البرنامج العام للدولة الذي قدمه الرئيس أنور السادات، إلى الاجتماع المشترك للجنة المركزية ومجلس الشعب، "ورقة أكتوبر" 18 أبريل 1974
المصدر: "خطب وأحاديث وبيانات، الرئيس محمد أنور السادات، والاتحاد االاشتراكي العربي، اللجنة المركزية، يوليه 1973 - يوليه 1974، ص 227 -253"

          هناك أيام في حياة الأمم لا تقاس بوحدات الزمن، وانما تقدر بوزن ما تفتحه من آفاق وما تتيحه من آمال، وما تلهمه من أفكار وما تلهبه من عزائم، وهى بطبيعتها أيام نادرة لا تعرض للامة الواحدة الا مرة كل عشرات من السنين. والأمم الجديرة بالتقدم والازدهار هى تلك التي تعرف كيف تمسك بالفرصة التى لا تتكرر لكى تشق ما انفتح أمامها من طرق، وتحيل بعملها ما يلوح من أمل الى واقع حى، وتجعل من مجدها صفحات مشرقة من تاريخ البشرية ولا تتركه ومضة خاطفة ليس لها من غد.

          لقد أراد اعداء مصر، أعداء التحرر والتقدم، بعدوان 1967 ابعاد مصر عن مسيرة التقدم، وعزلها عن الأمة العربية مستهدفين أن تنزوى على نفسها تطحنها مشكلات داخلية حقيقية أو مصطنعة فتنسى ماضيها أو تتنكر لرسالتها، وهى التي تهيأ لها من الوقع الجغرافى والطاقات البشرية والتراث الحضارى والروابط القومية ما يؤهلها لتكون في الطليعة بين شعوب العالم المناضلة من أجل الحرية والتقدم والسلام والرخاء.

          وكانت حرب أكتوبر الخالدة هى رد شعب مصر العظيم من خلال أمته العربية المجيدة وبها، وكان ردا على مستوى مصر، تجاوزت آثاره قضيتنا المباشرة لتغير اوضاع المنطقة كلها وتنعكس على الأوضاع العالمية ذاتها.

          حقا أن العالم بعد أكتوبر 1973. كما قلت في مناسبة سابقة، غير العالم قبله.

          كانت إسرائيل بعد 1967 هى القوة المتحكمة في المنطقة، وكان الظن السائد أن العرب لايملكون تغيير هذا الوضع، وكانت السياسات العالمية ترسم وفقا لهذا الفهم. ثم فوجئ العالم كله بقواتنا المسلحة.

تعبر القناة..

          وتحطم خط بارليف...

          وتخوض أضخم معارك الدبابات فى التاريخ في تلاحم كامل مع شقيقتها القوات المسلحة السورية وتكبد العدو أفدح الخسائر..

          والعرب تتوحد كلمتهم دفاعا عن حقهم المشروع.

          وكل القوى المحبة للسلام والعدل تلتف حول القضية العربية.

تغيرت الصورة رأسا على عقب، وأصبح من المتعين على كل الأطراف أن تعيد النظر في سياساتها وفقا للاوضاع الجديدة التي صنعتها دماء الشهداء وتضحيات الأبطال وما سبق ذلك وواكبه وتلاه من تخطيط عسكرى وعمل سياسى ممتاز.

          ان شعبنا العظيم قد خاض تجربة الهزيمة، وعاش سنوات المرارة والتمزق...

          وعاش أيضا تجربة صنع النصر...

          وما كان لهذا كله أن يحدث دون أن نستمد منه طاقات جبارة لبناء مستقبل سعيد.

          لقد كانت سنوات الهزيمة فرصة لامتحان قاس للضمير، ناقشنا فيها أنفسنا، ووضعنا كل جوانب العمل الوطنى تحت مجهر النقد، واستبد بنا التمزق حتى ظهر فى الأفق بعض الاتجاهات الانهزامية تشكك فى كل شيء، وتهون من قدرات هذا الشعب العظيم..

          واسمحوا لى أن أذكركم فى هذا المقام اننى قلت ونحن في ليل الهزيمة فى خطابى بمناسبة عيد أول مايو 1971:

          ((ان علينا أن نجعل من الهزيمة نقطة انطلاق لبناء دولة جديدة)).

          ولم يكن قولى هذا ضربا من التعلل بالآمال، ولكنه كان مبنيا على الايمان العميق بالشعب وصلابته وتفانيه وقدراته الخلاقة، وعلى تقدير موضوعى لتجربتنا الثورية اقنعنى انه بتصحيح مسار الثورة، وتصفية سلبيات التجربة، يمكن أن نبنى بناء شامخا.

وبنفس هذه الثقة، وضد كل دعاوى الهزيمة، وبتجاوز لكل التقديرات المتشائمة، وباحساس عميق بالمسؤلية أمام جماهير الشعب التي التفت من حولى، وبالاشتراك مع أخى رئيس سوريا،

اتخدت قرارى بانهاء حالة اللاسلم واللاحرب، وأصدرت أوامرى للقوات المسلحة المصرية التي كانت تتلهف لتلقيها، فاندفع الألوف من شباب الفلاحين والعمال والمثقفين يملأ الايمان قلوبهم ويحكم الفداء حركتهم.

          وكان القتال المجيد الذى أثبت للعالم كله قدرة القيادة على التخطيط الممتاز والاعداد الدقيق، وقدرة المقاتل المصرى على السيطرة على الأسلحة الحديثة واستخدامها الاستخدام الفعال جنبا الى جنب مع شجاعته النادرة.

          وفى لحظات، كانت مصر كلها خلف القوات المسلحة، يتبارى كل أبنائها فى البذل والعطاء، فى هبة تلقائية لم تترك فردا الا وجذبته. "فاجأ هذا الشعب - الذى اشتهر بحبه للسلام - الأصدقاء والأعداء بقدرته الرائعة على أن يتحول فى لحظات الى شعب مقاتل، لا يتردد امام تضحية، ولا يجفل أمام خطر، ويتبنى كله شعار القوات المسلحة: ((النصر أو الشهادة)).

          ولذلك فانه من الخطأ الجسيم ان نقول عن العبور الظافر أنه معجزة، لأن المعجزة بطبيعتها أمر خارق يفوق الطاقات العادية للبشر ولايمكن تكراره وأنما يجب أن ننظر اليه على انه ذروة للعمل الوطنى علينا ان نتمثل دروسه، لكى نتخذه نمطا ترتفع الى مستواه كل جوانب العمل الوطنى.

          ان أعظم تقدير لايام القتال المجيدة ليس التغنى بها، وأنما استلهام معانيها لكى نحرز فى مختلف مجالات العمل الوطنى ما احرزنا من نجاح في العمل العسكرى.

          ليكن شعارنا دائما أنه ما دمنا قد استطعنا فى ساحة القتال، فانه يجب أن نستطيع بنفس المستوى فى كل مجال.

          أن المقاتلين هم صفوة من أبناء هذا الشعب. وما صنعوه فى مواجهة العدو الشرس الغادرالمدجج بالسلاح يستطيع بناء هذا الشعب أن يصنعوه فى مواقع الانتاج والخدمات، لنقهر التخلف ونتخلص من السلبيات الموروثة ونؤكد بالانجاز أن مصر اكتوبر هى مصر المستقبل.

          ان النصر فى أكتوبر لم يكن مصادفة، ولم يحدث فى غفلة من الزمان كما يريد العدو أن يوحى، وأنما هو ثمرة عوامل كثيرة وأصيلة تجعله أمرا واردا وطبيعيا وليس حدثا فريدا.

ويهمنى أن أذكر من تلك العوامل ما يلى:

1 - الوطنية المصرية:

          ان هذا الشعب قد عاش على هذه البقعة من الأرض يبنى الحضارة لخير البشرية منذ سبعة آلاف عام. توحدت صفوفه منذ فجر التاريخ حتى خلا تاريخه من الحروب القبلية والاقليمية والطائفية. تفتح بصفة عامة على العالم من حوله فأخذ بكل جديد نافع للناس، ولو انغلق على نفسه لعاش فى عزلة قاتلة ولذوت حضارته واندثرت كما اندثرت حضارات كثيرة، ولكنه كان يتلقى كل جديد فيعيد صياغته ويضيف اليه ويضفى عليه الطابع المصرى الخاص.

          ولو لم يفعل ذلك لما احتفظ بشخصيته المتميزة والمستمرة عبر كل التطورات الحضارية التى عاشها. اننا شعب عريق وأصيل، جعل من وطنه أرض السلام والتسامح، وطوع أوضاعه لضرورات التقدم بعيدا عن التعصب البغيض والحقد القاتل والصدام الدموى، لذلك أحب مصر كل من عاش على أرضها وارتوى من نيلها مهما يكن وضعه فيها.

          لقد تعرضت بلادنا للغزو مرات كثيرة، ولكن لم ينجح احد فى أن يطمس حضارتها أو يذهب بمعالم شخصيتها، حتى أولئك الذين نجحوا فى حكمها، سرعان ما كانت تستوعبهم حضارتها، ويمتزجوا بشعبها، ويصبحوا جزءا منه لا يتجزأ.

          أو تلفظهم مصر ولو بعد حين..

          من هذا الماضى المجيد تكونت الوطنية المصرية الجياشة التى لا تعرف التعصب أو التعالى ولكن تجيد الفداء صونا للأرض ودفاعا عن الحق، وتأمينا للبناء والتقدم.

2 - القومية العربية:

          ان شعبنا يؤمن بانتمائه العميق للأمة العربية. وهو يعرف ان قدره التاريخى هو أن يتحمل العبء الأكبر كلما تعرض الوطن العربى الكبير لغزوة غاشمة.

          كان ذلك هو دور مصر في مواجهة التتار..

          وكان دورها فى مواجهة الحملات الصليبية..

          وهو دورها فى مواجهة الغزوة الصهيونية، كما سبق أن أوضحت..

          ولكن الانصاف يقتضى ان نؤكد ان الشعور القومى العربى قد ادى دورا أساسيا في حرب أكتوبر. فعلى راس عوامل النصر فيها نجاحنا فى قتال اسرائيل على جبهتين.

          واننى لانتهز هذه الفرصة لأحيى مرة اخرى اخى الرئيس حافظ الأسد الذى كان له شجاعة مشاركتي فى اتخاذ القرار، وأحيى القوات المسلحة السورية الباسلة والشعب السورى البطل.

          كما ان التفاف الدول العربية حول دول المواجهة وما قدمته من تأييد معنوى ومادى واستخدامها لسلاح البترول، كل ذلك أسهم بلا شك فى تحقيق النصر.

          ان الملوك والرؤساء العرب ومن خلفهم شعوبهم الشقيقة كانوا لنا فى المعركة سندا وأن التحية لجهودهم واجبة، وربما كان من أهم نتائج حرب أكتوبر خروج القومية العربية من حيز الشعار الى حيز العمل المحدد الملموس.

          لقد رفعت حرب أكتوبر من شأن العرب جميعا واصبح العالم كله يعترف بالوجود العربى وبدور العرب ويعمل على كسب ودهم.

          3 - منجزات ثورة يوليو:

          ان شعبنا من ناحية اخرى قدر ظروف حياته منذ يوليو 1952، وعلى مدى الاثنين والعشرين عاما الماضية. ولست هنا فى مقام شرح منجزات الثورة، فقد سبق ان عرضتها في تفصيل هذا المؤتمر القومى للاتحاد الاشتراكى العربى بمناسبة ذكراها العشرين.

          وقد طلبت أكثر من مرة أن يكون هذا العرض موضع دراسة ولا سيما من الشباب الذين لم يعيشوا فترة ما قبل الثورة، حتى يقدروا الأبعاد الحقيقية لما انجزته. كما أننى لا أريد اغفال سلبيات التجربة، بل سأعود للحديث عنها. وانما ما اريد أن اؤكده هو ان التقييم الموضوعى لما حدث يفضى الى نتيجة لا يمكن ان ينازع فيها منصف..

          وهى أن المحصلة النهائية كانت ايجايبة الى حدود بعيدة وعميقة..

          وأريد أن اشير هنا الى بعض الجوانب التى كان لها الارتباط المباشر بمعارك اكتوبر.

          لقد حقق شعبنا فى ظل ثورة يوليو التحرر الوطنى، ليس فقط بطرد الاحتلال البريطانى، ولكن بتحرير الادارة الوطنية من كل مناطق النفوذ..

          عرف شعبنا معنى مصر المستقلة بعد اكتوبر من سبعين عاما من الاحتلال.

          واكتسبنا بأغلى الأثمان حرية تحديد علاقاتنا الخارجية وفقا لمصلحتنا الوطنية، وحرية اتخاذ القرار فى كل ما يمس شئوننا، وفي المقدمة قرار القتال ذاته.. وكان ثمرة هذا الاستقلال ان نجحنا فى كسب صداقات ذات وزن، وأن نحيط مصر بها لة من التعاطف والمودة والتقدير..

          ووجدت مصر مكانها الطبيعى بين أخواتها الدول الأفريقية التي وقفت بجانبنا وقطعت علاقاتها باسرائيل..

          وتولت مصر دورا طليعيا فى حركة عدم الانحياز وحظيت بتأييدها ومدت يد التفاهم والتعاون الى كل الدول التي كانت تستضعفنا ثم صارت على ضوء الواقع الجديد تبدى الرغبة فى التعامل الشريف معنا.

ان النضال من أجل حرية الأرادة الوطنية لا ينتهى بخروج المحتل، ولكنه ممارسة يومية مضنية ومكلفة، وأن كانت ثمارها فى المدى الطويل اعظم بكثير مما يتوهم البعض كسبه من أى تبعية..

كما حقق شعبنا فى ظل الثورة التحرر الإجتماعى..

وربما كان من اعظم منجزات الثورة ان تمت التحولات الاجتماعية الاساسية على اساس سلمى..

ومهما يكن من شأن الأخطاء التي وقعت في التطبيق، فانها تهون بلا شك متى ادركنا ان الثورة بتلك الاجراءات قد أنقذت البلاد من الصدام الطبقى العنيف الذى شهدته وتشهده بلاد كثيرة بل اننى لا أغالى اذا قلت ان الثورة انقذت البلاد من الحرب الأهلية..

لقد رد التحرر الإجتماعى الجماهير المصرية العريضة من فلاحين وعمال معنى الكرامة، ولم يكن المقاتل المصرى يحارب من أجل ارض الآباء والأجداد فحسب، ولكن من أجل مجتمع الكفاية والعدل، ما تحقق منه وما يؤمل في تحقيقه.

كذلك لابد من التأكيد على الدور الذى لعبته التنمية الاقتصادية والاجتماعية فهو دور اساسي في حرب اكتوبر.

فلقد زودت القاعدة الصناعية والانتاج الزراعى والاطار الواسع للخدمات الاجتماعية قواتنا المسلحة بالكثير مما كانت فى حاجة اليه، ولقد لعب القطاع العام الدور الرئيسى في تحقيق الصمود الاقتصادى فى الفترة التى تلت الهزيمة وفي الاعداد للمعركة بانتاجه وبفوائضه المالية وبرجاله من مديرين وفنيين. وعمال تفانوا في العمل من أجل الوفاء باحتياجات الشعب والقوات المسلحة واستمرار التنمية رغم عبء المجهود الحربى.

وفى مجال التنمية الاجتماعية يهمنى ان اشير الى التوسع الكبير فى التعليم الذى جعل من الممكن ان نوفر للقوات المسلحة العدد الكبير من الجنود المؤهلين القادرين على التعامل مع الأسلحة الحديثة، دون ان تتوقف عجلة الانتاج في اى مصنع أو مرفق..

كما يهمنى أن أشير الى تحرير المرأة الذى جعلها بحق شريكا فى النضال التحررى، شاركت فى الانتاج وفى اداء الخدمات، وتولت بشرف رعاية المقاتلين ولا سيما الجرحى وأسر الشهداء.

4 - حركة التصحيح في مايو 1971:

ان حركة التصحيح التي بدأت في مايو 1971، وأن كانت قد عجلت بها مؤامرات بعض مراكز القوى، الا انها كانت في جوهرها امرا ضروريا، حتى نضع شعبنا فى الوضع الأكثر ملاءمة لتحمل اعباء المعركة والمساهمة فى احراز النصر.

فقد كشفت هزيمة يونيو 1967 عن سلبيات كثيرة فى حياتنا، كانت تشوه وجه تجربتنا الثورية الناصع..

ومنذ أفاق الشعب من صدمة النكسة، فلقد بدأ يطالب بالتغيير والتصحيح في الكثير من مجالات حياته، وكانت الرغبة الشعبية العارمة من أجل التصحيح تقاوم من بعض مراكز القوى، التى كان من الصعب عليها ان تتخلى عن سلطاتها، أو تغير أساليبها فى العمل، أو أن تتقبل العلاقات الجديدة التى يطالب بها الشعب بين الحاكم والمحكوم..

وبرغم اننا كنا نعيش في ظل ظروف النكسة، بما تمليه علينا من اعتبارات، وما تضعه على حركتنا من قيود..

وبرغم ان شاغلنا الأول كان الاستعداد لمواجهة عسكرية جديدة مع عدو يحتل ارضنا ويتربص بنا ولا يكف عن تهديدنا فى قلب بلادنا.. الا اننى وجدت انه لا بد من اتخاذ الموقف الحاسم الذى يلبى هذه الرغبة العميقة لدى الشعب، واثقا من فطرة جماهيرنا السليمة، ومن التفاف الشعب حول قيادته خلال معركة المصير.

 كان لابد أن يشعر كل مواطن أنه مسئول عن أقدار بلاده بقدر مسئولية سواه، وأن قضاياه الاساسية تناقش أمامه علانية، وانه لا توجد وصاية تمارس عليه فى الخفاء.

          كان لابد أن يزول الخوف، وأن تختفى بذور الشك، وأن تتراجع الحزازات والاحقاد، وان يحس كل فرد أنه آمن على يومه وغده، على نفسه وأهله ورأيه وماله..

          كان لابد أن يعرف كل مواطن أن الحرب التي هو مقدم عليها، لن تحرر أرضه فقط، ولكنها سوف تحمل له حياة أكرم وأرحب، وقيما أعلى وأرفع، كما سوف تحمل له أملا فى ان يتطلع بحق الى مزيد من الديمقراطية، لن تتحقق له كاملة الا فى وطن قوى عزيز متحرر.

          لهذا لم تقف حركة التصحيح عند حد تنحية مراكز القوى عن الطريق، ولكنها انطلقت الى تحقيق جوهرها الأهم، بالعمل على ارساء سيادة القانون، واعزاز كلمة القضاء، واقامة دولة المؤسسات ووضع الضوابط التى يعرف المواطن من خلالها حقوقه وواجباته بوضوح، ويمارسها فى طمانينة.

          ورغم أن حركة التصحيح، كان لابد ان يقترن بها ما يحدث مع كل خطوة لازالة السدود والقيود، من مناقشات وتيارات وانفعالات، ونحن لا نزال فى ظروف الحرب، الا أننى كنت واثقا من أن ايجابيات هذا الوضع أكثر من محاذيره، وان الوحدة العميقة لهذا الشعب، خصوصا فى ساعات الخطر، سوف تصمد للتجربة، بل سوف تزيدها هذه التجربة مناعة وقوة.

          5 - وضوح الرؤية وتحديد الهدف:

          أن الحرب هى أخطر قرار يمكن أن يواجه قيادة سياسية أو يفرض نفسه على أمة بأكملها، وهى اقسى امتحان يمر به أى مجتمع. ذلك أن ما تخلقه الحرب فى ايام أو شهور من نتائج، ينعكس على حياة الأمة لعدة أجيال وقرون.

          وبالذات، وفى عالم اليوم بحروبه الحديثة الخاطفة، وعلاقاته المعقدة، وموازين القوة المختلفة فيه، وسرعة تلاحق الأفعال وردود الأفعال، وقيمة اللحظات والثوانى خلال غبار المعركة الكثيف.. لابد أن يخضع قرار الحرب لحساب دقيق، وينطلق من عزم قاطع ووضوح فى الرؤية شديد، والمام بعشرات من العناصر العسكرية والسياسية والاقتصادية والنفسية.. المحلى منها والدولى على السواء.

          أن هذه كلها اشياء لا تقل فى تأثيرها على نتيجة الحرب، من قرار بدء القتال ذاته.

          ومع ذلك، فقد سيقت الأمة العربية إلى الحرب مع اسرائيل عدة مرات خلال ربع قرن من الزمان دون أن يكون لهذه الحسابات المستندة الى الواقع وجود، ودون تحديد مسبق لهدف الحرب وغايتها وكل الاحتمالات التى قد تصاحبها. ولذلك كان لابد أن يقع ما وقع مرة بعد مرة، وكان لابد ان يحرم الجندى العربى من فرصة المواجهة الحقيقية فى ساحة القتال.

          وحين نسترجع صفحات ربع قرن من المواجهة العربية الاسرائيلية، نجد كيف ان التفكير العربى العام قد تحكمت فيه بلبلة شديدة عبرت عنها ظواهر كثيرة، من استهتار لا مسئول بقوة الخصم وقوة الذين يساندونه، الى مغالاة مبالغ فيها لهذه القوة وتهيب لها، الى صراعات بين القوى والنظم والتيارات فى العالم العربى، كانت المواجهة مع اسرائيل تستخدم فيها كورقة من أوراق التناحر والصراع.

          كانت المواجهة مع اسرائيل محل مناظرات مستمرة، بدلا من ان تكون محل دراسة وتخطيط حقيقيين. وتحولت القضية الفلسطينية المقدسة من قضية مصير للأمة العربية كلها الى مجرد بند في كل ورقة اتهام يوجهها حكم الى حكم او حزب ضد حزب.

          وفى هذا الجو المحموم، تبددت أكثر من مرة امكانية ايجاد تصور عربى مدروس لاستراتيجية بعيدة المدى فى مواجهة اسرائيل، وانفسح المجال امام المزايدات والمناقصات والتحريض والتنصل، أما الثمن فكان يدفعه الفلسطينيون النازحون أو الرازحون تحت وطأة الاحتلال، بل وتدفعه الأمة العربية بأسرها.

          وكان من شأن هذا الوضع أنه جعل زمام المبادرة دائما فى يد اسرائيل، سياسيا، وعسكريا واعلاميا وكنا نحن الذين نؤخذ دائما على غرة.

 تحاربنا اسرائيل في الوقت الذى تختاره هى، وفى اطار الظروف السياسية التى ترسمها هى، و مع الجو النفسى العالمى الذى تهيؤه هى، وكنا نحن بالتالى لا نتحرك الا على عزف اسرائيل، ولا نتقدم الا الى شرك منصوب.

          ومن حقنا اليوم، ان نقول أن أسلوب تحركنا الذى وصل الى قمته فى 6 أكتوبر، اثبت اننا قد تعلمنا الدرس، واننا استطعنا ان نحسب الحساب، ونرسم الخطة، ونمسك بزمام المبادرة سياسيا وعسكريا لأول مرة منذ قامت اسرائيل.

          ومن حقنا أن نقول ايضا اننا فى أسلوب تحركنا هذا، قد استطعنا أن نرتفع فوق الاستفزازات والفخاخ، وأن نتجاوز المزايدات والمساومات، وأن نخوض لأول مرة معركة عسكرية مصحوبة بكل تصوراتها القتالية والسياسية والنفسية معا.

          كنا لأول مرة نعرف ماذا نريد بالضبط، وكنا مستعدين لما سوف يواجهنا من احتمالات في ساحة القتال أو ساحة السياسة أو ساحة الصراع الدولى. وكانت هذه كلها شروطا أساسية لكى نتيح لقواتنا المسلحة الباسلة الفرصة التي كانت تنتظرها، لكى تخوض المعركة وتحرز النصر.

          ولقد يكون من حقنا ايضا، ان نسجل هنا ملاحظة أخرى عن أهمية وضوح الرؤية واستقلال الارادة والتصميم على الهدف، تتعلق هذه المرة بالظروف التى يمر بها نضالنا الآن، بعد حديثى عن الظروت التى مرت قبل حرب اكتوبر.

          ان معركتنا لم تنته بعد، وان كان النضال من أجلها يتخد أشكالا جديدة كل يوم..

          اننا ازاء مرحلة من أدق مراحل النضال السياسي والعسكرى الحافلة بكل الاحتمالات، مرحلة علينا ان نواجهها بكل ما واجهنا به قرار الحرب والاعداد له، مما ذكرته من حساب دقيق، وعدم النزول الى مستوى المعارك الجانبية، ولا السماح للاستفزازات والمزايدات الكلامية ان تؤثر فى قوة تصميمنا على بلوغ اهدافنا النهائية، عبر طريق نعرف انه صعب.

          لقد سمعنا الكثير قبل الحرب من دعايات اليأس والهزيمة، ولن نلتفت الى نغمات التشكيك التي لا ترقى الى مستوى المهام التى انجزناها فعلا، والمهام التى ما زلنا نتصدى لها، تلك النغمات التى تبخرت تحت شمس اكتوبر العظيم.

          أن هذه الأصوات وأن كانت تحاول أن تجد مواقع للمزايدة، الا أنها صادرة فى ضيقة الأمر عن نفس روح اليأس التى عاشت عليها فى سنوات النكسة.

          هذه الأصوات غير قادرة بعد على ان تستوعب آثار الانتصار، ولا تدرك الآفاق الواسعة التي فتحها أكتوبر أمام امكانيات هذه الأمة لكى تؤثر فى الأحداث، ولكى تصل الى انتزاع كافة حقوقها المشروعة.

          اننا يجب ان نكون مستعدين دائما للاستماع الى كل صوت شريف، وكل اجتهاد مفيد..

          وان القيادات التي كان لها شرف تحمل المسئولية معنا فى شتى الأقطار العربية ما زالت متماسكة متفاهمة على الاهداف العليا، ولكننا لن نسمح لأى قوى تنظر الى الوراء، وتنبع من روح الاحساس بالضعف السابق، وتصرفات القنوط..

          ان علينا أن نحتفظ بايماننا كاملا حتى تأتى تلك الساعة التى تثبت لهؤلاء جميعا ان ما كانوا يظنونه مستحيلا هو فى مقدرونا فعلا، وانهم حين كانوا يرفعون أصواتهم بصيحات التمزق، انما كانوا يؤدون من حيث لا يشعرون خدمة للعدو، وينسا قون لدعاياته.

          واليوم، ونحن نمر بمرحلة حساسة أخرى من النضال، نسمع نفس الأصوات التى تحاول أن تصيب ارادة هذه الأمة بالشلل وتحرمها من حرية الحركة.

          اننا وقد أثبتنا فى ساحة الشرف ما أثبتناه، وقدمنا من دماء شعبنا وجهده وعرقه ما يتحدى كل مزايدة، وأتخذنا من القرارات ما كانوا يجفلون من مواجهتها.. اننا بعد هذا كله لسنا فى حاجة إلى دروس من الذين يفكرون بحناجرهم أو انفعالاتهم وحدها.

          اننا لن نسمح لأصوات التشويش ان تؤثر على وضوح رؤيتنا، تماما كما لا نسمح بان نضيع على هذه الأمة فرصة قطف ثمار ما أنجزته فى أكتوبر العظيم، ولا أن نتحول عن طريق العمل الجاد الذى يشتشعر المسئولية التاريخية، الى دروب ومتاهات لا توصل الى شيء.

أن ذلك الوهم القديم بأن العرب فى كل صدام أو مواجهة هم المستضعفون، يجب ان يزول. لقد زال هذا الوهم من نفوس شعبنا ومن نفوس الكثرة الساحقة من الأمة العربية، وأصبح لدينا من الثقة فى أنفسنا ما يسمح لنا بمواجهة كل الاحتمالات والتحديات.

          ان آثار حرب أكتوبر المجيدة على مسيرة حياتنا، وحياة المنطقة، والعلاقات الدولية في مجملها.. أكثر من أن تحصى فى هذا المجال، وهى بعد انقضاء هذه الشهور ما زالت آثارها تتفتح كل يوم عن جديد. ولا شك أن المجال سوف يكون فسيحا امام هذا الجيل والأجيال المقبلة لاستيعاب أثار هذه الصفحة المجيدة من حياتنا، ودراسة كافة وجوهها.

          على أنه يكفى الاشارة هنا إلى تلك الآثارالمباشرة القريبة الصلة بنا، والتي نستطيع أن نراها من الآن رأى العين.

          لقد أوقفت هذه الحرب.. أخيرا .. المد الصهيونى التوسعى، الذى ظل فى اطراده يحرز المزيد من الأرض أو من النصر مرة كل جيل تقريبا منذ ما يقرب من القرن، حين جاءت اول موجات الهجرة الصهيونية الى فلسطين دون ان يفلح فى ايقافها شيء.

          ومع انتهاء أمل اسرائيل الذى قامت عليه فى التوسع المستمر، والذى كانت تراهن فيه على استمرار العجز العربى، واستمرار اتساع الهوة بين المجتمع الاسرائيلى والمجتمع العربى، بدأت فى اسرائيل ذاتها عملية شاملة لمراجعة النفس، ومراجعة مستقبل تلك المنطلقات التى بنيت العقيدة الصهيونية عليها، والتصور الذى كان سائدا لديهم عن مستقبل دولتهم حتى ليلة الحرب..

          نعم، فحتى ليلة الحرب كانت البرامج الرسمية للأحزاب الإسرائيلية تنص على مزيد من أشكال التوسع وضم الأراضى واقامة المدن والمستعمرات، توهما منهم أن المقاومة العربية قد انعدمت، وأن العرب رغم أصوات الاحتجاج قد اذعنوا للواقع الذى فرض عليهم، كما حدث أكثر من مرة من قبل..

          وتغيرت نظرة العالم الى منطقتنا تغيرا جذريا..

          لقد كانت عناصر القوة العربية الكامنة، بالنسبة للعالم، مجرد احتمال نظرى، بينما كانوا يرون في اسرائيل القوة الفعالة المؤثرة فى رسم مجرى التاريخ فى المنطقة، والكفيلة بتشكيل مستقبله ولكن حرب أكتوبر طرحت الأمكانيات العربية كحقيقة واقعة، لا كمجرد احتمال بعيد، واخذ العالم يشك في الحجج التى بنت عليها اسرائيل وضعها الخاص فى العالم، ومع العالم الغربى بوجه خاص، وصارت أى سلطة وطنية فى أى بلد عربى تشعر بعزة جديدة، ويعاملها العالم معاملة الند للند، آخذا فى حسابه ما اثبتناه فى ساحة الشرف من استعداد للبذل، وما حققناه فى لحظات الخطر من قدرة على التضامن.

          لم يعد العالم العربى غنيمة يختلف الأقوياء على أنصبتهم فيها، أو ترسم مصائرهم فى عواصم بعيدة بل صار طرفا قويا يتحدث عن نفسه بنفسه..

وها نحن نرى الذين كنا نطرق ابوابهم فلا يجيبون قد جاءوا يطرقون أبوابنا، والذين كنا نحدثهم عن قضايانا فيهزون أكتافهم قد اخذوا يسعون الى فهمنا.

          ولعل هذا المعنى هو من أعمق معانى حرب أكتوبر.

          فحرب أكتوبر هى أول حرب بدأناها بارادتنا الخاصة تماما، خارج مخاوف السطوة الاسرائيلية، ونوازع الدول الأجنبية، واعتبارات توازن القوى العالمية..

          لقد كسرنا هذا الطوق، وأثبتنا انه فيما يتعلق ببلادنا وقضايانا نستطيع &