البرنامج العام للدولة الذي قدمه الرئيس أنور السادات، إلى الاجتماع المشترك للجنة المركزية ومجلس الشعب، "ورقة أكتوبر" 18 أبريل 1974
المصدر: "خطب وأحاديث وبيانات، الرئيس محمد أنور السادات، والاتحاد االاشتراكي العربي، اللجنة المركزية، يوليه 1973 - يوليه 1974، ص 227 -253"

          هناك أيام في حياة الأمم لا تقاس بوحدات الزمن، وانما تقدر بوزن ما تفتحه من آفاق وما تتيحه من آمال، وما تلهمه من أفكار وما تلهبه من عزائم، وهى بطبيعتها أيام نادرة لا تعرض للامة الواحدة الا مرة كل عشرات من السنين. والأمم الجديرة بالتقدم والازدهار هى تلك التي تعرف كيف تمسك بالفرصة التى لا تتكرر لكى تشق ما انفتح أمامها من طرق، وتحيل بعملها ما يلوح من أمل الى واقع حى، وتجعل من مجدها صفحات مشرقة من تاريخ البشرية ولا تتركه ومضة خاطفة ليس لها من غد.

          لقد أراد اعداء مصر، أعداء التحرر والتقدم، بعدوان 1967 ابعاد مصر عن مسيرة التقدم، وعزلها عن الأمة العربية مستهدفين أن تنزوى على نفسها تطحنها مشكلات داخلية حقيقية أو مصطنعة فتنسى ماضيها أو تتنكر لرسالتها، وهى التي تهيأ لها من الوقع الجغرافى والطاقات البشرية والتراث الحضارى والروابط القومية ما يؤهلها لتكون في الطليعة بين شعوب العالم المناضلة من أجل الحرية والتقدم والسلام والرخاء.

          وكانت حرب أكتوبر الخالدة هى رد شعب مصر العظيم من خلال أمته العربية المجيدة وبها، وكان ردا على مستوى مصر، تجاوزت آثاره قضيتنا المباشرة لتغير اوضاع المنطقة كلها وتنعكس على الأوضاع العالمية ذاتها.

          حقا أن العالم بعد أكتوبر 1973. كما قلت في مناسبة سابقة، غير العالم قبله.

          كانت إسرائيل بعد 1967 هى القوة المتحكمة في المنطقة، وكان الظن السائد أن العرب لايملكون تغيير هذا الوضع، وكانت السياسات العالمية ترسم وفقا لهذا الفهم. ثم فوجئ العالم كله بقواتنا المسلحة.

تعبر القناة..

          وتحطم خط بارليف...

          وتخوض أضخم معارك الدبابات فى التاريخ في تلاحم كامل مع شقيقتها القوات المسلحة السورية وتكبد العدو أفدح الخسائر..

          والعرب تتوحد كلمتهم دفاعا عن حقهم المشروع.

          وكل القوى المحبة للسلام والعدل تلتف حول القضية العربية.

تغيرت الصورة رأسا على عقب، وأصبح من المتعين على كل الأطراف أن تعيد النظر في سياساتها وفقا للاوضاع الجديدة التي صنعتها دماء الشهداء وتضحيات الأبطال وما سبق ذلك وواكبه وتلاه من تخطيط عسكرى وعمل سياسى ممتاز.

          ان شعبنا العظيم قد خاض تجربة الهزيمة، وعاش سنوات المرارة والتمزق...

          وعاش أيضا تجربة صنع النصر...

          وما كان لهذا كله أن يحدث دون أن نستمد منه طاقات جبارة لبناء مستقبل سعيد.

          لقد كانت سنوات الهزيمة فرصة لامتحان قاس للضمير، ناقشنا فيها أنفسنا، ووضعنا كل جوانب العمل الوطنى تحت مجهر النقد، واستبد بنا التمزق حتى ظهر فى الأفق بعض الاتجاهات الانهزامية تشكك فى كل شيء، وتهون من قدرات هذا الشعب العظيم..

          واسمحوا لى أن أذكركم فى هذا المقام اننى قلت ونحن في ليل الهزيمة فى خطابى بمناسبة عيد أول مايو 1971:

          ((ان علينا أن نجعل من الهزيمة نقطة انطلاق لبناء دولة جديدة)).

          ولم يكن قولى هذا ضربا من التعلل بالآمال، ولكنه كان مبنيا على الايمان العميق بالشعب وصلابته وتفانيه وقدراته الخلاقة، وعلى تقدير موضوعى لتجربتنا الثورية اقنعنى انه بتصحيح مسار الثورة، وتصفية سلبيات التجربة، يمكن أن نبنى بناء شامخا.

وبنفس هذه الثقة، وضد كل دعاوى الهزيمة، وبتجاوز لكل التقديرات المتشائمة، وباحساس عميق بالمسؤلية أمام جماهير الشعب التي التفت من حولى، وبالاشتراك مع أخى رئيس سوريا،

اتخدت قرارى بانهاء حالة اللاسلم واللاحرب، وأصدرت أوامرى للقوات المسلحة المصرية التي كانت تتلهف لتلقيها، فاندفع الألوف من شباب الفلاحين والعمال والمثقفين يملأ الايمان قلوبهم ويحكم الفداء حركتهم.

          وكان القتال المجيد الذى أثبت للعالم كله قدرة القيادة على التخطيط الممتاز والاعداد الدقيق، وقدرة المقاتل المصرى على السيطرة على الأسلحة الحديثة واستخدامها الاستخدام الفعال جنبا الى جنب مع شجاعته النادرة.

          وفى لحظات، كانت مصر كلها خلف القوات المسلحة، يتبارى كل أبنائها فى البذل والعطاء، فى هبة تلقائية لم تترك فردا الا وجذبته. "فاجأ هذا الشعب - الذى اشتهر بحبه للسلام - الأصدقاء والأعداء بقدرته الرائعة على أن يتحول فى لحظات الى شعب مقاتل، لا يتردد امام تضحية، ولا يجفل أمام خطر، ويتبنى كله شعار القوات المسلحة: ((النصر أو الشهادة)).

          ولذلك فانه من الخطأ الجسيم ان نقول عن العبور الظافر أنه معجزة، لأن المعجزة بطبيعتها أمر خارق يفوق الطاقات العادية للبشر ولايمكن تكراره وأنما يجب أن ننظر اليه على انه ذروة للعمل الوطنى علينا ان نتمثل دروسه، لكى نتخذه نمطا ترتفع الى مستواه كل جوانب العمل الوطنى.

          ان أعظم تقدير لايام القتال المجيدة ليس التغنى بها، وأنما استلهام معانيها لكى نحرز فى مختلف مجالات العمل الوطنى ما احرزنا من نجاح في العمل العسكرى.

          ليكن شعارنا دائما أنه ما دمنا قد استطعنا فى ساحة القتال، فانه يجب أن نستطيع بنفس المستوى فى كل مجال.

          أن المقاتلين هم صفوة من أبناء هذا الشعب. وما صنعوه فى مواجهة العدو الشرس الغادرالمدجج بالسلاح يستطيع بناء هذا الشعب أن يصنعوه فى مواقع الانتاج والخدمات، لنقهر التخلف ونتخلص من السلبيات الموروثة ونؤكد بالانجاز أن مصر اكتوبر هى مصر المستقبل.

          ان النصر فى أكتوبر لم يكن مصادفة، ولم يحدث فى غفلة من الزمان كما يريد العدو أن يوحى، وأنما هو ثمرة عوامل كثيرة وأصيلة تجعله أمرا واردا وطبيعيا وليس حدثا فريدا.

ويهمنى أن أذكر من تلك العوامل ما يلى:

1 - الوطنية المصرية:

          ان هذا الشعب قد عاش على هذه البقعة من الأرض يبنى الحضارة لخير البشرية منذ سبعة آلاف عام. توحدت صفوفه منذ فجر التاريخ حتى خلا تاريخه من الحروب القبلية والاقليمية والطائفية. تفتح بصفة عامة على العالم من حوله فأخذ بكل جديد نافع للناس، ولو انغلق على نفسه لعاش فى عزلة قاتلة ولذوت حضارته واندثرت كما اندثرت حضارات كثيرة، ولكنه كان يتلقى كل جديد فيعيد صياغته ويضيف اليه ويضفى عليه الطابع المصرى الخاص.

          ولو لم يفعل ذلك لما احتفظ بشخصيته المتميزة والمستمرة عبر كل التطورات الحضارية التى عاشها. اننا شعب عريق وأصيل، جعل من وطنه أرض السلام والتسامح، وطوع أوضاعه لضرورات التقدم بعيدا عن التعصب البغيض والحقد القاتل والصدام الدموى، لذلك أحب مصر كل من عاش على أرضها وارتوى من نيلها مهما يكن وضعه فيها.

          لقد تعرضت بلادنا للغزو مرات كثيرة، ولكن لم ينجح احد فى أن يطمس حضارتها أو يذهب بمعالم شخصيتها، حتى أولئك الذين نجحوا فى حكمها، سرعان ما كانت تستوعبهم حضارتها، ويمتزجوا بشعبها، ويصبحوا جزءا منه لا يتجزأ.

          أو تلفظهم مصر ولو بعد حين..

          من هذا الماضى المجيد تكونت الوطنية المصرية الجياشة التى لا تعرف التعصب أو التعالى ولكن تجيد الفداء صونا للأرض ودفاعا عن الحق، وتأمينا للبناء والتقدم.

2 - القومية العربية:

          ان شعبنا يؤمن بانتمائه العميق للأمة العربية. وهو يعرف ان قدره التاريخى هو أن يتحمل العبء الأكبر كلما تعرض الوطن العربى الكبير لغزوة غاشمة.

          كان ذلك هو دور مصر في مواجهة التتار..

          وكان دورها فى مواجهة الحملات الصليبية..

          وهو دورها فى مواجهة الغزوة الصهيونية، كما سبق أن أوضحت..

          ولكن الانصاف يقتضى ان نؤكد ان الشعور القومى العربى قد ادى دورا أساسيا في حرب أكتوبر. فعلى راس عوامل النصر فيها نجاحنا فى قتال اسرائيل على جبهتين.

          واننى لانتهز هذه الفرصة لأحيى مرة اخرى اخى الرئيس حافظ الأسد الذى كان له شجاعة مشاركتي فى اتخاذ القرار، وأحيى القوات المسلحة السورية الباسلة والشعب السورى البطل.

          كما ان التفاف الدول العربية حول دول المواجهة وما قدمته من تأييد معنوى ومادى واستخدامها لسلاح البترول، كل ذلك أسهم بلا شك فى تحقيق النصر.

          ان الملوك والرؤساء العرب ومن خلفهم شعوبهم الشقيقة كانوا لنا فى المعركة سندا وأن التحية لجهودهم واجبة، وربما كان من أهم نتائج حرب أكتوبر خروج القومية العربية من حيز الشعار الى حيز العمل المحدد الملموس.

          لقد رفعت حرب أكتوبر من شأن العرب جميعا واصبح العالم كله يعترف بالوجود العربى وبدور العرب ويعمل على كسب ودهم.

          3 - منجزات ثورة يوليو:

          ان شعبنا من ناحية اخرى قدر ظروف حياته منذ يوليو 1952، وعلى مدى الاثنين والعشرين عاما الماضية. ولست هنا فى مقام شرح منجزات الثورة، فقد سبق ان عرضتها في تفصيل هذا المؤتمر القومى للاتحاد الاشتراكى العربى بمناسبة ذكراها العشرين.

          وقد طلبت أكثر من مرة أن يكون هذا العرض موضع دراسة ولا سيما من الشباب الذين لم يعيشوا فترة ما قبل الثورة، حتى يقدروا الأبعاد الحقيقية لما انجزته. كما أننى لا أريد اغفال سلبيات التجربة، بل سأعود للحديث عنها. وانما ما اريد أن اؤكده هو ان التقييم الموضوعى لما حدث يفضى الى نتيجة لا يمكن ان ينازع فيها منصف..

          وهى أن المحصلة النهائية كانت ايجايبة الى حدود بعيدة وعميقة..

          وأريد أن اشير هنا الى بعض الجوانب التى كان لها الارتباط المباشر بمعارك اكتوبر.

          لقد حقق شعبنا فى ظل ثورة يوليو التحرر الوطنى، ليس فقط بطرد الاحتلال البريطانى، ولكن بتحرير الادارة الوطنية من كل مناطق النفوذ..

          عرف شعبنا معنى مصر المستقلة بعد اكتوبر من سبعين عاما من الاحتلال.

          واكتسبنا بأغلى الأثمان حرية تحديد علاقاتنا الخارجية وفقا لمصلحتنا الوطنية، وحرية اتخاذ القرار فى كل ما يمس شئوننا، وفي المقدمة قرار القتال ذاته.. وكان ثمرة هذا الاستقلال ان نجحنا فى كسب صداقات ذات وزن، وأن نحيط مصر بها لة من التعاطف والمودة والتقدير..

          ووجدت مصر مكانها الطبيعى بين أخواتها الدول الأفريقية التي وقفت بجانبنا وقطعت علاقاتها باسرائيل..

          وتولت مصر دورا طليعيا فى حركة عدم الانحياز وحظيت بتأييدها ومدت يد التفاهم والتعاون الى كل الدول التي كانت تستضعفنا ثم صارت على ضوء الواقع الجديد تبدى الرغبة فى التعامل الشريف معنا.

ان النضال من أجل حرية الأرادة الوطنية لا ينتهى بخروج المحتل، ولكنه ممارسة يومية مضنية ومكلفة، وأن كانت ثمارها فى المدى الطويل اعظم بكثير مما يتوهم البعض كسبه من أى تبعية..

كما حقق شعبنا فى ظل الثورة التحرر الإجتماعى..

وربما كان من اعظم منجزات الثورة ان تمت التحولات الاجتماعية الاساسية على اساس سلمى..

ومهما يكن من شأن الأخطاء التي وقعت في التطبيق، فانها تهون بلا شك متى ادركنا ان الثورة بتلك الاجراءات قد أنقذت البلاد من الصدام الطبقى العنيف الذى شهدته وتشهده بلاد كثيرة بل اننى لا أغالى اذا قلت ان الثورة انقذت البلاد من الحرب الأهلية..

لقد رد التحرر الإجتماعى الجماهير المصرية العريضة من فلاحين وعمال معنى الكرامة، ولم يكن المقاتل المصرى يحارب من أجل ارض الآباء والأجداد فحسب، ولكن من أجل مجتمع الكفاية والعدل، ما تحقق منه وما يؤمل في تحقيقه.

كذلك لابد من التأكيد على الدور الذى لعبته التنمية الاقتصادية والاجتماعية فهو دور اساسي في حرب اكتوبر.

فلقد زودت القاعدة الصناعية والانتاج الزراعى والاطار الواسع للخدمات الاجتماعية قواتنا المسلحة بالكثير مما كانت فى حاجة اليه، ولقد لعب القطاع العام الدور الرئيسى في تحقيق الصمود الاقتصادى فى الفترة التى تلت الهزيمة وفي الاعداد للمعركة بانتاجه وبفوائضه المالية وبرجاله من مديرين وفنيين. وعمال تفانوا في العمل من أجل الوفاء باحتياجات الشعب والقوات المسلحة واستمرار التنمية رغم عبء المجهود الحربى.

وفى مجال التنمية الاجتماعية يهمنى ان اشير الى التوسع الكبير فى التعليم الذى جعل من الممكن ان نوفر للقوات المسلحة العدد الكبير من الجنود المؤهلين القادرين على التعامل مع الأسلحة الحديثة، دون ان تتوقف عجلة الانتاج في اى مصنع أو مرفق..

كما يهمنى أن أشير الى تحرير المرأة الذى جعلها بحق شريكا فى النضال التحررى، شاركت فى الانتاج وفى اداء الخدمات، وتولت بشرف رعاية المقاتلين ولا سيما الجرحى وأسر الشهداء.

4 - حركة التصحيح في مايو 1971:

ان حركة التصحيح التي بدأت في مايو 1971، وأن كانت قد عجلت بها مؤامرات بعض مراكز القوى، الا انها كانت في جوهرها امرا ضروريا، حتى نضع شعبنا فى الوضع الأكثر ملاءمة لتحمل اعباء المعركة والمساهمة فى احراز النصر.

فقد كشفت هزيمة يونيو 1967 عن سلبيات كثيرة فى حياتنا، كانت تشوه وجه تجربتنا الثورية الناصع..

ومنذ أفاق الشعب من صدمة النكسة، فلقد بدأ يطالب بالتغيير والتصحيح في الكثير من مجالات حياته، وكانت الرغبة الشعبية العارمة من أجل التصحيح تقاوم من بعض مراكز القوى، التى كان من الصعب عليها ان تتخلى عن سلطاتها، أو تغير أساليبها فى العمل، أو أن تتقبل العلاقات الجديدة التى يطالب بها الشعب بين الحاكم والمحكوم..

وبرغم اننا كنا نعيش في ظل ظروف النكسة، بما تمليه علينا من اعتبارات، وما تضعه على حركتنا من قيود..

وبرغم ان شاغلنا الأول كان الاستعداد لمواجهة عسكرية جديدة مع عدو يحتل ارضنا ويتربص بنا ولا يكف عن تهديدنا فى قلب بلادنا.. الا اننى وجدت انه لا بد من اتخاذ الموقف الحاسم الذى يلبى هذه الرغبة العميقة لدى الشعب، واثقا من فطرة جماهيرنا السليمة، ومن التفاف الشعب حول قيادته خلال معركة المصير.

 كان لابد أن يشعر كل مواطن أنه مسئول عن أقدار بلاده بقدر مسئولية سواه، وأن قضاياه الاساسية تناقش أمامه علانية، وانه لا توجد وصاية تمارس عليه فى الخفاء.

          كان لابد أن يزول الخوف، وأن تختفى بذور الشك، وأن تتراجع الحزازات والاحقاد، وان يحس كل فرد أنه آمن على يومه وغده، على نفسه وأهله ورأيه وماله..

          كان لابد أن يعرف كل مواطن أن الحرب التي هو مقدم عليها، لن تحرر أرضه فقط، ولكنها سوف تحمل له حياة أكرم وأرحب، وقيما أعلى وأرفع، كما سوف تحمل له أملا فى ان يتطلع بحق الى مزيد من الديمقراطية، لن تتحقق له كاملة الا فى وطن قوى عزيز متحرر.

          لهذا لم تقف حركة التصحيح عند حد تنحية مراكز القوى عن الطريق، ولكنها انطلقت الى تحقيق جوهرها الأهم، بالعمل على ارساء سيادة القانون، واعزاز كلمة القضاء، واقامة دولة المؤسسات ووضع الضوابط التى يعرف المواطن من خلالها حقوقه وواجباته بوضوح، ويمارسها فى طمانينة.

          ورغم أن حركة التصحيح، كان لابد ان يقترن بها ما يحدث مع كل خطوة لازالة السدود والقيود، من مناقشات وتيارات وانفعالات، ونحن لا نزال فى ظروف الحرب، الا أننى كنت واثقا من أن ايجابيات هذا الوضع أكثر من محاذيره، وان الوحدة العميقة لهذا الشعب، خصوصا فى ساعات الخطر، سوف تصمد للتجربة، بل سوف تزيدها هذه التجربة مناعة وقوة.

          5 - وضوح الرؤية وتحديد الهدف:

          أن الحرب هى أخطر قرار يمكن أن يواجه قيادة سياسية أو يفرض نفسه على أمة بأكملها، وهى اقسى امتحان يمر به أى مجتمع. ذلك أن ما تخلقه الحرب فى ايام أو شهور من نتائج، ينعكس على حياة الأمة لعدة أجيال وقرون.

          وبالذات، وفى عالم اليوم بحروبه الحديثة الخاطفة، وعلاقاته المعقدة، وموازين القوة المختلفة فيه، وسرعة تلاحق الأفعال وردود الأفعال، وقيمة اللحظات والثوانى خلال غبار المعركة الكثيف.. لابد أن يخضع قرار الحرب لحساب دقيق، وينطلق من عزم قاطع ووضوح فى الرؤية شديد، والمام بعشرات من العناصر العسكرية والسياسية والاقتصادية والنفسية.. المحلى منها والدولى على السواء.

          أن هذه كلها اشياء لا تقل فى تأثيرها على نتيجة الحرب، من قرار بدء القتال ذاته.

          ومع ذلك، فقد سيقت الأمة العربية إلى الحرب مع اسرائيل عدة مرات خلال ربع قرن من الزمان دون أن يكون لهذه الحسابات المستندة الى الواقع وجود، ودون تحديد مسبق لهدف الحرب وغايتها وكل الاحتمالات التى قد تصاحبها. ولذلك كان لابد أن يقع ما وقع مرة بعد مرة، وكان لابد ان يحرم الجندى العربى من فرصة المواجهة الحقيقية فى ساحة القتال.

          وحين نسترجع صفحات ربع قرن من المواجهة العربية الاسرائيلية، نجد كيف ان التفكير العربى العام قد تحكمت فيه بلبلة شديدة عبرت عنها ظواهر كثيرة، من استهتار لا مسئول بقوة الخصم وقوة الذين يساندونه، الى مغالاة مبالغ فيها لهذه القوة وتهيب لها، الى صراعات بين القوى والنظم والتيارات فى العالم العربى، كانت المواجهة مع اسرائيل تستخدم فيها كورقة من أوراق التناحر والصراع.

          كانت المواجهة مع اسرائيل محل مناظرات مستمرة، بدلا من ان تكون محل دراسة وتخطيط حقيقيين. وتحولت القضية الفلسطينية المقدسة من قضية مصير للأمة العربية كلها الى مجرد بند في كل ورقة اتهام يوجهها حكم الى حكم او حزب ضد حزب.

          وفى هذا الجو المحموم، تبددت أكثر من مرة امكانية ايجاد تصور عربى مدروس لاستراتيجية بعيدة المدى فى مواجهة اسرائيل، وانفسح المجال امام المزايدات والمناقصات والتحريض والتنصل، أما الثمن فكان يدفعه الفلسطينيون النازحون أو الرازحون تحت وطأة الاحتلال، بل وتدفعه الأمة العربية بأسرها.

          وكان من شأن هذا الوضع أنه جعل زمام المبادرة دائما فى يد اسرائيل، سياسيا، وعسكريا واعلاميا وكنا نحن الذين نؤخذ دائما على غرة.

 تحاربنا اسرائيل في الوقت الذى تختاره هى، وفى اطار الظروف السياسية التى ترسمها هى، و مع الجو النفسى العالمى الذى تهيؤه هى، وكنا نحن بالتالى لا نتحرك الا على عزف اسرائيل، ولا نتقدم الا الى شرك منصوب.

          ومن حقنا اليوم، ان نقول أن أسلوب تحركنا الذى وصل الى قمته فى 6 أكتوبر، اثبت اننا قد تعلمنا الدرس، واننا استطعنا ان نحسب الحساب، ونرسم الخطة، ونمسك بزمام المبادرة سياسيا وعسكريا لأول مرة منذ قامت اسرائيل.

          ومن حقنا أن نقول ايضا اننا فى أسلوب تحركنا هذا، قد استطعنا أن نرتفع فوق الاستفزازات والفخاخ، وأن نتجاوز المزايدات والمساومات، وأن نخوض لأول مرة معركة عسكرية مصحوبة بكل تصوراتها القتالية والسياسية والنفسية معا.

          كنا لأول مرة نعرف ماذا نريد بالضبط، وكنا مستعدين لما سوف يواجهنا من احتمالات في ساحة القتال أو ساحة السياسة أو ساحة الصراع الدولى. وكانت هذه كلها شروطا أساسية لكى نتيح لقواتنا المسلحة الباسلة الفرصة التي كانت تنتظرها، لكى تخوض المعركة وتحرز النصر.

          ولقد يكون من حقنا ايضا، ان نسجل هنا ملاحظة أخرى عن أهمية وضوح الرؤية واستقلال الارادة والتصميم على الهدف، تتعلق هذه المرة بالظروف التى يمر بها نضالنا الآن، بعد حديثى عن الظروت التى مرت قبل حرب اكتوبر.

          ان معركتنا لم تنته بعد، وان كان النضال من أجلها يتخد أشكالا جديدة كل يوم..

          اننا ازاء مرحلة من أدق مراحل النضال السياسي والعسكرى الحافلة بكل الاحتمالات، مرحلة علينا ان نواجهها بكل ما واجهنا به قرار الحرب والاعداد له، مما ذكرته من حساب دقيق، وعدم النزول الى مستوى المعارك الجانبية، ولا السماح للاستفزازات والمزايدات الكلامية ان تؤثر فى قوة تصميمنا على بلوغ اهدافنا النهائية، عبر طريق نعرف انه صعب.

          لقد سمعنا الكثير قبل الحرب من دعايات اليأس والهزيمة، ولن نلتفت الى نغمات التشكيك التي لا ترقى الى مستوى المهام التى انجزناها فعلا، والمهام التى ما زلنا نتصدى لها، تلك النغمات التى تبخرت تحت شمس اكتوبر العظيم.

          أن هذه الأصوات وأن كانت تحاول أن تجد مواقع للمزايدة، الا أنها صادرة فى ضيقة الأمر عن نفس روح اليأس التى عاشت عليها فى سنوات النكسة.

          هذه الأصوات غير قادرة بعد على ان تستوعب آثار الانتصار، ولا تدرك الآفاق الواسعة التي فتحها أكتوبر أمام امكانيات هذه الأمة لكى تؤثر فى الأحداث، ولكى تصل الى انتزاع كافة حقوقها المشروعة.

          اننا يجب ان نكون مستعدين دائما للاستماع الى كل صوت شريف، وكل اجتهاد مفيد..

          وان القيادات التي كان لها شرف تحمل المسئولية معنا فى شتى الأقطار العربية ما زالت متماسكة متفاهمة على الاهداف العليا، ولكننا لن نسمح لأى قوى تنظر الى الوراء، وتنبع من روح الاحساس بالضعف السابق، وتصرفات القنوط..

          ان علينا أن نحتفظ بايماننا كاملا حتى تأتى تلك الساعة التى تثبت لهؤلاء جميعا ان ما كانوا يظنونه مستحيلا هو فى مقدرونا فعلا، وانهم حين كانوا يرفعون أصواتهم بصيحات التمزق، انما كانوا يؤدون من حيث لا يشعرون خدمة للعدو، وينسا قون لدعاياته.

          واليوم، ونحن نمر بمرحلة حساسة أخرى من النضال، نسمع نفس الأصوات التى تحاول أن تصيب ارادة هذه الأمة بالشلل وتحرمها من حرية الحركة.

          اننا وقد أثبتنا فى ساحة الشرف ما أثبتناه، وقدمنا من دماء شعبنا وجهده وعرقه ما يتحدى كل مزايدة، وأتخذنا من القرارات ما كانوا يجفلون من مواجهتها.. اننا بعد هذا كله لسنا فى حاجة إلى دروس من الذين يفكرون بحناجرهم أو انفعالاتهم وحدها.

          اننا لن نسمح لأصوات التشويش ان تؤثر على وضوح رؤيتنا، تماما كما لا نسمح بان نضيع على هذه الأمة فرصة قطف ثمار ما أنجزته فى أكتوبر العظيم، ولا أن نتحول عن طريق العمل الجاد الذى يشتشعر المسئولية التاريخية، الى دروب ومتاهات لا توصل الى شيء.

أن ذلك الوهم القديم بأن العرب فى كل صدام أو مواجهة هم المستضعفون، يجب ان يزول. لقد زال هذا الوهم من نفوس شعبنا ومن نفوس الكثرة الساحقة من الأمة العربية، وأصبح لدينا من الثقة فى أنفسنا ما يسمح لنا بمواجهة كل الاحتمالات والتحديات.

          ان آثار حرب أكتوبر المجيدة على مسيرة حياتنا، وحياة المنطقة، والعلاقات الدولية في مجملها.. أكثر من أن تحصى فى هذا المجال، وهى بعد انقضاء هذه الشهور ما زالت آثارها تتفتح كل يوم عن جديد. ولا شك أن المجال سوف يكون فسيحا امام هذا الجيل والأجيال المقبلة لاستيعاب أثار هذه الصفحة المجيدة من حياتنا، ودراسة كافة وجوهها.

          على أنه يكفى الاشارة هنا إلى تلك الآثارالمباشرة القريبة الصلة بنا، والتي نستطيع أن نراها من الآن رأى العين.

          لقد أوقفت هذه الحرب.. أخيرا .. المد الصهيونى التوسعى، الذى ظل فى اطراده يحرز المزيد من الأرض أو من النصر مرة كل جيل تقريبا منذ ما يقرب من القرن، حين جاءت اول موجات الهجرة الصهيونية الى فلسطين دون ان يفلح فى ايقافها شيء.

          ومع انتهاء أمل اسرائيل الذى قامت عليه فى التوسع المستمر، والذى كانت تراهن فيه على استمرار العجز العربى، واستمرار اتساع الهوة بين المجتمع الاسرائيلى والمجتمع العربى، بدأت فى اسرائيل ذاتها عملية شاملة لمراجعة النفس، ومراجعة مستقبل تلك المنطلقات التى بنيت العقيدة الصهيونية عليها، والتصور الذى كان سائدا لديهم عن مستقبل دولتهم حتى ليلة الحرب..

          نعم، فحتى ليلة الحرب كانت البرامج الرسمية للأحزاب الإسرائيلية تنص على مزيد من أشكال التوسع وضم الأراضى واقامة المدن والمستعمرات، توهما منهم أن المقاومة العربية قد انعدمت، وأن العرب رغم أصوات الاحتجاج قد اذعنوا للواقع الذى فرض عليهم، كما حدث أكثر من مرة من قبل..

          وتغيرت نظرة العالم الى منطقتنا تغيرا جذريا..

          لقد كانت عناصر القوة العربية الكامنة، بالنسبة للعالم، مجرد احتمال نظرى، بينما كانوا يرون في اسرائيل القوة الفعالة المؤثرة فى رسم مجرى التاريخ فى المنطقة، والكفيلة بتشكيل مستقبله ولكن حرب أكتوبر طرحت الأمكانيات العربية كحقيقة واقعة، لا كمجرد احتمال بعيد، واخذ العالم يشك في الحجج التى بنت عليها اسرائيل وضعها الخاص فى العالم، ومع العالم الغربى بوجه خاص، وصارت أى سلطة وطنية فى أى بلد عربى تشعر بعزة جديدة، ويعاملها العالم معاملة الند للند، آخذا فى حسابه ما اثبتناه فى ساحة الشرف من استعداد للبذل، وما حققناه فى لحظات الخطر من قدرة على التضامن.

          لم يعد العالم العربى غنيمة يختلف الأقوياء على أنصبتهم فيها، أو ترسم مصائرهم فى عواصم بعيدة بل صار طرفا قويا يتحدث عن نفسه بنفسه..

وها نحن نرى الذين كنا نطرق ابوابهم فلا يجيبون قد جاءوا يطرقون أبوابنا، والذين كنا نحدثهم عن قضايانا فيهزون أكتافهم قد اخذوا يسعون الى فهمنا.

          ولعل هذا المعنى هو من أعمق معانى حرب أكتوبر.

          فحرب أكتوبر هى أول حرب بدأناها بارادتنا الخاصة تماما، خارج مخاوف السطوة الاسرائيلية، ونوازع الدول الأجنبية، واعتبارات توازن القوى العالمية..

          لقد كسرنا هذا الطوق، وأثبتنا انه فيما يتعلق ببلادنا وقضايانا نستطيع ان نختار اختيارا حرا ونفرض ارادتنا.

          أن الفرصة التى كان العالم العربى يبحث عنها منذ يقظته فى العصر الحديث قد صارت متاحة، ولم يعد عليه الا أن يدرك قيمتها ومغزاها، ويمسك بها، ويرتفع الى مستوى متطلباتها.

  لقد أجمعت الآراء على أن يكون رمضان أكتوبر العظيم منطلقا لمرحلة جديدة فى العمل الوطنى نندفع فيها نحوا التقدم بمعدلات قتاله الرائعة، ولا يتأتي هذا اذا فصلنا النتائج عن الأسباب، بل علينا أن نعرف عوامل القوة التي جعلت النصر ممكنا لندعمها ونعمقها، وأن نكشف عن مواطن النقص والقصور لتصفيتها بروح رمضان أكتوبر العظيم.

معالم الطريق

          اننا حين نقول بأننا نواجه بعد اكتوبر مسئوليات مرحلة جديدة فى حياتنا، فاننا يجب أن نسجل فى نفس الوقت أننا لا نبدأ من فراغ، بل ان خلفنا تجربة غنية علينا ان نفحصها، فنضع اليد على كل ما هو ايجابى فيها لنطوره ونضيف اليه، وعلى كل ما هو سلبى يعوق حركتنا فنتخلص منه..

          أن شعبنا لا يمكن أن يكون قد خاض تجربة الهزيمة والنصر، دون ان يستمد منها ما يغير به حياته نحو ما هو أفضل للغالبية العظمى من أبنائه، ولكن هذا التغير لا يجب ان يكون قفزة فى المجهول، ولا عودة الى الوراء، ولا جهودا مبعثرة فى اتجاهات متعارضة، بل ان علينا ان نعرف على وجه الدقة أين نحن وإلى أين نسير..

          علينا أن نحدد أهدافنا، ونبين معالم الطريق اليها على أسس صريحة ومحددة وواضحة.

          ولكى نحدد أين نحن والى أين نسير، علينا أن نقف وقفة سريعة عند سؤال هام، ربما كان شباب هذا الجيل بوجه خاص اكثر حاجة الى اجابة واضحة عنه، هو: كيف ننظر الى الماضى، وكيف ننظر الى المستقبل؟

          ان تاريخ الأمم التى تتقدم هو التاريخ المتصل الحلقات، وليس المقطع الأوصال.

          والأمم التى تتنكر لتاريخها، ونضال اجيالها المتوالية، أمم غير جديرة بتراثها، فضلا عن انها تضيع على نفسها الكثير من ثمار ما انجزته، ولا تدع للأجيال الصاعدة حافزا كافيا للمضى في الطريق، وتحمل المسئوليات الجديدة.

          على ان هذا لا يمنع من التمعن فيما حدث بنظرة ناقدة فاحصة، ولكنها نظرة النقد النزيه والتحليل الصحيح، لا نظرة الحقد الذى يهدم ولا يبنى.

          واذا كنا نحن فى مصر بالذات، من الشعوب التى تعتز بتاريخها الطويل الفذ، وبتميزه بعناصر الاستمرار التى صمدت عبر القرون للمحن والتقلبات، واستوعبت كل الصدمات، محتفظة بجوهرها الأصيل، وصفاتها الحضارية الراسخة.. فنحن اولى ان تكون نظرتنا الى تاريخنا هى نظرة تقييم الايجابيات والسلبيات، نظرة البناء لا الهدم، والبدء من ارضية المكاسب السابقة التى حققها النضال للانطلاق الى آفاق جديدة.

          وبهذا المعنى، فان ثورة 23 يوليو المجيدة، التى كان لى شرف النضال فى مراحل التمهيد لها، وتحمل مخاطرة اعلان قيامهما، والمشاركة فى مسئولية المعارك التى خاضتها.. كانت وستظل من اهم الأحداث التى غيرت وجه الحياة فى مصر منذ قرون.

          واذا كانت الأجيال الجديدة تأخذ منجزات هذه الثورة وثمارها ومبادئها المستقرة مأخذ البديهيات السهلة، فان الأمر لم يكن كذلك عندما اختمرت هذه الثورة فى أرض مصر، ومن ظروفها، ثم انبثقت لتغير وجه الحياة فيها.. وذلك كله فى وجه مخاطر وصعاب، اذا كانت تبدو اليوم فى عين الأجيال الصاعدة هينة، فما ذلك الا لأن جيلا سابقا قد ناضل ضدها، وواجه مخاطرها بشجاعة، حتى دحرها..

          لقد عاشت مصر قرونا طويلة يحكمها نظامان ثابتان وان اختلفت الوجوه والمظاهر: نظام اقطاعى، ونظام استعمارى.

وحتى نهاية الحرب العالمية الثانية، ورغم الثورات والانتفاضات الوطنية المتوالية، الا أن هذين النظامين بقيا بشكل أو بآخر يحددان نوع العلاقات الاجتماعية فى مصر، ونمط النشاط الإقتصادى فيها، وأى أيد يتركز فيها الثراء الناتج من عرق الشعب بأكمله، وحظ ابنائها المحدود فى توجيه سياسة بلادهم.

          وقد كان هناك على الدوام نضال وطنى حاد لم ينقطع.

    ولكن مصر مع ذلك دخلت النصف الثاني من القرن العشرين وقد بدأ أن الطرق أمامها مسدودة، فالانجليز ما زالوا بعد ثمانين سنة يحتلون مصر، والحريات السياسية شكلية، والمشاكل الاجتماعية تتفاقم ازاء تزايد السكان وتعاظم التطلعات وعدم وجود اى تفكير فى التنمية، والأحزاب التقليدية عاجزة عن استيعاب الأفكار الجديدة. وتشكيل أى حكومة مصرية أو سقوطها رهن برغبة السفير البريطانى. وكان لا بد ان تهب النزعات المتطرفة من كل اتجاه، وان تقع انقسامات خطيرة في صفوف الشعب، تهدد بتمزق حاد فى نسيجه الوطنى.

          وقامت ثورة 23 يوليو تكسر الحلقة المفرغة، وتفتح آفاقا جديدة أمام العمل الوطنى.

          لقد تطهرت الأرض المصرية لأول مرة منذ قرون من سلطة الأجنبى.

          وحكم الشعب المصرى لأول مرة منذ الفى سنة رجال من ابنائه.

          وتوالت عبر السنين تلك الاجراءات التاريخية: من قانون الاصلاح الزراعى، الى تأميم قناة السويس، الى انشاء القطاع العام، ووضع برامج التنمية، واقامة المصانع بالمئات، واقامة الدولة الاشتراكية التى تتلاءم مع تراثنا وظروفنا، وواقعنا، والتي هى فى جوهرها تلك الدولة التى تعتبر نفسها مسئولة عن كل ابنائها، الضعيف منهم قبل القوى، مسئولة عن منحه فرصة متكافئة، وتأمين حقه فى العمل، وتوفير الخدمات اللازمة له، وتحصينه بمظلة من التأمينات العلاجية والضمانات الاجتماعية، لن تتوقف عن الاتساع حتى تشمل كل المواطنين.

          ان ما يراه المواطن الآن حقا طبيعيا له يطالب به الدولة فى شتى المجالات من التعليم الى فرصة العمل الى تحسين الخدمات، لم يكن له من قبل وجود، ولم لايكن يدخل فى فكر السلطة أو يرد بين مسئولياتها.

          ان ما يراه المواطن اليوم من هذا العدد الضخم من الخبراء والفنيين والعمال الصناعيين والمديرين، ومئات المصانع التى تنتج ألاف السلع، ومن برامج متوالية للتنمية، لم يكن له وجود، ولم يكن يدخل  فكر السلطة أو يرد بين مسئولياتها.

          واذا كنا نجد اليوم ان مطالب الشعب وتطلعاته تتزايد، وان شعوره ينمو بضرورة محاسبة القطاع العام والمرافق العامة والخدمات بشتى أنواعها، فما ذلك الا لأن الدولة منذ الثورة والتحولات الاجتماعية التي ادخلتها، قد وضعت نفسها فى هذا الموضع الجديد الذى صارت فيه مسئولة، باسم المجتمع. وهذا عنصر من أهم عناصر التحول الذى حدث. ومن يضع نفسه فى موضع المسئولية عليه أن يعرف أنه يضع نفسه بذلك أيضا فى موضع النقد.

          لقد نقلت ثورة 23 يوليو بلادنا من عصر الى عصر، وغيرت خريطة مصر الاجتماعية تغييرا عميقا وحاسما، وأوجدت قوى اجتماعية هامة لم تكن موجودة من قبل أو كان وجودها هامشيا باهتا غير محسوس..

          وكان طبيعيا ان يقترن هذا بتعاظم تطلعات الشعب بشتى فئاته، بعد ان خرج من الركود الى الحركة ومن العزلة الى المشاركة، ولكن هذا بعض ثمن التقدم، ومن نتائجه التي علينا ان نوجهها ونتحمل مسئولياتهـا الجديدة. ومن يضع نفسه وفكره في اطار الماضي،  يفقد الصلة بصورة الحاضر الاجتماعى الجديد لمصر، ولا يصبح بالتالى قادرا على المساهمة فى تفهم المستقبل.

          لقد كان علينا أن نواجه عدة ثورات معا، هبت على كل البلاد النامية دفعة واحدة، ولم تأت واحدة بعد اخرى حول حقبة زمنية طويلة كما حدث فى البلاد التي سبقتنا الى التقدم: ثورة الاستقلال الوطنى وثورة العدل الاجتماعى. ثورة العام والتكنولوجيا. ثورة وسائل الاتصال والمعرفة الحديثة التي جعلت كل مواطن مهما كان موقعه من الدنيا يشعر أن من حقه ان ينال قسطا من ثمار التقدم الانسانى ولو كان فى بلاد بعيدة.

          كان على ثورتنا ان تواجه هذا كله، وان تندفع بالمجتمع الى الأمام، دون أن تعرضه للتمزقات الدموية التي تعرضت لها بلاد كثيرة وهى تحاول عبور هذه المرحلة.

          ونستطيع ان نقول ان ثورة 23 يوليو قد حققت خلال هذا كله الكثير من الأهداف، بالقليل من الخسائر. وفي اطار القارات الثلاث التي نتنمى إليها ، ما زالت انجازاتنا تأتي في المقدمة.

  على أنه من المهم جداً تقديري - ونحن بصدد تحديد أين نحن الآن وإلى أين نسير- أن أسجل أن نجاح الثورة النهائي - أى ثورة - هو حين، تتحول الى نظام واستقرار.

          ان من طبيعة الثورات، وهى تمارس عملية، تغير حادة  وضرورية في المجتمع أن تقترن بالكثير من الاجراءات الاستثنائية التي لا مفر منها، ذلك أن الثورة حدث لا يقع كل يوم ولا كل جيل، انه حدث استثنائى يصبح حتميا حين تتوافر أسبابه وتتراكم دوافعه، وتسد كل وسائل التغير الأخرى في وجه الجماهير، وهو بالتالى حدث يتعامل مع مختلف المصالح والآراء والخلفيات والارتباطات، ويتم عبر غبار كثيف حيث يدور الهدم والبناء والتنقيب والاصلاح.

          ولكن الثورة مهما حققت من نجاحات، فان النجاح الأخير لها هو وصولها الى تحقيق أهدافها. هو ان ينقشع الغبار عن صورة البناء الجديد. هو حين يشعر الشعب ان مؤسساتها قد اتضحت معالمها، وان قوانينها العامة قد تبلورت وأن مبادئها الأساسية صارت جزءا من ضمير الشعب. وان العلاقات السياسية والاجتماعية والاقتصادية الجديدة قد أخذت طريقها الى الاستقرار.

          بهذا تصل الثورة الى بر الأمان. انها ساعتئذ تصبح نظاما للحياة، ومجموعة سائدة من القيم والمبادئ، تستمد استقرارها من هندستها الداخلية وتناسقهـا الذاتى واتساعها لآمال الجماهير وحركتها. وليس من اجراءات استثنائية تحميها.

          وليس معنى ذلك انه قد تم حل كل مشاكل الجماهيروا والوفاء بكل متطلباتها، فان متطلبات كل مجتمع ومشاكله تتطور من يوم ليوم الى غير ماحد، وتحتاج الى نشاط مستمر لمواجهتها، ولكن معناه اننا عرفنا معالم الطريق، وأرسينا المنطلقات التي منها نتحرك لمواجهة هذه المشاكل والمتطلبات.

          وليس معنى ذلك أيضا اننا قد وضعنا اطارات جامدة غير قابلة للتطوير، ان هذا ضد قوانين الحياة. وسوف يظل لكل منا فكره ازاء الظروف المتغيرة، واجتهاده فيها، ولكن النقاش والتفاعل والوصول الى القرارات، صارت له قنواته المعروفة المستقرة. حتى تغيير القوانين صارت له وسائله الدستورية المحددة، كما يحدث فى كل المجتمعات.

          وهنا اقول ايضا ان حركة التصحيح كانت تستمد ينابيعها من هذا الاحساس بوصول الثورة الى مرحلة النظام والاستقرار، ولذلك كان جوهرها: تراجع الإجراءات الاستثنائية بشتي صورها، واستقرار القوانين والنظم والمؤسسات والعلاقات فى اطارات واضحة المعالم معروفة مسبقا للمواطن، يمارس من خلالها نشاطاته السياسية والاقتصادية والاجتماعية، من اجل تحقيق ذاته وتطوير حياته باستمرار.

          واذا أردت بعد هذه الاجابة عن سؤال: أين نحن، ان أجيب على الشق الثانى وهو: الى أين نسير، لقلت انه يجب علينا ان نتحرك فى اتجاهين:

          الأول: تخليص تجربتنا الوطنية من كل السلبيات التى شابتها أو عاقت حركتها.

          والثانى: ان نوائم بين حركة العمل الوطنى وبين الظروف الجديدة التى نعيشها ويعيشها العالم من حولنا.

          اما عن الاتجاه الأول، فيهمنى بادئ ذى بدء ان أكرر ما قلته مرات عدة من اننى شريك فى المسئولية عن كل ما وقع فى مصر منذ 23 يوليو 1952 حتى الآن، ومن موقع المسئولية هذا امارس النقد الذاتى للتجربة، وأمارسه بكل اطمئنان لا يمانى العميق بأن محصلة التجربة ايجابية تماما، وثقتى بأن نظامنا الوطنى التقدمى قد رسخت قدماه واستقر فى وجدان الشعب بحيث لا يمكن ان ينال من أسسه النقد النزيه، بل ان مثل هذا النقد يكسبه قوة وحيوية ويجعله أكثر قدرة على التصدى للمهام العظيمة التى تنتظر شعبنا والتي تتطلع لها الجماهير العريضة. وفى هذا الصدد لا اتردد في القول بأن منجزاتنا الكبيرة كانت تنسحب عليها فى كثير من الأحيان سحابة قاتمة نتيجة لفقدان سيادة القانون ولقصور الديمقراطية السياسية. ولقد قال الميثاق:

          ((ان الديمقراطية هى الحرية السياسية، والاشتراكية هى الحرية الاجتماعية، ولا يمكن الفصل بين الأثنتين، انهما جناحا الحرية الحقيقية وبدونهما أو بدون أى منهما لا تستطيع الحرية ان تحلق الى آفاق الغد المرتقب)).

 واذا كانت الثورة قد انجزت الكثير فى مجال الحرية الاجتماعية، فاننا بكل أمانة لابد ان نسلم ان جانب الحرية السياسية لم يتحقق على الوجه الذى يريده الشعب. بل لقد فرضت الأجهزة ومراكز القوى وصايتها على الجماهير وتعددت القيود والاجراءات، بل وصل الأمر الى حد صرف اجراءات التحول الاجتماعى عن هدفها الانسانى الأصيل واستغلالها لارضاء احقاد شخصية أو مصالح مجموعات معينة.

          وبدعوى الدفاع عن الاشتراكية تارة، وعن أمن الدولة تارة أخرى، أغلقت كثير من الأبواب، وسدت مسالك كان يجب أن تفتح أمام العمل الوطني. أن من حق كل مواطن ان يأمن على نفسه وعلى رأيه وعلى عمله وعلى كسبه المشروع. الأصل فى كل مواطن افتراض أمانته ما لم يثبت القضاء تطبيقا للقانون، انه أخطأ فى حق غيره أو فى حق المجتمع.

          أن شعبنا بالغ رشيد لا يحتاج لوصاية أحد. ومن هنا كان عملى الدؤوب على تصفية مراكز القوى، وعلى تحقيق سيادة القانون، واقامة دولة المؤسسات، وتأمين المواطن على يومه وغده.

          اننى أؤمن بأنه لا معنى للحرية السياسة بالنسبة للجائع الذى يضطرالى بيع صوته فى الانتخابات، ولكننى أؤمن أيضا بأنه لا جدوى للقمة العيش اذا فقد الانسان أهم ما يميزه وهو الحرية السياسية.

          واليوم وبعد انتصار اكتوبر، وتأكيد وحدة الصف الوطني، وارتفاع المواطنين الى مستوى المسئولية، لا بد من ان نؤكد معني الحرية السياسية جنبا الى جنب مع الحرية الاجتماعية.

          ولهذا اتخذت قرارى برفع الرقابة عن الصحف، ونحن لا نخشى الخلاف في الرأى ولا النقاش الحر ولا التعبير عن المصالح المختلفة القوى الشعب العامل ما دام كل ذلك يدور فى الإطارات المشروعة التى نرتضيها ولا يستهدف غير مصلحة مصر وخير شعبنا. أننا نقدم في جراة على تصفية القيود على الحرية من مواقع الثقة بالجماهير وبوعيها الوطنى الممتاز، ونريد أن نخلص المجتمع من كل المظاهر التى تعبرعن الريبة في المواطن أو تنال من انسانيته أو كرامته أو التي تجعل مصر تنغلق على نفسها على خلاف طبيعتها.

          ولكن، ليكن واضحا اننا نبني ولا نهدم، نصحح ولا نحطم، نطور وندعم كل ما هو ايجابي بقدر ما نصفى ما هو سلبى، نكشف الأخطاء في غير مغالاة، ونرفض كل محاولة لتركيز الأضواء كلها على الجوانب السلبية حتى تختفى من الصورة كل الجوانب المشرقة.

          ان من حق شبابنا بالذات ان يدرك هذا التقييم الموضوعى للتجربة ليعرف بالدقة ماذا حقق جيلنا، وماذا كان مقدار جهده، وما تعرض له العمل الوطنى من نواقص ليتخذ عن اقتناع مكانه الطليعى فى حركة العمل الوطنى بدل ان تمزقه التيارات التى تحاول ان تنكر التجربة جملة وتفصيلا.

          أما عن الاتجاه الثاني وهو أن نوائم بين حركة العمل الوطنى وبين الظروف الجديدة التى نعيشها ويعيشها العالم من حولنا، فاننى أود أن اقول ان أسلوب العمل الوطني يجب ان يتغير بتغيرالظروف التي يواجهها في ظل التمسك بالمبادئ الجوهرية التي أرتضاها الشعب. ونحن في 1974 علينا أن نأخذ بعين الاعتبار تغيرات كثيرة شهدها واقعنا المحلى ومنطقتنا العربية والعالم كله. واذا كان منهاجنا الأساسى هو حرية الادراة الوطنية في اتخاذ القرار وفي صياغة المستقبل، فان الممارسة الفعالة لهذه الحرية تقتضى حسابا دقيقا لكل ما يحيط بنا من ظروف لنقرر لأنفسنا ما هو خليق فعلا بتحقيق أهدافنا فى البناء والتقدم. وفي تقديرى ان نقطة البدء هنا هى ما تغير في مصر، فنحن لم نعد نتلقى سلبيا نتائح متغيرات خارجية، بل فسح أكتوبر العظيم عهدا جديدا من شأنه أن يمكن مصر من أن تؤثر بدورها في حركة التطور بالمنطقة، بل وبالتعاون مع اخواتنا من البلاد العربية ان نؤثر فى السياسة العالمية.

          اننا يجب الا ننسى لحظة واحدة ان مصر قوة اقتصادية وسياسية وعسكرية لها وزنها ويعمل حسابها.

          ان مصر تتمتع بنظام سياسي واقتصادى واجتماعى مستقر قد صقلته التجارب، وأثبت قدرته على مواجهة الاحداث، كما أثبت قدرته على الفهم العميق لحقائق العصر وتطلعات البشرية نحو السلام والرخاء والتعاون.

 ومصر بما أنجزته حتى الآن من تنمية، وما يمكن ان تنجزه باذن الله فى السنوات القليلة القادمة، وبكل امكانياتها البشرية، وبموقعها الجغرافي وتقدمها الحضارى تعتبر قطبا اقتصاديا رئيسيا في افريقيا والشرق الأوسط.

          والقوات المسلحة المصرية بما اكتسبته من خبرة وما خاضته من تجارب وما وصلت اليه من مستوى، أصبحت كفيلة بحماية أهداف العمل الوطنى وردع كل معتد. ولكل ذلك فان علينا ان ننفض كل عقد الخوف وان نتعامل مع العالم أجمع في ثقة بالنفس واطمئنان الى قدرتنا على الحفاظ على استقلالنا السياسي والاقتصادى وما أرتضيناه لأنفسنا من نظام اجتماعى من خلال أوسع أشكال التعارف مع كل من يبدى الرغبة فى التعاون معنا.

          اننا نمد يد التعاون من مركز القوة وليس من مركز الضعف، من موقع الثقة لا من موقع الخوف.

          ان كل النوايا الطيبة التى كنا نبديها قبل اكتوبر ظلت ذات أثر محدود. أما اليوم، وقد اثبتت مصر ما هى قادرة عليه، فان الصورة تتغير وعلينا ان نأخذ هذا التغير فى الحسبان.

          ثم ان واقع الوطن العربى قد تغير. فقد نجح العرب لأول مرة فى الالتقاء الفعال على اعمال محددة رغم اية خلافات سياسية أو اجتماعية. وتأكد للعرب من خلال المعركة قيمة ما لديهم من مصادر ثروة طبيعية، لا من حيث انها تتحول الى اموال، ولكن من حيث انها سلاح اساسى فى التفاوض مع كل الأطراف، ومن حيث انها تسهل الاسراع بعملية التقدم العربى الشامل.

          لقد أصبحت ثروات العرب الطبيعية مصدر قوة لهم بعد ان كانت سببا للطمع فيهم، ونضجت فى الوقت نفسه فكرة القومية العربية فخرجت في اطار الشعارات الحماسية التى يختلف الناس حولها أكثر مما يتفقون لتتجه نحو الإجراءات العملية الممكنة رغم الاختلاف فى مسائل أخرى كثيرة. ومصر وهى القلب من الوطن العربى، عليها ان تتولى مسؤلياتها فى صون هذا الاتجاه البناء ودعمه وتطويره ولا سيما فى مجال التعاون الاقتصادى.

          ان الوحدة السياسية كهدف أخير لم تفقد أهميتها، ولكن ربما كان أهم ما يجب ان ندركه اليوم هو ان الطريق اليها قد يكون طويلا، وانما علينا ان نسير فيه وألا نضيع فرصة للتعاون الا استثمرناها، وان نستفيد من تجربة الأمم من ان تشابك المصالح الاقتصادية هو الأساس المادى لكل وحدة سياسية ناجحة، والأمر المؤكد والذى يجب ان يتحقق هو ان التعاون الاقتصادى يمكن ان يثمر ويتعاظم رغم اختلاف النظم السياسية والاجتماعية، وان رفض هذا التعاون باسم القفز الى ((الهدف الأسمى)) لا يفعل اكثر من تعميق التجزئة..

          ونحن نعيش من ناحية ثالثة هبة لدول العالم الثالث التى تريد ان تأخذ مكانها تحت الشمس، وهى التى تضم أكثر من ثلثى البشرية. واذا كانت الستينات من هذا القرن - على اثر باندونج - حقبة الاستقلال السياسى بحيث لم يبق للاستعمار الا بعض الجيوب التى تناضل شعوبها من أجل التحرر، فان السبعينات هى حقبة محاولة تعميق الاستقلال السياسي وتحقيق الاستقلال الاقتصادى والبحث عن سبل التعاون الوثيق بين الدول التي تواجه جمي مشكلات التنمية المعقدة والتى تعلم اليوم أن حل تلك المشكلات يقتضي الجهد العرق كما يستلزم التأزر فى مواجهة الأغنياء الأقوياء في هذا العالم. ان الدول النامية أخذت بعد حرب اكتوبر تحس بأنها تملك عناصر قوة تتمثل فى مواردها من المواد الأولية وان صوتها في المجتمع الدولى يجب أن يسمع، وان مصيرها يجب ان يتحدد بمعرفتها وليس بقرارات تؤخذ فى غيبتها، وأول ما يمسنا فى حركة العالم النامى هو حركة الدول الإفريقية الشقيقة. فنحن ننتمى لهذه القارة، مصر ناضلت من أجل تضامن دولها وشاركت فى تأسيس منظمة الوحدة الافريقية، والدول الافريقية الأعضاء فى جامعة الدول العربية تضم أكثر من ثلث سكان افريقيا. فالروابط متعددة، والمصالح مشتركة..

          ومصر لن تنسى وقفة افريقيا إلى جوارها، وهى لابد أن تستجيب ليد التعاون التى تمدها شعوب افريقيا وان تأخذ مكانها الطبيعي بينها..

          ومجموعة دول عدم الإنحياز التى كانت مصر من مؤسسيها تقوم أساسا على دول العالم الثالث، وهى فى مجموعها قد بذلت لنا التأييد، ونحن نستمد قوة من حركتها ونشارك فى أمالها التى تتمثل فى تحقيق تنمية سريعة وشروط عادلة فى التعامل مع الدول الغنية، وكلمة مسموعة فى الشئون الدولية. وقد وفقنا الله الى جمع كلمة الدول الاسلامية - وكلها من دول العالم الثالث - فى مؤتمر لاهور حول

مساندة القضية العربية وتنمية التعاون بينها، ومعنى هذا كله اننا ننتمى الى مجموعات كبرى من دول العالم تمثل أغلبية البشرية وتشاركنا آمالنا، نجد فيها عضدا لنا، وعلينا ان نتعاون معها.

          وأخيرا فان حركة المجتمع الدولى قد خرجت من جو الحرب الباردة وما فرضته من حدود وقيود، وبدأت العلاقات الدولية مرحلة اعادة تشكيل كاملة. فأوروبا الغربية تحاول توحيد كلمتها لتكون قوة اقتصادية وسياسية تعوض ما فقدته دولها منفردة من نفوذ كدول كبرى، واليابان بعد نجاحها الاقتصادى الضخم تدخل حلبة السياسة الدولية. ودول اوروبا شرقيها وغربيها تعمل على تصفية ما بينها من خلافات وتمهد لمؤتمر يجمعها جميعا ويضع أسس اتفاق للأمن الأوروبى. والصين قد خرجت من العزلة التي فرضت عليها وأخذت وضعها كاحدى الدول الخمس الكبرى فى مجلس الأمن. والاتحاد السوفيتى والولايات المتحدة قد أعلنا استبدال سياسة المفاوضة بسياسة المواجهة، ولم يقتصر الأمر بينهما على نبذ اساليب الحرب الباردة، وانما امتد الى تنسيق التعاون السياسي والاقتصادى والاتفاق على حلول مشتركة لأهم القضايا الدولية..

          وعلينا ان نحدد موقعنا من صورة هذه العلاقات الدولية الجديدة.

وليكن واضحا تماما ان أكبر خطر يدهم دولة في مثل هذه الظروف هو الدخول فى مناطق النفوذ. وبالعكس فان دولة مثل مصر بوسعها اليوم ان تمد خطوط التعاون الدولى فى اتجاهات متعددة وأن تستفيد من كل الفرص التى يتيحها الوضع العالمى الجديد مدركين ان قوتنا الذاتية وروابطنا العربية وعلاقاتنا الافريقية وانتماءنا لحركة عدم الانحياز أسلحة اساسية فى أيدينا لنرعى مصالحنا وندافع عن حقوقنا ونحول دون ان يتم أى اتفاق على حسابنا.

          القضية اذن بالنسبة لنا هى تطوير العمل الوطنى ليتخلص من السلبيات وليستفيد من المتغييرات.

          ومن هنا كانت الحاجة الى هذه الوثيقة التى تحدد معالم الطريق.

          لقد أرجف الذين زعموا أننا نريد ان نلغى الميثاق او ان نعدل عن اشتراكيتنا.

          ان وثائق الثورة لا تنسخ بعضها ولكنها تكمل بعضها البعض. لقد قلت فى خطابى في 28 سبتمبر الماضى: اننى أؤمن بالاشتراكية وبأنها الحل الوحيد لمشكلة التقدم. ومبادئ الميثاق الأساسية قد استقرت فى دستورنا الدائم ولا يملك أحد تعديل الدستور الا باجراءات طويلة وبعد استفتاء شعبى.

          ان المادة الأولى من الدستور تعلن ان: جمهورية مصر العربية دولة نظامها ديمقراطى اشتراكى يقوم على تحالف قوى الشعب العاملة".

          والمادة الرابعة تعود فتؤكد ان "الأساس الاقتصادى لجمهورية مصر العربية هو النظام الاشتراكى القائم على الكفاية والعدل بما يحول دون الاستغلال ويهدف الى تذويب الفوارق بين الطبقات"

والمادة 26 تنص على حقوق العمال فى الادارة والأرباح.

والمادة 37 تحمى اجراءات الاصلاح الزراعى.

          والمادة 30 تنص على دعم القطاع العام وعلى أنه "يقود التقدم فى جميع المجالات ويتحمل المسئولية الرئيسية فى خطة التنمية".

          وبعد، فاننا نرفض دعاوى الجمود باسم التمسك بالمبادئ. فنحن الذين صنعنا مبادئنا ونحن القادرون على تطبيقها التطبيق المناسب للظروف الجديدة، ولكننا نرفض بنفس القوة الدعوة الى التخلى عن المبادئ التى ارتضاها شعبنا بحجة تغير الظروف فالمبادئ الأساسية لا تتغير بتغير والا لما كانت ترقى لمستوى المبادئ، وانما الذي يجب ان يتغير هو التطبيق وهذا ما نحن بصدده.

مهام المرحلة
أو استراتيجية حضارية شاملة

          ان المرحلة التي نبدؤها فى سنة 1974، وبعد أكتوبر المجيد، هى مرحلة التقدم والبناء. بناء القوة الذاتية لمصر، وتحقيق التقدم المطرد للغالبية العظمى من أبنائها.

          لقد علمتنا حرب اكتوبر ان قوتنا الذاتية هى التى حركت الموقف كله، وغيرت صورة الواقع الذى كان مفروضا علينا، وجعلت من المتاح اليوم ما كان مستحيلا بالأمس. وستظل قواتنا الذاتية هى القاعدة الصلبة لحركتنا الحرة، والركيزة القوية لدورنا العربى والافريقى والدولى. ولا أعنى بالقوة الذاتية مجرد مظاهرها المادية من استعداد عسكرى وبناء اقتصادى، وانما أعنى بصورة أشمل القوة الحضارية للمجتمع ككل. فالمجتمع القوى هو الذى يتحرر من الفقر والأمية، ومن الاستغلال والتحكم. المجتمع الذى يسعد ابناؤه بالانتماء اليه، والذى لا يض ان يخشى أن يعيش مفتوحا، ينعم برياح الحرية.

          ان معركة أكتوبر قد وحدت صفوف الشعب على مستوى لم يسبق له مثيل. وعلينا أن نستخدم هذه التعبئة الشاملة لكل القوى الوطنية على اختلاف منابعها الفكرية ومواقعها الاجتماعية، لنخوض حربا فاصلة ضد بقايا التخلف، ونبدأ فى أسرع وقت مرحلة الانطلاق.

          فمعركة البناء لا تقل مشقة وتعقيدا عن معركة العبور، وهى مثلها تحتاج الى التخطيط الدقيق والعمل الشاق وروح التضحية والعطاء.

          وقد اثبت شعبنا فى حرب اكتوبر، على مرأى ومسمع من الدنيا كلها، ان لديه بطولة احتمال الأيام الشاقة، ومواجهة اللحظات المصيرية الحاسمة، كأعلى ما تكون البطولة. وبقى أن نثبت جميعا، في معركة التقدم والبناء، تلك البطولة الأخرى: بطولة العمل اليومى الشاق، والمثابرة الدؤوبة، من أجل تحقيق مجتمع الكفاية والعدل.

          وفى تقديرى ان المهمة التى صارت مطروحة علينا الآن، لا تقل عن رسم استراتيجية حضارية شاملة لحركة مجتمعنا الى الأمام. استراتيجية حضارية شاملة من اجل بناء دولة عصرية ومجتمع حديث، تغطى كل مجال فى حياتنا..

          بدءا من القيم التي يجب ان تتوفر لانساننا الجديد.

          الى عاقاته الاجتماعية ومستوى رخائه المادى.

          الى اطار حديث للدولة التي يعيش فيها والمؤسسات التى ينشط  من خلالها... مع توفير أساس متين لقوة هذه الدولة سياسيا واقتصاديا وعسكريا.

          ان الوقت المتاح لنا قصير. وسنة الفين، يفصلنا عنها سوى ربع قرن. لقد انسحب الاستعمار بأشكاله القديمة، وزال الجمود العقائدى، وتسارع التقدم الانسانى بصورة لم يسبق لها مثيل. وصار الخطر الحقيقي على اى أمة هو أن تتعثر خطواتها فى الخروج من دائرة التخلف، أو أن تقوم فى العالم علاقات حضارية غير متكافئة، تزيد الاقوياء قوة والضعفاء ضعفا.

          ولقد تبدو مهمة رسم استراتيجية حضارية شاملة، ووضعها موضع التنفيذ، مهمة بالغة التشعب والتعقيد، ولكنها ليست مهمة مستحيلة اذا وهبنا أنفسنا جميعا لها. ذلك ان بلادنا صار لديها رصيد مجيد من التجربة، وذخيرة لا تنفد من الخبرات والكفاءات والامكانيات، ولو استطعنا ان نضع كل من لدينا وما لدينا فى ساحة هذه المهمة، واتجهنا بها فى الاتجاه الصحيح، فاننى واثق من قدرتنا على انجازها.

          ان الرد على صعوبة المهمة هو ان نعمل جميعا. وان نعمل فى اتساق. اتساق يخلقه اتفاقنا على الأهداف العليا، وتمسكنا بالمؤسسات التى اقمناها، وحوارنا الديمقراطى المسئول حول استخلاص امثل السبل وأسرعها.

          وفى اطار هذه الاستراتيجية الحضارية الشاملة، أريد ان أركز هنا على بعض معالمها، وعلى ابرز مهام المرحلة الجديدة:

- التنمية الاقتصادية:

          لقد قلت قبل حرب اكتوبر بأيام وفى ذكرى عبد الناصر- وكنت قد أصدرت امر القتال وتحركت الاداة العسكرية بالفعل - ان المهمة التى تلى المعركة مباشرة من حيث الأهمية هى مهمة التنمية الاقتصادية. ذلك ان التنمية بالنسبة لنا قضية حياة أو موت، قضية ان نعيش هذا الربع الأخير من القرن العشرين أو ان تجذبنا أغلال التخلف، ونجاحنا في معركة التنمية هو الذى سيحدد كل أوضاعنا المحلية والدولية.

          وقضية التنمية تكتسب اليوم وضعا أكثر أهمية بسبب المعركة ضد العدوان، فقد تحمل الاقتصاد المصرى منذ 1967 ما يزيد عن خمسة آلاف مليون جنيه انفاقا عسكريا مباشرا، وتحمل من الخسائر ومن فرص الربح التى ضاعت بسبب العدوان ما يقارب هذا المبلغ. أى ان الشعب المصرى قد تحمل فى سبيل ردع العدوان أكثر من عشرة آلاف مليون جنيه، فضلا عن أرواح شهدائه التى لا تقدر بثمن. ولم يكن الشعب المصرى يدفع هذا الثمن دفاعا عن نفسه فقط، ولكن دفاعا عن الأمة العربية كلها التى تهددها الغزوة الصهيونية. بل اننى استطيع ان أقول ان نضالنا هذا كان من أجل البشرية التى ترغب فى أن تعيش فى سلام قائم على العدل، وفى أن نضع حدا لسياسة الفتح والضم، وأن نؤكد حق الشعوب فى تقرير مصيرها. ولذلك، فاننا نتوقع ان يستمر ويتدعم ما لقيناه من تأييد خلال المعركة، ليكون سندا فى مرحلة التعمير واعادة البناء.

          ان عبء الانفاق العسكرى قد هبط بمعدل التنمية فى مصر من 7.6% وهى النسبة التى سادت الفترة من 1956- 1965 الى اقل من 5% سنويا. وكان افدح ما اصاب الاقتصاد المصرى فى هذه الفترة هو التخلف فى عمليات الاحلال والتجديد في المرافق الأساسية والوحدات الانتاجية والخدمات، مما يلقى على اقتصادنا فى المرحلة المقبلة عبئا ضخما فى المجال وحده. أما تعمير المناطق التى أصابها العدوان بشكل مباشر فان التقديرات الأولية قد تجاوزت ثلاثة آلاف مليون جنيه. وليس فى هذا كله جديد. كل الدول التى خاضت حروبا مثلنا لكى تحمى مستقبلها كله من العدوان تعرف ان فترة ما بعد الحرب تفرض تضحيات وجهودا لا تقل عن تلك التى فرضتها الحرب ذاتها، وعلينا اذن ونحن نواجه مشكلات الحياة اليومية ان نتذكر دائما هذه الحقيقة. وان ندرك ان الرخاء يحتاج منا الى عمل كثير وطويل وشاق.

          والسبيل الأساسى لمواجهة هذا كله هو الارتفاع السريع بمعدلات التنمية، فما نحققه من تنمية فى عام، يزيد من قدراتنا فى العام التالى. ولذلك فان هدف الارتفاع بمعدلات التنمية الى اعلى مما كانت عليه قبل 1965 هو الهدف الأول والحيوى والضرورى فى مرحلة التقدم والبناء.

          ونحن من اجل تحقيق هذا الهدف محتاجون ان ندفع الى العمل. وبأقصى طاقة، كل ما يتوفر لدينا من محركات الانتاج وعناصره فى شتى المجالات.

          ان لدينا قطاعات الاقتصاد القومى الثلاثة: القطاع العام، والقطاع الخاص، والقطاع التعاونى. وبسياسة الانفتاح الاقتصادى يتسع المجال امام الاستثمارات العربية والأجنبية. وهذا كله فى اطار من التخطيط الذى يرسم أهداف استراتيجية لتغيير صورة البلاد تغييرا جذريا، ويضع الخطط التفصيلية التى تكفل تحقيق هذه الاهداف.

          اما عن القطاع العام، فقد سبق ان قلت انه:

          "بما توافر له من وضع قيادى فى اقتصادنا القومى كان الأداة الفعالة فى التنمية. وبفضله تحققت الزيادة الضخمة فى الانتاج، وقامت المشروعات الكبرى. ومن عائده استمر تمويل التنمية. وهو الذى حقق الصمود الاقتصادى بعد العدوان"

          ولا شك ان تجربة القطاع العام قد شابتها بعض الشوائب. فقد تسللت البيروقراطية الادارية الى الكثير من مواقعه، وتحمل القطاع العام عبء ضم مرافق ما كان لها ان تدخل فيه، ولا طاقة لأجهزته على ادارتها، سواء لتبعثرها، أو صغر حجمها، أو لأنها مما يحسن تركه للقطاع الخاص، لأنه لا يمثل أهمية اقتصادية تتفق مع جوهر مهمة القطاع العام. كذلك فان بعض قرارات الضم الى القطاع العام قد دفعت اليها نزعة عقابية شوهت فكرة القطاع العام التى لا تمت الى العقاب بصلة. ثم انه كان عليه  أن يستوعب ويتحمل الكثير مما يمت بصلة الى مشاكل قومية أخرى فهو الذى دفع ثمن أخذنا بسياسة العمالة الكاملة، وتثبيت الكثير من اسعار السلع لتكون فى متناول يد الجماهير.

على اننى اود أن أؤكد أن تجربة القطاع العام فى التحليل الأخير ايجابية تماما. وما يحدث احيانا من انحرافات أو قصور في الاداء لا يجوز أن يطمس في اذهاننا الصورة الحقيقة لمنجزات القطاع العام ولكفاءة رجاله الذين شكلتهم تجربته بمئات الآلاف من مديرين وخبراء وفنيين وعمال، يعدون الآن ثروة قومية تعتد بها البلاد، ورصيدا ضخما في بناء مستقبلها.

          اننا نريد للقطاع العام مزيدا من الترشيد، ومزيدا من الانطلاق، ومزيدا من التخلص من المعوقات والأساليب التى تقلل كفاءته. وتلك مهمة اساسية علينا ان ننهض بها دون تأخير.

          ودور القطاع العام فى المرحلة المقبلة بالغ الأهمية.

          ففى ظل سياسة الانفتاح، وتشجيع القطاع الخاص والاستثمار العربى والاجنبى، يظل القطاع العام هو الأداة الاساسية لتنفيذ أى خطة للتنمية، وهو الذى يتولى المشروعات الأساسية التى لا يقدم عليها غيره. ذلك ان القطاع العام هو وحده الذى يمكن ان تلزمه الخطة الزاما مباشرا، فى حين أن التخطيط للقطاعات الأخرى له معنى مختلف، ويتم بأساليب غير مباشرة كالضرائب والائتمان والأسعار والحوافز والاعفاءات.

          كما أن القطاع العام يظل الأداة الأساسية للتعيير عن الارادة الوطنية فى تشكيل اقتصادنا القومى.

          انه الضمان الرئيسى لأن القرارات الاقصادية الهامة قرارات مصرية، تعبر بالفعل عن استقلال مصر الاقتصادى، فى اطار القوانين الثابتة التى تكفل الاستقرار لسائر القطاعات، ودون اللجوء الى سياسة الأجراءات الاستثنائة التى تم العدول عنها.

          ثم ان القطاع العام، خصوصا فى البلاد النامية، هو الذى يقدم للقطاع الخاص وللاستثمارات الأجنبية خدمات لا يمكن الاستغناء عنها. فالاستثمارات لا تتجه إلى البلاد التى تفقد مقومات البيئة الاستثمارية اللازمة: انما تتجه الى البلاد التي تتوفر فيها هذه البيئة من هياكل انتاجية كافية، ومرافق حيوية، ودرجة كافية من التصنيع وخبرات فنية محلية، وايدى عاملة ماهرة.. وكلها عناصر لعب القطاع العام الدور الاساسى فى تشييدها وايجادها فى مصر على نطاق غير متوفر في كثير من البلاد الأخرى النامية.

          أن القطاع العام ظاهرة معروفة فى كل البلاد. وهو عندنا، السند القوى الذى نستند اليه لننفتح اقتصاديا بغير عقد، وفى حرية حركة كاملة.

          على أن كل عمل جاد من أجل التنمية، لابد له من الاستفادة من كل الموارد الطبيعية والبشرية المصرية، بالاستفادة من كل مبادرة فردية خلاقة، وتشغيل كل طاقة قادرة على العطاء وترشيد الاستهلاك عن طريق ايجاد مجالات انتاجية تتجه اليها المدخرات وتشجيع على المزيد من الادخار، وفى هذا المجال هناك دور كبير يستطيع القطاع الخاص والقطاع التعاونى ان يقوما به.

          ان مواثيق الثورة واضحة من حيث انها لا تدعو الى التأميم الشامل، ولا تقصر الساحة على القطاع العام، انما تقرر مبدأ سيطرة الشعب على وسائل الانتاج الأساسية، بمعنى ضمان استخدام تلك الوسائل لصالح التنمية، في ظل الكفاية والعدل. ولذلك فان للقطاع العام دورا هاما فى التنمية، ولا بد من أن نقر بأننا لم نف دائما باحتياجاته، ولم نوفر له كل الظروف التى تشجعه على مضاعفة نشاطه الانتاجى. ثم ان تعاقب القرارات والتصرفات المتناقضة بشانه قد عطل فاعليته كطاقة انتاجية، فصرفه الى استثمارات طفيلية، أو أوجد لدى اصحابه أنماطا استهلاكية مسرفة، حين كانوا لا يجدون سبيلا الى استثمار ما لديهم في انتاج مستقر. وقد آن الأوان لأن تختفى هذه الظروف نهائيا، وأن يجد القطاع الخاص من الاستقرار الفعلى والتشجيع، ما يشجعه على الاندفاع بأقصى ما لديه فى مجال الانتاج وسد حاجات المجتمع. كما ان القطاع التعاونى، بشقيه الزراعى والحرفى، فى حاجة الى دفعة قوية، لتلحق الأنشطة التي يمارسها بمعدلات التنمية المنشودة.

          اننا ندرك تماما أن عبء التقدم والبناء يقع أساسا على عاتق الشعب المصرى. ولكن مهما يكن من شأن الموارد المحلية التى نستطيع تعبئتها، فنحن فى أمس الحاجة الى موارد خارجية وظروف عالم اليوم تجعل من الممكن أن نحصل على تلك الموارد بالشكل الذى يدعم اقتصادنا ويعجل بالتنمية. ومن هنا كانت الدعوة الى الانفتاح الاقتصادى، وهى دعوة مبنية على تقدير لاحتياجات الاقتصاد المصرى من ناحية، والفرص المتاحة للتمويل الخارجى من ناحية أخرى.

  ويهمنى في هذا الصدد أن أخص بالحديث أولا، المال العربى.

          أن الدول العربية المصدرة للبترول لديها فوائض ضخمة من الأموال ستتضاعف عدة مرات نتيجة لرفع الأسعار أثر حرب أكتوبر. ويريد أصحاب هذه الفوائض استثمار بعضها فى مصر، أو في مشروعات مشتركة في مصر، وفي بلاد عربية اخرى، تحركهم فى ذلك دوافع قومية كريمة، وحكمة اقتصادية سديدة، ازاء عدم استقرار النقد ومجالات الاستثمار فى أماكن كثيرة من العالم. ونحن نرحب بهذا الاتجاه ونشجعه. لأننا فى حاجة الى هذه الاستثمارات، ولأننا نعتقد ان هذه الاستثمارات سوف تجد لدينا بيئة مستقرة آمنة، ولأننا نعتقد أن تشابك المصالح الاقتصادية هو الذى يعزز الروابط العضوية بين الأقطار العربية، بما يعزز هويتها القومية، ووزنها السياسي والاقتصادى فى العالم. ومن هذه الأرضية الموضوعية نفتح الأبواب أمام الاستثمار العربي والمشروعات العربية المشتركة.

          اننا نريد للتعاون الاقتصادى العربى ان يدخل مرحلة نشيطة وقوية، تحقق معدلات تنمية عالية فى كل الأقطار العربية، وتجعل من العرب قوة متعاظمة الشأن فى الاقتصاد العالمى، تكون الأساس المادى لقوتهم السياسية. ولذلك فاننا نوفر للمستثمر العربى كل الضمانات التشريعية، ونوفر له ما هو أهم من ذلك وهو القدرة الاستيعابية للاقتصاد المصرى فى ظل استقرار سياسى واجتماعى وتنمية اقتصادية مطردة.

          أما عن رأس المال الأجنبى، فليس عندى من رد على المتشككين خير مما جاء فى الميثاق من أن:

          ((سيادة الشعب على ارضه، واستعادته لمقدرات أموره، يمكنه من أن يضع الحدود التى يستطيع من خلالها أن يسمح لرأس المال الأجنبى بالعمل فى بلاده)).

وكذلك:

          ((ان شعبنا فى نظرته الواعية يعتبر أن المساعدات الأجنبية واجب على الدول السابقة في التقدم نحو تلك التى ما زالت تناضل للوصول)).

          وقد اوضح الميثاق اننا نقبل المساعدات غير المشروطة والقروض، كما نقبل الاستثمار المباشر فى النواحى التى تتطلب خبرات عالمية فى مجالات التطوير الحديثة. وهذا بالدقة هو خطنا. فنحن نصدر فى تعاملنا مع رأس المال الأجنبى عن واقع استقلال بلادنا السياسى والاقتصادى، وقدرة الارادة الوطنية الحرة على صياغة مستقبل البلاد. ونرحب بالاستثمار الأجنبى لما يحمله معه من معرفة تكنولوجية متقدمة نحتاج اليها. وظروف عالم اليوم بعد اعادة تشكيل العلاقات الدولية وظهور أقطاب دولية متعددة، والمكانة التي اصبحت لمصر والعرب بعد حرب أكتوبر.. كلها أمور تتيح لنا فرصا للاستفادة من الاستثمار الأجنبى، لايمكن بامانة الوطنية أن نضيعها.

          اننا قادرون على معرفة ما هو فى مصلحتنا. ولا ينبغى أن تركبنا عقدة الخوف على انفسنا.

          كذلك فان الانفتاح الذى اعلناه هو انفتاح على العالم كله شرقه وغربه، لأننا ندرك تماما أن تنوع علاقاتنا الاقتصادية الدولية هو الأساس المادى لحرية حركتنا السياسية.

          ولست فى حاجة الى القول بأن مستقبل مصر مرتبط بالتصنيع. فامكانيات التوسع الأفقى في الزراعة تحدها الموارد المائية، وتكاليف الاستصلاح الباهظة فى بعض المناطق. وأملنا الأساسى في توفير الغذاء للملايين المتزايدة هو أن تصدر مصر من انتاجها الصناعى ما يمكنها من استيراد ما تحتاج اليه من مواد غذائية.

          ان القاعدة الصناعية العريضة التى بذلنا كل ما بذلنا في سبيل اقامتها، واكتسبنا خبراتها، خلال تجربتنا الوطنية فى السنوات الماضية، تعطينا الأمل فى انطلاق جديد نحو التصنيع السريع المكثف. وسياسة الانفتاح الاقتصادى سوف تزودنا بأحدث وسائل التكنولوجيا الحديثة التى تسارع بهذا الانطلاق وتمكننا من زيادة الصادرات عن طريق رفع مستواها، وسياسة اقامة المناطق الحرة فضلا عن انها ستجلب لنا صناعة حديثة، وتساهم فى تشغيل الأيدى العاملة، وتجعل لدينا مراكز تخزين وتوزيع عالمية بحكم موقعنا الجغرافي الفذ، فهى أيضا سوف تساهم بهذا كله فى الاسراع بسياسة التصنيع وتطوير صناعاتنا المحلية وتحديثها.

 وبالصناعة، وما تقدمه من آلات وأسمدة، وما تستخدمه من منتجات زراعية، نستطيع ان نطور الزراعة المصرية تطويرا جذريا يزيد من انتاجها، بمعدل يواكب معدل التنمية الصناعية، حتى لا يختل بنيان الاقتصاد المصرى، وحتى نحد من اعتمادنا على الاستيراد فى المنتجات الزراعية.

          وهذا كله لا يتأتى الا بتوفير الطاقة التي هى عصب التقدم. ونحن نبذل بالفعل غاية الجهد فى التنقيب عن البترول، والامكانيات في هذا المجال ما زالت كبيرة ويجب الى جانب ذلك توفير الزيادة المستمرة في الطاقة الكهربائية لاستخدامها على أوسع نطاق، حتى نوفر البترول للصناعات البتروكيمائية وللتصدير.

          كذلك لا بد من دفعة ثورية لتطوير نشاط السياحة في مصر. فنحن فى وضع ممتاز من حيث امكانيات السياحة على مدار السنة وبمختلف أنواعها من تاريخية ودينية وطبية وترفيهية. ونحن بموقعنا الجغرافى في قلب العالم وملتقى طرقه.

وليس تطوير السياحة هو مجرد اقامة فنادق جديدة فحسب. ان تطويرها يرتبط بتطوير البيئة الحضارية كلها التى يحتك بها السائح. ونوع المعاملة والتسهيلات التي يتوقعها. وتنويع المواقع السياحية من جهة، وتنويع مستوياتها من جهة اخرى وتيسير سبل الوصول اليها، وتوفير وسائل اتصاله السريع بأنحاء العالم الخارجى خلال عمله او اقامته.

2 - التنمية الاجتماعية:

          ان تحقيق كل هذه الأهداف الطموحة، عماده فى التحليل الأخير الانسان المصرى. فالانسان هو صانع التنمية، وهو الذى يجب أن يكون هدفها اسعاده. فالأموال بغير بشر قادر، اوراق مكدسة في خزائن. والالات مهما كانت حديثة، اجساد هامدة بغير يد الانسان الماهرة، واخصب الأرض تظل بورا مالم يمسها عمل الانسان، وان اهم ماحبا الله به مصر من نعم لهو شعبها. وان ثروتنا القومية الأولى هى البشر. وهى ككل ثروة تحتاج الى تنمية. وتنمية الثروة البشرية تعنى أول ما تعنى رعاية قدرتها على العطاء والعمل بتوفير الغذاء والكساء والخدمات الصحية والسكن، وتطوير قدراتها الانسانية عن طريق التثقيف والتعليم والتدريب. لقد أثبت العامل المصرى انه كالمقاتل المصرى قادر على استيعاب التكنولوجيا الحديثة. وأثبت الخبراء المصريون فى الداخل والخارج انهم على مستوى عال بكل المقاييس. وبلادنا غنية بشبابها المتعلم وخبراتها الفنية والادارية، ولكن ما ينتظرنا من مهام يتطلب المزيد.

          ولذلك لا بد أن تلقى التنمية الاجتماعية نصيبها الحق فى استراتيجيتنا الحضارية الشاملة. ان هذه الاستراتيجية الحضارية. الشاملة لا يمكن ان تكون تنمية اقتصادية خالصة، بل لا بد أن تكون اجتماعية فى نفس الوقت. بل اننى أقول ان التنمية الاقتصادية ذاتها لا يمكن أن تستقيم وتنطلق الا اذا سايرتها تنمية اجتماعية بمعدلات متكافئة. ويكفى ان أشير فى هذا المقام الى أنه يستحيل السير طويلا فى سياسة تصنيع شاملة مثلا دون توفير العدد اللازم من العمال المؤهلين والفنيين والاداريين على مختلف المستويات.

          ان واجبنا نحو هذا الانسان المصرى، الذى نعتبره رصيدنا الأساسى، والذى نعمل به ومن اجله، أن لا نتركه فريسة للأمية أو المرض أوالتخلف. ولكن علينا أن نعطيه كافة فرص التطور، حتى يعطى بلاده أحسن ما لديه.

          ولقد ثبت من كل تجارب التنمية، ان مجرد التقدم المادى على أهميته ليس كافيا وحده للنهوض بالانسان وتغيير حياته تغييرا حقيقيا وانه لا بد بالتالى من الاهتمام بالجوانب الأخرى التى تساهم فى تكوينه. وهذا فى حد ذاته مساهمة فى التنمية لا تقل فى اهميتها عن شراء الالات واقامة المصانع، ويكفى ان ننظر الى درجة انتاجية الفرد، التى هى احد محاور التنافس العالمى، ومدى تأثرها بدرجة وعيه الاجتماعى، وخبرته الفنية، وانسجام عاداته مع متطلبات المجتمع الجديد، لكى نعرف الأهمية الكبرى لهذه التنمية الاجتماعية.

          ويهمنى هنا فى الدرجة الأولى، ان نؤكد أنه قد آن الأوان للبدء جديا في تلك المهمة الصعبة التي تأخرنا فيها كثيرا، وهى القيام بثورة شاملة فى نظم ومفاهيم التعليم والتثقيف العام بكل انواعه ومستوياته.. ابتداء من محو الأمية، الى التعليم العام والفنى والجامعى، الى البحث العلمى والتكنولوجي.

 ولست هنا بصدد شرح تفصيلى لهذه القضية التى يجب أن تكون محل بحث قومي شامل، ولكننى فقط أريد ان اسجل بعض الملاحظات الأساسية المتعلقة بمفاهيم هذه القضية ذات الأهمية الكبرى.

          أن أهم ما طرأ على منطق التعليم والبحث فى العالم هو زوال المسافة بين الفكر والعمل. وبالتالى لم يعد التعليم مسألة مقررات دراسية جامدة تقف مهمة التعليم عند استيعاب الطالب لها. ولكن اصبح التعليم مرتبطا ارتباطا عضويا بحركة المجتمع ومتطلباته.

          ومعنى ذلك ان التعليم والتثقيف العام صار لهما هدفان متلازمان:

          الأول: هو ايجاد الفرد المتعلم المستنير، بحيث يكون اكثر فهما واتساقا مع مجتمعه وعصره، وأكثر قدرة على استيعاب المعرفة الانسانية والاستمتاع بها، وأكثر تفهما للقضايا العامة فى بلاده وفى محيطه وبيئته التي يعش فيها.

          والثانى: هو تزويده بخبرة متقدمة محددة، تمكنه من القيام بالدور الذى يتناسب مع هذه الخبرة في شتى مواقع العمل والأنتاج فى بلاده.

وتحقيق هذه الغاية يستلزم عدة أمور.

          منها عدم صب التعليم فى قوالب واحدة، بل العمل على تنويعها قدر الامكان حتى تلبى شتى أنواع الخبرات والتخصصات والمهارات المطلوبة فى عملية التنمية التى تنهض بها على جبهة عريضة.

ومنها ربط أنواع معينة، ومراحل معينة، من التعليم بالبيئة، سواء كانت الريف أو الحضر، الحقل أو المصنع.. فبذلك لا نعانى من مشكلة الارتداد الى الأمية حين ينفصل الطالب عن المدرسة ويعود إلى بيئته.. وبالمثل لا نعانى من الوجه الآخر للمشكلة، وهو هجرة المتعلم من بيئته وبالتالى افقار هذه البيئة دائما من مردود انتشار التعليم فيها.

          ومنها توثيق الصلة بين الجامعات والمعاهد على اختلافها وبين مواقع العمل ذات الصلة بتخصصاتها من مؤسسات وشركات انتاجية أو تجارية وغيرها، فى عالم تلعب المعرفة فيه دورا متزايدا فى تطوير القدرة الانتاجية.

          ومنها القضاء على فكرة الفارق الاجتماعي بين تعليم وتعليم، فبهذا نسد حاجة بلادنا الى كل المهارات والخبرات ونعلى قيمة العمل بوصفه القيمة الاجتماعية الأولى. ونتخلص من ذلك المرض الوبيل الذى يجعل التعليم بالنسبة للكثيرين مجرد سبيل الى اكتساب ميزة اجتماعية معينة، ويجعل الهدف الأسمى لبعض المتعلمين الوصول الى وظائف مكتبية، بصرف النظر عن قيمتها فى حركة المجتمع.

          الأمر الثاني الذى طرا على منطق التعليم والبحث فى العالم، هو ما اصطلح على تسميته بنظرية التعليم المستمر.

          ففي هذا العصر الذى يتسارع فيه التقدم العلمى والفنى والتكنولوجي على نحو مذهل، هذا العالم الذى كثيرا ما تصبح الآلة فيه قديمة متأخرة بمجرد الانتهاء من صنعها لظهور ما هو أحدث منها فى هذا العصر، صار محتما على العناصر النشيطة والمنتجة فيه أن تكون فى حالة من التعليم المتواصل والتحصيل المستمر. وبغير ذلك، لا يلبث المتعلم أن يتخلف عن الجديد، مهما كانت درجة الخبرة والثقافة التى حصل عليها خلال دراسته.

          وتحقيق هذه الغاية يستلزم بدوره عدة أمور.

          منها الاستفادة بثروة المعلومات في العالم، وجعلها دائما فى متناول كل الراغبين..عن طريق تحديث المكتبات العامة ومكتبات الجامعات والمعاهد ومراكز الأبحاث ومراكز الاطلاع، وتسهيل استيراد أحدث الكتب والمجلات والدوريات واعطائها الأولوية المناسبة لها.

          ومنها حلقات الدراسة وبرامج التدريب المستمر على كافة المستويات، من المديرين للالمام بأحدث فنون الادارة، الى المدرسين أنفسهم لتأهيلهم فى المساهمة فى تطوير المناهج وطرق التدريس، الى التدريب المهنى المستمر في شتى فروع العمل لرفع الكفاءة الانتاجية.

          ومنها استخدام وسائل التثقيف العامة فى تقديم برامج دراسية حرة فى الفروع المختلفة.

 وفي هذه المجالات كلها، لابد من استخدام كل وسائل العلم الحديث فى جمع المعلومات وتخزينها وتوزيعها، وفى الارتقاء بمستوى ما يقدم للطالب في المدرسة أو المعهد أو الجامعة.

          وتأتى في قمة هذا كله ضرورة الاهتمام بمراكز البحث العلمى والتكنولوجى المتقدمة.

          لقد قلنا أكثر من مرة أننا يجب ان ندخل عصر العلم والتكنولوجيا وقد أثبتت قواتنا المسلحة أنها قادرة على ذلك وعلى مستوى باهر. فليكن ما أحرزته فى هذا الشأن مثلا يحتذى فى كل المجالات. واذا كنا نعيش فى فترة تعتمد اساسا على العلم والتكنولوجيا المستوردة، فانه من الواجب ان لا نطمئن الى العيش على ما ينتجه الغير فى هذا الصدد.

          أن مصر تضم عددا لا يستهان به من الباحثين العالميين ومن مراكز البحث العلمى. ونحن فى هذا المجال نحتل مركزا ممتازا بين الشعوب النامية.

          واننى لأعتبر الانفاق على البحث العلمى والتكنولوجى بمثابة الاستثمار فى صناعة ثقيلة، لأنه استثمار لا يساعد فقط على التنمية فى المستقبل القريب، ولكنه يضمن استمرارها وتصاعد معدلاتها فى المدى الطويل. ولكنه كأى استثمار يجب ان يرشد، والترشيد يعنى أولا التنسيق بين مراكز البحث العلمى المختلفة والربط بينها فى استخدام وسائل البحث التى تتيحها امكانياتنا. وهو يعنى ثانيا ربط نشاطها باحتياجات المجتمع لتأخذ من تلك الاحتياجات مادتها وليستفيد المجتمع من عائدها.

          ومن ناحية اخرى يجب ان يستهدف البحث العلمى والتكنولوجيا تطويع التكنولوجي المستوردة للواقع المصرى، وأن يكتشف حلولا أصيلة لمشكلاتنا المحددة، تماما مثلما فعلت قواتنا المسلحة فى تطويع وتطوير السلاح، وفى ابتكار أساليب مواجهة معركتنا بسماتها الخاصة. ثم يكن طموحنا بعد ذلك أن ندخل ميدان البحث العلمى والتكنولوجي كشركاء، نأخذ ونعطى، فلا نعيش عالة على من يبتكرون، أونخضع للشروط التى يفرضون..

          واننى لأتمنى، فوق جهدنا المصرى الخاص فى هذا المجال، أن تتم جهود عربية مشتركة. يمكنها أن تعطى التقدم الذاتى فى هذا المجال دفعة قوية.

          لقد عاش العالم عدة قرون كان العرب يملكون فيها ناصية العلم، وكانت أوروبا تنقل عنهم. وقد ظلت كتب المؤلفين العرب تترجم الى اللاتينية وتدرس فى الجامعات الأوروبية حتى القرن السابع عشر، ومعنى ذلك ان الإنسان العربى قادر على الانتاج الأصيل اذا تهيأت له الظروف المواتية.

          ان هذا كله يستهدف في النهاية تنمية قدرات الانسان المصرى، تنمية اجتماعية وثقافية وعلمية ترفع من قيمته، ومن قيمة ما يمكن أن يقدمه لبلاده من عمل.

          ومن ناحية اخرى لابد ان تستهدف سياسة التنمية الاجتماعية توفير اكبر قدر ممكن من فرص العمل . فالعمل هو مصدر الرزق الشريف الذي يصون للانسان كرامته ويوفر له أسباب المعيشة اللائقة. ويجب أن يكون التدريب هو الوسيلة لرفع كفاءة العامل وتيسير انتقاله من مهنة الى العمل. فالعمل هو مصدر الرزق السريع الذى يصون للانسان كرامته ويوفر له اسباب المعيشة اخرى واكتسابه مهارات جديدة والارتفاع بدخله بالتالى.

          أما القوى العاملة التى تزيد عن فرص العمل المتاحة فى الأجل القصير. فلا بد ان تنظم الدولة ظروف عملها في الخارج على النحو الذى يحفظ كرامة المواطنين وبصون قيمة عملهم.

          أن الرعاية الصحية، وتوفير المسكن المعقول بأجر يلائم مستوى الدخل أمران من صميم مسئولية الدولة. وعلينا فى هذا الشان بعد الاهتمام الكامل بالوقاية، تنسيق وتطوير نظم العلاج لتحقيق أكبر عائد منها فى شكل خدمات فعلية تقدم للمواطنين. ويجب ونحن نشجع على الاستثمار في الأسكان بصفة عامة أن تولى الدولة عنايتها الأولى للاسكان الشعبى في الحضر والريف.

وحين أتكلم عن الانسان المصرى فى مجال التنمية الاجتماعية، فاننى اعنى المجتمع كله، أى الرجال والنساء، لان المراة نصف المجتمع، وتعطيل المراة عن المشاركة فى استراتيجيتنا الشاملة للتقدم يحرم المجتمع من قدرات نصف أفراده. أن توفير التعليم والعمل والمعاملة الانسانية العادلة لا ترفضه الشريعة السمحاء.

          وقد نص الدستور فى المادة 11 على أن:

          ((تكفل الدولة التوفيق بين واجبات المرأة نحو الاسرة وعملها في المجتمع ومساواتها بالرجل فى ميادين الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية، دون اخلال باحكام الشريعة الاسلامية)).

 واخيرا فان الانسان المصرى المستهدف من هذه التنمية الاجتماعية هو اليوم وغدا الشاب المصرى، ولذلك فان رعاية الشباب وتربيته على تحمل المسئولية، مشاركته الفعالة في بناء المجتمع امور لا غنى عنها فى هذه المرحلة الحاسمة. وان هذا المستقبل الذى نحاول اليوم أن نبنيه انما هو من اجلهم. ولذلك لا يجوز ان يتركوا غرباء عنه.

3 - خريطة جديدة لمصر:

          أن شعبنا بعد هذه الآلاف من السنين، وازاء التزايد السريع فى تعداده، ومع نوع الحياة الجديدة التى نطلبها له، لا يمكن ان يظل محصورة  حياته فى الدلتا ووادى النيل الضيق، ولا يمكن أنما يظل لا يشتغل بسكانه وعمرانه اكثر من 3% تقريبا من مساحة بلاده.

          ان هذا يتعارض مع امنه القومى، الذى ربما كانت الصحراوات الواسعة في العصور القديمة تعتبر وافيا طبيعيا له، ولكنها لم تعد كذلك فى عالم اليوم بأسلحته الحديثة، بل اصبحت على العكس تشكل فراغات استراتيجية لا يجوز تركها. وهو يتعارض مع معدلات زيادة السكان العالية. فلقد ضاق الوادى فعلا بسكانه البالغ عددهم خمسة وثلاثين مليونا، ولا يمكن الانتظار حتى يبلغ الأربعين والخمسين مليونا دون أن نتحرك، وهو أخيرا وضع يتعارض مع السياسة الأمثل لاستغلال الثروات الطبيعية المتاحة. وفتح آفاق جديدة امام التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وايجاد انماط جديدة لحياة احسن وارحب للمواطنين فى بيئات جديدة واكثر تنوعا.

          وليست المشكلة فقط في تركز السكان ومعظم النشاطات الإقتصادية والاجتماعية فى الوادى القديم فحسب، ولكن تضاف الى هذه المشكلة مشكلة أخرى، هى مشكلة التركز الأعظم في العاصمة، حتى وصل عدد سكانها المقيمين الى خمس مجموع سكان القطر بأكمله، وهى نسبة عالية جدا بأى معدل عالمى، وهى فوق ذلك نسبة آخذة فى الازدياد ما لم نتصد لها من الآن بالحلول المناسبة.

          ان هذا الوضع الذى ما زال يطلق العنان للتركز الشديد في القاهرة، قد ضاعف من مشكلاتها الحياتية بصورة لا يمكن أن تجدى معها أى حلول من قبيل المسكنات اذا ظلت الأمور تمضى فى هذا الاتجاه.

          ثم اننا ونحن بصدد  تجديد العاصمة لكى تصبح مدينة جديرة بوضعها العالمى بتزويدها بالمرافق اللازمة ووسائل الاتصال الحديثة، وتسهيلات العمل والحركة الاقتصادية والسياحية، فضلا عن مكانتها التى تجعلها مقرا لنشاطات ومؤسسات دولية واقليمية كثيرة، كل هذا سوف يضيف اعدادا كبيرة الى سكان القاهرة والمترددين عليها والمستفيدين من مرافقها.

          وبالاضافة الى ذلك، فان هذا التركز الشديد في العاصمة جعل منها قوة جذب لا تقاوم، تمتص من شتى انحاء القطر الكثير من الامكانيات ومن الاختصاصات ومن العناصر البشرية فتزداد بذلك الهوة اتساعا بينها وبين سائر انحاء القطر، وتعرقل ضرورة أن يكون النمو والرقى متكافئا في مختلف انحاء البلاد.

          ان من حق الأقاليم علينا، وهى التى ما زالت مصدر تراثنا القومى الرئيسى، ومنبع ذخيرتنا البشرية، أن لا نتركها تقاسى من آثار ذلك الفاقد المستمر لحساب العاصمة لمجرد ان العواصم بطبيعتها اعلى صوتا واقرب الى عيون وآذان الحكام.

          ولقد سبق ان طرحت ضرورة اعادة بناء القرية المصرية، كما بدأنا في خطة لكهربة الريف المصرى كله. وبعد 6 أكتوبر والآفاق التي انفتحت امامنا، وبعد أن قررنا أن ننهض لوضع وتنفيذ استراتيجية حضارية شاملة، أعتقد انه قد آن الأوان لأن نستوعب هذا كله فى اطار مشروع شامل لرسم خريطة جديدة لمصر.

          ان هذا لا يكون بمجرد إقامة مشروعات مبعثرة هنا وهناك. ولكنه يكون بايجاد مناطق تركز سكانى ونشاطات اقتصادية جديدة من قوة الجذب الحضارى، بكل مقومات، ما يشد اليها مجموعات كبيرة من السكان، ويقيم فيها حياة منتجة نشيطة مستقرة متمتعة بكل الخدمات، حتى تعادل قوة جذب العاصمة، ولا تقل عنها اغراء وقابلية للحياة والعمل والاستمتاع.

          ان منطقة قناة السويس، ذات الموقع العالمى الفريد، لا يمكن أن تقف كما كانت عند الحافة الغربية للقناة، بل يجب ان يمتد عمرانها المقبل الى قلب سيناء، وفي اطار خطة واحدة شاملة، تتحول هذه المنطقة الى ارض صناعة وزراعة وسياحة ومناطق حرة وكليات جامعية ذات تخصصات

تتلاءم مع حاجات المنطقة. انها بموقعها الفذ كفيلة أن تجتذب مختلف أنواع الاستثمارات، وأن يتم تخطيطها الشامل على احدث نظم التخطيط الإقليمي. بما يجعلها بحق ارضا للحياة الجديدة، ونموذجا رائدا لمصر التي نريدها قبل نهاية هذا القرن.

          وبنفس المنطق، ومع مراعاة ظروف كل منطقة، يجب الامتداد بمناطق العمران غربا على شاطئ البحر الأبيض المتوسط، وشرقا على ساحل البحر الأحمر، وجنوبا حول بحيرة ناصر.

          ان امكانيات التعدين والصناعات والثروات البحرية، والإمكانيات السياحية، متوفرة فى هذه المناطق الى اقصى حد، ولا يلزمها الا ان ننظر فى تخطيطنا الى أفق بعيد، وأن تكون لدينا روح الريادة والاقتحام فى هذه المناطق الجديدة.

          ان مصر منذ فتح قناة السويس وما استتبعه هذا من انشاء مدنها الثلاث، أى منذ أكثر من مائة سنة، لم تنشأ فيها مدينة جديدة. هذا بينما اصبح ضروريا ان يكون لمصر مشروعاتها لإقامة المدن الجديدة، ولانشاء عدد من الموانئ الجديدة والمدن الملحقة بها على شواطئنا البحرية الطويلة، الأمر الذى لا مفر منه للاستفادة من منافذنا على بحرين من أهم بحار العالم وأحفلها بحركة التجارة والنقل والسياحة، ولتحقيق وجود مصرى حقيقى متكامل فى شتى أطراف البلاد.

          ان هذه الخريطة الجديدة المطلوبة ليست جغرافية وسكانية فحسب. انها ستكون بالضرورة اقتصادية فى الأساس، لأنه لا يمكن مد الحياة المستقرة الا الى حيث توجد مرافق العمل والرزق، الأمر الذى يجعل وضعها مرتبطا بخطط التنمية الاقتصادية والاجتماعية.

          على انها يجب أن يكون فوق ذلك مدخلا الى ثورة ادارية، باتت مطلوبة الى حد كبير.

          فهذا الاتجاه لابد أن يقترن به تحرك مدروس وحاسم، نحو اعادة توزيع السلطة في شتى مرافق الدولة على مختلف انحاء القطر، وعدم حصرها فى القاهرة.

          ان القاهرة كعاصمة، ستبقى بالطبيعة مقرا للوزارات وعدد كبير من المؤسسات وسائر النشاطات، ولكن لا يجوز أن يتكدس فيها اكثر مما تتطلب مهماتها العقلية من دراسة وتخطيط وتوجيه مركزى. وبعد ذلك علينا ان نجعل الحكم المحلى حقيقة بنقل كل ما لا لزوم بوجوده فى القاهرة الى الأقاليم القديمة والجديدة. فلا بد أن يتحول التيار من امتصاص مستمر للاختصاصات والقيادات من الأقاليم الى القاهرة، الى تواجد هذه القيادات قريبا من مواقع عملها الحقيقية فى الأقاليم. فبغير هذا الانتشار، لا يمكن ان يعم التقدم والتنوير وتصل البيئة الحضارية الى كل صانعى الحياة في بلادنا.

          وقد يكون من المناسب فى هذا المجال، ان ندرس قضية اعادة النظر فى التقسيم الادارى الراهن للقطر، بحيث يحدد عدد المحافظات وترسم حدودها بطريقة تجعل منها وحدات سكانية وادارية واقتصادية أكبر، وبالتالى تتوفر لها امكانية أكبر فى تحقيق التكامل، والقيام بالمشروعات، والاستفادة من الكفاءات المتاحة فى شتى المجالات.

وفى نفس الوقت يجب أن تتفرغ لجنة عليا لإعادة توزيع العمالة فى كل أجهزة الدولة بحيث لا تبقى اماكن تشكو من اكتظاظ العمل وأماكن يشكو المواطنون من تأخر مصالحهم فيها لقلة العاملين.

4 - التخطيط:

          ان تجربة حرب اكتوبر قد اثبتت ان التخطيط العلمى السليم هو اساس كل عمل ناجح. وان التخطيط الاقتصادى الذى اخذنا به منذ اربعة عشر عاما قد ساعدنا على احراز مكاسب محققة، ولعب دورا اساسيا فى ضمان الصمود الاقتصادى. وتجربة الشعوب النامية كلها تؤكد ان التنمية لا يمكن أن تتم بشكل تلقائى، بل لابد لها من تخطيط. بل ان التخطيط كأسلوب علمى لتوجيه الاقتصاد القومى قد تأكدت فاعليته فتبنته الدول الراسمالية.

          ولا شك اننا، اذا اردنا حقا ان تكون استراتيجيتنا الحضارية الشاملة للمستقبل قائمة على أسس مدروسة، تربط بين تلك الأهداف التى أشرت هنا الى بعضها، وتجعل خطونا نحو التقدم متوازنا.. فان حاجتنا سوف تكون اشد الى الالتزام بمبدأ التخطيط.

          فالتنمية ليست عملا عفويا، يتم كما اتفق، فى تلقائية كاملة. انما التنمية عمل علمى يقوم على التنبؤ بالمتغيرات المحلية والإقليمية والعالمية، ويعد التصور الوطنى لمواجهتها فى آجال زمنية معينة.

          ان العالم كله بشتى نظمه السياسية والاجتماعية، يهتم بعالم جديد، هو عالم المستقبل ويحاول أن يستشف اتجاهات التطور فى حدود ربع القرن المقبل، اى الى سنة 2000، وترسم كل

دولة منها تطورها فى خطط طويلة الأمد. وها نحن نرى دول العالم كلها تسرع الى اعادة دراسة مستقبلها على ضوء المتغيرات التى تتدافع كل يوم. من ندرة خطيرة في الخامات الأساسية للصناعات، الى خطر متزايد من انخفاض المواد الغذائية المتاحة، الى مظاهر التضخم التى تجتاح العالم، الى الحركة الجديدة لرؤوس الأموال من اماكنها التقليدية الى أماكن اخرى.. وكلها أمور تدفع العالم الى اعادة النظر فى كثير من الأفكار والتوقعات المسبقة.

          ولا يمكن ان نعيش في هذا العالم ونحن نفكر من سنة الى أخرى. بل لابد كما قلت من تصور جرئ لاستراتيجية حضارية شاملة، ولابد لهذا كله من التخطيط العلمى السليم.

          ولأن تحركنا المقبل سيكون اكثر اتساعا فى شتى مجالات التقدم والبناء، ولأننا نريد كما قلت سابقا أن نستخدم كل المحركات والروافد المالية والاقتصادية الممكنة، فان هذا يجعلنا أكثر حاجة الى الأخذ بمبدأ التخطيط فى جياتنا. والانفتاح الاقتصادى يزيد من أهمية التخطيط، لأن خير وسيلة، لاجتذاب المستثمر هى ان نعرض عليه مشروعات مدروسة، مرتبطة بعضها بالبعض. لأن نجاح أى مشروع على حدة يتوقف الى حد كبير على تقدم الاقتصاد فى مجموعة واطراد التنمية. وكذلك لأن وفود رأس المال الى البلاد دون تخطيط لاستقباله، يمكن أن يخل بتوازن الاقتصاد القومى، ويحدث آثارا جانبية لا يستهان بها مثل التضخم، أو ظهور الاختناقات هنا وهناك.

          على أن هذا كله يحتاج إلى تغيير وتطوير في فلسفة التخطيط وفي أجهزته ومسئولياته، يجعلها أكثر دقة، وأكثر مرونة، وأوسع مخيلة.

          فهناك التخطيط للقطاع العام، الذى هو رأس الحربة فى معركة التقدم والبناء لتحديد أهدافه واعادة رسم أولوياته. وهناك التخطيط الذى يخدم القطاع الخاص، وهذا يكون عادة بوسائل أخرى تقوم على ايجاد الحوافز وتوفير الظروف التى تكفل اتجاهه بارادته الى المجالات التى تكون التنمية العامة أكثر حاجة اليها. وهناك كما قلت التخطيط الذى يخدم الاستثمارات الوافدة، باعداد الدراسات المسبقة، وبتوفير حاجياته في اطار الاقتصاد القومى في مجمله.

          ان التخطيط ضرورى لخدمة كل قطاعات الاقتصاد. انه يخدمها باعداد الدراسات وبتحليل البيانات وتوفير المعلومات. وبوضع خطط  توفير المهارات الفنية المطلوبة، وبالتنبؤ بظروف الاستثمارات المختلفة وآثارها بوجه عام.

          والمجالس القومية المتخصة، التي تم تكوينها، سوف يكون عليها دور كبير في هذا المجال. ولذلك يجب أن تكون هناك علاقة وثيقة بين سلطات التخطيط العليا فى البلاد.

          ولست في حاجة الى أن أؤكد بأن التخطيط لا يعنى القيود والتعقيدات الادارية. فمبدوؤنا هو مركزية التخطيط ولا مركزية التنفيذ، ومتى تحددت الخطة العامة، انطلق الجميع يتحركون في اطارها فى حرية ومرونة.

الانسان المصرى

          ان هدفنا الأسمى من هذه الاستراتيجية الحضارية الشاملة، فى هذه المرحلة التي تنطلق فيها روح رمضان اكتوبر العظيم الى مهمة التقدم والبناء، هى أن نقيم فى بلادنا الدولة العصرية والمجتمع الحديث، حتى يستطيع شعبنا ان يحقق من خلالهما ذاته، وينمى طاقاته الخلاقة.

          ولا يجوز لنا ان نتهيب لحظة واحدة هذه الرحلة التى لا مفر منها الى المستقبل العريض.

          وكما ان الإنسان المصرى هو فى النهاية هدف هذا التقدم، وهو فى البداية وسيلة هذا التقدم، فان هذا الإنسان المصرى نفسه، هو الضمان.

          هو الضمان لأن ننطلق الى هذه الرحلة، آخذين بأحدث معطيات العصر فى شتى المجالات، دون ما خشية من أن نفقد خلال هذه الرحلة هويتنا، او ننقطع عن اصالتنا، او ننسى الفضائل التى كان هذا الشعب دائما يعتز بها ويمجدها...

          فهذا الشعب كما اقول دائما يحمل فى اعماقه قيم حضارات عمرها سبعة آلاف سنة. وكانت تلك الحضارات تنهض به وتكبو، تنطلق وتنقطع، تتغير وتتجدد، ولكن الشعب كان يعرف في النهاية دائما كيف يخرج من هذه الامتحانات كلها محتفظا بخصائصه الأصيلة، وفطرته الصافية السليمة.

          ان من يكتفى بقراءة العناوين، يجد اسماء مختلفة لحضارات متعاقبة، ونظم شتى، وحكام جاءوا احيانا من أقصى انحاء الأرض... ولكن من يتعمق وراء ذلك يجد تلك الصفة العجيبة: وهى الوحدة الكامنة خلف كل تلك الحضارات المتعاقبة.

          ولقد مرت على هذا الشعب قرون بكاملها، كان فيها لا يكاد يملك شيئا من أرضه، ولا من رأيه، ولكنه بقى مع ذلك محتفظا بشخصيته المتماسكة، وبنسيجه الوطنى المنسجم يفنى فيه غزاته ومستغلوه.

          وكانت صفته المميزة على الدوام، والى كانت تجعله قادرا على هذا الاستيعاب العجيب لهؤلاء الغزاة والمستغلين، هى انه كان دائما شعبا صانعا للحضارة، بانيا للعمران.. ولم تكن المهارات التى قدمها للدنيا ابدا من مهارات الغزو والتدمير، بل من مهارات البناء والتعمير....

          وليس ادل على هذه الخصائص ذات الجذور العميقة، من أن هذا الشعب كان يمر بالأحداث والتغيرات العميقة محتفظا بدرجة نادرة من الوحدة الوطنية والانسجام القومى، ما زالت مضرب الأمثال فى العالم.

          وأن التحولات السياسية والاجتماعية الكبيرة التى لابد منها فى مراحل معينة من حياة كل أمة حية، كان يسودها طابع التحول السلمى لا الدموى، وكان الشعب ينجزها ويتجاوزها ثم لا يلبث ان يضم جناحيه بعدها على كل ابنائه.

          حتى نظم الاستعمار والغزو التى نجحت فى مناطق أخرى فى ان تفرق وتقسم، لم يكتب لها هذا النجاح فى مصر قط، بل ظل تكاملها الشعبى والوطنى والجغرافى فوق كل نزاع.

          وقد كانت هذه الصفات ذاتها، هى التى مكنته من اداء دوره التاريخى فى مساندة الأمة العربية التى ينتمى اليها، ورد الغزوات عنها، واحتضان قيمها وتراثها، فى ظروف المحن والغزوات والتمزقات.

          كذلك فقد كان من أبرز صفات هذا الشعب دائما تمسكه بالإيمان، واعتزازه بالأصالة.

          اما الإيمان، كما نفهمه اليوم، فهو ذلك الإيمان النقى الخالص، البريء من التعصب، والمتطهر من تلك الشوائب التى علقت بجوهره فى عصور الاضمحلال، البعيد عما ينسب اليه زورا من روح التواكل التي لا تعرف المسئولية، والتعلق بالخرافات، ونفى دور ارادة الإنسان وإرادة المجتمع

في أن يواجه أمور حياته المتجددة، مستعينا بما أودعه الله فيه من عقل، ميزه به من سائر المخلوقات.

          وقد علمنا محمد رسول الله هذه المعانى في قوله:

           مثل المجاهد فى سبيل الله كمثل الصائم القائم، لا يفتر عن صلاة ولا صيام، حتى يرجع.

          وليس الجهاد فى سبيل الله هو القتال وحده. فقد قال قال لنا رسول الله ايضا:

           من خرج فى طلب العلم فهو فى سبيل الله حتى يرجع.

          بل وعلمنا الجهاد بمعناه الاجتماعى العميق بقوله صلوات الله عليه:

           الساعى على الأرملة المسكين، كالمجاهد فى سبيل الله.

          وليس أخطر على هذا الايمان فى معدنه الحقيقى من الذين يجعلون منه نقيضا للعمل والبحث والعلم.

          فالله عز وجل قد وضع طلب العلم في مستوى الجهاد في سبيل الله، وجعله قرينا للايمان، حين قال سبحانه وتعالى:

           يرفع الله الذين آمنوا منكم، والذين أوتوا العلم درجات.

          أما عن الأصالة، فان التمسك بها لا يسد أمامنا باب التجديد. وقد كان للمجددين دائما شأنهم الرفيع عبر تاريخ حضارتنا الطويل. وحقنا في التصرف فى أمور دنيانا وظروف ايامنا، ليس أقل من حق أسلاف عظام لنا جددوا وابتكروا وتصرفوا في أمور دنياهم واحوال ايامهم.

          ان التجديد الجذرى ليس بالضرورة منقطع الجذور عن التراث القومي والحضارى والروحى للشعب.

          ونحن لا نقول بهذا عن رغبة في التميز أو الاستعلاء. ولكن لأنة، نؤمن من استقراء التاريخ ان المناطق ذات التراث الحضارى العميق لا يمكن بحكم الطبيعة ان تنطمس هويتها تحت اى ضغط. ونؤمن بأن انطلاقنا من هذه الجذور يحمى بالنسبة لها وبالنسبة لغيرنا ذلك التنوع في الحضارات والشخصيات، الذى يثرى بتعدده العالم ويغنى تجاربه.

          ولست هنا أعرض مفاهيم جديدة. ولكنى فقط أذكر بمعان قد استقرت فى ضمير هذا الشعب. وفى أعماق وجدانه حيث لا يمكن ان يزعزعها شيء. وبانه من هذه المعانى، قولى بأن الإنسان المصرى بعراقته واصالته هو الضمان لنا فى ان نقطع هذه الرحلة نحو المستقبل دون أن نفقد من هويتنا شيئا.

          ان من ابرز آثار الثورة التكنولوجية فى عالم اليوم، ذلك التقدم الهائل فى وسائل نقل الأفكار والمعلومات والتيارات وانماط السلوك المختلفة، عبر الحدود القومية لكل المجتمعات الانسانية على السواء، وبالتالى سقطت الحواجز القديمة العازلة بين بيئة وبيئة وبين مجتمع ومجتمع، وفى وجه هذا التحول الثورى المتزايد، لا يمكن ان تكون حصانتنا ازاء هذا الانفتاح والاتصال الا من داخلنا. ولا يكون الحفاظ على هويتنا بالانكماش والجمود والضعف، ولكن بدرجة التقدم التي نحرزها، بالأسلوب السليم الذى يستمد حيويته من قدرتنا على التجديد، وثباته من تمسكنا بالأصالة.

          وبهذا المعنى فان عملنا من أجل أن نبنى فى بلادنا مجتمعا عصريا ودولة حديثة، لا يعنى النقل والتقليد.

          اننا قادرون على أن نصنع بأنفسنا ولأنفسنا حضارة عصرية ذات طابع مصرى وعربى أصيل، نحن ترفض ان تكون الأصالة نظرة الى الوراء تقدس الماضى لأنه الماضى وترفض التجديد. فليس كل ما كان فى الماضى مشرقا ولكن فيه بعض عناصر التخلف. ونحن نرفض من جهة اخرى أن نمسخ شخصيتنا القومية باسم محاكاة المظاهر المادية أو السلوكية لمجتمعات أخرى.

          ان التحدى الحقيقى المطروح أمام الشعوب العريقة التى تواجه مشكلة التقدم الحضارى هو بالدقة كيف تجدد حضارتها، فلا تلفظ الماضى باسم الحديث، ولا ترفض الحديث باسم الماضى، وانما تأخذ بأسباب التجديد دون أن تفقد الأصالة.

 ان الدولة الحديثة والمجتمع العصرى ليسا في مظاهرهما المادية فحسب، ولا يتحقق بناؤهما بمجرد اقتناء أحدث السلع والمنتجات.

         ان العصرية هى أن تعرف أولا الترتيب السليم لاولوياتنا فيما يلزمنا من هذه الادوات قبل غيره. ثم هى في أن نوجد المؤسسات والنظم والعلاقات التي تحول هذه الأدوات في الأيدى العربية من أدوات صماء مستهلكة، الى أدوات خلاقة منتجة، ثم هى بعد ذلك فى ان نخلق البيئة المناسبة، ودرجة التطور اللازمة، التى تجعلنا قادرين على الابتكار والابداع. وبالتالى على المساهمة الحقة في الحضارة الانسانية.

         اننا لا يمكن أن نزرع العلم فى بيئة غير علمية، ولا أن نقطف ثمار البحث في جو ضيق بحرية الباحثين.

         اننا لابد أن نتمسك بقيمنا، الروحية والأخلاقية في مواجهة موجة الاستمتاع المادى التى تعرفها مجتمعات الاستهلاك الغنية، لأن تلك القيم هى من السمات الاصيلة لحضارتنا، ولان المجتمعات التى تجاهلتها تعرف الشقاء النفسى وسط الوفرة المادية، اننا نتمسك بقيم التكافل الاجتماعى وتماسك الأسرة وسيادة مشاعر المحبة ونبذ الاحقاد. فقد كانت تلك القيم هى العاصم لهذا المجتمع فى احلك الأوقات. وهى السياج ضد نزعات الفردية المطلقة، وانعدام المسؤلية الاجتماعية، التى تفكك المجتمع وتسلب الانسان مشاعر ما احوجه اليها.

         كذلك فاننا نرفض أن يكون التقدم لصالح قلة تنعزل عن الجماهير، وترتبط بأساليب حياة غريبة عنها، ونريد ان تشارك أوسع الجماهير في صنع التقدم وفى الاستفادة العادلة من ثمراته.

         وفى الختام، لعلكم تلاحظون أن هذه المعاني التي أشرت اليها لم تكن بعيدة عن منطلق ممارستنا فى السنوات القليلة الماضية.

         لقد كان هدفى أن يكون شعار دولة العلم والايمان حقيقة وليس مجرد كلمة، وكان جهدى ان نقيم دولة المؤسسات، وان يمارس المواطنون نشاطهم في سياج من سيادة القانون. ولم أتردد في ان يتم التخلص من كافة الاجراءات الاستثنائية بالتدريج وأن تغلق كل المعتقلات أبوابها بعد ما يقرب من أربعين سنة من وجودها فى ظل مختلف الظروف واننى لواثق من وجودها في ظل مختلف الظروف واننى لواثق من الأيام. وما زال هدفى ان لا تكتفى الدولة بتحرير طاقة أبنائها عن طريق ازالة السدود والقيود، بل أن تتقدم أيضا الى رعايتهم وحمايتهم، بتوفير مظلة من الضمانات الاجتماعية الشاملة. وتوسيع قاعدتها باستمرار، حتى يأتى ذلك اليوم الذى يستظل فيه بظلها كل فرد.

         اننا يجب ان نفهم الاشتراكية بالعقل وبالقلب معا. ولذلك لا يجب أن ننقطع عن التفكير فى جماهيرنا الأكثر حرمانا وفى وسائل توفير أكرم سبل العيش والأمان والتقدم لها. فالامم تقاس بمستوى قاعدتها العريضة لا بمستوى قممها القليلة.

         وقد كنت اعرف أن هذا كله لابد ان يحمل معه حركة أكبر للآراء والأفكار والاجتهادات. ولكننى كنت اؤمن ايضا أن هذا أمر مطلوب وصحى وانه الطريق الوحيد لتربية جماهيرنا على الفكر والحوار والمشاركة من خلال ما ارتضيناه من مؤسسات. كما اننى كنت واثفا من أن فطرة شعبنا السليمة، التى هى مصدر وعيه السياس الحساس سوف تكفل لنا ان نمارس هذه التجربة من النضج الديمقراطى في سلام.

         نحن نعلم أن الديمقراطية ليست مجرد نصوص ولكنها ممارسة عملية ويومية. والديمقراطية لا تمارس فى فراغ، بل لابد من اطارات تتحدد من خلالها الاتجاهات التى تخص أمور الوطن السياسية والاقتصادية والاجتماعية. ولقد ارتضى الشعب نظام تحالف قوى الشعب العامل اطارا لحياته السياسة. واننا في معركة البناء والتقدم لأحوج ما نكون لهذا التجمع. ومن ثم فاننى أرفض الدعوة الى تفتيت الوحدة الوطنية بشكل مصطنع عن طريق تكوين الأحزاب. ولكننى أيضا لا أقبل نظرية الحزب الواحد الذى يفرض وصايته على الجماهير ويصادر حرية الرأى ويحرم الشعب عمليا من ممارسة حريته السياسية. ولهذا فاننى حريص على أن يكون التحالف اطارا صحيحا للوحدة الوطنية تعبر من داخله كل قوى التحالف عن مصالحها المشروعة وعن آرائها بحيث تتضح الاتجاهات التى تحظى بتأييد الأغلبية والتى يجب أن تتبناها الدولة. أن التنظيم السياسى يجب أن يكون بوتقة للحوار تنصهر فيها الأفكار المتعارضة وتتبلور الاتجاهات التى تعبر بحق عما تريده القاعدة الشعبية العريضة. ان حرب

أكتوبر وما ظهر فيها من بطولات وما تأكد خلالها من معان وما برز اثئاءها من قيادات شابة يجب أن تعكس روحها على بنيان التنظيم السياسى وحركته.

         وبعد.. أن الحقد، لا يبنى شيئا.. ولا يجد مكانا في صفوف شعبنا الطيب.

         ونحن لا نريد أن نحارب معارك فات أوانها، وما زالت أمامنا أخطر المعارك كلها. معركة المستقبل. معركة البناء والتقدم.

         لقد بدانا بحرب اكتوبر مرحلة جديدة في حياة هذا الشعب العريق، أعيد تلخيص مهامها على النحو التالى:

1 - التنمية الاقتصادية بمعدلات تفوق ما حققنا حتى الآن.

2 - الاعداد لمصر عام 2000 حتى نوفر أسباب استمرار التقدم للأجيال المقبلة.

3 - الانفتاح الاقتصادى في الداخل والخارج الذى يوفر كل الضمانات للأموال التي تستثمر في التنمية.

4 - التخطيط الشامل والفعال الذى يكفل بالعلم تحقيق الأهداف العظيمة للمجتمع.

5 - دعم القطاع العام وترشيده وانطلاقه تمكينا له &#