خطاب الرئيس أنور السادات، رئيس جمهورية مصر العربية
في ذكرى وفاة الرئيس جمال عبد الناصر
القاهرة: 28 سبتمبر 1973
الأهرام، القاهرة: 29 سبتمبر 1973

أيها الأخوة أعضاء اللجنة المركزية وأعضاء مجلس الشعب
يا جماهير أمتنا العربية على أرضنا المجيدة المناضلة
          في مثل هذا اليوم، منذ ثلاث سنوات، ذهب عنا إلى رحاب الله شهيد من أنبل شهداء هذه الأمة، وبطل من أعز أبطالها، ومقاتل صلب من رجالها الشجعان، رجل كان عطاؤه بالفكر وبالتجربة وبالتحقيق وبالتضحية عطاء لا يعادله عطاء في تاريخ العرب الحديث، رجل حمل قضية أمته في عصر من أخطر عصور الإنسانية، وشارك مع رفاق له من جيل العمالقة في تشكيل هذا العصر ذاته. وفي فتح الأبواب أمام أحلامه العظيمة ومخاطره العظيمة أيضاً، وليس هناك حلم عظيم بغير خطر عظيم، رجل عاش لقضية أمته وذهب إلى رحاب ربه وهو يناضل من أجل انتصارها.

          ولعل أكبر إشارة إلى دوره التاريخي أنه وهو حامل القضية في حياته، أصبح رمزاً لها بعد رحيله، وهذه دلالة قاطعة على الصدق التاريخي لحياة ودور جمال عبد الناصر.

          إن كل اسم تاريخي عاش حياته لقضية وأدى دوره في سبيل أهدافها، يتحول لفترة طويلة رمزاً للقضية ولأهدافها معاً، يصلح ذلك في مجال العقائد الاجتماعية وفي مجال العمل السياسي، وفي مجال الفلسفة والعلوم والفنون، وفي كل مجال يعيش فيه الإنسان، ويعيش من أجله الإنسان.

          وحينما نسمع وصف الناصرية، فإننا ندرك على الفور ما يرمز إليه هذا الوصف، نعرف إنه رمز إلى ثورة التحرير الوطني، نعرف إنه رمز إلى حركة التحول الاجتماعي، نعرف إنه رمز لأمل وتصميم هذه الأمة على تحقيق وحدتها.

          ثم إننا نعرف أكثر من ذلك، نعرف أن هذه الرموز جميعاً ليست إشارات عامة إلى أهداف عامة، بل إننا نعرف أن هذه الرموز وراءها اجتهادات أصيلة وعميقة، حاولت على أساس منهجي واضح وبالتجربة وبالخطأ معاً، أن تحقق وأن تنجز، حتى نكاد أن نقول وبلا تزييف أنه أصبح لنا منها نظرية في التطور لها سماتها ولها خصائصها، وهي لا تمارس دورها، في عزلة عن غيرها من الأفكار ولا في عداء مع غيرها من الأفكار، وإنما كل ما تدعيه لنفسها أن لها، كما قلت، سماتها، ولها خصائصها،

   ثم إننا نعرف أيضاً أكثر من ذلك، نعرف أن هذه الرموز تشير إلى عصر بذاته في حياة العالم الثالث كله. عصر بدأ مع المجد العظيم لحركة التحرر الوطني في أعقاب الحرب العالمية الثانية، ثم امتد معنا ولا يزال، وسوف يظل حتى تتحقق المساواة في مجتمع الدول بين الأقوياء والضعفاء، وبين الأغنياء والفقراء. وبين السابقين إلى التقدم، وبين الذين أرغموا، بصرف النظر عن إرادتهم، إلى التخلف أو الوقوف المادي والحضاري.

          هذا بدوره يعني أن أبرز سمات وخصائص الناصرية هو حيويتها وقدرتها على الاستجابة لحركة لا تتوقف، ولمرحلة هي بطبيعتها مرحلة انتقال إنساني واسع وعميق. ومن هنا فإن الناصرية أبعد ما تكون عن التعصب وعن التحجر وعن الانعزال، بل عن الانفصال عن روح العصر، ومن هنا فإنني أقول وقد كنت رفيقاً وصديقاً وشريكاً لعبد الناصر، أننا في حاجة لعملية تحديد أراها ضرورية.

          إن الناصرية ليست مجرد دور رجل، وإنما هو رحابة الأمل في قلب أمة. إن الناصرية ليست حرفية نص ولكنها مفهوم تجربة. إن الناصرية ليست كلمات جامدة، ولكنها حياة متجددة. إن الناصرية ليست الحرف وإنما هي المبدأ.

أيها الأخوة والأخوات
          ولقد مرت علينا ثلاث سنوات عشنا فيها ما عشنا، ورأينا ما رأينا، وعملنا قدر الطاقة وناضلنا بما هو مستطاع، وما هو غير مستطاع، وأقول أمامكم بغير ادعاء إننا اجتزنا مسافة كانت محفوفة بالمخاطر، وخرجنا من مضيق أشبهه بعنق الزجاجة إلى أفق رحب ومضيء بعده، ما زالت أقدارنا على أكفنا، وما زالت مصاعبنا أمامنا. ولكننا نعلم علم اليقين، على أي أرض نقف، وبأي سماء نستظل، وإلى أي آفاق نتجه. وأحمد الله سبحانه وتعالى وقد راقبت وواكبت التجربة، أنه ملأ قلوب أمتنا بالعلم والإيمان.

          ولو أننا استعرضنا مراحل ما مر بنا، ومراحل ما مررنا به، لعرفنا أكثر ولأدركنا يقيناً أن عناية الله سبحانه وتعالى كانت مع هذه الأمة.

          لقد كان أول ما واجهناه بعد جمال عبد الناصر، أن هناك من ظنوا، قريبين منا وبعيدين عنا، أن الدولة التي بناها جمال عبد الناصر سوف تسقط من بعده، كانت تلك فترة أحزان نبيلة، ولكنها أيضاً كانت فترة همم وعزائم كالجبال الراسيات.

          لقد وقفت أمتنا كلها وقفة لا تعادلها في تاريخها كله وقفة، وتم الانتقال بالثبات كله، بالجلال كله، أثبتنا أن الرجل كان بالأمة، ولم تكن الأمة بالرجل. وهذه هي شهادة للاثنين معاً. أثبتنا أن البطل كان ظاهرة عبرت عن الأمة، وقد غابت الظاهرة ولكنها تحولت إلى رمز قادر على الإلهام، حتى وإن ابتعد عن الدنيا.

أثبتنا أن الأمة هي الأصل، وهي الأساس، وهي المصدر، وهي الينبوع الذي لا ينضب أبداً. وهذا ما يجب أن يكون وهذا ما كان فعلاً.

          أثبتت إرادتنا أنها أقوى من الصدمات، وأنها أقوى من المحن. أثبت أملنا أنه أبقى من الحزن، وأبقى من الألم. وهكذا الأمم الحية سيدة مصيرها وصانعة قدرها.

          كان ثاني ما واجهناه بعد عبد الناصر أن نفراً من بيننا شاءت لهم أحلامهم أو أوهامهم أن يتصوروا أن تراثه قد أصبح لهم إرثاً، وأسوأ الإرث هو إرث السلطة. كانت السلطة في يد جمال عبد الناصر أداة اجتماعية، وبغير المضمون الاجتماعي فإن السلطة تصبح أداة إرهاب وبطش، وهذا حدث.

          وحينما تحملت مسؤوليتي في 14 و15 مايو سنة 1971، فإنني لم أكن طرفاً في صراع على الحكم، على العكس إنما كنت أقصد إلى وضع الأمور في مكانها الصحيح. كنت أقصد إلى وضع خط فاصل دقيق وحازم بين التراث والإرث، بين السلطة بمضمون اجتماعي، وبين السلطة تسمعاً على الناس وتصنتاً ودساً وتجسساً وسجناً واعتقالاً.

          وكانت وقفة الشعب في هذين اليومين العظيمين في تاريخ مصر الحديث كوقفته في يومين عظيمين كبطل في 9 و10 يونيه 67 تأكيداً لمعانٍ وقيم لا بد لها من أن تترسخ وتتأكد. ليس ما يقال وإنما ما يمثله ما يقال. المبدأ في الرجل وليس مجرد اسم الرجل. الفكرة وليست السلطة، الرمز الحي وليس الشعار الأجوف. الحق الذي يراد به الحق وليس الحق الذي يراد به الباطل.

          كان ثالث ما واجنهاه بعد عبد الناصر طمع الطامعين من هنا وهناك. دول وقوى تصورت أن الجو خلا لها وأنها تستطيع فرض سيطرتها علينا، عودة إلى أحلام قديمة أو جرياً وراء أحلام جديدة. ولقد أدركنا أن الاستقلال الوطني إرادة وليس الاستقلال الوطني مجرد تراب. ولقد تكون أجزاء من ترابنا تحت الاحتلال ولكنه ليس هناك جزء واحد من إرادتنا قابل للاحتلال.

          إن إرادة الحرية تظل حية بإرادة الأحرار وبقلوب وبعزائم. ولقد جعلنا الكل -دولاً وقوى- يفهمون ذلك وأظنهم قد فهموه. وكان من هنا بالدرجة الأولى صراعنا العنيف مع الولايات المتحدة الأمريكية التي أرادت أن تستغل رغبتنا المخلصة في السلام وتحولها، بل وتلويها لتجعلها استسلاماً لنا على استعداد لقبوله اليوم أو غداً أو بعد غد وحتى إلى الأبد.

          وإنكم لتعرفون وتعرف أمتنا كلها تفاصيل ذلك كله، ومن تفاصيل غيره ما يغنيني اليوم عن العودة إليه بأكثر من الإشارة العابرة.

وكان رابع ما واجهناه بعد عبد الناصر قد خيل للبعض أن قرار الحرب والسلام لم يعد له مصدر يتحمل تبعاته أو مسئولياته. لكن التجربة أثبتت للجميع وثبت كل يوم أن القرار في أيدينا وهو ليس قرار فرد ولكنه قرار أمة، لأنه مصير أمة.

          ولقد رأينا في السياسة الدولية ومناوراتها ألاعيبها رأينا الكثير، لكن ما رأيناه لم يؤثر فينا، لأن الذين يعرفون ما يريدون يعرفون في نفس الوقت ما لا يريدون. ثم أن المعرفة بما نريد لا قيمة لها إلا بمقدار ما نحن على استعداد للنضال من أجله بكل وسيلة وعلى كل أرض.

          ثم كان خامس ما واجهناه بعد عبد الناصر، أن خيل للبعض منا أن يقيموا من أنفسهم قضاة يصدرون الأحكام على الأفكار والمبادئ والتجارب. يفعلون ذلك استناداً على الناصرية مرة، ويفعلونه ضد الناصرية مرة أخرى. وفي الحالتين كانوا على خطأ. ذلك أن هناك قاضياً وحيداً من حق الكل أن يعرضوا حججهم أمامه وأن يديروا حوارهم على مسمع منه ثم يكون له دون غيره حق الحكم. ذلك القاضي الوحيد هو الشعب.

          ولقد سمعنا النغمتين، نغمة التشكيك في الناصرية لضرب التجربة الثورية للشعب المصري والأمة العربية عند الأساس، ونغمة الادعاء للناصرية لتجميد التجربة الثورية للشعب المصري وللأمة العربية في حركتها المتطورة.

          لكن التيار الرئيسي للمسيرة الشعبية المصرية والعربية ظل على طريقه عاملاً مؤمناً وملتزماً كما يجب أن يكون الالتزام الثوري.

أيها الأخوة والأخوات
          إذا أردنا أن نكون أمناء مع أنفسنا ومع المرحلة التاريخية التي نخوضها، فلا بد أن نقول أن ذلك كله مما واجهناه أخذ منا ضريبته، خصوصاً وأن الظروف كانت تحيطنا بظروف عصيبة، لا أبالغ إذا قلت أنها من أشق ما مر بنا ومن أصعبها.

          كان هناك أولاً صدمة لم تكن في حسابنا سنة 67، وقد تركت أثرها من التمزق في قلوبنا وفي عقولنا.

          وكان هناك ثانياً تغيرات عالمية توافقت مع هذه الفترة وكان لا بد أن نحيط بأبعادها التي غيرت موازين القوى العالمية وبدلتها تبديلاً شديداً.

          كان هناك ولا يزال ضيق اقتصادي يخنقنا أسميناها حالة اللا سلم واللا حرب وقد كانت هذه الحالة مفروضة علينا بالصدمة وما تبعها من تفوق لإسرائيل بفضل المساعدات الأمريكية ثم بالمتغيرات العالمية. وقد كانت كل يوم تطالعنا بما يقتضي إعادة الحساب.

 كان هناك ولا يزال ضيق اقتصادي خانق يرجع إلى سببين، ضرورة توجيه الجزء الأكبر من مواردنا للدفاع، والجنون الذي حدث في الأسعار العالمية.

          لدي هنا مقارنة عن الأسعار العالمية بين السنة الماضية والسنة دي. على سبيل المثال، يرتفع القمح 366% - الأسعار دي اللي إحنا تعاقدنا عليها السنة دي مقارنة بالسنة اللي فاتت - من 30 - لـ 110. الدقيق من 40 لـ 135، 337%. ذرة من 30 لـ 75، 250%. الزيت من 160 لـ 270، 168%. العدس 85 لـ 280، 329%. الشاي 350 لـ 420، 120%. البن من 400 لـ 560، 140%. في مواد الغذاء. في بقية المواد، السمـاد يرتفع 200%، الخشـب 173% الصوف 200% حديد التسليح 240%، خشب البياض 200%. كل دي الأسعار اللي أنا بأحكيها، ارتفاع عن السنة اللي ماضية فقط، وتعاقدنا عليها. وهناك احتمال لارتفاع هذه الأسعار اللي بأحكي لكم عليها، لأن خط الارتفاع ماشي في العالم بجنون. فزي ما قلت كان الضيق الاقتصادي الخانق رابع العوامل، والسببين، أنه ضروري التوجيه للجزء الأكبر من مواردنا للدفاع، ثم السبب الثاني الارتفاع المجنون في الأسعار العالمية.

          ثم كان هناك خامساً المشاكل الطبيعية للممارسة الديمقراطية بعد فترة غياب. ثم كان هناك سادساً الحرب النفسية المعلنة علينا التي تحاول استغلال كل هذه العوامل الخمسة اللي أنا ذكرتها سابقاً علشان تزيد من تمزقنا وتضيف أيضاً إلى هذه العوامل من عندها.

          وأنا نبهت كثير خلال سنة 72 وسنة 73 لهذه الحرب النفسية، وأن المراد منها إن إحنا ننفجر على نفسنا من داخلنا، علماً بأن هذه العوامل الخمسة اللي حكيتها كافية إنها تمزق فينا. فالعدو بيحاول إنه بإضافة الحرب النفسية إلى هذه العوامل الخمسة إنه يزيد من حدة هذا التمزق علشان ننفجر على نفسنا.

أيها الأخوة والأخوات
          ماذا يتعين علينا إزاء هذا أن نفعله؟. إن ردي ببساطة أن نحتفظ دائماً وفي كل الظروف بتوازننا. ردي أن نعرف هدفنا وأن نمشي عليه وألا نترك أية مؤثرات جانبية تشدنا عنه وألا نسمح لأية مشاعر أو انفعالات أن تطغى على الهدف. لا يستطيع أحد في هذا العالم أن يحقق أي شئ إذا لم يكن محتفظاً بتوازن.

          لا يستطيع أي بلد، خصوصاً في أزمة، أن يتصرف بغير أن يكون تصرفه من مصدر الاحتفاظ بالتوازن. ولو أننا راجعنا خطط أعدائنا كلها ضدنا، فإننا نجد أن هدفهم الوحيد هو أن نفقد التوازن، أن نتصرف بانفعال. أن نتصرف بعصبية، أن نقوم نحن بدلاً منهم بمهمة تمزيق إرادتنا من داخلنا. أنهم لم يستطيعوا ذلك في ميدان القتال تفوقوا علينا بسلاحهم. ولكننا تفوقنا عليهم في الاحتفاظ بإرادتنا سليمة. كيف نستطيع الاحتفاظ بتوازننا؟ نستطيع ذلك بأن تكون أهدافنا واضحة أمامنا باستمرار ووسائلنا لتحقيقها واضحة أيضاً أمامنا باستمرار، ولنضع أهدافنا بهذا الوضوح مرة أخرى أمام أنفسنا وأمام العالم كله:

أولاً:

تحرير الأرض هو المهمة الرئيسية لهذه المرحلة من جانبنا.

ثانياً:

مواصلة التنمية الشاملة.

ثالثاً:

استمرار التحول الاجتماعي لصالح قوى الشعب العاملة.

رابعاً:

تعميق الممارسة الديمقراطية والاتفاق على ضوابط للحوار.

خامساً:

إقامة الوحدة مع ليبيا على أسلم وأصلب الأسس.

سادساً:

إيجاد أوسع قاعدة ممكنة للعمل العربي المنسق أو المشترك أو الموحد.

سابعاً:

العمل في المجال الدولي والتأثر والاستفادة من موازينه الجديدة.

هذه هي الأهداف السبعة بوضوح لكي لا نضل ولكي لا يضل غيرنا.

ولعل حركتنا في الفترة الماضية من واقع هذه الأهداف السبعة واضحة تمام الوضوح.

          هذه الأهداف السبعة تمثل الخطوط الاستراتيجية العامة لحركتنا، حركتنا في الماضي وفي الحاضر وفي المرحلة المقبلة، كما هو واضح تسير في إطار هذه الأهداف السبعة. تحرير الأرض هو المهمة الرئيسية لهذه المرحلة. كل دعم لقواتنا المسلحة يجري تقديمه وكل جهد ممكن لبنائها بيقدمه شعبنا وبيقدمه طواعية وبافتخار أيضاً. وأنتهز هذه الفرصة علشان أتوجه باسمكم بتحية لقواتنا المسلحة.

          مواصلة التنمية الشاملة الهدف الثاني، ماشية في حركتنا أيضاً، هو خط من خطوطنا الاستراتيجية في مصنع الحديد والصلب الدعامة الرئيسية علشان التحول، السد العالي الثاني اللي بنقول عليه، السد العالي الثاني بعد السد العالي الأول وعشرات المشاريع الأخرى. مجلس الوزراء بيطلع عليكم بخططه وبقراراته، العمل في التنمية الشاملة رغم إعداد المعركة وبرغم الاستنزاف لاقتصادنا الموجه إلى بناء قواتنا المسلحة وإلى بناء المجهود العسكري. برغم هذا بما نستطيع من تخطيطه تسير التنمية الشاملة.

          استمرار التحول الاجتماعي لصالح قوى الشعب العامل واضح أمامكم وسمعتم من سبقوني في الكلام من ممثلي قوى الشعب العامل.

          تعميق الممارسة الديمقراطية والاتفاق على ضوابط الحوار بنمارسه فعلاً وليس كلاماً من خلال مؤسساتنا النهاردة وباقي أننا نضع أيدينا على الضوابط.

 إقامة الوحدة مع ليبيا على أسلم وأصلب الأسس، كما تعلمون بدأنا أواخر شهر أغسطس البيان اللي أذعناه من ميت أبو الكوم بوضع الأسس للبناء الجديد، اليوم معنا في هذه القاعة أعضاء الجمعية التأسيسية من ليبيا الشقيقة، معاكم، مع إخوانهم أعضاء الجمعية التأسيسية من مصر. وزي ما اتقال أيضاً في انتظار أن يجتمعوا. وبيسعدني إني أخطركم أن الرئيس معمر موجود معانا في مصر اليوم، ولولا مرضه المفاجئ وهو يستعد فعلاً لحضور هذا الاجتماع معانا لكان جالس معنا الآن. ولكن سننتهز هذه الفرصة إن شاء الله لكي نصدر من القيادة السياسية الموحدة ما هو لازم لإقامة البناء على أسلم وأصلب الأسس.

          الهدف السادس، إيجاد أوسع قاعدة ممكنة للعمل العربي المنسق أو المشترك أو الموحد. أظن إن إحنا عايشينه من فترة، رحلاتي الأخيرة بعد اجتماعي بكم في هذه القاعة في 23 يوليه زي ما تعرفوا سافرت إلى السعودية وإلى قطر على الخليج وإلى سوريا، وبأنتهز هذه الفرصة وأتوجه للأخوة جميعاً في السعودية وفي قطر وفي سوريا الحبيبة بخالص الشكر لأن الرحلة كانت رحلة ناجحة والعمل والفهم العربي على أوعى وعلى أحسن ما يكون، أكثر من هذا بعد عودتي من مؤتمر عدم الانحياز في الجزائر انعقد هنا المؤتمر الثلاثي بيني وبين الرئيس حافظ الأسد والملك حسين، وأعدنا علاقاتنا مع الملك حسين، وكل هذا من أجل الهدف الكبير الذي نعمل جميعاً من أجله. زي ما بقول أهدافنا كلها ليست مجرد شعارات أو أهداف، وإنما كما أستعرض أمامكم أعمال من فترة مفتوحة، والعمل فيها والإنجاز فيها يتم وحالياً يتم فيها إنجاز وفي المستقبل إن شاء الله يكمل هذا الإنجاز.

          سابعاً: العمل في المجال الدولي والتأثير والاستفادة من موازين جديدة، وإحنا كلنا شفنا ما تم زي ما حكيت لكم في اجتماعنا السابق هنا في هذه القاعة في المؤتمر الأفريقي ثم في مجلس الأمن ثم في مؤتمر عدم الانحياز، وكلها علامات واضحة وانتصارات محققة، استخدام أمريكا للفيتو زي ما أنا قلت بأعتبره انتصار وأروع انتصار حصلنا عليه لأنه بيجدد المواقف تمام ولكن قبل ما أسيب هذه النقطة أنا دهشت من اجتماع المستر كيسنجر وزير خارجية أمريكا الجديد الأخير لأنه بيقول أنه يريد أن يسمع وجهة النظر المصرية، وبيتكلم كلام طيب وكلام معسول، وأنا أريد أن أفجر أمام حضراتكم وأمام شعبنا كله أن المستر كيسنجر يعرف وجهة نظرنا تماماً وبالتفصيل زي ما قلت لحضراتكم قبل كده التقى به المستشار حافظ إسماعيل ووجهة نظرنا واضحة وبالتفصيل لدى المستر كيسنجر، ولكن الأمر الصعب هو أن أمريكا لازالت تحت الضغط الصهيوني، المنظار اللي مركباه أمريكا على عينيها منظار صهيوني كامل مغلق على أي شئ إلا ما تريده إسرائيل. إحنا لا نقبل هذا، قالوا نحرك القضية بفتح قناة السويس وانسحاب إسرائيل لمرحلة داخل سيناء. وده كفيل بتحريك القضية. وردينا عليهم قلنا لهم إن ده فخ لا يقع فيه طفل، القضية ليست فتح قناة السويس أو غلقها أبداً، القضية قضية تحرير الأرض، قضية العدوان، قضية فلسطين، قضية حقوقنا، مش فتح قناة السويس أو قفلها. ومع ذلك أنا قلت لهم بصريح العبارة لما نحب نفتح قناة السويس أنا في غير حاجة إني أستأذن إسرائيل أو

أمريكا علشان أفتح قناة السويس، قناة السويس وجدت من قبل أن توجد إسرائيل، وستظل مصرية وفي أرض مصرية وبإرادة مصرية. كل ده واضح.

          موقفنا واضح تماماً عند المستر كيسنجر شخصياً، وعقدة العقد عند أمريكيا هي أن مسألة الاحتفاظ بأرضنا رهن المساومة عليها عملية مسيطرة على التفكير الأمريكي نتيجة للضغط الصهيوني عليهم ومتفقين في هذا، إحنا حطيناها بصراحة، مفيش مناقشة ندخلها الأرض أبداً بيننا وبين أمريكا، الأرض لازم تخرج بره، موقفنا واضح جداً ويستطيع المستشار حافظ إنه يحط نقط واضحة ولكن مفيش داعي، يعني إذا حبوا هم إحنا مستعدين لأن كل شئ عندنا مهواش مستخبي، ومفيش حاجة غير قابلة لأننا نضعها أمام شعبنا، لأننا ما بنعملش حاجة من وراء شعبنا ولا من وراء أمتنا أبداً، وجاهزين. موقفنا تعلمه أمريكا تماماً ولكن مطلوب إن أمريكا تشيل النظارة الصهيونية اللي حطاها على عينها وهي بتكلمنا، لأنه حتى من قبل أن يتصل المستشار حافظ مع كيسنجر، أنا نبهت لهذا ونبهت في أربع نقط. وفي مرحلة من المراحل كدت أرفض، بل رفضت فعلاً إنه يحصل أي اتصال، لأن الأساس مكنش واضح، وبسرعة بحثت أمريكا ووضحت الأساس، وعلى ذلك قبلت إن المستشار حافظ يقابل كيسنجر، وكل شئ واضح لديه. أرجو أن لا يكون في هذا لبس، وأن لا يكون الكلام المعسول الطيب الناعم وسيلة إلى التخدير مرة أخرى أو الحفاظ على تجميد قضيتنا كما هو مرسوم أو مخطط مرة أخرى.

أيها الأخوة والأخوات
          إننا سوف نعقد بعد شهر رمضان المبارك إن شاء الله مؤتمرنا القومي للاتحاد الاشتراكي، وأريد أن أتقدم لهذا المؤتمر - وقد كنت وعدت بذلك منذ شهر يوليه - بتحديد تفصيلي فكري وعملي ندرسه معاً ونتفق عليه معاً ونتخذه بعد الاتفاق عليه برنامجاً نسير عليه دون أن يصدنا عما نريد عائق أو يثنينا عنه تشكيك. وأنا أعلم مقدماً أن أعدائنا لن يتوقفوا عن التشكيك، وهدفهم أن نفقد توازننا. ولكن أعرف دائماً وطول الوقت أن أية حملات للتشكيك سوف تنكشف أمام شعبنا الواعي المجرب الفاهم والعميق في فهمه.

          وأنا طرحت فكرة المناقشة في المتغيرات الدولية والحوار، هرعوا يقولون إننا نريد تعديل الميثاق. أنا لست في حاجة إلى أن أتوارى وراء أي شئ، وأنتم تعرفوا هذا كمان، ولو أنني وجدت هناك حاجة لتعديل الميثاق لجئت إليكم هنا صراحة وذهبت إلى المؤتمر القومي وطرحت اقتراح تعديل الميثاق. لكن لم يكن ذلك أبداً ببالي ولا في خاطري، ليس هو ما أريد، فأنا أعتقد أن الميثاق خط عريض يستجيب استجابة كاملة لدواعي التطور.

          حين طرحت سياسة الانفتاح الاقتصادي، قالوا أيضاً أنها عدول عن الاشتراكية، ومرة ثانية أنا في غير حاجة إلى أن أتوارى وراء أي شيء.

 فقد اختار الشعب الاشتراكية طريقاً، فضلاً عن إيماني أنا شخصياً أن الاشتراكية حل حتمي. أساس الاشتراكية هو التعبئة للتنمية، بمعنى الكفاية. كما أن أساس الاشتراكية أيضا هو استمرار عملية توزيع فائض التنمية على شكل دخول وخدمات، أي بمعنى العدل، الكفاية والعدل.

          ولست أرى في الانفتاح الاقتصادي أي تعارض مع الاشتراكية، حتى ما لا يقبل التشكيك سوف يحاولون التشكيك فيه، ويجب أن نتوقع دائماً ذلك من أعدائنا.

أيها الأخوة والأخوات
          أمام حضراتكم الآن سوف أتخذ قرارين أقصد بهما أن أفتح الباب لكل فرد في هذا الوطن لكي يدرك أننا أمام مرحلة جديدة يجب أن نعالج فيها كل أمورنا، وأن نفكر فيها في كل مشاكلنا. سوف أطلب إلى وزارة العدل ان تسحب كل قضايا الشباب من أمام المحاكم. لقد أتيحت لي الفرصة خلال الأيام الأخيرة أن أرى أعداداً كبيرة من قيادات الشباب، ولقد تحدثت إليهم وسمعت منهم. وفي الحقيقة فإنني تحدثت وسمعت منذ حضرت احتفال جامعة الإسكندرية في شهر يوليه الماضي

          إنني أعرف ثورة الشباب وأعرف أنها حكم الطبيعة فيه لأنه أداة التجديد المستمر، ولكن كان شاغلي دائماً أن لا تستغل ثورة الشباب وأن لا تنعزل عن المجرى الثوري العام لجماهير الشعب. أنا لم أكن أريد العقوبة وإنما كنت ولا أزال أريد التنبيه. إن حملات التشكيك سوف تخرج لتؤول هذا القرار على غير هدفه.

          إذا تصور أحد أن في هذا القرار مساومة فهو مخطئ، وإذا تصور أحد أن في هذا القرار تراجعاً فهو مخطئ أيضاً. إن القرار صادر عن قناعة أعرفها بمعرفتي للشباب وأعرفها لاتصالي بهم، وما قلته لهم وسمعته منهم أخيراً. ولا أزال مصراً على التنبيه، بأتخذ هذا القرار لكن بأنبه أيضاً.

          الثاني، سوف أصدر قراراً بعودة جميع الصحفيين الذين أبعدوا بقرارات لجنة النظام، وأنتم أعضاء اللجنة المركزية تمثلون السلطة في تنظيمنا السياسي، أرجو أن توافقوني عليه.

          وهنا أيضاً لم أكن أقصد العقوبة، ولكن هنا أيضاً كنت ولا أزال أقصد التنبيه. لم يكن من هدفي ولا هو في طبعي أن أمس إنساناً في عمله أو مهنته أو رزقه. أنتم تعلمون هذا تماماً، ولكني أحسست أن هناك لبساً في فهم الحرية، الممارسة الديمقراطية والضوابط اللي اتكلمت عنها قبل كده، هناك لبس، وهيئ للبعض أنه ممكن يستغل هذا اللبس. إني أريد حرية الصحافة، أريدها في نفس الوقت صحافة ملتزمة، وأريد حرية القلم وفي نفس الوقت أريد عفة والتزام القلم.

 إنني أريد للفكر أن يعطي ما لديه غنى وثراء للوطن والأجيال، ولكني لا أريد للفكر أن ينفصل عن قضايا الشعب أو عن نضال الشعب تحت اسم الديموقراطية. تحت أي أسماء تحت اسم الممارسة، لا ينفصل لا عن قضايا الشعب ولا أهداف الشعب ولا نضال الشعب.

          سوف تخرج حملات التشكيك لتؤول هذا التيار أيضاً. قد يقال أنها ضغوط أو يقال أنها هجمات بسبب الهجمات اللي علينا في الخارج. وانتو عارفين أنا لا أخضع لأية ضغوط أياً كانت. وبالنسبة للخارج نحن نعرف مصادر الحملات اللي علينا من الخارج ونستطيع مواجهتها.

          ليس يهمني ما يقال في الخارج من جانب أعداء شعبنا، ولكني أرجو مخلصاً ألا يخطئ أحد هنا في معنى ومدلول هذين القرارين.

أيها الأخوة والأخوات

          هناك شيء آخر سوف أرجوكم فيه وهو أن تجهزوا من الآن للمؤتمر القومي القادم. نريد أن نجعل منه شيئاً جديداً، نريده إطلالة على المستقبل. نريدكم أن تفكروا. وكما قلت لحضراتكم أنني أرتب مقترحات لعرضها عليكم ولكني أريد مشاركتكم الواسعة في وضع تصوراتنا.

أيها الأخوة والأخوات

          هناك موضوع ربما تلاحظون أنني لم أتكلم فيه، وهو موضوع المعركة. ولقد قصدت ذلك قصداً. لقد شبعنا كلاماً. أريد أن أقول شيئاً واحداً، نحن نعرف هدفنا ونحن مصممون على بلوغه وليست هناك جهود لا نبذلها أو تضحيات لا نقدمها لتحقيق هدفنا. لن أعد بشئ ولن أدخل في تفاصيل أي شئ. ولكني أقول فقط أن تحرير الأرض كما قلت لحضراتكم هو المهمة الأولى والرئيسية أمامنا. وبعون الله سوف ننجزها وسوف نحققها، وسوف نصل إليها.

          هذه إرادة شعبنا وهذه إرادة أمتنا، بل هي إرادة الله الحق والعدل والسلام.

والسلام عليكم ورحمة الله.

 


المصدر: موسوعه مقاتل من الصحراء على شبكه الانترنت

 

Hosted by YallaHosting