خطاب الرئيس أنور السادات، فى عيد العمال، 1 مايو 1974
المصدر : " قال الرئيس السادات ، الجزء الرابع لعام 1974 ، السكرتارية الصحفية لرئيس الجمهورية ، ص 124 - 131 "

بسم الله..

         وكما هى العادة فى يوم أول مايو من كل سنة اجتمع بكم ايها الأخوة والأخوات وبكل عمال مصر من خلالكم فى هذه المنطقة التى كانت صحراء جرداء ثم صارت قلعة شامخة من قلاعنا الصناعية ورمزا من اكبر رموز نهضتنا الحديثة.

         وإذا كانت ثورة 23 يوليو هى التى فتحت أمامنا الباب لبناء هذه القاعدة الصناعية هنا، وفى اماكن عديدة أخرى من بلادنا فان سواعدكم وخبراتكم الفنية هى التى قامت بعبء هذا البناء من الصناعات الوطنية الضخمة التى لم تعرفها بلادنا من قبل.

آفاق الأمل الجديدة

         واذا كنا قد أقمنا هذه الصناعات الضخمة التى بذل الشعب الغالى والرخيص من أجلها لكى تساهم فى رفع مستوى معيشة شعبنا، ولكى تتسع لكل الأجيال المتوالية من الأيدى العاملة.. أى إذا كنا قد أقمناها للسلام ولتحقيق مجتمع الكفاية والعدل الا أنها كانت أيضا وبحق من أمضى أسلحتنا حين كان علينا ان نواجه امتحان الحرب والقتال والدفاع عن شرف هذا الوطن.. على اننا نحتفل بعيد أول مايو هذه المرة بعد سبع سنوات عجاف فى ظروف جديدة وتحت شمس جديدة.. وأمام آفاق من الأمل جديدة.

         كانت اجتماعاتكم فى اول مايو طوال السنوات السبع الماضية تعبيرا عن رفضكم ورفض شعبنا كله للهزيمة. وإصرارا على ضرورة تحمل الأيام الصعبة حتى نصل الى الساعة المرجوة.. الساعة التى نثبت فيها للعالم جدارتنا فى ساحة القتال ونثبت له أيضا استحقاقنا للنصر.

         هذه المرة نجتمع أيها الأخوة والأخوات بعد ان أنهت قواتكم المسلحة هذه السنوات العجاف. وبعد أن صابرت وصبرت وبذلت الجهد والعرق حتى جاء اليوم الذى بذلت فيه الدم واقتحمت قناة السويس العزيزة ودكت خط بارليف الحصين ورفعت أعلامها فوق رمال سيناء الغالية. وأنهت الى الأبد أسطورة العجز العربى والتفوق الاسرائيلى..

العمال.. سند حقيقى للجيش

         وإذا كانت قواتنا المسلحة الباسلة هى قطعة معبرة عن شعبنا كله، فيها الضابط والعامل والفلاح والطالب والمهندس والفنى. فان من حق العمال بالذات فى يوم عيدهم ان نسجل أنهم لعبوا دورا حيويا خطيرا فى المعركة، فى مجالات خاصة بهم، فهم الذين ساهموا مع قواتنا المسلحة فى بناء القواعد والطرق والمطارات وكل ما يلزم القوات المسلحة من انشاءات. وكانوا يقومون بذلك فى كثير من الأحيان تحت الضرب المتواصل من طيران العدو، وكان منهم شهداء. وهم الذين قاموا بواجبهم فى مصانعهم الحربية والمدنية خلال مرحلة الصمود وحرب الاستنزاف والاعداد للمعركة الكبرى من أجل تزويد القوات المسلحة بكل أحتياجاتها. خلال شهرين فقط، ايام حرب الاستنزاف زودت مصانعنا القوات المسلحة بما يقدر بـ100.000 طن من الحديد والصلب، وهذا مثل واحد من أمثلة كثيرة تدل على أن العمال كانوا سندا حقيقيا للجيش، وهم كعاملين فى المرافق الاقتصادية الحيوية قد تعرضوا ايضا للضرب من العدو فى أبو زعبل وغيرها حين ظن العدو انه بضرب هذه المواقع الانتاجية يمكن أن يكسر روحنا المعنوية، أو أن يحطم جبهتنا الداخلية.

         والعمال أخيرا كفئة كبرى من فئات هذا الشعب ساهموا مثل سائر الفئات فى تحمل أعباء الحرمان من أجل توفير كل احتياجات المعركة. ان العمال فى مصر بعد 6 اكتوبر المجيد هم أيضا جيش آخر منتصر.

الظروف المحلية والعربية والدولية قبل المعركة

         أيها الأخوة والأخوات:

         قلت أننا نجتمع اليوم بمناسبة أول مايو فى جو جديد.. جو لم نعرفه طوال سبع سنوات، ولكننى أريد فقط ان أعود الى خطابى الى عمالنا فى يوم عيدهم الماضى. ..يوم أول مايو 1973 فى المحلة الكبرى.. أى قبل المعركة بخمسة شهور فقط. قبل المعركة بخمسة شهور.. أى عندما كنا نعمل فى صبر وصمت فى الاعداد للمعركة، وكنا أكثر من ذلك قد حددنا لها موعدا تقريبيا هو مطلع الخريف.. ولعلكم تذكرون الجو الذى كان يحيط بقضيتنا فى ذلك الوقت محليا وعربيا ودوليا. كانت اصوات اليأس والتشكيك تحيط بنا من كل جانب. بل كان كثيرون من المتشككين يهاجموننا علنا ويحذروننا فى السر من عواقب الحرب والمغامرة. وكانت عربدة اسرائيل فى قمتها. كانت طائراتها لا تكف عن التحرك فى الفضاء الجوى المصرى وتضرب سوريا وتشن الهجمات البرية والجوية على لبنان من جنوبه الى شماله، وقد وجدت ان الجو قد خلالها حتى انه عندما لاحت بوادر أزمة الطاقة ارادت أن تؤكد ما كانت تحاول ان تبرهن عليه للعالم من انها القوة الحاكمة المسيطرة فى المنطقة. فقال متحدث اسرائيلى رسمى ان اسرائيل هى التى تضمن بارهابها منابع البترول العربى. وان الطريق بينها وبين الكويت صحراء مفتوحة تستطيع ان تقطعها فى ساعات. كان هذا هو التبجح الاسرائيلى قبل 6 اكتوبر.

         اما دوليا فقد كان لقاء القمة بين نيكسون وبريجنيف قد تم وبدأت قضية الشرق الأوسط تتراجع الى المؤخرة فى جدول اهتمامات الدولتين الكبيرتين بوصف انها قضية بدأت تلفظ أنفاسها الأخيرة. وان الاتصالات العربية الثنائية التى كنا منهمكين فيها ليست الا مجرد مسـرحيات، وان الارادة العربية غير موجودة ولا تخيف أحدا.

         اننى واثق من أن أبناء شعبنا جميعا يذكرون تلك الظروف واذا كنت أعيد رسم ملامحها اليوم فما ذلك الا بأمل أن يسمع بعض من فى آذانهم صمم ممن يتحدثون ويزايدون اليوم. وممن كانوا تجارا لليأس حتى الأمس القريب. وهم اذا كانوا يزايدون اليوم

فهم انما يزايدون من أرضية جديدة نحن الذين صنعناها ونحن الذين تحملنا مسئوليتها تلك هى أرضية الانتصار الذى حققناه فى حرب اكتوبر المجيدة.

         ماذا قلت لكم ايها الأخوة والأخوات فى خطابى يوم أول مايو 1973 فى العام الماضى؟

         قبل المعركة بخمسة شهور فقط، وفى هذا الجو القائم الذى حدثتكم عنه قلت وأكدت ذلك الشعار الذى أخذنا به جميعا. وهو "أن  ما أخذ بالقوة لا يسترد بغير القوة". وقلت "ان حالة اللاسلم واللاحرب لا يمكن أن نسمح باستمرارها" وقلت لا يهمنى ما أقرأه فى الخارج من خلال انهزامى وأحاديث الاستسلام لأنه كلام المقصود منه تثبيط همة العرب وبث الهزيمة فى نفوسهم وقلت لكم أيضا اننى اسمى المرحلة التى نواجهها مرحلة المواجهة الشاملة، لأن المسألة لم تعد مسألة معركة نخوضها عند خط النار فحسب، بل ان المسألة اكبر من ذلك بكثير. المسألة هى هل سنبقى ونعيش فى هذا البلد ولنا ارادتنا الحرة أم لا..؟ فاسرائيل لا تريد الاستيلاء على الأرض فقط، ولكنها تريد ان تتحكم فى المنطقة فتكون هى مركز الصناعة، ويكون العالم العربى مصدرا يزودها بالأيدى العاملة الرخيصة وتوجهت أيضا بحديث خاص الى الاتحاد السوفيتى قائلا: اننى أنبه الأصدقاء السوفيت الى أن محاولات الحل السلمى بغير القوة وهم وخداع، وان استمرار وقف اطلاق النار لا يخدم فى النهاية الا اسرائيل وحليفتها أمريكا.

سياستنا واضحة.. وقراراتنا وطنية

         قلت هذا فى العام الماضى، وقلت لهم أيضا فى نفس الخطاب بالحرف الواحد احنا ما بنشتغلش بوشين ولا بسياستين. أحنا بنشتغل بسياسة واحدة ووش واحد، وقراراتنا وطنية وليست قرارات اتفاق مع أحد لضرب أحد احنا بنتخذ قراراتنا من هنا فى مصر لمصلحة مصر، وأظن أن قرارات الصيف الماضى الخاصة بالخبراء، أوضحت لأصدقائنا السوفيت انه مكانش لعبة من وراء ظهورهم بالاتفاق مع أمريكا أو مع أى شخص آخر، احنا ناس نقدر للصديق موقفه يمكن نختلف وياه ولكن نختلف واحنا أشراف ما بنختلفش بخيانة ولا بغدر أبدا.

منطلقات وطنية. صريحة.أمينة

         أنا قلت هذا الكلام لكم فى أول مايو الماضى، قلت هذا وأظن أنكم سمعتمونى وأنا أكرره تقريبا منذ أسبوع وأنا أقدم ورقة أكتوبر إلى اللجنة المركزية ومجلس الشعب. ذلك ان مبادئنا الأساسية ومنطلقاتنا الأساسية لم تتغير. قبل الحرب ولا بعد الحرب لأننا نرى أنها منطلقات وطنية صريحة وأمينة أكثر من ذلك اننى حين تحدثت إليكم فى العام الماضى تحدثت أيضا عن أزمة الطاقة وقلت بالحرف الواحد انهم يضعون خطتهم على أساس أن اخضاعنا هنا فى مصر هو مدخل لاخضاع المنطقة كلها والسيطرة بالذات على منابع البترول ومصادر الطاقة والحجر على العرب باستخدام ثروتهم الطبيعية الكبرى. وختمت حديثى معكم يومها قائلا ان اصحاب أى قضية يجب أن يأخذوها فى أيديهم، وإذا كان علينا أن نقبل التحدى فلابد أن نغير الأمر الواقع، وأن نكسر كل محاولات تجميد الموقف. وقلت أيضا، سوف تجىء بإذن الله لحظة ندعى فيها إلى حمل مسئولية أقدارنا وأعرف أننا جميعا لن نتردد. ان هذا الوطن لم يعرف التردد فى التزامه الوطنى التحررى ولم يعرف التردد لالتزامه التقدمى الاجتماعى، ولم يعرف التردد امام التضحية والفداء.. قلته فى ختام حديثى إليكم فى العام الماضى، قلته أمام اخوانكم العمال فى قاعدة صناعية عظيمة أخرى فى المحلة الكبرى، وقبل المعركة بخمسة شهور فقط. وحين استرجع معكم اليوم هذا الكلام لا أسترجعه على أنه كان نبوءة تحققت. ولكن لأنه كان عزما أكيدا، وتصميما قاطعا وحساباً دقيقا، ولأننى حين تحدثت كنت أتحدث وقد اتخذ قرار المعركة بالفعل مصحوبا بعمل دائب ودراسة شاملة لكل الاحتمالات.

         حين ننظر الآن إلى الوراء أيها الأخوة والأخوات عبر هذه السنة الحافلة بالأحداث نجد أنه كان غريبا حقا بعد هذا الكلام كله ان المعركة كانت مفاجأة للعدو، ومفاجأة للصديق، ومفاجأة للذين كانوا يتشككون أو يتوقعون الكارثة بل لقد عرف بعد ذلك أن البنتاجون فى امريكا سأل إسرائيل ثلاث مرات خلال الأسبوع السابق للحرب عن معنى التحركات العسكرية المصرية التى كانت ترصدها الأقمار الصناعية الأمريكية. وكانت إسرائيل ترد فى كل مرة بأنها لا تعتقد أن المصريين يمكن أن يحاولوا أو يجرءوا على عبور القناة.

         لماذا؟

         لأن العالم كله كان قد فقد أى ثقة فيما يقوله العرب ولم يعد مستعدا لتصديق ما كانوا يعتبرونه مجرد دعايات وتهديدات، ولأن العالم كان قد عاش اجيالا طويلة وهو يرى اتساع المسافة بين ما يقوله العرب وبين ما يفعلون.

حرب أكتوبر جعلت العالم يصدق أقوالنا

         ولا نستطرد هنا فى الحديث عن اثار حرب أكتوبر فى مختلف الاتجاهات. لقد تحدثت عن هذا فى ورقة أكتوبر المطروحة عليكم والتى يهمنى جدا أن تقرءوها بامعان ولكننى أقول فقط فى هذا المجال : لو لم يكن لحرب أكتوبر المجيدة من أثر إلا أنها جعلت العالم لأول مرة يصدق ما نقول ويأخذ مواقعنا المعلنة مأخذ الجد لكفانا هذا سببا للفخر بما أنجزته حرب أكتوبر وما قامت به القوات المصرية والقوات السورية الباسلة فى تلك الملحمة المجيدة..

نظرة دولية جديدة لقوة العرب

         وإذ ا كان يسعدنا أن نسجل أن كل دولة عربية تقريبا قد ساهمت فى هذا النصر بنصيب، فإن هذه النظرة الجديدة من العالم إلينا تشمل اليوم كل دولة عربية فى مجال علاقاتها الدولية، ولم يكن هذا ممكنا بغير القتال الذى قاتلناه والتضحيات التى تحملناها.

نتكلم ونحن فى مركز القوة

         كان القول السياسى المأثور يقول: "هات القوة وتكلم. هات القوة وتفاوض" وهذا ما فعلناه بالضبط. وبهذا ما جعل الموقف العربى كله مختلف. كنا نتكلم وكنا نتفاوض بغير قوة أو بغير استعداد لاستخدام القوة، ولكننا اليوم نتكلم ونتفاوض بعد أن اثبتنا استعدادنا لاستخدام القوة ودفع ثمنها وبعد ان أظهرنا للغرب مصادر قوة متعددة. عسكرية واقتصادية ومعنوية.

         أيها الأخوة والأخوات:

         إذا كان من حقنا أن نعتز ونفخر بما انجزناه، فإن من واجبنا أن نسأل أنفسنا بعد كل مرحلة أين نقف الآن؟

المعركة لم تنته بعد

         والرد ببساطة هو أن أهم عنصر من عناصر الموقف والعنصر الذى لا يجب أن ننساه أبدا حتى ونحن نتحدث عن التعمير والبناء والانفتاح. هذا العنصر الذى لا يجب ان ننساه أبدا هو أن المعركة لم تنته بعد . لعل هذه المناسبة أشرح فيها أبعاد الموقف الراهن متوجها بحديثى إلى كل من كان حسن النية فى هذا الأمة مهما كان رأيه، وليس إلى الذين فى قلوبهم مرض. وإذا كان هناك من يتخذ مواقف يظن أنها تجلب له شعبية، فإن مسئوليتنا هنا فى مصر مختلفة. مسئوليتنا أن نعمل العمل المفيد للمصالح الحقيقية لهذه الأمة، وأن نصارحها بالأبعاد الحقيقية لكل موقف دون أن نلقى بالا إلى اى تشويش صادر عن عدم فهم أو عدم تقدير للمسئولية. لقد كان لنا هنا فى مصر موقفا ثابتاً من هذه القضية منذ سنة 1967 اقمناه على تقديرات دقيقة للظروف الدولية، والظروف العربية، والعلاقة الضرورية بين العمل العسكرى والعمل السياسى، والأهداف التى يمكن انجازها فى هذه المرحلة.. منذ سنة 1967 لنا هذا الموقف الثابت الذى لم يتغير.

الايمان المطلق بالمبدأ

         وأذكر هنا الذين ينتحلون اليوم صفة الحديث باسم عبدالناصر بعد أن كان هدفا لطعناتهم بالأمس.. أذكر هؤلاء بعدة أمور توضح هذا الموقف الثابت الذى اتحدث عنه.

         فى مارس سنة 69 قال عبدالناصر: مع إيماننا المطلق بمبدأ أعلناه ولم نشعر بالملل من تكراره وهو ان ما أخذ بالقوة لا يسترد بغير القوة إلا أن أحدا لا يستطيع أن يطالبنا بأكثر مما التزمنا به حتى قبلنا قرار مجلس الأمن الصادر فى 22 نوفمبر 1967.

         كان عبد الناصر بهذا يحدد الهدف الممكن على ضوء كل الظروف الموضوعية وفى عيد العمال فى سنة 70 بالذات وجه عبدالناصر نداء أخيرا إلى الرئيس الامريكى نيكسون لكى تعيد أمريكا النظر فى موقفها، الأمر الذى ترتب عليه تقدم أمريكا بما سمى بمبادرة روجرز. والتى قبلها عبدالناصر بعد ذلك. لقد كان فى هذا يعبر عن حقيقة أساسية أخرى من حقائق الموقف وهى أن الموقف فى الشرق الأوسط لن يتحرك بدون مساهمة فعالة من القوتين الكبريين معا: روسيا وأمريكا..

التضامن العربى أهم أسلحة المعركة

         الأمر الثالث الذى أذكر به أن عبد الناصر قد مات شهيدا فى محاولة من أشق وأقسى المحاولات محاولة الابقاء على خيط من التفاهم بين أكثر الأطراف العربية تباعدا واحساسا بالمرارة، أعنى بين المقاومة الفلسطينية والملك حسين وكان هذا بدوره تعبيرا عن إدراك أن التضامن العربى وتحقيق أكبر قدر مستطاع بشريا من هذا التضامن هو سلاح من أهم أسلحة المعركة. ولست فى حاجة إلى أن أقول أن هذا كله كان مقرونا بإدراكنا لأهمية القتال، ومن هنا كان عملنا الدائب لاعادة بناء القوات المسلحة ودخول حرب الاستنزاف التى تحملتها الجبهة المصرية والعمق المصرى سنتين كاملتين.

الارتفاع بوحدة الصف العربى

         ومنذ توليت المسئولية كان جهدى هو بالتحديد العمل على الارتفاع بوحدة الصف العربى إلى درجة تسمح بتنسيق حقيقى ساعة المعركة، والعمل على تحقيق التوازن والاستقلال فى علاقاتنا بالدولتين الكبيرتين بحكم تأثيرهما على الموقف وفى نفس الوقت وقبل كل شىء الاقتناع بأن هذا كله لن يحرك الموقف ما لم نحركه نحن ولن نحركه إلا بالقتال وبعد استنفاد الدور الذى الله حرب الاستنزاف فى مرحلة معينة كان لابد من الاعداد لمعركة هجومية نوجه فيها للعدو ضربة حقيقية كفيلة بأن تقلب الصورة وتغير من مواقف كل الأطراف. ولقد نجحنا فى هذا التخطيط بحمد الله.

ملحمة قتالية رائعة

         نجحنا نجاحا حقق لنا فى هذه المرحلة كل ما كنا نريده منها. نجحنا فى تحقيق تضامن عربى حقيقى تجلت مظاهره فى مشاركة الدول العربية لنا بالكثير من العون ساعة المعركة، ثم باستخدامها سلاح البترول لأول مرة ،وفى تحقيق ذلك التنسيق بين القوات

السورية والقوات المصرية فى ملحمة قتالية رائعة. نجحنا فى إلحاق أول هزيمة باسرائيل فى ساحة القتال وتدمير نظرياتها التى أقنعت بها العالم عن متطلبات الأمن الاسرائيلى. نجحنا فى تحريك القضية سياسيا لأول مرة بغير الكلام، وكان أكثر مظهر هو تغيير موقف الولايات المتحدة ذاتها من التجاهل المطلق للموقف العربى، وللاستهتار المطلق بالتهديدات العربية، إلى الاحساس بخطورة الموقف والسعى للمشاركة الجادة فى محاولة الحل.

موقف امريكا بالضبط

         أقف هنا قليلا عندما أسميه بتغيير الموقف الأمريكى. مما لا يعجب بعض المتعصبين الجامدين. ما الذى غير موقف أمريكا بالضبط ؟ هل غيرته خطابات سياسية أو مذكرات قانونية أو مقالات الذين يتنافسون على التطرف أوحتى قرارات الأمم المتحدة التى كانت تقف أمريكا فيها معزولة مع إسرائيل عن الأغلبية الساحقة لدول العالم؟ أبدا.. لقد عرقلت أمريكا كل قرار للأمم المتحدة، وعرقلت مباحثات الدول الأربع. روسيا وأمريكا وانجلترا وفرنسا. وعطلت مهمة يارنج. وسحبت مشروع روجرز الذى تقدمت به . لا شىء من هذا كله غير من موقف أمريكا، إنما الذى غير من موقف أمريكا أمران:

         الأمر الأول: هو المعركة ذاتها والنجاح الذى لم تكن تتوقعه أبدا لقواتنا.. فبعد أن قالت لها إسرائيل أنها ستقضى على قواتنا فى 48 ساعة عادت إسرائيل بعد أربعة أيام من القتال تستغيث وتطلب من أمريكا النجدة.

         الأمر الثانى: هو تحول التضامن العربى إلى حقيقة واقعة سواء فى زمالة السلاح أو فى استخدام سلاح البترول.

         لقد اكتشفت أمريكا ببساطة أن أسس انحيازها المطلق لاسرائيل واستهتارها الكامل بالعرب لم تعد صالحة للصمود.. اكتشفت أمريكا أن إسرائيل قابلة للهزيمة على أيدى العرب، بل رأتها تنهزم فعلا وتستغيث، ولا تواصل المعركة إلا بأضخم جسر جوى كان ينقل إليها السلاح والفنيين إلى الخطوط الخلفية لنا مباشرة.

انتصاراتنا غيرت موقف أمريكا

         اكتشفت أمريكا أن " البترول " تلك السلعة الاستراتيجية الأولى يمكن أن يكون سلاحا يستخدمه العرب بعد أن كانت تعتمد على خوفهم أوعلى أنقساماتهم وكانت تعتقد أن إسرائيل بالتالى تحرس لها هذا البترول، اكتشفت أن إسرائيل بالتالى لن تستطيع أن تحرس لها هذا البترول أو أن تضمن لها وجودها فى المنطقة ولم تعد إسرائيل عصا غليظة فى يد أمريكا ترهب بها العرب. هذا كله هو الذى غير موقف أمريكا ولم يكن ممكنا إلا أن تغير أمريكا من موقفها.. ببساطة أى أننا نحن الذين غيرنا بهذا كله موقف أمريكا وبالتالى فهذا هو أحد انتصاراتنا التى حققها العرب والتى يجب أن تكون مصدر الهام لهم. وليس مصدر تشكيك وتنديد كما تحاول قلة أن تصور الأمور والواقع أننى لا أعرف كيف اصف هؤلاء الذين يتحدثون ويكتبون من منطلق واحد هو التشكيك فى قدرة هذه الأمة والتقليل من انتصاراتها. حرب أكتوبر بكل ما غيرته من أوضاع ومفاهيم يشككون فيها. .سلاح البترول فى أول استخدام له لا يعجبهم.. تغيير موقف إحدى الدولتين العظيمتين بمجهودنا العربى يرونه خطوة إلى الوراء.

حركتنا مرسومة ودائمة وتمضى إلى الأمام

         إن كان هذا سوء فهم فهو مأساة. وإن كان سوء نية فالمأساة أعظم.. إن من يتجاهل أن أمريكا تضمن أمن اسرائيل، وأن روسيا أيضا تضمن أمن اسرائيل. وأن المجتمع الدولى كله حين لا يذهب إلى أبعد من قرار مجلس الأمن يضمن أيضا أمن اسرائيل.. إن من يتجاهل هذا إنما يدفن رأسه فى الرمال.. ونحن من موقع المسئولية التاريخية تجاه قضايا هذه الأمة لسنا مستعدين أن نريح أنفسنا بدفن رءوسنا فى الرمال ونحن لا نمضى فى خطوات نضالنا على غير هدى، ولا نكتفى أن تكون خطواتنا مجرد رد فعل. ولكننا ندرس عناصر كل موقف، ونتحرك حركة مرسومة ولكنها دائمة وبعون الله إلى الأمام.

         ان عداءنا لأمريكا لم يكن أبدا مسألة مبدأ. ولكن مسألة سياسات متعارضة ومتصادمة.

نسالم من يسالمنا ونعادى من يعادينا

         دعونى أذكركم بشعارنا منذ بدء الثورة: " نسالم من يسالمنا ونعادى من يعادينا" كما تغير موقف أمريكا بالمعنى الذى شرحته ليس معناه أننا نعطيه مكانا على حساب مبدأ أو على حساب أحد. إننا لا نريد أن نفرط فى صداقة الاتحاد السوفيتى. ولا أن ننقص من رصيده لدينا، ونحن قد نختلف، ولكننا نختلف من وجهة نظرنا لا لحساب أحد. وقد سبق ونحن فى قمة الصراع ضد أمريكا حول حلف بغداد وذيوله أن اختلفنا فى نفس الوقت اختلافا علنيا شديداً مع الاتحاد السوفيتى فى سنة 1959.

المراهقون السياسيون

         لقد كان أحد أسس ثورتنا من يومها الأول عدم الانحياز ورفض الدخول فى مناطق النفوذ واستقلال إرادتنا الوطنية. وقد خضنا فى سبيل هذا أعتى المعارك. ورفضنا العدول عن هذا المبدأ حتى ونحن منهزمين أو معزولين. وليس يعقل أن نقبل ونحن أقوياء منتصرون ما رفضناه ونحن منهزمون. ولكنهم "المراهقون السياسيون" ، والذين بقدر ما لهم من أصوات عالية فإن قلوبهم ضعيفة لا زالت خائفة من تصديق عناصر القوة العربية الجديدة. هؤلاء وهؤلاء هم الذين لا يرون المتغيرات العربية والدولية ولا يرون أن من حق أمتهم أن تمارس فى ثقة بالنفس ما تمارسه اليوم سائر الأمم.

         كيسنجر فى موسكو وبكيى "كويسى" لكن فى القاهرة ودمشق والجزائر"خيانة ط وساطة كيسنجر فى حرب فيتنام ومباحثاته مع

فيتنام الشمالية " انتصار لفيتنام وليس ضد الاتحاد السوفيتى " لكن وساطته فى الشرق الأوسط ومباحثاته معنا "هزيمة وعمل ضد الاتحاد السوفيتى " مكتب للبنك الأمريكى تشيس مانهاتن فى موسكو يفتح مكتب " كويس" لكن مكتب لنفس البنك فى مصر "خطر علينا"

         إستخدام رؤوس الأموال الأمريكية والألمانية واليابانية لاقامة مصانع فى روسيا ولاستثمار حقول الغاز فى سيبريا" كل ده مقبول"...  لكن استخدام هذه الأموال لتعمير مدن القناة واحياء الصحراء الغربية" غير مقبول " ؟ ؟ مراهقة سياسية وصراخ أقل ما يقال عنه انه يخفى المرض وعدم الثقة بالنفس..

         إن الذين يحاولون أن يقيدوا حركتنا بهذا الصياح غير المسئول لن ينجحوا فى ذلك. والحكم الصحيح على صياحهم هذا هو أنهم يحاولون اجهاض انتصارات الأمة العربية والعودة بالقضية التى حركناها بالدم، العودة بها إلى التجمد وهذا هو ما تريده اسرائيل وتعقد عليه أملها فى الخلاص من المأزق الذى وجدت نفسها فيه بعد حرب أكتوبر..

الشرارة.. والعبور.. وفك الاشتباك

         وأعود فأقول ما قلته مرارأ أن المعركة لم تنته بعد. وأننا وقد سمينا حرب أكتوبر" الشرارة " اى أنها البداية، وأن العبور وفك الاشتباك مرحلة سوف تتلوها مراحل أخطر. وأن قواتنا العسكرية وتجربتنا القتالية اليوم أكبر وأعظم وأن صراعنا صراع أجيال بأشكاله العسكرية والسياسية والحضارية ، وأن جيلنا يقوم بواجبه فى تخليص أمتنا من عار الهزيمة وفتح أبواب التقدم والانطلاق أمامها. وتسليم الأمانة إلى الأجيال المقبلة فى صورة وطن قادر على النصر، عامر بالثقة بالنفس. مؤهل لمواجهة التحديات المقبلة.

الموقف العربى متماسك

         إن الموقف العربى متماسك وكل محاولة لشق التضامن العربى محكوم عليها بالفشل، وكل من يحاول هذا سوف يجد نفسه فى النهاية معزولا عزلة لا تنفعه ولا تنفع المستقبل العربى الذى انفتحت أمامه الأبواب..

النصر منطلق للبناء الجديد

أيها الأخوة والأخوات:

         لعلكم تذكرون أيضا أننى قلت فى عيد العمال الماضى أننا يجب أن نتخذ من الهزيمة منطلقا لبناء جديد، وقلت ذلك وقتها وأنا واثق من أن الهزيمة لن تستمر واليوم وقد عبرنا الهزيمة يمكن أن نقول أننا نتخذ من النصر منطلقا لهذا البناء الجديد. ولكن كلمة البناء لم تعد كلمة سهلة فى هذا العالم الذى نعيش فيه.. إن الصراع الدولى والتنافس بين الأمم ينتقل بسرعة من الساحات السياسية والعسكرية وحتى الأيديولوجية إلى الساحات الاقتصادية.. فالعالم الغربى الصناعى المتقدم نتيجة لسياسات استهلاكية مسرفة وقصيرة النظر يحفل اليوم بالأزمات الاقتصادية والمالية وأيضا اهتزاز عملاته. وفوق كل شىء التضخم الهائل، أى تلك الزيادة فى الأسعار التى يمتد أثرها على الفور إلى العالم كله..

         لقد أدى هذا الصراع على كل أنواع الخامات التى تدخل فى كل شىء من الحديد إلى الأسمدة. وبالتالى إلى المواد الغذائية الأساسية. الأمر الذى ساهم بدوره فى رفع أسعارها بمعدلات لم يسبق لها مثيل. لقد صار التحكم فى هذه الموارد أو فى أسعارها اخطر من التحكم القديم على العالم بواسطة الأسلحة والجيوش.

         لم تعد هذه الأخطار نظرية بل صار العالم فعلا يواجه مجاعة فى معظم الأساسيات من القمح إلى اللحوم إلى الورق إلى مواد البناء.. لأول مرة تعقد دورة خاصة للأمم المتحدة لبحث هذه القضايا. وكان ذلك بمبادرة من الرئيس الجزائرى هوارى بومدين فى محاولة لوضع الدول الغنية أمام مسئولياتها. او لتوحيد مواقف الدول الفقيرة المنتجة للخامات والتى تخسر خاماتها فى مقابل ما تدفعه من أموال باهظة للحصول على ما يلزمها من سلع فضلا عما تحتاجه لتنفيذ خططها للتنمية..

ورقة أكتوبر.. واستراتيجية التقدم

         من أجل هذا كان لابد أن يكون تصورنا لمرحلة البناء والتنمية المقبلة أكثر شمولا وأن يأخذ فى حسابه كل هذه الاعتبارات، وان يضع فى معركة البناء القادمة كل ما هو متاح لنا من قطاع عام هو حجر الأساس فى الانطلاق، إلى قطاع خاص يشجع حوافز الانتاج بدلا من حوافز الاستهلاك لدى أكبر عدد من الأفراد، إلى أستفادة من المال العربى الذى يجب أن يجد أحسن فرصة وضمانات لدينا. إلى الاستثمار الأجنبى الذى ينقل إلينا معه أحدث وسائل العلم والتكنولوجيا.. من هنا ومن هذا المنطلق قدمت إلى الشعب "ورقة أكتوبر" بحيث تضم هذا التصور الشامل لاستراتيجيتنا فى التقدم والوسائل الأساسية التى يجب أن نستخدمها من أجل تحقيق هذه الأهداف وحددت يوم 15 مايو للاستفتاء الشعبى عليها، وشكلت وزارة جديدة مهمتها ان تبدأ العمل فورا لتحويل "ورقة أكتوبر" إلى برامج مفصلة تأخذ طريقها إلى التنفيذ بسرعة..

كل مواطن له دور فى معركة البناء

وقد قصدت بطرح ورقة أكتوبر للاستفتاء الى أكثر من مجرد ان تكون وثيقة تلتزم بها كل مؤسساتنا بخطها العام فى كافة المجالات طبعا.. لقد قصدت أيضا أن يقرؤها وأن يدرسها كل مواطن لأننى كما قلت فيها: ان كل مواطن له دور فى