خطاب الرئيس أنور السادات، رئيس الجمهورية العربية المتحدة
في مؤتمر سياسي بمدينة طنطا

طنطا، 4 يناير 1971
الأهرام، القاهرة :5 يناير 1971

أيها الإخوة المواطنون

        إن حشد القيادات السياسية الموجود في هذا الاجتماع الذي نشترك فيه اليوم هو قوة هائلة في تمثيلها لجماهير شعبنا العاملة المؤمنة الصابرة المناضلة القادرة بعملها وإيمانها وصبرها ونضالها على مواجهة الامتحان الكبير الذي يفرض نفسه على شعبنا وعلى أمتنا.  

        إنني لم أجئ إليكم أيها الإخوة لأقوم بحملة توعية، ذلك أن الكفاح كله كفاح الشعب، وهذا الشعب هو قائده وموجهه. ولم أجئ إليكم أيها الأخوة ضمن حملة تعبئة شاملة لجماهيرنا، وذلك لأن جماهيرنا معبأة بالكامل.

        إن الشعب لا يحتاج إلى توعية أو تعبئة، فهو مشبع بالألم، والإنسان يشعر بالألم لاحتلال الأرض.

        ولا يحتاج شعبنا إلى توعية أو تعبئة، لأن شعبنا هو أبو التاريخ ومحرك التاريخ وصانع التاريخ.

        لم أجئ أيها الإخوة لكي أقول للشعب وإنما لكي أسمع منه.

        لم أجئ هنا لإخطار الشعب بقرار جاهز اتخذناه فيما سوف يقابلنا، ولكن لأستلهم من هذا الشعب هذا القرار. ذلك أيها الأخوة لأن مقياس قدرتنا هو تصميم هذا الشعب، ومقياس طاقتنا هو إرادة هذا الشعب.

أيها الأخوة

        كان جمال يقول أن الشعب هو القائد والمعلم. ولم يكن هذا واضحا أمامي بكل الذي أتمثله الآن إلا بعد أن وضعتني الظروف في موضع المسئولية من بعده، وكنت أشعر بذلك. ولكن المسألة الآن تتعدى الإحساس بالمشاعر إلى التجربة العملية من واقع المسؤولية.

        إن التجربة العملية تقول إنه لا يستطيع أي قائد أو قيادة أن تقرر، وتكون على ثقة من القرار مهما كانت الخطورة فيه، إلا على اشتراط واحد، وهو اليقين الكامل من إرادة الشعب.

أيها الإخوة

        بهذا يستطيع القائد وتستطيع القيادة اتخاذ القرار، والمسئولية في هذا تكبر وتزايد بطبيعة الحرب الشاملة.

        إن الحرب الشاملة ليست جيشا يقابل جيشا آخر، وليست جبهة قتال تواجه جبهة أخرى. الحرب الشاملة حرب فى كل مكان. والسلاح في الحرب الشاملة لا يقتصر على المدفع والبندقية والغواصة والطائرة وغير هذا، ولكنه يمتد أيضا إلى الآلة في المصنع، والى المحراث في الحقل، والى السلوك الإنساني نفسه، بل والى المشاعر الداخلية في كل بيت. هي حرب الوطن كله، هي حرب الشعب كله. وبالتالي فإن التعرض للخطر في كل مكان، والتعرض للخطر موجه لكل إنسان. لهذا فإن الأمر النهائي يبقى في يد الشعب، لأن الأرض أرضه والحرية حريته والإرادة إرادته والقتال قتاله، والنصر بإذن الله انتصاره.

        لهذا- أيها الأخوة، جئت إليكم لكي أسمع، ولكي أحس ولكي أتزود بالطاقة والأمل. في نفس الوقت أريد أن تكونوا على بينة بكل ما حدث، وهنا كما عودنا جمال فالشعب هو صاحب المسئولية، الشعب هو القائد. ولابد أن نضع الحقائق كاملة أمام الشعب.

        في هذا البلد، في طنطا، وفي سنة 1969، شرفني جمال بأن آتي إليكم وبأن أشرح لكم مرحلة سنة 1970. أهداف العدو وأهدافنا، خطة العدو وخطتنا. والتقينا هنا في طنطا مع قيادات الوجه البحري كله، وتحدثنا في تلك الأيام، وحدث ما توقعناه في عام 1970. حاول العدو الإسرائيلي ومن ورائه أمريكا، حاولوا أن يجعلوا من الستة شهور الأولى لسنة 70، سنة الانتصار بالنسبة لإسرائيل وبالنسبة لأمريكا في حسم المعركة عن طريق تفوق الطيران، وكلنا نذكر معركة الطيران. وكلنا نذكر الاجتماع الذي دعا إليه الرئيس جمال في أواخر 69 وحضره كل السياسيين والعسكريين، وانتهى إلى أن عدونا سيحاول عن طريق تفوقه في الطيران أن يضرب الجبهة الداخلية.

        ولم يمر وقت طويل. ففي 25 ديسمبر 1969، والرئيس في الرباط بالمغرب، لم تنتظر إسرائيل بداية 1970 وبدأت تهاجمنا بسلاح الطيران، وبدأوا يهاجموننا بـ 264 طيارة في هذا اليوم 25 ديسمبر، من 8 صباحا إلى 4.30 حتى المغرب، بينما في يونيه 67 أيام العدوان استخدموا 220 طيارة.

        في 25 ديسمبر ألقوا آلاف الأطنان من القنابل في مواقعنا في القنال، بهدف إظهار تفوقهم في الجو حتى يكسروا الروح المعنوية لقواتنا على خط القتال، تمهيدا للانتقال إلى الجبهة الداخلية، إلى الشعب بعد ما يكسرون الجبهة العسكرية.

لقد بنوا خطتهم على كلمة لم يخفوها. ففي 31 ديسمبر عام 69 وقف رئيس الأركان الإسرائيلي حاييم بارليف ليقول إن إسرائيل في حرب 67 استطاعت أن تحطم القوة العسكرية للجيوش العربية، ولكنها لم تستطع أن تحقق أهدافها.

        لماذا لم تحقق إسرائيل أهدافها؟ إن الشعب هو الذي قاوم وقام يومي 9 و10 يونيه، وقال الشعب لنستمر. وفرض على جمال أن يبقى في مكانه لقيادة المعركة.

        وفي عام 70 قال بارليف انه لابد من ضرب مقاومة الشعوب العربية من الداخل لتحقيق الأهداف السياسية لإسرائيل، وقد رد عليه الرئيس جمال رحمه الله في ذلك الوقت باستاد الخرطوم أثناء احتفالات عيد استقلال السودان في أول يناير 70.

        مع بداية 70 بدأت معركة الطيران تأخذ شكلا ثانيا، وأنا أذكر في ذلك اليوم 25 ديسمبر أن أبناءنا على الجبهة كتبوا أروع وأمجد آيات البطولة، ثماني ساعات ونصف وقواتنا تحت الغارات، 264 طيارة تناوب الضرب علينا ولم يترك أحد موقعه.

        بل الأكثر من هذا إنه عندما انتهت الغارات وبلغوني، حيث كان الرئيس في الرباط، أعطيت أمرا إلى بطاريات الصواريخ لتغيير أماكنها، حيث كانت هناك أطنان من القنابل الزمنية التي لم يبطل مفعولها بعد مازالت مرماة حولها .

        وقبل ظهور أول ضوء ليوم 26 ديسمبر كانت جميع بطاريات الصواريخ قد تغيرت أماكنها، وبذل أبناؤنا جهدا فوق طاقة البشر، وكتب أبناؤنا صفحات بطولة. وسيأتي اليوم الذي سنتحدث فيه عن ذلك بالتفصيل.

        ولما عاد الرئيس جمال وبدأت المعركة تأخذ شكلا آخر، وتركوا الخط الأول وبدأوا على الخط الثاني، التل الكبير، أنشاص، وادي حوف، وحلوان. وأثاروا دعايات بأنهم ضربوا على بعد خمسة كيلو مترات من القاهرة وعشرة كيلو مترات من القاهرة، وأثاروا حربا نفسية بادعائهم أن سماء مصر أصبحت مفتوحة، ومعناها أيها المصريون أريحوا أنفسكم.

        ولما لم يجدوا نتيجة للضرب على الخط الأول وعلى الخط الثاني، كما رأى المراسلون الأجانب بأنفسهم، دخلوا المرحلة الثالثة على مصنع أبو زعبل، وكان المقصود من ذلك اختيار منشأة مدنية فيها تجمع كبير بقصد إحداث خسائر كبيرة لجعل الروح المعنوية في الشعب تهتز لنيأس، كما تصور بارليف، ومن ثم يمكن أن يحققوا النصر بعد ذلك.

إنني أقول إن الحقائق لابد أن تكون أمام الشعب بصراحة.

       وحين تحدث الرئيس رحمه الله عن الصواريخ الجديدة كان أولادنا يحتاجون لثمانية أشهر للتدريب في الاتحاد السوفيتي، فهل يا ترى نترك البلد هكذا والعدو يريد ستة أشهرحتى منتصف عام 1970، يكونوا سرحوا على مؤسساتنا ومنشآتنا داخل عمق الجمهورية. فطلب الرئيس الصواريخ بالخبراء، ووافق الأصدقاء السوفيت.

       ويأتي الأمريكان ليقولوا في دعاياتهم الوجود السوفيتي والاحتلال السوفيتي. هل أترك أهدافي تضرب في الوقت الذي يأتي فيه الأصدقاء ليدافعوا معي. ولكن عندما كان تشرشل رئيس وزراء بريطانيا، وروزفلت رئيس الولايات المتحدة الأمريكية، أثناء الحرب العالمية الثانية، يجرون إلى موسكو ويرجون ستالين، لم يكن هذا عيبا. وعندما نستعين بأناس لكي أدافع عن بلدي أكون قد أتيت منكرا، وعندما يعملونه هم فعملهم هذا حلال وكأنهم أوصياء علينا. إحنا خلصنا من الوصاية من سنة 52، خلاص محدش وصي علينا.

       في 15 مارس سنة 70، وكان جمال طول السنوات الثلاث بعد العدوان مباشرة مطحونا نفسيا وصحيا، وكان بيشتغل 24 ساعة، لم يعط لنفسه فترة راحة كان يحس بمسئوليته وتمسكه بتراب هذا الوطن. 3 سنين قضاها وهو مطحون بالآلام.

       وفي 15 مارس خف من غير حاجة لأن الصواريخ تم تجهيزها. ومن أواخر مارس سنة 70 نستطيع أن نقول، زي إنجلترا ما كسبت من هتلر معركة الطيران، إننا كسبنا من أمريكا وإسرائيل معركة الطيران التي كانوا يريدون بها تحطيم منشآتنا المدنية وجبهتنا الداخلية.

       بعد ذلك بدأ غضب أمريكا يتحول إلى الجبهة على خط القنال، وبدأت غارات مركزة بالطائرات، كانوا يلقون خلالها عشرات وآلاف الأطنان من القنابل، ووصل بعضها إلى 17 ساعة في اليوم مستمرة على أولادنا في القنابل، كانت عملية غيظ، من مين؟ من دولة تعدادها 2.5 مليون تصرف على حرب لاتقدر دولة كبرى أن تصرف عليها. لا إنجلترا ولافرنسا ولا الاثنين يستطيعان ان يصرفا على ثمن القنابل الذي يصل من نصف مليون إلى مليون دولار في اليوم، غير ثمن الطائرات والتكاليف الأخرى للحرب.

       وصمد أولادنا أروع الصمود، إلى أن بدأ وقف إطلاق النار في أغسطس 1970.

       كانت المبادرة الأمريكية تقول تنفيذ قرار مجلس الأمن ووقف إطلاق النار مؤقتا لمدة 90 يوماً.

        إحنا قابلين قرار مجلس الأمن بوقف إطلاق النار، ومفيش مانع في سبيل الوصول إلى تسوية سلمية.

       عايز أقول إن من أول يوم والشعار الذي قاله جمال "ما أخذ بالقوة لا يسترد بغير القوة"

ده عن واقع شايفينه من ثلاث سنين ونص، ومع ذلك كل ما يمكن عمله للوصول إلى حل نتفادى فيه الحرب لا مانع. ولكن من غير التفريط في بوصة واحدة من أرضنا ولا المساس بكرامتنا، ولا بحقوق شعب فلسطين. لامانع من بذل كل شيء من أجل السلام، ولكن العدو يعتبرنا أمة مهزومة وعليها أن تدفع ثمن الهزيمة. ولما ذهب الدكتور محمود فوزي إلى أمريكا للعزاء في وفاة أيزنهاور، تكلم معهم، ومن ضمن المنطق الذي يقوله بعضهم إننا انهزمنا وعلينا أن نتصرف تصرف المهزوم.

        طيب، لما الأسطول الأمريكي انضرب سنة 1941 في بيرل هاربر، ضربه الطيران الياباني كله في ضربة واحدة، و 7 ديسمبر كان السفير الياباني عند سفير أمريكا. كنا أيامها في الجيش ومعاصرين لهذه الحوادث بضربة واحدة إنضرب الأسطول الأمريكي كله في نصف يوم. وفي آخر ديسمير عام 1945 لم يكن لأمريكا وجود نهائيا في محيط الباسفيك كله، وانزاحت أمريكا وظلت في عقر دارها. طيب لما حصل ذلك لم يقولوا لأمريكا أنت أمة مهزومة ليه، وروحي اتفقي مع اليابان. برضوا الحلال لهم حرام علينا، لماذا لم يتفقوا.

         وإنجلترا في دنكرك، والألمان وصلوا إلى 15 كيلومترا من موسكو، ولم يستسلم الشعب السوفيتي، وبعد 3 سنوات كان السوفييت في برلين. انهم يستخدمون معنا منطقا معوجاً.

         عندهم واحد ماسك القضية اسمه سيسكو، وبيقول إن مفاوضات يارنج ستبدأ ولازم تكونوا مستعدين لتنازلات.

       نتنازل عن إيه؟ إحنا أرضنا محتلة والتنازل منطق المهزوم القاعد على "الترابيزة". الكلام ده يعملوه مع ألمانيا أو اليابان لأنهما انهزمتا فعلا وفيه مهزوم ومنتصر، بنحاول نقول هذا ولكن عبثاً.

         ولكن لما نقول لهم إننا غير مستعدين لمد وقف إطلاق النار يبقى ده الحرب وإحنا عايزين الحرب.

         إحنا مش عاوزين الحرب، إحنا عايزين نحرر أرضنا فقط، إحنا مش عاوزين نثير العالم، إحنا عاوزين نحرر أرضنا. وإذا كنت عاوز تعاملنا على إننا مهزومين سنثبت إننا لم نهزم.

         وفي أمريكا أيضا مسئول كبير قال للدكتور الزيات، مندوبنا الدائم هناك، وكان معي أول أمس، الشعب المصري لا يريد تجديد القتال ولا مد فترة وقف إطلاق النار، الشعب المصري زهق خالص.

         ودي لها حكاية.

         ففي عام 1956 عندما جاءنا الإنذار الثلاثي المشهور ورفضناه، وقطعنا علاقاتنا مع بريطانيا، وحوصرت السفارة البريطانية لأول مرة، بعد ما كانت السفارة البريطانية وقصر الدوبارة بتحكم مصر انتظاراً

لترحيل موظفي السفارة. طلع المستشار الشرقي للسفارة البريطانية على السور لصرف شيك من البنك، وكان بيتكلم عربي، وكانت الطيارات الإنجليزية والفرنسية تضربنا. وسأل الموظف من فوق السور، وهو يسأله عن صرف الشيك عما إذا كانت المظاهرات قد قامت في البلد؟، فاندهش لما أجابه بالنفي، وكان يتصور أن الشعب المصري سوف يشعل ثورة ويرجع الاحزاب وتنتهي الثورة وده حصل لأنهم كانوا يأخذون معلوماتهم عن شعبنا من الجهات اللي واخدين عليها.

        نفس الفكرة عند الأمريكان النهاردة. مسئول كبير أمريكي بيقول للدكتور الزيات إن الشعب زهق يعني دوروا لكم على أسلوب آخر وقدموا تنازلات.

        طيب أنا أمامي قيادات الوجه البحري كلها. يقولون إن مصر يجب ألا تخرج من هذه المعركة قوية، لأنها لو خرجت قوية يكون الوجود الأمريكي في الشرق الأوسط في خطر. طيب، إحنا طلعنا خلاص أقوياء.

        الكلام ده كان يقال عام 67، ولكن الآن إحنا صمدنا اقتصاديا وسياسيا وعسكريا. في سنة 70 كان بيصرف كل يوم مليون جنيه لمدة 40 يوم، منين؟ شحتناها زي إسرائيل؟ أبدا ده عملنا وكدنا وجهدنا وعرقنا، من محاصيلنا، من العمال والفلاحين والموظفين، من ميزانيتنا، وكلنا مشاركين في هذا وكل واحد بيدفع نصيبه في هذه المعركة. لم نخضع لضغوط أمريكا سياسيا، ولم نخضع لأي قوة في هذه الأرض. حصلنا على ذاتنا ونفسنا واستقلالنا وحريتنا، وسياستنا في القاهرة تنبع من القاهرة على ضوء مصالح بلادنا وأهلنا، ولن: نخضع سياستنا لأحد مهما كان. ظنوا أن هزيمة 67 قضت على قوة التحرر في الأمة العربية. ولكن قامت ثورة السودان وثورة ليبيا والميثاق الرباعي لكي نضع أول نواة لوحدة عربية مدروسة على أسس علمية سليمة، سياسيا طلعنا أقوياء، واقتصاديا أقوياء وعسكريا سأقول لكم مثلا يطمئنكم خالص.

        أنا كنت في الجبهة ثاني يوم العيد، ومن يومين أو ثلاثة دعيت كل قواد الجبهة واجتمعت بهم 9 ساعات، وانتم عارفين الصواريخ بتعتنا نزلت أد إيه من طائرات السكاي هوك والفانتوم، وأنا أعلنت إننا لن نسحب صاروخا واحدا من الجبهة تحت أي ظرف، وأنا في الجبهة سألت عن معركة وقعت بين دوريتين مصرية وإسرائيلية لأنه لأول مرة يحدث التحام بين العسكري المصري والعسكري الإسرائيلي.

        كانت الدورية الإسرائيلية مكونة من 40 عسكريا من فرق المظلات التي هي أعلى مستوى من التدريب في الجيش الإسرائيلي، أولادنا عدوا القنال ورجعوا ومعهم اثنين من الأسرى فقط. وسألت كيف يرجعوا باثنين فقط من 40، وسألت قائد الجيس فقال لا دول كانوا ثلاثة وواحد منهم مات في الطريق، أما باقي الـ 40 لم نستطع أن ننقذهم من أيدي أولادنا أبدا. هذا اليوم يسمى في إسرائيل السبت الحزن، ليه لأن احتك العسكري الإسرائيلي بالعسكري المصري وجها لوجه. أظن عسكريا إننا أقوياء وسيبنا من كلام الجنرالات الإسرائيليين، فنحن لا نقبله، والحمد لله خرجنا أقوياء بعد أن كنا حطاما سنة 67، ولذلك أقول إن جمال أفنى ذاته لاعادة البناء وقد تم والحمد لله.

وأنا عايزكم تكونوا على بينة، وأنا قلت في أول كلامي إن الحرب القادمة ستكون شاملة، وليس على جبهة القتال فقط، حتكون في كل مكان، في كل قرية وحقل ومصنع وشارع ومدينة، وكل بيت. ولازم كلنا نجند أنفسنا لأن الحرب الجاية شاملة ولازم نجند أنفسنا لها، ولما نقول إحنا خرجنا أقوياء، أقول العدو لا يزال قويا ولا زال قادرا على إحداث خسائر. ولذلك أنبهكم بأن الحرب سنخوضها مهما كانت التكاليف، لأن المعركة معركة أرضنا، يعني شرفنا وعرضنا، وإحنا نعرف قيمة العرض والشرف، ونعرف ندفع الثمن، ولكن على عدونا أن يتحمل الثمن الذي سنرد بيه.

         المعركة القادمة ليس أمامنا من سبيل إلا دخولها ودفع أي ثمن تتطلبه.

         أنا بأقول إن الشهور الستة القادمة ستكون مصيرية، وأنا أطمئنكم بأننا خرجنا من المعركة أقوياء ونعرف أين الطريق ومسئوليتنا محددة، لن نتخلى عن أرض عربية، ولا نفرط في حق من حقوق شعب فلسطين. عايزين سلام لا مانع عندنا، نتكلم في السلام.

         إسرائيل عايزة المناورة عن طريق الرجوع ليارنج، ورجوعها زي عدم رجوعها لأن زي ما قال الأمريكان إن الهدف هو تجديد وقف إطلاق النار.

         ولكن ما لم نصل إلى عمل جدي من أجل السلام وجدول زمني للانسحاب لن نجدد وقف إطلاق النار.

          عايز أنتقل إلى أمر يخصنا، وإحنا في المعركة لازم نهيئ أنفسنا كل في مكانه، في القرية، في المصنع، في البيت، في الشارع، في المدينة. لازم كل واحد يكون صاحي وجاهز، العدو حاينطلق في أي اتجاه وذلك لوضعهم المظلم، وعلشان كده لازم نكون جاهزين.

         المفروض بهزيمة 67 أن ينتهي كل شيء، ولكن الذي حدث إنها انقلبت إلى حرب استنزاف وأصبحت تهدد إسرائيل نفسها، والمستقبل المظلم الذي أمامها لازم نكون جاهزين وثابتين أمامها.

         ولي بعض الملاحظات. نحن شعب نؤمن بالقيم، وعندنا معتقداتنا التي نشأنا عليها تجعلنا دائما أقوياء. في 9 و10 يونيه، خرج الشعب كله من غير ما أحد يقول له اخرج، ولم يقبل الاستسلام وقال لازم نحارب ونصمد. ده من معتقداتنا ومن قيمنا ومبادئنا، من تاريخنا كل واحد منا في عائلته وأسرته، تحس ببعضها، عايز في المرحلة القادمة نحس بالقيم النابعة من معتقداتنا وبيئتنا التي تربينا عليها، وكل واحد يلحق أخوه ويقف مع أخوه. لازم نكون إرادة واحدة وعزم واحد ورجل واحد، مع الإحساس والحب من داخلنا زي سماحتنا وسماحة أهلنا في القرية وطيبتهم.

         نحارب ونواجه المعركة بالسلاح الذي لا يهزم أبدا وهو الإيمان، إيماننا بالله والأرض وشعبنا وقدسية كل حبة تراب في بلادنا.

ايمان بأننا لا نسلم، وأشرف لنا أن نموت وإحنا بنحارب ورقبتنا عالية أشرف من الاستسلام.

        المادة والتعقيدات، عايزين نرمي كل ده على جنب، إحنا داخلين على معركة حياة أو موت في 9 و 10 يونيه، وإحنا حطام وقفنا في نوفمبر 67، وكان جمال عبدالناصر يخطب وركب عربية مكشوفة والشعب حواليه، رغم ضرب الطائرات والقنابل. القوة دي منين؟ دي قوة لا يستطيع أحد أن يشاركنا فيها، وبعون الله سننتصر. كل شي، الحرب الإلكترونية سنتزود بها ونتعلمها، واتعلموها أولادنا، وأحدث أنواع الأسلحة، كل ما في الحرب الحديثة من علوم. ولازم أقرر إن الاتحاد السوفيتي بكل شرف وأمانا يعطينا كل شيء، مش زي الأمريكان بيقولوا إن الوجود السوفيتي جاي يحتل البلد.

        إحنا مش عايزين الوصاية من أحد، أنا بأقول الكلام ده للأمريكان. إحنا بلغنا الرشد وعارفين الذي ينفعنا ولا ينفعنا، وكل محاولة للتشكيك ضد الاتحاد السوفيتي تعتبر خيانة، وكل هدف أمريكا هو محاولة التوقيع بيننا وبين الاتحاد السوفيتي، ويجب ألا نستجيب لذلك.

        في القرية عندنا لما حد يموت، كل واحد بيجيب صينية لأهل الميت. والاتحاد السوفيتي في ميتم جمال جاب الصينية وجه، كانت هناك تعاقدات لن تنفذ إلا في عام 1971، جابها على الصينية في عام 1970 علشان يقول أنا وياكم.

        وكانت أمريكا تشن علينا الحرب، مصر وصواريخ مصر. انتهزوا فرصة مأتمنا وإعادة ترتيب بيتنا، انتهزوها وكادوا يقيموا العالم علينا، إن مصر خرقت وقف إطلاق النار، أما عدونا إسرائيل ده مش مهم!! سافر رياض وهزم أمريكا وذكر العالم إن القضية قضية عدوان وإننا بندافع عن حقوقنا.

        آدي اللي عملوه الأمريكان في الميتم، وآدي اللي عملوه السوفيت في الميتم.

        وزي ما قلت لرجال الإعلام من يومين بأننا لا نسمح الآن بأي ئشكيك في علاقتنا مع السوفيت، لأن هدف أمريكا هو التوقيع بيننا وبينهم.

        وإسرائيل أخذت 500 مليون دولار من أمريكا.

        وفي رحلة علي صبري كان نفسي أقول تفاصيلها، ولكن الوقت جاي.

        لازم نكون على بينة من عدونا ومن صديقنا، لا تخافوا من أي شيء، لم يعد هناك شيء يخوفنا إطلاقا، أمرنا في أيدينا، وبرغم الحزن وقفنا وبنينا دولتنا ونظامنا. لم أحتاج طول الفترة الماضية إلى أخذ أي إجراء استثنائي واحد، حاجات كثير جدا كان جمال الله يرحمه عايز الوقت لتنفيذها، وأنا الآن أنفذها، زي تصفية الحراسة. أنا ما عملتش حاجة من عندي، جمال اتخذ قرار تصفية الحراسة، ولكن لم يكن عنده وقت لذلك.

لازم نتوجه كلنا بإيمان وثقة للمعركة القادمة، وإن شاء الله وبعون الله سننتصر.

        كونوا واثقين ثقتكم في وجودكم وفي نصر الله  سبحانه وتعالى، لازم نكون جاهزين لدفع الثمن الكامل، ولكن بإذن الله سوف ننتصر، وزي ما قلت للكتاب إحنا حزنا كتير وتعبنا كتير، وعايزين نعيش والأمل عريض عرض أرضنا، وكل الآمال في صدر كل منا سوف تتحقق، بل نكمل المعركة أولا ونحقق هدفنا.

أيها الإخوة

        أدعو الله سبحانه وتعالى أن يكون لقاؤنا في المرة المقبلة إن شاء الله ونحن نحتفل بالنصر. وأريدكم في هذه المعركة، وأريد من كل فرد منكم أن نكون أوفياء لإيماننا بالله سبحانه وتعالى، وأوفياء لجمال ومعركته ومبادئه، وأوفياء لأمتنا العربية وأوفياء للمبادئ ولكل القيم التي أرادها الله سبحانه وتعالى أن تعمر هذه الأرض. وفقكم الله.

 


المصدر: موسوعه مقاتل من الصحراء على شبكه الانترنت

 

Hosted by YallaHosting