتماع الأربعة الكبار لأن الموقف يدعو إلى اجتماع الأربعة الكبار علشان يتحل المشكل، وابتدوا الأربعة الكبار يجتمعوا - مرة أخرى نفس منطلق أمريكا بتاع 65، ومنطلق أمريكا من ثلاث أيام فاتت. مرة أخرى ظلت أمريكا وراء اجتماعات الأربعة الكبار إلى أن أوقفتها وشلتها كاملاً، وبمنتهى

الصراحة وبلا حياء، مش حتى بتعمل ده في الخفاء، لا أبداً ده زي سكالي ماراح للزيات وبيقوله. وكمان تقدموا لمجلس الأمن، الصيغة دي وتمضوا عليها أو إحنا ما نوافقشي ونستخدم الفيتو. بلا حياء.

          قضى على اجتماعات الأربعة الكبار، قضى على اجتماعات الاثنين الكبار بعد ذلك، قضى على اجتماعات المناوبين بتوع الأربعة الكبار، وكله صراحة وجهاراً نهاراً. أمريكا - بلا حياء - وبلا أي خشا، طيب، إلى أن وصلنا إلى مبادرة روجرز سنة 70 ووقف إطلاق النار. المبادرة كان فيها شيئين اثنين، كان فيها الانسحاب ووقف إطلاق النار 90 يوماً. بمجرد أن حصل وقف إطلاق النار وشمت إسرائيل نفسها. اتفقت إسرائيل - زي المعتاد - مع أمريكا، ما هو الطريق والأسلوب اللي يتحللوا بيه من كل شئ. زي ما تذكروا بدأت حكاية إن مصر نقضت وقف إطلاق النار بإدخال الصواريخ على منطقة القناة، وزي ما بقول برضه بلا حياء. شئ غريب، طيب الأرض اللي غرب القناة أرضي واللي شرق القناة أرضي أيضاً طيب نفرض حتى إنه اتحركت الصواريخ زي ما بيقولوا على غرب القناة، طب ماهي دي أرضي ودي أرضي يعني. لا، أمام الطاغوت الأمريكي مصر خرقت وقف إطلاق النار. في هذا الوقت توفى الرئيس جمال الله يرحمه. زادت أمريكا من حملتها وشنت على طريقة أسلوب الكمبيوتر بتاعها يحسب ويقول لهم مصر دلوقت في زنقة اضغطوا عليها. وابتدوا يعملوا علينا حملة ضغط عنيفة. مصر خرقت وقف إطلاق النار، مصر.. مصر.. مصر.. علشان يدوا لإسرائيل المبرر إنها تطلع من التزام الانسحاب.

          ومنذ ذلك التاريخ بدأت عملية جديدة بين أمريكا وإسرائيل، وهي إنه وقف إطلاق النار يتحول إلى حالة دائمة لتجميد الموقف في المنطقة. لأن تجميد الموقف بوقف إطلاق النار يتيح لإسرائيل تفعل ما تشاء في الأرض المحتلة. تغير ما تشاء، بمضي الوقت بيصبح الأمر أمر واقع.

          ماكانش خافي علينا هذا الكلام، بدليل إنه لما جينا في فبراير 1971 بعد انتهاء الفترة الثانية لوقف إطلاق النار وقلنا مافيش بالنسبة لنا، وقف إطلاق النار مقيدين به إحنا من جانبنا. لما جينا في فبراير كان واضح لنا تماماً إن بعد الفترة الثانية إذا أخذوا موافقتنا على وقف إطلاق النار يبقى وقعنا في الشرك، لأنه مطلوب امتداد وقف إطلاق النار إلى ما لا نهاية علشان من خلال هذا يتجمد الوضع في المنطقة تمهيداً للأمر الواقع. وتبقى إسرائيل في أمان وفي اطمئنان وتغير ويصلها مئات الملايين اللي بتروح لها كل كام شهر، تفعل ما تشاء والعالم أمام تجمد الوضع في المنطقة بالتدريج يفقد اهتمامه وحماسه وينتهي الأمر إلى الأمر الواقع وإلى الحدود زي ما حصل في الحرب العالمية الثانية بعد 25 سنة أصبحت الحدود أمر واقع وقبلها العالم كله، وقبلها الأطراف ذاته. ما كانش خافي علينا وده السبب اللي كان إلحاح مستمر مني شخصياً إن المعركة ما تقفش، ما نسكتش، جينا في فبراير مدينا شهر واحد من جانبنا. ده كان معناه أيه؟ كان معناه إنه مبادرة روجرز سقطت نهائياً في 4 فبراير 1971، وده قرار اتخذناه هنا في القيادة. هذه المبادرة سقطت نهائياً يوم 4 فبراير وتقدمت أنا بعد ذلك بالمبادرة اللي قلت فيها إنه إذا كان مطلوب سلام حقيقي قائم على العدل فاحنا مستعدين لهذا السلام على أساس إن إسرائيل تنسحب فوراً بلا اتفاق وبلا أي توقيع. تنسحب فوراً

وقواتنا تعبر شرق القناة وبندي وقف إطلاق نار ستة شهور تمتد فترة أخرى لإتمام الحل النهائي. فإذا لم يتم الحل النهائي في نهاية تاريخ محدد يذكر، لقواتنا اللي عبرت شرق القناة أن تكمل مهمتها في تحرير الأرض. دي كانت المبادرة اللي بعد كده ماسكينها الأمريكان دالوقت ولووها وبيقولوا فتح القناة كحل جزئي لبدء تحريك المشكلة. وفي سبيل الوصول إلى حل نهائي. المخطط إذن من ساعة وقف إطلاق النار في أغسطس 1970 هو إن أمريكا وإسرائيل يحافظوا على وقف إطلاق النار تجميداً للموقف في المنطقة في سبيل الوصول في النهاية إلى الأمر الواقع وانتهاء المشكلة نهائياً.

          بعد مبادرتي وبعد ما جه روجرز هنا في مصر وأخذنا سنة 1971 كلها مناقشات. بدأوا في نهاية 1971 وأوائل 1972 بقه يفصحوا عن نفسهم تماماً وبوضوح. في أوائل 1972 نبص نلاقيهم بدأوا استهلوا السنة، أول يوم في السنة بحملة نفسية شرسة علشان يثبتوا الوضع اللي همه حريصين عليه وهو الإبقاء على وقف إطلاق النار لتجميد القضية والموقف. أنا بامثل تجميد القضية ووقف إطلاق النار، بامثل القضية تحت وقف إطلاق النار، وفي هذا التجميد بجسد مشلول شلل كامل في سبيله إلى الموت، مؤكد حيموت.. ليه؟ لأن تجميد القضية بوقف إطلاق النار مالوش إلا نهاية واحدة هو إنه في النهاية أمر واقع بيفرض.. إسرائيل بتاخذ حريتها في تغيير وعمل كل ما تريده في الأرض المحتلة وتنفيذ ما تشاء وبموافقة العالم، وبالتدريج بيفقد العالم اهتمامه وتنتهي القضية وبتصبح الحدود الجديدة هي اللي واقفة عندها إسرائيل. أنا باقول إن وقف إطلاق النار وتجميد القضية نتيجة له بيصيب القضية بالشلل التام اللي لازم يفضي إلى الموت. طيب والله إذا كان ولا بد موت بموت، طيب ما نموت وحنا صاحيين بدل ما احنا مشلولين. واحنا واقفين على رجلينا. إذا كان ولا بد إنه موت.

          زي ما قلت ابتدوا سنة 1972 في أولها يفصحوا نهائياً عن هدفهم، سياسة أمريكا كده صراحة في العالم كله، سياسة أمريكا المحددة هي الحفاظ على وقف إطلاق النار بأي ثمن.. رسمي.. خلاص، أفصحوا عنها في سنة 1972، بعدها يبتدوا حملة نفسية شرسة استمرت ومستمرة إلى هذه اللحظة. هذه الحملة النفسية الشرسة هدفها الأساسي إنه يا عرب ايأسوا، مفيش فايدة، مفيش حل، إسرائيل هتفضل متفوقة عليكم، إسرائيل حنديها باستمرار، إسرائيل سياسياً إحنا معاها وبنستخدم الفيتو، اقتصادياً بنبعت لها بالـ 500 مليون دولار كل شوية، عسكرياً كل ما في الترسانة العسكرية الأمريكية تحت أمر إسرائيل. وبعدين إعلان عن زوارق بالشكل الفلاني، عن مدفعية بالشكل الفلاني، عن قنابل بالشكل الفلاني. وحملة نفسية في غاية الشراسة هدفها الأساسي الحفاظ على وقف إطلاق النار اللي أمريكا قالت إيه صراحة إنه سياسة أمريكا بأي ثمن وأعلنته رسمياً.

          أمريكا وطبعاً هذا الخط وأنا قلت في مرات كثيرة إنه باتصالاتنا مع الأمريكان ثبت إن الأمريكان بيطلبوا لإسرائيل أكثر ما إسرائيل بتطلب لنفسها. حقيقة، دي حقيقة وواقع. فأمريكا في سياستها المعلنة المخفية في

عملها، في خط سيرها كله، الحفاظ على وقف إطلاق النار بأي ثمن، ليه؟ زي ما قلت تجميد القضية ينتهي بها إلى الموت المحقق، وأن تنفذ إسرائيل كل ما تريده.

          وصلنا إلى سنة 1973، أوائل 1973 وقررنا إن إحنا نروح مجلس الأمن علشان نضع مجلس الأمن أمام مسؤولياته. وعقد مجلس الأمن المرحلة الأولى في يوليه، وتأجل، وسبب التأجيل زي ما عرفتم حضراتكم إنه كان فيه مؤتمر قمة موجود. ومن ناحية أخرى كانت الوفود عايزة فرصة علشان تتكلم. لكن من انعقاد مجلس الأمن الفترة الأولى وضح إيه؟ وضح إن العالم كله في جانب وإسرائيل وأمريكا في جانب آخر. إسرائيل وأمريكا هدفهم الأساسي، وبرضه خلينا واضحين وخلينا فاهمين نعرف عدونا إيه؟ هدفهم الأساسي زي ما قلت ابتداء من أغسطس 1970 الحفاظ على وقف إطلاق النار بأي ثمن، ليه؟ لأن ده وراه تجميد القضية، ثم الموت بالكامل للقضية لصالح إسرائيل، بتحقق اللي هيه عايزاه كله. حرب نفسية فيه.

          إمداد إسرائيل وكل شئ بتعمله أمريكا وأعلنته صراحة. أمريكا في 72 وأوائل 73 دخلت بعملية جديدة. دخلت بعملية الحل الجزئي - إن القضية ممكن تتحرك والقضية ممكن تتحل إذا بدأت بحل جزئي بين مصر وإسرائيل هدفه فتح قناة السويس وربط هذا الحل الجزئي بالحل النهائي برباط ما. وكلام الأمريكان الرسمي، رباط ما يعني إيه؟ يعني الحل الجزئي يبقى كل اللي عملناه وكل اللي بنكافح من أجله ينتهي في الآخر يطلع إنه فتح قناة السويس، مش الأرض المحتلة بتاعتنا العربية ولا التحرير ولا أي حاجة. ترسى العملية على فتح قناة السويس.

          بدأت تدخل هذه العملية في العالم، وفوجئت بالحقيقة. في أوائل هذا العام بالذات إن دول كثيرة من غرب أوروبا ومن العالم ابتدت تاخذ هذا المنطق اللي هو باستمرار بقى التكرار التكرار التكرار، ابتدوا ياخذوا هذا المنطق ويقولوا لي الله طب ما هو ممكن يعني ممكن القضية تتحل بفتح قناة السويس وربط الحل ده اللي هو الجزئي ده بالحل العام وخلاص. القضية تأخذ مسارها في الحل وتتحرك وتنتهي الأمور. مشيت هذه النغمة في العالم كله، وحتى بعض أصدقائنا زي ما قلت لكم جم يقولوا هذا الكلام. ده كله سبب أساسي من أسباب مرواحنا لمجلس الأمن علشان نقول للعالم لا القضية مش قضية فتح قناة السويس لنا، القضية قضية الأرض المحتلة. القضية قضية تحرير أرضنا، القضية قضية تحرير كل شبر عربي، القضية قضية العدوان، القضية قضية دولة عاملة زي البلطجي في المنطقة ووراها البلطجي الكبير في العالم اللي هي أمريكا بيديها كل شئ علشان تفعل ما تشاء بتحدي العالم، لإرادة العالم، للأمم المتحدة، لمجلس الأمن، لكل شئ وبمنتهى البساطة والصراحة وعلناً أمام العالم كله.

          رحنا مجلس الأمن. المجلس ينعقد إن شاء الله بكره عشان يكمل الجزء الثاني من عمله. وزي ما قلت لكم التعليمات اللي أخدها الدكتور الزيات إحنا بنضع حقنا كاملاً وبمنتهى الوضوح وعلى مجلس الأمن أن يحدد موقفه من حقنا، وكل واحد يقول رأيه، اللي عاوز يستخدم فيتو يستخدم، واللي بيمشي مع السلام القائم على

العدل بيمشي، واللي بيمتنع بيمتنع. إحنا مش رايحين علشان نستجدي حل، إحنا رايحين عشان نضع الكل أمام مسؤليته وكل واحد يعلن موقفه بالتحديد.

          الخلاصة إيه. لا يارنج زي ما حكيت لكم قدر يحقق حاجة. لا اجتماع الدول الأربعة الكبار جه منه حاجة. مبادرة روجرز اتقلبت من انسحاب مع وقف إطلاق النار إلى تثبت وقف إطلاق النار وتثبيت احتلال إسرائيل مش انسحابها. ورقة يارنج اللي قدمها في 8 فبراير 71، امبارح أمريكا في ثورة لأنها مش عايزة يجي ذكرها خالص، وشئ غريب يوم يارنج ما عمل هذه الورقة وبعتها لإسرائيل ولنا وجاوبنا وردت إسرائيل بالنفي طلعت أمريكا رسمياً وقالت يارنج بيشتغل في حدود اختصاصه، وإحنا بنؤيده. النهاردة بتقول لك ذكر ورقة يارنج في أي كلمة في قرار حاتستخدم الفيتو. ما هو ويل للمغلوب. أمريكا خلاص متصورة إنه بوقف إطلاق النار جسد القضية انشل وفي سبيله إلى الموت المحقق. ووقف إطلاق النار موجود ومستمر وعليه بتضرب على الحديد وهو سخن علشان تكمل العملية كلها بالكامل. حتى المواقف اللي أيدتها من قبل بترجع تلغيها دلوقت بالكامل. أدي الموقف الأمريكي صراحة عشان الأمة العربية تبقى على بينة وعلشان شعبنا هنا يبقى عارف وواضحة له الصورة. مفيش حاجة نفعت أبداً.

          النهاردة وبصرف النظر عن النتيجة اللي حايصل إليها مجلس الأمن، لأنه زي ما قلت لكم سواء قرار تبناه مجلس الأمن مش حاتنفذه إسرائيل أو قرار استخدمت أمريكا الفيتو ضده وده المحتمل 90 %، خلاص واضح إنه خلاص انشل عمل مجلس الأمن. بصرف النظر عن أي شئ يصدر من مجلس الأمن لأن ده مش في حسابنا إنه هايحل الموقف الراهن. إيه اللي إحنا أمامه النهاردة. إحنا أمام دور أمريكا بكل ما فيه من تآمر.

          ناحية ثانية، قدام حلقة غريبة قوي، أمريكا علشان تكمل العملية بتقول إن وقف إطلاق النار سياستها والحفاظ عليه بأي ثمن هو سياستها رسمياً وجهاراً نهاراً، بتقول إيه بتقول على الأطراف إنها تتفاوض وإنه مفيش انسحاب قبل التفاوض. معنى الكلام ده أيه، طب ما هو لما أجي أتفاوض وهي محتلة الأرض حا تقول لي عايزة أرض، أقول لها لا، تقول طب أنا قاعدة على الأرض. اللغة غريبة، يعني لغة بتاع شغل زي النصب، عمليات النصب اللي بنقول عليها نصب أمريكاني هنا في بلدنا عملية نصب، مفاوضات، يقول لك مفاوضات، وبعدين حتى إذا قبل مبدأ المفاوضات وده مرفوض شكلاً وموضوعاً، ده حتى إذا قبل مبدأ المفاوضات، طب ما انت حاتقعد تقول له اتفضل روح يقول لك لا أنا عايز أرض. الله طب سيب أرضي الأول، يقول لك لا الاتفاق ما أسيبش الأرض قبل المفاوضات. طب بالمفاوضات أنا عايز أرضي، لا أنا قاعد زي ما أنا. حسبة نصب، عملية نصب، وإيه بدون شروط مسبقة. في أديس أبابا أنا شفت فالدهايم سكرتير عام الأمم المتحدة وكان بيتكلم وسألته قلت له هو احتلال الأرض مش شرط مسبق، إسرائيل بتقول عايزة مفاوضات بس بدون شروط مسبقة. طيب احتلال الأرض مش شرط مسبق. قال لي آه. قلت له طيب تطلع احتلال الأرض من المشكلة وترجع إسرائيل لحدود 5 يونيه ونروح الأمم المتحدة، كلنا نروح الأمم المتحدة بما فينا فلسطين تقعد

ويانا في الأمم المتحدة ونتكلم كلنا، بس قبله نرجع لخمسة يونيه. لا العملية زي ما بأقول عملية لعبة كده عملية نصب. انسحاب لا قبل المفاوضات، طب مفاوضات عايزة أرض في المفاوضات، لا طب استنى زي ما أنا في الأرض كلها، هي عملية غريبة يعني. طيب أمام الموقف ده كله في المرحلة الماضية دي كلها كان خط سيرنا إحنا إيه وكنا بنقابل ده كله إزاي أمام كل هذه المناورات وأمام كل هذه المخططات اللي بتتخطط واللي حكيت لكم عنها.

          من أول لحظة توليت فيها المسئولية وإلى هذه اللحظة وأنا باارتب خطتي للمواجهة على ثلاث نقط:

النقطة الأولى: هي القوة الذاتية المصرية.

النقطة الثانية: هي الإمكانية العربية الهائلة اللي للعالم العربي.

النقطة الثالثة: الدعم السوفيتي السياسي والعسكري.

واخدهم نقطة نقطة.

النقطة الأولى كانت القوة الذاتية المصرية. القوة الذاتية المصرية تجلت على أروع صورة معنوياً يوم 9 و10 يونيه، أظن كلنا نذكر هذا التاريخ 9 و10 يونيه سنة 67. في الوقت اللي كنا مضروبين مجروحين هزيمة أليمة مريرة بأبعاد مجرحة بالكامل، ومع ذلك خرج شعبنا تلقائياً وبلا أي تنظيم من أي جهة كانت تلقائياً، بما ترسب في نفسه من حضارة 7000 سنة، وأصالة 7000 سنة، وصمود 7000 سنة، خرج الشعب كله بيرفض الهزيمة بيرفض الاستسلام.

          زي ما قال عبد الناصر ما كانش فيه عسكري من السويس إلى القاهرة، ومع ذلك شعبنا كان بيقول لا، لا للهزيمة، لا للاستسلام. أدي محور قوتنا الذاتية الأساسي لغاية هذه الخطة. ارادة الشعب، تصميم الشعب. بيتجلى كله في الفئات وخاصة في ابن البلد اللي في الشارع المصري، الأصالة، الصلابة، الإيمان، مايسبشي تاره أبداً. لا للهزيمة، لا للاستسلام، أبداً، وده اللي محير إسرائيل لغاية النهاردة. ليه؟ هم كانوا متصورين إن الهزيمة العسكرية كفيلة بأن تقضي على إرادتنا كشعب وإننا حانسلم. طيب وقالوا حرب الست أيام هي نهاية المطاف وانتهت كل مشاكل إسرائيل، بل تخيل البعض في إسرائيل وقعد جنب التليفون إن مصر هاتطلب وتقول شروطكم إيه قد كده بيفكروا وبالغرور.

          شعبنا وقف قال لا. أيامها قالوا على الحكاية دي، قالوا لا دي صحوة الموت. دي صحوة موت بس ادوهم فترة وبعد ذلك حاينتهوا. لا، إلى هذا اللحظة وإلى أن تقوم الساعة لن يستطيع أو لن تستطيع قوة أن تقهر إرادة شعبنا أبداً إن شاء الله.

  أنا بااركز على هذه النقطة لأن هي دي الحلقة الأساسية في صمودنا وفي قوتنا الذاتية. وعلشان كده أنا حريص إنه باستمرار هذه الحلقة الأساسية لازم تدعم ولازم تتأصل باستمرار. مرت ست سنوات، وزي ما قلت دي حرب الست أيام اللي أنهت الدنيا خلاص، وأنهت مشاكل إسرائيل وخلصت على العرب ومفيش معركة تاني. طيب بدل الست ايام مرت ست سنين ولم تستسلم الإرادة العربية، القوة الذاتية المصرية، الأصالة المصرية، الإرادة المصرية وقفت وأثبتت ذاتها وأثبتتها إلى هذه اللحظة زي ما قلت إلى أن تقوم الساعة إن شاء الله.

          إلى جانب هذا ماكانتش دي هي القوة الذاتية بس، إنما ده زي ما قلت أهم حلقة قي قوتنا الذاتية لازم نحرص عليها ولازم زي ما قلت ننميها ونأصلها لأن هي دي روح شعبنا ما حدش يقدر أبداً يعمل ضد روح شعبنا أو يفرض شئ ضد إرادة شعبنا أبداً. دي إرادة زي ما قلت للرجل العادي، ابن البلد في الشارع، والفلاح والعامل وكل إنسان، دي إرادته المترسبة فيه من صمود 7000 سنة. لكن مش دي بس القوة الذاتية، لا جنبها القوة المادية. عملنا إيه في الست سنين اللي فاتت علشان ندعم القوة الذاتية المصرية اللي هي سند أساسي في المواجهة اللي إحنا فيها النهاردة.

          أنا عايز أدي شوية أرقام، لأن الأرقام لا تخطئ في الأمور دي، الأرقام أحسن لأنها هي اللي بتدي الصورة بدل الكلام على قواتنا المسلحة إلى هذه السنة، منذ سنة 67 حتى موازنة 1973 إجمالي الإنفاق بعد العدوان بما فيه اتفاقيات التسليح 4254 مليون جنيه. 4254 مليون جنيه الكلام ده داخل أمام مجلس الشعب وشاف الميزانية وأرقام حية. ده القوات المسلحة، لبناء قوات ذاتية.

          قيمة الإنتاج الكلي في الاقتصاد القومي، في 66 كان الإنتاج كله 66 - 67 كان 4375 مليون جنيه، السنة دي 73 المستهدف 6306 مليون جنيه، زيادة 1831 مليون بنسبة 40 %، أي بمتوسط 6.1 من 67 لغاية النهاردة. ده في اقتصادنا القومي، قيمة الإنتاج الكلي.

          الدخل القومي، سنة 67 كان 2180 مليون جنيه، السنة دي 3078 مليون جنيه، زيادة 898 مليون، الزيادة بنسبة 40 % في الست سنين، من 67 لغاية 73.

          باادي أرقام وزي ما قلت الأرقام لا تخطئ. النقل والمواصلات والتجارة والمال والخدمات إنما أنا عايز آجي. حجم العمالة لسنة 66/ 67 لأن دايماً واخد 67 كمقارنة بـ 73 عشان الست سنين. حجم العمالة كان 7.634.000 مشتغل كان 67، سنة 73 أصبح 8.865.000، فرق الزيادة 1.231.000 بنسبة 16 % فرق العمالة بين 67/ 73. كل ده بيوري البلد ماشية وبتنتج وبتبني واللا لا. نيجي نشوف الاستثمارات. كلنا عارفين القوات المسلحة بتاخذ 700 مليون جنيه، في السنة هل وقفت التنمية؟ هل وقفت الاستثمارات؟. برضه الأرقام أحسن حاجة بدل الكلام لأنها موجودة في الميزانية وأمام مجلس الشعب وبنحاسب عليها الحكومة.

   حجم الاستثمارات للقطاع العام من 67 لغاية نهاية ديسمبر 72 لسه الجزء بتاع 73 كمان مادخلش، 1846 مليون جنيه في ست سنين أو خمس سنين ونص، يعني بمعدل حوالى 300 مليون جنيه في السنة موزعة كالأتي:

الزراعة والري 290 مليون جنيه استثمارات. الكهرباء والسد العالي 177. الصناعة والبترول 780 مليون. النقل والمواصلات 201 مليون. تجارة وتموين 38. إسكان ومرافق 106. تعليم وبحوث وشباب 55 مليون. خدمات صحية واجتماعية 23. الثقافة والإرشاد القومي 10. سياحة 9. خدمات أخرى 14. استثمارات غير مخصصة 97.

          كل ده عدا ما خصص للقطاع الخاص 50 مليون جنيه، والزيادة في المخزون 20 مليون جنيه.

          1846 في خمس سنين ونص استثمارات اتنفذت فعلاً بمعدل 300 مليون جنيه في السنة تقريباً، جنب 700 مليون جنيه بتاخذهم قوتنا المسلحة. ده كله عشان بناء قوتنا الذاتية المادية.

          أردت أنا بهذه الأرقام إنه باادي فكرة ولمحة عن سيرنا في الست سنين اللي فاتت في بناء قوتنا الذاتية المادية. الاستثمارات ما وقفتش، بناء قواتنا المسلحة مستمر بكل ما نستطيع وبكل ما نملك، ولكن في نفس الوقت التنمية ما وقفتش والاستثمارات ماشية. صحيح المعدل أقل أقل ما كنا إحنا أو إحنا نأمل أو عاوزين، لكن أدي اللي في إمكاننا، لكن ما احناش واقفين.

          بنيجي وهل إحنا راضيين. هل معنى ده إن إحنا راضيين عن نفسنا. أبداً إحنا لسه بنقول إحنا عندنا متاعب وإنه ممكن كنا نعمل أحسن من كده، وإنه فيه مظاهر للتسيب وفيه بعض مظاهر للانحراف. لازم نعترف كلنا بهذا ولازم نعمل على علاج هذا، لكن ليس معنى هذا أبداً إن إحنا خلاص روحنا أو ضعنا أو زي ما بيصور البعض إن مصر انتهت. أبداً، أهي أرقام لا تخطئ، تنمية مستمرة، بناء قوات مسلحة مستمر في كل المجالات، مستمر والعمل قائم. الخريجين كلهم بيشتغلوا، خطنا الاشتراكي كل تفصيل فيه بنّفذه، وكل التزام علينا بنؤديه. متاعب ومصاعب عندنا. لا بد عندنا. الخدمات مجهدة أشد اجهاد. أيضاً استغنى شعبنا عن الكماليات عشان يسمع إخواننا وتسمع أمتنا العربية وإحنا ما بنمنش على حد بهذا، استغنينا عن الكماليات كلها.

          استغنينا عن الكماليات كلها وفي سبيلنا إننا بنحدد الضروريات. إحنا ابتدينا بعملية الزيت، زي ما كلنا عارفين وده من الضروريات بنحددها، ولكن مابنمنش على حد، إحنا بنقول هذا وبنفخر إننا بنعمل هذا لأننا بنحارب معركتنا ومعركة الأمة العربية - معركة كرامتنا - معركة إرادتنا - معركة صمودنا - معركة الأجيال اللي جاية كلها. تخلصنا من كل الكماليات وابتدينا نحدد الضروريات، حانستمر ويوم ما حا تندلع الشرارة حاناخد إجراءات أكبر طواعية من نفسنا برغبتنا، لأن ده إيماننا.

   أنا كنت عايز أتكلم كلمتين في هذه المناسبة عن قواتنا المسلحة، بانتهز هذه الفرصة وباتوجه من هذه القاعة وفي هذا المؤتمر المشترك بتحية الشعب لقواتنا المسلحة الرابضة على حدودنا هناك، اللي بيقضوا ليلهم ونهارهم ساهرين مفتحين مستنيين الأمر ييجي لهم، بلا مزايدة وبلا جدل وتحت كل الظروف، في الشتاء وفي الصيف وفي كل الأوقات. وجاهزين بإيه؟ جاهزين بأرواحهم أغلى ما عندهم، جاهزين علشان يقدموها لبلدهم، ضميرهم ارتبط بضمير شعبهم وبضمير أمتهم، لهم منا جميعاً كل التقدير وكل الإعجاب ودعواتنا بأنهم في معركتكم إن شاء الله يحققون كل ما يتمنوه وما نتمناه كلنا لشعبنا.

          زي ما قلت هل إحنا مش مجهدين لا إحنا مجهدين فعلاً - زي ما قلت استغنينا عن الكماليات كلها، وبدأنا نحدد في الضروريات. الخدمات عندنا كلها مجهدة - مواصلات، التليفونات، المجاري، كل الخدمات عندنا مجهدة ومثقلة. ولعلمكم من سنة 67 لسنة 73 في الست سنوات اللي إحنا فيها في هذه المرحلة، مرحلة المواجهة زدنا 4 مليون سكان كمان فوق مشاكلنا واجهادنا زدنا 4 مليون لا بد لهم من إسكان وصحة وتعليم وتموين، وماشيين وحنمشي بإذن الله.

          قبل ما اسيب القوى الذاتية المصرية، لازم أكون صريح معاكم وأقول أنه في بعض الأوقات حدثت بعض المؤثرات على القوى الذاتية المصرية. إحنا بنقول إن الصمود روح الشعب، روح 9 و10 يونيه هي الحلقة الأساسية في قواتنا الذاتية حدثت بعض مؤثرات ولكن بالنسبة لحالة التمزق اللي إحنا عايشينها باتجاوز أنا عن هذا ولأن شعبنا كمان بحسه وإدراكه واعي جداً وعارف. هذه المؤثرات ما استطاعتش أن تغير شيء ولا تؤثر شيء. بل على العكس كشفت أصحابها، بس ولكن مسيرة شعبنا في خطها العام وفي أصالتها وفي ماضيها مستمرة كما هي.

          باخرج من ده إن القوى الذاتية المصرية خلال الست سنوات زي ما أستعرضتها لكم كانت على أروع ما تكون. سنترك كل المؤثرات اللي أنا حكيت عنها أو بعض التجاوزات بنتركها لكن بناخد المحصلة العامة. كانت ولا تزال القوى الذاتية المصرية على أروع ما تكون، ولكن زي ما قلت دا ما يعنيشي إن إحنا مالناش ملاحظات على نفسنا. إحنا عاوزين نكون أكثر، عاوزين تعبئة أكثر، عايزين تركيز أكثر لعناصر قوتنا الذاتية وعناصر صمودنا، وخاصة في هذه المرحلة - مرحلة المواجهة الشاملة اللي إحنا عايشينها النهاردة والصراع الخطير اللي علينا شئنا أو لم نشأ أن ندخله ونكمل المسيرة أياً كان قدرنا.

          ده كان النقطة الأولى زي ما قلت لكم في الثلاث عوامل اللي بنواجه بها بقه مخططات أعدائنا، وزي ما قلت النقطة الأولى كانت القوة الذاتية المصرية.

          النقطة الثانية الإمكانيات العربية الهائلة.

 النقطة الثالثة الدعم السوفيتي السياسي والعسكري. دول اللي بنواجه بهم مخططات أعدائنا علشان ضربنا وفرض إرادة إسرائيل علينا وفرض التسليم علينا.

          النقطة الأولى كانت القوة الذاتية المصرية، وزي ما استعرضتها أمام حضراتكم، سواء في الناحية المعنوية والحالة الأساسية فيها وهي الصمود المعنوي والأصالة والصلابة اللي في شعبنا بقت لها سبعة آلاف سنة، أو ناحية البناء المادي سواء بالنسبة لقواتنا المسلحة أو بالنسبة للتنمية أو بالنسبة للعمالة أو بالنسبة لأمور أخرى لا تذكر الآن خاصة بعض المجهودات اللي لا بد إذا كان إن إحنا نبدأها، ذكرت لكم إن القوة الذاتية الموجودة المصرية، كل يوم في مسارها بتدعيم أكثر، ومحتاجين إحنا إلى تدعيم أكثر برغم كل ما لنا عليها من ملاحظات، إنما أدت دورها في الست سنين اللي فاتت، بدليل إن إحنا ست سنين صامدين أمام إسرائيل وأمام الاستنزاف الرهيب في إمكانياتنا الاقتصادية، سواء في ميزانية القوات المسلحة الكبيرة أو في الصرف الأخر اللي بتقتضيه مرحلة المواجهة اللي إحنا عايشينها طول الست سنين اللي فاتت. القوة الذاتية المصرية أدت في الست سنين وعلينا أن نركز أكثر وندعمها أكثر ونعبئها أكثر لأداء أكثر من المرحلة الماضية، لأننا دخلنا المرحلة النهائية من الصراع.

النقطة الثانية هي الإمكانيات العربية: وأنا بأعتبر إن الإمكانيات العربية حقيقة إمكانيات هائلة. ونبدأ من البداية، زي ما ابتدينا وإحنا بنستعرض موقف أمريكا، نبدأ من البداية مباشرة بعد العدوان حصل مؤتمر الخرطوم. وفي مؤتمر الخرطوم اتخذت مقررات واجتمعت إرادة الأمة العربية على توصيف معين للقضية، إنه مفيش صلح، مفيش مفاوضات، مفيش استسلام إطلاقاً. وتقرر في هذا المؤتمر الدعم لدول المواجهة. الحقيقة ببدء هذا المؤتمر أو بانعقاد هذا المؤتمر في الخرطوم بدأت، وصح نقول ما يسمى بوحدة أو مرحلة وحدة العمل العربي. وفي هذا أنا برضه أريد أن نكون واضحين لأن هناك كلام كثير عن الخط العربي وخط التحرر العربي، وموقفنا وتصرفنا و.. و.. أنا باحب أضع سياستنا واضحة، موقفنا من وحدة العمل العربي هو إننا نرحب بكل تعاون وتنسيق بين القوى العربية على امتداد مناطقها الجغرافية وعلى تباين أنظمتها الاجتماعية. ففي لحظات المصير العربي ينبغي أن نرتفع جميعاً فوق كل الصراعات وفوق كل الخلافات لنذكر الخطر الواحد الذي يتهددنا جميعاً بغير تفرقة أو تمييز. ده خطنا في وحدة العمل العربي وده خطنا اللي إحنا النهاردة في هذه المرحلة المصيرية من حياتنا وفي مرحلة المواجهة الشاملة سنتمسك به دائماً.

          الإمكانيات العربية زي أنا ما قلت إمكانيات هائلة، وأستطيع أن أقول إنه تحقق شئ كثير جداً حقيقة. زي ما قلت في الوقت اللي أعدائنا فيه قاعدين بيرسموا مخططاتهم اللي بتهدف كلها إلى تجميد القضية عن طريق استمرار وقف إطلاق النار لفرض الأمر الواقع وماشيين في مخططهم ونجحوا إلى حد أن الحرب النفسية اللي شنوها نالت من نفوس البعض في الأمة العربية للأسف أمام هذا إحنا بنعمل على ثلاث محاور: المحور الأول القوة الذاتية المصرية، المحور الثاني الإمكانيات العربية. أنا عاوز أقول إن في الفترة الماضية وتطبيقاً للخط اللي أنا حكيته ده وأنا باطبقه من يوم ما اتوليت وهو إنه إحنا بنرحب بكل تعاون عربي وبنرتفع

فوق كل الصراعات والخلافات لأن المعركة أكبر من هذا بكثير. من أول لحظة وأنا بأطبق هذا، أنا عايز أقول إنه بالاتصال الثنائي تم شئ كثير جداً، ما جاش الوقت علشان نعلن عنه، تم شئ كثير وشئ مهم، وأهم شئ تم في نظري وفي يقيني مش النواحي المادية المتعلقة بسلاح أو غيره، لا، أهم شئ تم الناحية المعنوية الأخوية، والأصالة العربية اللي تخلينا يوم ما نفتح شرارة الصراع يحس كل أخ منا بأخوه بدل ما يقف كل واحد فينا يبص ويستنى أخوه على الطريق. لا كل واحد فينا حيبقى عايز يقف جنب أخوه. أنا باعتبر إن ده هو النجاح الكبير. السلاح بييجي ويروح، الفلوس لا قيمة لها بتيجي وتروح، وهذا البلد ما هو معروف إمكانياته، وأنا حكيت بعض أرقام وعندي أرقام أخرى أقدر أحكيها حتوري إيه هذا البلد وثروته وقيمته، الفلوس لا قيمة لها. إنما إحنا دائماً نؤمن بالمبادئ، والمعاني هي الأساس اللي بنشتغل عليه. وفي النهاية يوم ما حتبتدي شرارة الصراع الكبير إحنا محتاجين لكل إنسان على الأمة العربية، حاكماً أو محكوماً. محتاجين نفهم بعض، نعرف بعض، نعرف مدى خطورة الصراع  اللي إحنا متعرضين له، نعرف أبعاد المعركة اللي إحنا داخلينها وهي مش خاصة بمصر ولا سورية ولا الأردن ولا دول المواجهة لوحدهم، وإنما خاصة بكل بلد عربي. النهاردة كل بلد عربي مهدد في كل شئ، أظن أول شئ نعمله أنه على الأقل مع بعض كأخوة نبقه على درجة من التفاهم، ما نبقاش كل واحد فينا واقف وشايل خنجر للثاني، وواقف علشان يتشمت في الثاني. على الأقل نبقه فيه أخوة، فيه معاني، فيه مبادئ. وبعدين اللي يخرج عن هذه المبادئ يبقه أمتنا تحاسبه بقه وتقول إن وإحنا إخوات فلان ما قامش بواجبه.

          بنيجي في هذه النقطة بالذات اللي هيه الإمكانيات العربية لا بد لي أن أتكلم عن ليبيا وعن الأحداث اللي تمت في الأيام الأخيرة، لأن من داخل الموقف العربي أيضاً، ومن داخل القوة العربية الهائلة اللي بنرغب دائماً إنها تكون إضافة إلى المعركة، وإضافة إلى الصراع الطويل بتاعنا. إحنا عشنا كلنا ويمكن العالم كله عاش معانا الأحداث والظروف اللي مرت في الأيام اللي فاتت بالنسبة بيننا وبين ليبيا، وباحب أنه كل مواطن عربي في الوطن الكبير زي ما في بلدنا تماماً من حقه إنه يعرف موقفنا في هذه الظروف. يقيني أنه لا يمكن إدراك كل الحقائق على ضوء ما عاشته وتعيشه الثورة العربية الشاملة في كل الوطن العربي ونضالها الطويل في سبيل تحقيق الوحدة العربية، وكذلك بالنسبة لكل ما بذل ومازال يبذل من جهد وتضحيات في تاريخنا المعاصر أن لا نتجاوز الواقع إذ نقول:

          إن تاريخ الشعب العربي على مر الأجيال هو في الحقيقة تاريخ جهاده. وصراعه في سبيل الوحدة بل إن جميع الصراعات التي تمت على هذه المنطقة من العالم كانت الوحدة العربية هي حجر الزاوية. لعل أبرز هذه النماذج التاريخية هي وقفتنا البطولية في صد موجة التتار التي زحفت علينا من الشرق، وصد موجة الغزوة الاستعمارية التي تسترت تحت الصليب آتية من الغرب. الواقع إنني عندما أسوق هذا التاريخ فإنني أقصد أن تتضح لنا جميعاً الرؤية بالنسبة للعوامل التي حكمت انتصارنا، كما حكمت أيضاً تخلفنا وانحسارنا.

إنها لا تزال نفس العوامل التي تحكمنا في تاريخنا المعاصر كله، بل هي نفس العوامل التي تحكم وقفتنا الحالية في مواجهة القوة الصهيونية الشرسة المؤيدة من أمريكا عسكرياً وسياسياً واقتصادياً.

          عندما قامت ثورة 23 يوليه كتتويج لكل جهاد أجيال عديدة سابقة كانت الوحدة إحدى أهداف ثلاثة حددتها الثورة لنفسها. في الحقيقة فإن أهداف ثورة 23 يوليه في الوحدة والحرية والاشتراكية هي أهداف متكاملة، بل لا نعدو الواقع إذا قلنا أن الحرية والاشتراكية يرتبطان عضوياً بتحقيق الوحدة. وإذن إن ثورة 23 يوليه على سبيل المثال لا الحصر عندما أيدت الثورة التحررية في العراق وقاومت حلف بغداد وتعرضت لغزوة سنة 1956 كنتيجة لمساندتها لثورة الجزائر، وعندما بذلت دماء المصريين لمساندة ثوار التحرر في اليمن لم تكن في الواقع لتعمل وتناضل إلا في سبيل الوحدة. ذلك أن الوحدة لا يمكن أن تتم إلا بين الأحرار في تقرير مصيرهم، والأحرار في فرض إراداتهم. والأحرار في استغلال مصادر قوتهم وثرواتهم لخيرهم ولخير الإنسانية جمعاء.

          من هنا كانت ولا تزال الشراسة الاستعمارية موجهة في المقام الأول ضد مصر وضد ثورة 23 يوليه، بل إن مصر خاضت تجربتها الوحدوية الأولى مع سورية بالرغم من العوامل الغير مواتية في البعد الجغرافي وبالاندفاع العاطفي وهي تهدف إلى تجسيد إمكانية العرب في القيام بوحدتهم، برغم دعاوى الاستعمار والانهزاميين والانفصاليين.

          لقد كان هدف الاستعمار من تحقيق الانفصال سنة 1961 هو جرح الكبرياء المصري وتيئيس المصريين بصفة خاصة والعرب بصفة عامة من إتمام الوحدة، بل من فكرة الوحدة ذاتها. ولقد كان من دلائل عظمة الشعب العربي كله في مصر وخارجها إن هذا الجرح لم ييئسها إطلاقاً من الاستمرار والإصرار على تحقيق الهدف الوحدوي. ولكن خرجنا من هذه التجربة بدروس كانت لازمة لنجاح أي وحدة في المستقبل. كان الدرس الأول هو أن المهم في الوحدة هو جوهرها ومدى تأثيرها في القوة العربية، حتى ولو لم تتخذ المظهر الدستوري اللازم. المهم هو الجوهر ومدى الإضافة، ومدى التأثير في القوة العربية، مش الشكل الدستوري.

          الدرس الثاني كان أنه يجب أن يوضع في الاعتبار الاختلافات الواقعية في العالم العربي، من حيث الأبعاد الجغرافية والاقتصادية والاختلافات في المستويات الحضارية الناتجة عن طول التاريخ الاستعماري في المنطقة. يعني لا بد من وضع التدرج ومراعاة عنصر الزمن والحساسيات الإقليمية موضع الاعتبار. ده الدرس الثاني.

          الدرس الثالث إن العاطفة القومية وهي مع لزومها كأساس لا شك في تأثيره بالنسبة للوحدة لا تكفي بمفردها لكي تكون وحدها أساساً لقيام الوحدة. دون وضع الأسس والدراسات اللازمة من النواحي السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتغلب على العقبات الإدارية. لقد كانت المحصلة لهذا الدرس الأخير هي أن الوحدة

كما قد تكون عاملاً لتقوية الوقفة العربية، يمكن أن تكون أيضاً بالاندفاع غير المدروس ودون ربط سياسي واقتصادي واجتماعي وإداري، قد تكون عنصراً من عناصر الضعف.

          من هنا نشأ واجب تاريخي على مصر وعلى ثورة 23 يوليه إزاء مسؤولياتها العربية، هو أن نحافظ مستقبلاً على كل عوامل النجاح التي تؤدي إلى قيام العمل الوحدوي على أسس علمية ومتينة تكفل استمراره وقوته.

          هنا لازم أذكر والله أن تصحيح مسار ثورة 23 يوليه بما تم في 15 مايو لم يكن مجرد عمل داخلي للتخلص من عناصر الانحراف اللي كانت في السلطة. ولكن كلكم تعلموا وكل المعاصرين أيضاً يعلموا أنه كان متعلق إلى أبعد الحدود بالخطوات الوحدوية اللي إحنا في صددها، سواء بالنسبة لاتحاد الجمهوريات أو بالنسبة لعملية الوحدة الكاملة مع ليبيا.

          ولقد كانت نظرتنا دائماً بكل الإخلاص الثوري والعاطفة الوحدوية العربية. كانت نظرتنا إلى قادة ثورة الفاتح من سبتمبر هي نظرة زملاء الجهاد والحرية وشركاء المسؤولية إزاء الأهداف القومية للثورة العربية الشاملة. كنا وما نزال ننظر إلى اخوتنا القادة الليبيين نظرة التقدير والإعجاب باتجاههم الوحدوي الحر. وكنا ولا نزال نحس إننا ونحن نولي وجوهنا وصدورنا قبل المشرق في اتجاه العدو الصهيوني، كنا نحس ولا نزال أن ثورة ليبيا هي حماية لظهر مصر وسند كبير لساحة المعركة بأكملها. وكنا ولا نزال ننظر إلى التراب الليبي كامتداد طبيعي للتراب المصري. وكنا ولا نزال ننظر للشعب الليبي كحقيقة واقعة للامتداد البشري للشعب المصري يزيده عزة وكرامة وقوة ومع ذلك كله وبحكم التجربة الطويلة لثورة 23 يوليه، كنا نعرف أيضاً مصاعب الوحدة ومواطن الثغرات التي يمكن أن تعمل مستقبلاً إذا تركت على تقويض العمل الوحدوي. لم نكن نستطيع بحكم المسؤولية القومية التاريخية أن نغفل الاستفادة من دروس التجربة الوحدوية. ومن هنا كان حرصنا الشديد على أن نتفق منذ البداية على كل الأسس التي تكفل نجاح الوحدة.

          إننا لازلنا نقدر بطولة تحمل مسؤولية العمل الثوري للقادة الليبيين، وإنه ليسعدني ويشد من عزمنا الحماس الوحدوي للشعب الليبي. ولكن ضمان استمرار الوحدة بعد قيامها هو أيضاً مسؤوليتنا التاريخية إزاء أنفسنا وإزاء الشعب الليبي وإزاء العرب جميعاً وإزاء المعركة الدائرة مع عدونا وإزاء أجيالنا المقبلة كلها.

          إيه اللي حصل، الرئيس معمر جه وكنت سعيد جداً إنه وصل إلى القاهرة واجتمعنا. في الأول اجتمعنا في اسكندرية ثلاث اجتماعات، الاجتماع الأول جه فيه نائب رئيس الوزراء ممدوح سالم وعرض الأوضاع الداخلية كلها بالكامل. وللأسف الصورة عند اخواننا في ليبيا مشوهة تشويهاً كاملاً عن وضعنا الداخلي. فانا قلت خليها تبقى فرصة يسمع ويحضر ويانا وحتى لما جه قلت له اتصل بمن تشاء وتكلم مع من تشاء، لأن أنا يهمني إنه يعرف الصورة كاملة.

 تانى يوم جه الدكتور عبد العزيز حجازي ووضعنا أمامه وضعنا الاقتصادي كاملاً ومديونيتنا بالكامل. أنا النهاردة قلت لكم عن السلاح وميزانية القوات المسلحة بما فيها التسليح. هناك المديونية بتاعتنا واقتصادنا وميزانياتنا بالتفصيل علشان نبقى على بينة وعلى نور.

          وفي ثالث يوم خدنا جلسة نشوف فيها حصيلة هذا، وبعدين جينا على الاجتماعات الموسعة مع مجلس الشعب، ثم مع قيادات التنظيم هنا في هذه القاعة، ثم مع مجلس القضاء الأعلى، ثم في مجلس الوزراء. وهنا في مجلس الوزراء انتهينا إلى الثلاث تصورات اللي قريتوها حضراتكم علشان تختار منهم القيادة السياسة اللي هو أنا ومعمر نختار منهم تصور. وفي مجلس الوزراء الحقيقة شرح السادة الوزراء المسؤولين كانوا عن الحلول، كل حل بجميع الأبعاد على صورة رائعة حقيقة.

          واجتمعنا بعد ذلك في السبت والأحد ورأينا إنه نكمل هذه المشاورات بعد ذلك لأنه كان فيه بعض النقاط اللي محتاجة لمسه للاستكمال بحثاً ودراسة.

          الحقيقة لما سمعت عن عملية المسيرة الليبية - دا عمل عظيم وشريف ولكن أسلوب متحمس من اخوتنا في ليبيا أو مندفع بمعنى أصح. وحاولت أن أتصل بيهم واتفاهم معاهم في هذا الشأن لأن الظروف اللي إحنا عايشين فيها النهاردة أنا مش خايف من الشعب المصري ولا خايف من الشعب الليبي. ولكن إحنا في ظروف معركة وفي ظروف مانعين فيها التظاهر ولا الاعتصام ولا المسيرات. وبعدين 50 ألف مرة واحدة وفي عملية من هذا القبيل - أنا حريص على الليبيين وحريص على المصريين، وزي ما قلت أنا لا خايف من الليبيين ولا خايف من المصريين - أبداً - إنما فيه مسائل ما يجبش إن إحنا نسيبها للحدس وللتخمين، لكن مسائل لازم نكون حازمين فيها.

          المهم انتهينا إلى الوضع اللي انتهينا إليه وجم إخواننا من - أحد قادة الثورة الليبية الرائد الخروبي وقعد معانا وقابلت المسيرة وفوجئت إنه معمر بعت في الخطاب اللي بعته وأذيع إنه استقال أو مستقيل من 11 يونيه - الحقيقة أنا قلت لمجلس المسيرة اللي كان وياه إن موقفي مبدئي كان ولا يزال منذ بدأنا الكلام في الوحدة الكاملة منذ سنة أمام معمر وأمام مجلس قيادة الثورة مجتمعاً كله إنه عليهم أن يتحملوا المسؤلية. مجلس قيادة الثورة بقيادة أو برئاسة معمر عليهم أن يتحملوا المسؤولية كاملة، وإنه - حتى يومها قلت لهم بيقولوا العقد شريعة المتعاقدين - طب وإحنا نتعاقد سوا إذا حد منكم مشي، لا، ما بنعقدش العقد، بالذات معمر كقائد لثورة الفاتح من سبتمبر، وإحنا كلنا أد إيه بنقدر هذه الثورة اللي قامت في وقت الهزيمة والظلام الحالك ووقت ما كان مفروض إن الأمة العربية أجهضت خلاص نهائياً - لا - قامت ثورة الفاتح من سبتمبر بشباب وباندفاع وبقوة وبقيادة معمر. طب يبقى إيه الكلام إن معمر القذافي اللي فجر الثورة واللي بيعمل الوحدة يقول لا، لا أقعد في الثورة ولا أقعد في الوحدة - دا منطق إحنا ما بنقبلوش وأنا بانتهز هذه الفرصة في هذا الاجتماع وباضم صوتي لصوت الشعب الليبي اللي سامعنا دلوقت إنه معمر يتولى

مسؤولياته وخاصة وأننا في قيادة سياسية موحدة مني أنا وهو في البلدين علشان ننجز ما علينا من مهام تاريخية نحو شعوبنا.

          دا الوضع بالنسبة لليبيا. بيبقى في العمل العربي وفي الإمكانيات العربية، هذا الأمل المشرق اتحاد الجمهوريات. أنا حكيت لكم وباحكي كثير لأنها مكتوبة في معهد الدراسات بتاع إسرائيل، بتاع حيفا أو غيرها من الحاجات الرئيسية اللي إسرائيل بتضع عليها استراتيجيتها تفرق وتشتت الأمة العربية - طيب - في وسط غبار الهزيمة اللي حصل دا كله و الآلام والتمزق اللي جاري. تقوم ثلاث دول مصر وسورية وليبيا ويعملوا - لأول مرة - اتحاد، وهذا الاتحاد بيكونوا دولة اسمها اتحاد الجمهوريات، وينشأ المجلس الوزاري وينشأ مجلس للأمة. وأنا بأقول إنه فليكن ما بتعمله كل هذه الأجهزة عادي وأقل من العادي. إنما مجرد قيام واجتماع إرادة ثلاث دول لتكوين دولة واحدة وضرب الإستراتيجية الإسرائيلية في الصميم، إن إحنا لم ننس الهزيمة ولا الهزيمة ولا التمزق نسانا أهدافنا ونسانا إيماننا بوحدتنا. أنا باقول لو إن مفيش أبداً إلا هذا المعني دا يكفي فخراً لقيام هذا الاتحاد، ويكفي ضوء ويكفي لمعاناً لهذا العمل الرائع اللي تم. ولكن تم وماشي بخطوات وليدة، لكن خطوات ثابتة، وده المهم. أنا بيهمني هنا في هذه المرحلة إن لازم أقول لحضراتكم إن التنسيق بيننا وما بين سورية باعتبارنا من دول المواجهة تنسيق كامل نحن في قيادة واحدة وسياسياً ننسق كل شئ بثقة كاملة مطلقة، وأدعو الله إنه تكون علاقاتنا دي نموذج لما يجب أن تكون عليه العلاقات في المستقبل، لأنه أهم شئ هي الثقة. لما بتوجد الثقة في شئ بيبقى سهل وهين.

          النقطة الثانية وهي الإمكانيات العربية، اتكلمنا على وحدة العمل العربي، وقلنا رأينا فيها، وقلت لكم إنها فعلاً بالاتصالات الثنائية منذ أن اعتنقت هذا وطبقته، مثلاً هناك أمور كثيرة على أروع ما يكون تمت ليس المجال لذكرها الآن وهاييجي اليوم اللي نضع كل شئ أمام الأمة العربية لأنه مش من مصلحتنا إعلانه النهاردة. ثم - ليبيا وإضافتها إلى المعركة، الإضافة اللي عايزة تضيفها إلى المعركة، حكيت وقلت رأينا فيها. اتحاد الجمهوريات العربية وهو أيضاً إضافة بدليل زي ما قلت إن بيننا وبين سورية لأول مرة من وقت طويل ثقة كاملة مطلقة وبندخل المعركة ونحن شعب واحد وسياسة واحدة وقوات واحدة كل دي إضافات وكل ده ماشي وبيتنفذ من وقت ما توليت. ولكن فيه هناك في الوضع العربي زي ما قلت في القوى الذاتية المصرية في بعض السلبيات، لا بد فيه سلبيات. فيه سلبيات بالنسبة للمقاومة الفلسطينية مثلاً، وتصفيتها من الأردن، أو المشاكل اللي بتواجهها في لبنان. سلبيات في وجه العمل بتاعنا كله، بعض الخلافات اللي بتنشأ بين الدول العربية في مناطق مختلفة من أمتنا العربية أيضاً سلبيات، بتشكل سلبيات لأنه مايجبش النهاردة أبداً نفتح معارك فرعية علينا كعرب بيننا وبين بعض ونترك معركتنا الأساسية وعدونا الرئيسي. وما يجبشي أيضاً إن إحنا نضيق الخناق على المقاومة أو ندخل في معارك مع بعض الأنظمة أو ندخل في معارك مع المقاومة لأن ده إهدار لقوتنا. في النهاية المحصلة النهائية لقوتنا العربية في مواجهة عدونا الأصلي.

  لكن أنا عايز أقول لازالت الإيجابيات في الموقف العربي بتغلب السلبيات. لا زالت متفوقة على السلبيات. وده يخلينا نصر أكثر زي ما أصرينا في القوة الذاتية المصرية إنه لا بد من تركيز أكثر وتعبئة أكثر للقوة العربية الهائلة اللي إحنا بصددها واللي هي محور من المحاور اللي بندخل عليها الصراع المقبل اللي إحنا داخلينه بإذن الله.

          هذه الإمكانيات العربية زي ما قلت في حاجة إلى تعبئة أكثر وتركيز أكثر خصوصا على مشكلتين: المشكلة الأولى أزمة الطاقة التي تمسك بخناق العالم. المشكلة الثانية أزمة النقد التي هي أعقد مشكلة في عالم اليوم. هذه الأزمات في العالم مفاتيحها في يد العرب. وزي ما قلت أنا في الأول وأنا باستعرض في ثورة 23 يوليه إحنا استعدنا زمام المبادرة ووضعنا على خريطة العالم ونستطيع أن يكون لنا تأثير إذا أردنا ذلك.

          ناخد فكرة كده بسيطة - ننتج الآن 55 % من استهلاك العالم من البترول الخام، وفي أرضنا 85 % من احتياطيات البترول في العالم. لدى العرب - في الناحية الثانية بقى من رأس المال - أرصدة الآن تزيد عن 50 مليار جنيه، وهي عنصر حاسم في موقف النقد الدولي. لو استطعنا بعلم وذكاء واقتدار أن نحرك هذه الإمكانيات الهائلة، فإننا نستطيع أن نحقق التعبئة الأكثر والتركيز الأكثر لعناصر قوتنا الهائلة العربية.

          إذن زي ما قلت في القوة الذاتية المصرية موجودة وعايزة وشفنا واستعرضناها وعايزة تفاصيل أكثر. القوة أو الإمكانية العربية الهائلة موجودة وأثرت لكن عايزة ترشيد أكثر وتعبئة أكثر وبحث أكثر عن النقط اللي تدينا قوة أكثر، زي النقطتين اللي قلتهم الخاصين بالبترول وبأزمة النقد النقدي اللي هي أزمة الطاقة وأزمة النقد العالمي.

          إحنا في حاجة إلى تعبئة أكثر، ولكن زي ما قوتنا - القوة الذاتية المصرية موجودة وأدت وتؤدي - قوتنا أيضاً في الناحية العربية موجودة ولكن محتاجة إلى تعبئة أكثر وتركيز أكثر وبحث عن نقاط القوة أكثر علشان نستخدم هذه القوة بأكبر عائد ممكن لقضيتنا القومية.

          بالخص هذا في إنه الإمكانية العربية موجودة وهي أثرت. وزي ما قلت إن هناك ظواهر رائعة في موقف عدد من الدول العربية تقدمت علشان تحمل مسؤوليتها التاريخية. ولكن زي ما قلت إحنا عايزين تعبئة أكثر لأنه لسه عايزين نؤدي بما يتحقق مع ما هو ملقى علينا من مسؤولية في معركة المصير اللي إحنا بصددها النهاردة.

          بالخص موفقنا برضه باكرره مرة أخرى علشان يبقه واضح عربياً في نقطتين اثنين: موقفنا أولاً من وحدة العمل العربي، باكررها تاني علشان تبقه واضحة للكل، إننا نرحب بكل تعاون وتنسيق بين القوى العربية على امتداد مناطقها الجغرافية وعلى تباين أنظمتها الاجتماعية، ففي لحظات المصير العربي ينبغي أن

نرتفع جميعاً فوق كل الصراعات وفوق كل الخلافات لنذكر الخطر الواحد الذي يتهددنا جميعاً بغير تفرقة أو تمييز.

          تبقى نقطة واحدة وهي موقفنا من المقاومة، وباحب أسجله أيضاً أمام أمتنا العربية وأمام شعبنا وموقفنا من العمل الفدائي ينطلق من تأييد كامل غير محدود ولا مشروط لقوى المقاومة الفلسطينية. نحن نعتبر هذه القوى طلائع أمتنا العربية في معركتها القادمة. ونحن نقف معها في وجه كل من يحاول تصفيتها أو احتوائها تحت أي شكل ومهما يكن العذر.

          إن المذابح التي تعرضت لها المقاومة الفلسطينية حتى الآن خطيئة لن يغفرها الضمير العربي، ولسوف يسجل التاريخ بالخزي والأسى أن المقاومة الفلسطينية فقدت من أبطالها في صراعها مع الأنظمة العربية أضعاف ما فقدته في قتالها ضد العدو الصهيوني.

          بننتقل إلى النقطة الثالثة، أو المحور الثالث، أو العنصر الثالث، وهو الدعم السوفيتي. زي ما قلت بنقابل مخططات أعدائنا اللي ماشية من ساعة أغسطس سنة 1970 ووقف إطلاق النار وتكريسهم بقه لوقف إطلاق النار هذا علشان تموت القضية ونستسلم تلقائياً من غير ما يطلقوا ولا طلقة. بنواجههم بالقوى الذاتية المصرية، بالإمكانيات العربية، بالدعم السوفيتي سياسياً كان أو عسكرياً. الحقيقة علاقاتنا بالاتحاد السوفيتي تعرضت لمراحل كثيرة، أنا عاصرت عقلاتنا بالاتحاد السوفيتي من قبل وفاة عبد الناصر، وكنت مسؤول معاه عن العلاقات السوفيتية - المصرية بصفة خاصة. وسافرت موسكو أكثر من مرة في حياة عبد الناصر مبعوث برسائل وبتكليفات. وعقب وفاة عبد الناصر الله يرحمه. استأنفت ماكانتش العملية جديدة بالنسبة لي، فاستأنفت المرحلة التالية مع الاتحاد السوفيتي. كان أول لقاء ليه بالقادة السوفيت في 1 و2 مارس سنة 1971 بعد ما توليت بحوالي ستة شهور تقريباً أو أقل. وفي هذا الاجتماع زي ما قلت أنا قبل كده في اللجنة المركزية في الصيف الماضي. وزي ما قلت بعد ذلك في المحلة الكبرى في أول مايو الماضي، لو اننا جبنا محضر هذا الاجتماع 1 و2 مارس سنة 1971 منذ أكثر من سنتين وشوية لوجدنا كل ما نشكو منه في الفترة الماضية وإلى اليوم بالنسبة للقضية. أنا مابقلش هذا الكلام لأني أقصد إني أنبش ذكريات أو شئ، فأنا حريص على علاقتنا بالاتحاد السوفيتي. ليه؟ لأنه الصديق اللي واقف معانا أياً كانت هذه الدرجة في وقوفه، فهو الصديق اللي واقف معانا. يمكن إحنا بنحب أو نتمنى أن هذه الوقفة تكون بشكل وعود بيشوفها بشكل آخر، ولكن هو على كل الأحوال واقف معانا وجنبنا ولا يجب أن نفقده أبداً. ولكن أنا بقول لعل الذكرى تنفع المؤمنين.

          في اجتماع 1 و2 مارس 1971 حقيقة أنا كان تصويري إن إحنا حنواجه كل اللي واجهناه ده خلال بقية 1971 في ذلك الوقت و1972، وأدي إحنا في 1973. النهاردة بعد ذلك تذكروا حضراتكم إنه وقع ما وقع في مايو. وفي 15 مايو خرج الشعب علشان يعبر عن رأيه في مراكز القوى ويساند حركة التصحيح. وفي هذا الشهر وصل الرئيس بودجورني وعقدنا المعاهدة السوفيتية المصرية، وفي ذلك الوقت، والله أنا كان

ليه رأي يعني، أنا قلت إنه يعني يمكن يكون من الأفضل، قلت لبودجورني يمكن يكون من الأفضل إن إحنا نأجل عقد المعاهدة ليوليه بدل مايو، وخصوصاً وإن أنا استغربت ولغاية النهاردة برضه باستغرب يعني. أنا طلبت المعاهدة دي قبلها بسنتين وعبد الناصر طلبها قبلها بسنتين، وزي ما قلت لكم أنا كنت مشتغل في العلاقات السوفيتية في حياة عبد الناصر، أنا وهوه بس. فانا طلبت هذه المعاهدة بتفويض من عبد الناصر، وعبد الناصر طلبها أيضاً، فمحصلش موافقة عليها. لكن في مايو، في تلك السنة فوجئت بهذا الطلب. الحقيقة وأنا كنت باتصور إن يمكن نأجلها ليوليه وقت انعقاد المؤتمر القومي الجديد بتاعنا في 1971. ولكن تمت وأتممنا المعاهدة لسوء الحظ، يظهر كمان كان وقعت أحداث السودان بعد ذلك، وفي هذا إحنا بنحب إنه يكون. واضح إنه يعني الاتحاد السوفيتي عارف كويس إن إحنا لنا أهدافنا ولنا مبادئنا ولنا خطنا. لما وقعت أحداث السودان، حصل سوء تفاهم بيننا وبين الاتحاد السوفيتي. العملية دي عطلتنا بقه لغاية ما سافرت موسكو في أكتوبر 1971. يعني نقدر نقول إنه من مارس 1971 لأكتوبر 1971 كانت العلاقات معطلة بالكامل. في  أكتوبر 1971، رحت واتفقنا وحلينا المشكل، وكأي أصدقاء مع بعض حصل إن إحنا وصلنا إلى فهم وتفاهم ومشينا أمورنا، وحصل كان الاتفاق وأنا حكيت لكم عن هذه القصة ومش عايز أعود لها مرة أخرى لعل البعض يحاول إنه يصطاد في الماء العكر فيها بالنسبة لأعدائنا أو غيره. المهم وصلنا إلى الصيف الماضي، وكانت الوقفة اللي حصلت. بعد هذه الوقفة أستطيع أقول لكم إن ابتداء من يوليه 1972 لغاية فبراير 1973 يعني منذ كام شهر كانت علاقاتنا فعلاً في شبه تجميد بالكامل. برغم إن الدكتور عزيز زارهم في أكتوبر، زارهم مرتين، مرة في وقت القرارات في يوليه، وفي أكتوبر أيضاً زارهم مرة أخرى. إلا أنه ظلت العلاقات في شبه تجميد لغاية فبراير الماضي عند زيارة المستشار حافظ إسماعيل، ثم الفريق أول أحمد إسماعيل وزير الحربية. عندئذ بدأ انفتاح في العلاقات، ومن جانبنا إحنا في الحقيقة يعني إحنا كنا حريصين وهمه أيضاً للإنصاف حريصين إن إحنا نستعيد علاقاتنا بالكامل، ولكن زي ما قلت أنا برضه في الأول يمكن إحنا باعتبارنا أصحاب المشكلة قاعدين هنا لنا نظرة وتقدير وهمه باعتبارهم بعيد عن المشكلة شوية ولهم برضه ظروفهم ومصالحهم بيبصوا لها أيضاً بنظرة وبتقدير. اللي قدمه الاتحاد السوفيتي لنا مش هين أبداً. لا، واللي ينكره يبقه بينكر حقيقة ويبقه ناكر للجميل. السلاح اللي قدمه لنا خاصة في الأيام المظلمة السوداء سنة 1967 أيام ما كانت الطيارات والبواخر عاملة كوبري جوي بتنقل فيه وكوبري بحري بتنقل لنجدتنا علشان نقف على رجلينا، وكلنا نعرف إن 80 % من سلاحنا فقدناه في تلك المعركة، اللي ينكر هذا يبقه جاحد وناكر للجميل. ولكن هذه هي الحياة، كل منا له وجهة نظره، وجايز لا تتطابق في وقت من الأوقات زي ما شفنا، جايز إنه في سنة 1971 تقعد العلاقات مجمدة ست.. سبع أشهر من مارس لأكتوبر. السنة الماضية من يوليه لغاية فبراير عملية بتاعة ثمانية أشهر أو أكثر، بتحصل، ولكن كأصدقاء بنستطيع أن نخطي هذا. الرحلة الأخيرة اللي المستشار حافظ إسماعيل راح فيها إلى موسكو قابل فيها بريجينيف بعد زيارته للولايات المتحدة. كانت بهدف إن الحقيقة إحنا كنا قلقانين جداً من عملية الوفاق السوفيتي الأمريكي، وبيهمنا إن إحنا نعرف إيه الصورة وإيه العملية. وأستطيع أقول أن زيارة المستشار حافظ إسماعيل إلى موسكو كانت نتيجتها إن الرئيس  بريجينيف مع المستشار حافظ إسماعيل أكد خط الاتحاد السوفيتي في تأييدنا وفي الوقوف معانا في قضيتنا

وأن الوفاق لا يمكن إنه يكون في دائرة أكبر أو دايرة تمس هذا الموضوع الخاص بتأييدنا في قضيتنا وفي موقفنا.

          إلا إنه علشان برضه نكون حريصين، التعاون العربي السوفيتي، أو تعاوننا إحنا مع الاتحاد السوفيتي بيتعرض الحقيقة لمشاكل. مشكلة منهم كانت الوفاق الدولي اللي أنا قلت عليه ده، وإحنا أرجو إنه يكون مفهوم إن إحنا مش ضد الوفاق الدولي أو مش ضد إن أمريكا وروسيا يتفاهموا أو يزول شبح الحرب نهائياً من العالم. لا إحنا مش ضد هذا إطلاقاً، ولكن إحنا أصحاب قضية، وأصحاب قضية في منطقة في غاية الحساسية، والاثنين موجودين فيها. طيب يا ترى يكون موقفنا إيه لو الاثنين يأخذوا وجهة نظر واحدة بشكل ما ومصالحنا إحنا فين؟ لكن تأكيد الرئيس بريجينيف لحافظ إسماعيل الحقيقة بيخلينا نطمئن إلى إنه تأييد الاتحاد السوفيتي لنا في قضيتنا مستمر، ومده لنا بالأسلحة، صحيح إحنا ما احناش راضيين عنه الرضا اللي يرضينا، ولكن زي ما قلت أدي الله وادي حكمته وادي اللي إحنا بنقدر عليه وإحنا ما نفقدش هذا الصديق أياً كان العون اللي بيديه لنا.

          فزي ما أنا باقول أنا خايف إنه لازم ديماً نعمل حساب المشاكل اللي بتتعرض للتعاون العربي السوفيتي منها مشكلة الوفاق الدولي وزي ما قلت وفسرتها إحنا مش ضد التفاهم ولا ضد السلام. إحنا بس عايزين نحل مشكلتنا. الحاجة الثانية اللي جايز تعترض التعاون العربي السوفيتي هي محاولات بعض الفئات عندنا هنا في الداخل استغلال صفاتهم واستغلال المذهبية علشان يحققوا بعض التحركات وبيصروا العلاقة المصرية السوفيتية بمحاولة انهم يعني يجعلوا من الاتحاد السوفيتي هدف في عملية ما يجبش يكون فيها إطلاقاً وإنما لتحقيق أهداف لهم. حايفضلوا النقطتين دول الحقيقة محل بحث ودراسة منا وعلينا إن إحنا برضه نكون واعيين وعلى فهم إنه الصديق مهما حصل بيننا وبينه لازم برضه في النهاية يبقه مسلكنا هو مسلك الصديق، وحتى لما نختلف، اختلافنا هو اختلاف الأصدقاء وليس اختلاف الفرقاء.

          يعني زي ما قلت والتأكيد اللي إداه الرئيس بريحينيف للمستشار حافظ إنه عملية الوفاق لن تمس قضيتنا ولا موقفنا هنا في منطقتنا ومشكلتنا. وعلى أي حال إحنا بنؤمن في النهاية إن حركة الوفاق إذا كانت حتكون بالنسبة للاتحاد السوفيتي تخلي عن حركات التحرر الوطني فهي حتضر الاتحاد السوفيتي ذاته بل حتعزله، وده اللي همه عارفينه ومنتبهين له تماماً أصدقائنا السوفيت، وما اعتقدش انهم، ما اعتقدش إن دي فايتاهم إطلاقاً.

          ده بالنسبة للنقطة الثالثة اللي قلت إنها محور من المحاور الثلاثة اللي إحنا بنواجه بهم مخططات أعدائنا اللي بدأت تأخذ شكل عنيف منذ وقف إطلاق النار سنة 1970. يعني فيما قبل ذلك كان فيه حرب استنزاف و.. و.. ولو إن منذ 1965 أنا حكيت لكم و1967 ومجلس الأمن وصدور قرار لأول مرة في تاريخ الأمم المتحدة بوقف إطلاق نار دون انسحاب كله خط ماشي، ماشي. إنما عملية الإجهاز علينا بالكامل بدأت

بعد وقف إطلاق النار في أغسطس سنة 1970 بتثبت وقف إطلاق النار، أي بتثبت أمر واقع ومش محتاجة إسرائيل في تلك الوقت إنها تطلق طلقة واحدة لأنه حيبقه أمر واقع وإحنا حننفجر على نفسنا من داخلنا أو حنموت وإحنا مشلولين شلل كامل من غير حرب. وقلت إن إحنا بنعتمد في مواجهة هذا على ثلاث حاجات هي القوة الذاتية المصرية والقوى العربية ودعم الاتحاد السوفيتي.

أيها الأخوة والأخوات

          سوف يلفت نظرنا في كل ما استعرضنا حتى الآن ظاهرة تدعونا إلى التفكير، بل إطالة التفكير. قلنا القوة الذاتية المصرية موجودة ولكنها في حاجة إلى مزيد من التعبئة والتركيز. وقلنا إن الإمكانية العربية الهائلة موجودة ولكنها في حاجة إلى المزيد من التعبئة والتركيز، وقلنا إن الدعم السوفيتي موجود، ولكنه أيضاً في حاجة إلى المزيد من التعبئة والتركيز. وعلينا أن نسأل أنفسنا منذ أكثر من ست سنوات ونحن نحاول ونكافح ونناضل فلماذا لم يتحقق لنا ما كنا نرجوه؟ لماذا لم يتوفر لنا ما كنا نطلبه ونسعى إليه ونكافح من أجله؟ هذا السؤال يجب أن نطرحه على أنفسنا. وفي الحقيقة فإنه السؤال الذي دفعني إلى اختيار هذا المجال وهذا المستوى للاحتفال بالعيد الحادي والعشرين لثورة 23 يوليه سنة 1952. لقد فكرت وأطلت التفكير وبحثت وقد وصلت إلى اقتناع عميق أطرحه عليكم، وهو أننا لم نحقق ما كنا نرجوه حتى الآن لأن الظروف من حولنا تغيرت ونحن لم نستوعب بعد آثار كل هذه المتغيرات. إن الظروف أثبتت لنا وأكدت كل يوم أن منطلقاتنا الأساسية صحيحة.. الحرية والاشتراكية والوحدة كما أننا لا نشك لحظة في أن أول أهداف نضالنا في هذه المرحلة والمهمة الرئيسية ضمن مهامها وهي تحرير الأرض العربية كلها تحريراً كاملاً ونهائياً هو هدف صحيح لأنه هدف طبيعي وشريف.. هدف حق ومبدئي.. أنبل وأعظم ما تعيش من أجله الأمم ويستشهد على دربه الأبطال. منطلقاتنا الأساسية صحيحة. هدفنا الرئيسي مشروع وحق. قوتنا الذاتية والعربية والدولية موجودة، ولكنها تحتاج إلى مزيد من تعبئة وتركيز. ماذا يقول لنا ذلك كله؟ يقول لنا أننا في حاجة إلى عملية ملاءمة مع الظروف المتغيرة لكي نستطيع تغطية الفجوة المطلوبة لمزيد من التعبئة والتركيز في وسائلها. الغايات ثابتة، الوسائل بتحتم علينا أن ندرس إمكانية تحريكها بكفاءة أكثر في ظروف متغيرة. هذا هو التشخيص الذي توصلت إليه والذي آثرت أن أطرحه في هذا الاجتماع أمامكم وأمام شعبنا وأمام أمتنا العربية.

          ولماذا أطرحه هنا ولم أطرحه أمام مؤتمر قومي؟ لقد خطر ببالي إننا لم نكن لنستطيع أن نعقد مؤتمر نذهب إليه بتقرير عادي يسير على النمط التقليدي القديم. خطر ببالي أن المؤتمر وهو سلطة رسم السياسات العليا للدولة يجب أن ينعقد ليبحث خطوطاً سبقت دراستها، ومن ثم فهو يستطيع تعميقها وتعديلها، ثم إصدارها. ولعلم حضراتكم ولقد كان في إمكاني أن أتقدم بتقرير إلى المؤتمر يحمل رأيي في طريقة حركتنا في ظل المتغيرات الجديدة التي تحيط بها، ولكني تصورت أن هذا الموضوع أخطر وأبعد أثراً من أي تقرير أضعه بنفسي مهما تمثلت أمام مسئولياتي التاريخية أو السياسية أو الدستورية.

  تصورت أن الظروف والمهام تقتضينا جميعاً أن نفكر وأن يشترك في التفكير كل قائد مسؤول في موقعه، وقد تتسع المناقشة لتشمل الوطن كله، ثم يكون في النهاية تقرير نضعه أمام مؤتمر يكون له حق البت والقرار بحكم تمثيله الواسع للسلطة الشعبية في هذا الوطن.

          إننا يجب أن نطرح على أنفسنا الأسئلة التالية:

          ما هي المتغيرات التي طرأت على الظروف العالمية المحيطة بنا؟

          ما هو تأثير هذه المتغيرات على المنطقة العربية؟

          ما هو تأثير هذه المتغيرات على قوتنا الذاتية، أو بمعنى أصح وأصدق وأدق ما هي المتغيرات التي طرأت على الظروف المحيطة بنا في حد ذاتها وما طبيعتها؟ جذورها وجواهرها1، ثم ما هي النتائج المترتبة عليها؟ كيف نستطيع أن نجعل هذه المتغيرات إضافة إلى قوتنا الذاتية وإمكانياتنا العربية بحيث نستطيع أن نحقق ما لا بد من تحقيقه وأوله تحرير الأرض المحتلة وردع العدوان.

          ما هي السياسة التي يجب أن نعتمدها على هذا الأساس لكي يتحقق لنا ما نطلبه من زيادة في تعبئة وتركيز عناصر قوتنا المصرية والعربية والدولية؟

          إنني في هذا، قبل ما أقترح الأسلوب في هذا أرجو أن يكون واضح أن ماحدش يفتكر إننا بالكلام ده والاقتراح اللي حا أقترحه دلوقت في عملكم في الصيف بالنسبة لهذا الأمر، إن ده معناه تأجيل المعركة. لا، إحنا في فترة المواجهة الشاملة، بالمواجهة الشاملة بنحشد قوتنا الذاتية، بنحشد إمكانياتنا العربية الهائلة، بنحشد تأييد الاتحاد السوفيتي الصديق الوحيد اللي واقف معانا. بنحشد أيضاً فكرنا. أفكارنا ليه. كلنا لامسين وعارفين وأنا قلت في اللجنة المركزية هذا. فيه قلق وفيه تمزق وإحنا في حاجة فعلاً إلى إنه العشرين سنة الجاية نشوف رؤية على الأقل نحط لها الأسس اللي ممكن إنها بعد ذلك تتطور حسب المرحلة في كل ظرف تاريخي نمر به. لكن من حوالينا الكل بيعد نفسه، الوفاق الدولي أنا باقول ليه مشكلة بالنسبة لي ده ماشي ونفذه زي ما قالوه أصحابه لخمسة وعشرين لثلاثين سنة جايين. إسرائيل بتحضر نفسها لخمسة وعشرين سنة اللي جاية. طب والله إحنا على ضوء المتغيرات دي كلها محتاجين نحشد فكرنا إلى جنب حشد إمكانياتنا الذاتية إلى جنب حشد قوتنا العربية الهائلة إلى جنب حشد المساندة اللي من الصديق اللي واقف معانا، ما حدش من اياهم يحاول يوهم إن هذا الكلام معناه إن مافيش معركة أو الكلام ده أسلوب تأجيل أو.. أو.. أو.. لا دي عملية حشد في المواجهة الشاملة لكل شئ حتى لفكرنا.

          في هذا السبيل باقترح الأسلوب الآتي:

  إنه على هذا المؤتمر من اللجنة المركزية ومجلس الشعب أن يواصل عمله بعد هذه الجلسة لكي يشارك معي في التفكير والتخطيط. على هذا المؤتمر أن يشرف على إدارة أوسع حوار ممكن من أجل إلقاء مزيد من الضوء على متطلبات التفكير والتخطيط في هذه المرحلة. ولا بد أن تشترك في هذا الحوار كل قوى الشعب عن طريق تنظيماتها وبمؤسساتها ولا بد أن تكون المناقشة حرة ومفتوحة. علينا بعد ذلك أن نتقدم إلى المؤتمر القومي وأقترح عقده في شهر سبتمبر بالسياسات التي نتوصل إليها. لا بد أن نضمن لهذه السياسات أوسع تأييد جماهيري لأنه حا تنبثق منهم حكمهم، لأن التأييد الحازم للجماهير وحده هو الذي يستطيع منح هذه السياسات قوة منفذة.

          علينا بعد ذلك أن ننطلق بأوسع الخطى. بأقوى الخطى. بأسلم الخطى على الطريق الصحيح.

أيها الأخوة والأخوات

          تذكرون إنني حين جئت إليكم بقرار أن أتولى رياسة الوزارة بنفسي، شرحت لكم إنني لم أكن أريد ذلك احتكاراً للسلطة، وإنما أردته في معرض مشاركة واسعة. أردت أن يكون مؤتمركم هذا دعامة كبيرة من دعائمي. وإذا كنا لم نجتمع منذ ذلك الوقت حتى الآن، فلأنها كانت فترة حافلة. كان علينا أن ننتظر حتى تتضح أمامنا أمور كثيرة، كان لا بد أن نتضح منها. كان لا بد أن ندرس آثار حركة الوفاق الدولي. كان لا بد لنا من إجراء اتصالات جديدة مع الاتحاد السوفيتي بعد اجتماع واشنطن، وقد قمنا بها. كان لا بد لنا من إجراء اتصالات عربية واسعة. كان لا بد لنا من انتظار نتائج مناقشات مجلس الأمن، وأهميتها ليس فيما يصدر عنها من قرار، وإنما فيما يظهر خلالها من اتجاهات في ظل ظروف دولية مختلقة.

          أيضاً كان لا بد من إجراء مزيد من المشاورات مع إخواننا وخصوصاً في ليبيا وفي سورية.

          والآن فإن الجو صالح للمناقشة على أساس. ولقد طلبت إلى كل أجهزة الدولة أن تضع ما لديها تحت تصرفكم، ولكم أن تنظموا عملكم بالطريقة التي ترونها، وإنه ليؤسفني من ناحية إن هذا الصيف سيكون صيفاً مشحوناً بالعمل، ولكنه من ناحية أخرى يرضينا أن يكون هذا الصيف تجديداً للأمل.

أيها الأخوة والأخوات

          إن عظمة الشعوب وأصالتها لا تتكشف وهي تمضي تحت أقواس النصر، ولكن عظمتها الحقة ومعدنها الأصيل إنما يتجلى وهي تتفوق على أقسى المحن وأشد الأزمات، ثابتة راسخة صامدة قادرة تنتزع الأمل من ظلام اليأس.

          وبعد، فإن أرضنا المحتلة - أيها الأخوة والأخوات - طال اشتياقها للتحرير وسلاحنا طال انتظاره لأداء دوره وشعبنا قد سئم الانتظار. إن أمتنا العربية تريد ومن حقها أن تريد. إننا جميعاً في حاجة إلى السلام كي نبني أوطاننا ولكننا لا نريد غير سلام العدل. وهذا هو مطلب الشرفاء الأمناء الأوفياء، وهذا وطن الشرفاء الأمناء الأوفياء. وهذه أمة الشرفاء الأمناء الأوفياء. فلتبدأوا على بركة الله والله يوفقكم.

والسلام عليكم.

 


المصدر: موسوعه مقاتل من الصحراء على شبكه الانترنت

 

Hosted by YallaHosting