خطاب الرئيس أنور السادات، فى الذكرى الثانية والعشرين لثورة 23 يوليه، 23 يوليه
1974
المصدر: "قال الرئيس السادات، الجزء الرابع لعام 1974، السكرتارية الصحفية لرئيس الجمهورية، ص
226 - 231".

بسم الله
          أيها الأخوة والأخوات..

          تمر الأيام والسنون وتبقى تلك الليلة الخالدة التى خلت منذ 22 عاما تبقى ماثلة فى وجدان جيلنا لا تنسى ذكراها ولا ينطفئ نورها. ففى تلك الليلة المشهودة كانت الأحداث التى لم تستغرق سوى ساعات تعتصر فى ثنايا هذه الساعات القليلة آلام قرون طويلة مضت وتحدد آمال أجيال كثيرة مقبلة قبل أن يتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر كان الصراع قد حسم نهائيا لمصلحة الشعب وكانت تلك الليلة قد أعطت شعبنا عطاء سخيا ما زالت آثاره تتوالى وتتجدد حتى يومنا هذا، واذا كان البيان الاول الذى حملته أمواج الأثير حين انبلج صباح ذلك اليوم ليحمل بالنسبة لى وبالنسبة لاخوة آمنوا بربهم وبوطنهم فقاموا فى تلك الليلة أقول اذا كان هذا البيان يحمل بالنسبة لى ذكرى خاصة فان كل من كان فى سن الوعى على أرضنا فى ذلك الصباح البعيد منذ 22 عاما لا شك أنه ما زال يذكر تلك الشحنة الكهربائية التى سرت فى أوصال الأمة مع كلمات ذلك البيان الأول فأضاءت كل قلب مخلص وهزت إلى الأعماق كل ضمير وطنى.

          ولقد تجلى هذا على الفور حين أدرك الشعب مغزى ذلك البيان الموجز فانطلقت جماهيره تؤيد ما حدث فى موجة من الحماس الجارف والاجماع الذى لا نظير له والذى أسقط جبروت الطغيان والفساد السابق فى لحظات.

          بهذا الاجماع الشعبى أكتسبت الحركة صفتها كثورة وليس كمجرد انقلاب، وبهذا الاجماع الشعبى الفذ اكتسبت الثورة منذ الساعات الاولى شرعيتها الكاملة المستمدة من ارادة الشعب.

ولم يكن ما تم فى تلك الليلة عفويا ولا مرتدا ولم يكن مغامرة دفع اليها الحماس، بالعكس لقد كان ذلك نتيجة جهد وتأمل وعمل طويل محفوف بالمخاطر ونتيجة لاستقراء مستمر لفيض هذا الشعب بآلامه وآماله ونتيجة صبر طويل قاس حين كان الغطيان الشعبى فى كل مكان ينم عن نفاذ الصبر كذلك لم تنبت أحداث تلك الليلة من فراغ ولا انفردت بانضاجها الطلائع الثورية التى كان عليها أن تتحمل المسئولية التاريخية فى تلك الليلة الخالدة إنما جاءت تلك الليلة والحركة الوطنية فى احدى قمم نضاله والنظام القديم فى قمة تفسخه وانحلاله، فقد كانت الوزارات تعيش بالأيام بل وبالساعات وكان مجرد تمارض السفير البريطانى يزلزل أركان الحكم كانت الرشوة السافرة تلعب دورها فى تشكيل الوزارات وإسقاطها كان محصول البلاد الرئيسى ونتاج عرق جماهيرها وهو القطن محل مضاربات شهيرة بين أصحاب السلطة على أهم مصدر لقوت الشعب ووصل الكفاح الوطنى ضد الاحتلال الإنجليزي الى طريق مسدود بحريق القاهرة واسدال ستار من الظلام على طموح الجماهير. وكانت الصيحات المطالبة بالقليل من العدل واليسير من التحول الاجتماعى قد ضاعت هباء ازاء تحكم النصف فى المائة الذين كانوا يستأثرون بكل شئ وباتت مصر كلها على شفى أحداث لو انطلقت لاتخذت طريقا دمويا شاملا كما حدث أمام أعيننا فى بلاد كثيرة ولكن ثورة 23 يوليو حملت معها الخلاص دون إراقة قطرة من دماء وجنبت البلاد خلال عملية التحول أهوالا عرفتها وتعرفها بلاد غيرنا.

كانت بهذا أيضا منسجمة مع طبيعة هذا الشعب المتحضر العريق الذى لا يستمع الى نداءات الصراع الدموى ولا يحل مشاكله على أعواد المشانق ولا بد أن نذكر فى هذا اليوم بكل مشاعر الاجلال والوفاء الزعيم الخالد جمال عبد الناصر مفجر ثورة 23 يوليو.

          لقد خضنا معه قبل قيام الثورة امتحان التنظيم والترتيب والمخاطرة والحساب وامتحان الاحساس بالضمير العام للأمة واستلهام آمالها الحقيقية فى وجه جموح السلطة البائدة وجبروتها ودعاياتها التى لم تفلح فى أن تضلل الشعب عن عفنها الداخلى وخضنا معه بعد قيام الثورة المعارك التى شنت علينا من اليوم الاول سواء بقصد احتوائها أو تدميرها أو تمزيقها من الداخل. واستطعنا معه عبر التحديات المحلية والدولية والتى تحالفت فيها ضدنا أحيان أعتى القوى وأخبث الوسائل استطعنا أن نحقق انجازات غيرت وجه الحياة فى مصر وغيرت دور مصر فى العالم.

          إن تحرير الارادة الوطنية واقامة أول سلطة مصرية منذ قرون واجلاء الاحتلال بعد ثلاثة أرباع القرن ومعارك تأميم قناة السويس وبناء السد العالى واقامة قاعدة الصناعة الوطنية الكبرى واعادة توزيع الملكية الزراعية واقامة القطاع العام وتحقيق مكاسب العمال وتعميم حقوق التنظيم والتأمين والعلاج والمكانة التى صارت لمصر على المستوى العربى والدولى، أن هذه كلها ليست سوى علامات أو عناوين تندرج تحتها مئات التفاصيل والتجارب والمواقف عشناها كلها مع عبد الناصر وزاملناه خلالها وهو فى وقت العواصف الهوجاء وشاهدنا معا تلك المشاهد كلها.

          أيها الأخوة والأخوات...

          اننى هنا لا أروى قصة نضالنا الوطنى كاملة منذ 23 يوليو سنة 52 بما كان لا بد أن يصاحبها من هزائم وانتصارات ومن سلبيات وإيجابيات ولا شك أننا فى سبيل هذه الأهداف العليا التى أخذناها على أنفسنا قد تحملنا الكثير ودفعنا الكثير ولكننا حين ننظر الى المحصلة الأخيرة سوف نجد أن التجربة المصرية كانت من أبرز التجارب فى العالم الثالث منذ هبت رياح التحرر والتغيير على هذا العالم عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية.

          كذلك فان هذه التجربة كانت رائدة فى الكثير من المجالات والتجربة الرائدة التى تتقدم غيرها هى التى تواجه عادة بأعنف المقاومة وهى التى تتعرض عادة لمزالق ارتياد الآفاق الجديدة وانه لمن حقنا أن نعتز بأن الكثير من القيم التى صار لها مكان فى عالم اليوم كنا نحن من أبرز المساهمين فى إضفائها.

          اننا اذا تحدثنا اليوم عن حق كل دولة فى التحرير الوطنى وفى اختيار أسلوب تدريباتها الاجتماعية أو عن تجارب الاصلاح الزراعى والتنمية الصناعية أو عن تحرير الارادة العربية وسيطرة الاقطار العربية على ثرواتها واخراج آخر جندى أجنبى من

أراضيها أو عن رفض الدخول فى مناطق النفوذ والانصياع لأوامر الدول الكبرى أو عن ايجاد كتلة عدم الانحياز والكتلة الافريقية والمجموعة الآسيوية والافريقية وما أثرت به فى حياة العالم بل وحتى عن الانفراج الدولى وابتعاد شبح الحرب العالمية بعد أن لم  تعد الدول الصغرى غنائم يتصارع الأقوياء عليها.

          إننا اذا تحدثنا عن أى حقيقة من هذه الحقائق فسوف نجد لثورة 23 يوليو دورا طليعيا فيها، لم تكن مصر ولم تكن الأمة العربية ولم تكن العلاقات الدولية فى تلك الليلة الخالدة منذ 22 سنة كما هى اليوم.. ولقد ساهم فى هذا التغيير ثوار ورواد كثيرون وشعوب وقيادات كثيرة وكذلك كانت أعلامنا موجودة ماثلة متعرضة للعواصف والانواء فى كل ساحة من هذه الساحات.

          أيها الأخوة والأخوات...

          إن هذه الصفحات من ثورة 23 يوليو صارت الآن ملكا للعالم وملكا للتاريخ ولقد صدرت وسوف تصدر مئات الكتب وآلاف الدراسات فى مختلف أنحاء العالم معلقة على التجربة المصرية من شتى وجهات النظر .

          ولكننى أحب أن أذكر أولئك الذين ينظرون الآن الى الوراء ويحللون ما مضى بأن الأسلوب العلمى الموضوعى لا يكون بتحليل لاحداث خارج الظروف التى جرت فيها.

          إن البعض يأخذون على ثورة 23 يوليو ومعاركها ضد الاستعمار ومقاوماتها لمناطق النفوذ ويحسبون ما تحملناه فى هذا السبيل ولكنهم ينسون أن هذه المعارك فرضها علينا الاستعمار ولم نفرضها نحن عليه لاننا ببساطة كنا نطارد وجوده أو نفوذه من بلادنا ولم نكن نهاجم بلاده وينسون أنه بغير هذه المعارك ما كان ليحسم تاريخ الاستعمار فى العالم بعد قرون ولو لم نتصد له نحن وغيرنا من الشعوب التى ظلت تلك القرون مغلوبة على أمرها لما صار لهذه الشعوب الوزن الذى لها اليوم ولظل المندوب السامى لهذه الدولة أو تلك كما كان هو الذى يقيم الحكومات ويسقطها ويتخذ القرارات ويلغيها ويخضع مصالح هذه الشعوب لمصالح بلاده.

          والبعض يأخذون على الثورة نضالها فى الساحة العربية وينسون العائد القومى الضخم من تدمير أسطورة الجزائر الفرنسية ومن انسحاب الاستعمار من الخليج واليمن وأطراف الجزيرة العربية وينسون الاحباط الذى لحق بمحاولات تقسيم العالم العربى بين شرق وغرب وينسون الفشل الذريع الذى منيت به سياسات دولية تقليدية قامت دائما على أساس عزل مصر .

          والبعض يأخذون على الثورة أختيارها لتجربة اشتراكية مصرية ونضالها من أجل التحول الاجتماعى وتركيزها على اقتحام تجربة التصنيع ولو دفعنا ثمن الاخطار التى تلازم كل تجربة ومن هنا أيضا ينسون أن هذا التحول نحو مزيد من العدالة الاجتماعية هو قانون العالم كله وان تعددت الأشكال والصور وينسون أن عدد السكان فى مصر قد زاد الى الضعف خلال سنوات الثورة وحدها.

          انه بغير هذا الاستثمار القومى فى هذا الاتجاه لتدهورت حياة الشعب ولانفجرت الصراعات الدموية والتمزقات التى نراها فى بلاد أخرى كثيرة فأخرت فى سلوك هذا الطريق وتحاول اليوم أن تلحق به.

          اننا لا نطلب لتجربتنا الثورية العصمة من النقد بل أن حركة التصحيح التى قمت بها فى 15 مايو كانت ممارسة عملية وتطبيقية لهذا النقد ولكننا فى الوقت نفسه لا يجوز أن نهدر نضالنا القومى بدوافع من الثأر أو الحقد ولا يجوز لنا ونحن نسجل الثورة أن نتصور ان تحولا بهذه الضخامة يمكن أن يقع خاليا من الاخطاء والسلبيات ولا يجوز أن نقبل محاكمة من قلة معزولة عن واقعنا الاجتماعى وعن الظروف القاسية لشعبنا المقيد منذ قرون بأغلال الفقر والتخلف لا يجوز أن نقبل محاكمة من قلة سمحت لها ظروفها الاجتماعية أن تعيش بعقلها فى أوربا وأمريكا وبلاد سبقت الى التقدم والثراء وتظن أن مجرد استعارة بعض مظاهر الحياة هناك هو الحل لمشاكل شعبنا العميقة أن هؤلاء فى واد ومجموع شعبنا أزاء مشاكله الحقيقية فى واد آخر وأننا لعازمون على اننا لا نفقد أبدا تلك البوصلة أو ذلك المؤشر الذى يحدد لنا طريقنا دائما وهو خدمة مصالح أوسع الجماهير.

          أيها الأخوة والأخوات..

          لقد كان قدرى كما تعلمون أن أحمل المسئولية فى ظروف ربما كانت من أحرج الظروف التى يمكن أن يمر بها بلد من البلاد وقد كنت أدرك منذ اللحظات الأولى لتحملى المسئولية بعد أن فاجأنا القدر باستشهاد جمال عبد الناصر نعم باستشهاده وهو يقود آخر معاركه من أجل توحيد كلمة الأمة العربية واخراجها من حرب أهلية ناشبة كما تذكرون جميعا كنت أدرك منذ تلك اللحظات الأولى لتحملى المسئولية جسامة ما ينتظرنى وما سوف يكون على أن أواجهه ففى السنوات الأخيرة من حياة عبد الناصر كنا نعمل معا وكانت هناك أمور كثيرة لا يعرفها سوانا. وهكذا كنت أعرف تماما ومنذ البداية كل مخاطر الطريق وقد كانت ثقتى بالله وبأصالة هذا الشعب وبسلامة فطرته وبرسوخ المبادئ الأساسية لتجربة 23 يوليو هى ما اعتمدت عليه فى مواجهة تلك المرحلة التى كانت كما قلت من أحرج ما يمكن ان يمر بأى بلد وبأى قيادة من امتحان.

          كانت مرحلة بالغة الحرج والخطورة فعلا ومن نواح متعددة فمن جهة كانت هناك ثمار نضال وتجربة عمرها ثمانية عشر عاما أرسينا خلالها الاساس الصلب الذى يمكن أن ننطلق منه الى مراحل جديدة ومع ذلك فقد كانت هذه المكاسب كلها عرضة للضياع التام لو أن النكسة استمرت ووصلت الى نهايتها وبالتالى بيفتح الباب لينقض المتربصون على هذه المكاسب لتدميرها من الاساس.

          ومن جهة ثانية كان هناك احتلال اسرائيلى يعلن كل يوم عن عزمه على البقاء تدعمه فى ذلك احدى الدول الكبرى وهى الولايات المتحدة الأمريكية ويقترن بهذا طبعا الأعباء المالية الباهظة المترتبة على ذلك وضغطها على حاجات المواطنين والضغط النفسى الرهيب الكظيم ازاء استمرار هذا الوضع الجارح لكل نفس.

 ومن جهة ثالثة كانت هناك تحولات دولية كبرى واتجاه نحو الوفاء الدولى رأى فى حالة الركود العربى الشامل ما يبرر له تجاوز مشكلتنا وعدم اعتبارها أحد الأخطار التى تهدد السلام العالمى وبالتالى فلا بأس من أن تمتد حالة اللا سلم واللا حرب ثم تمتد طالما أنها لا تزعج أحدا.

          ومن جهة رابعة كانت هناك قوى فى الداخل ظنت أن وظائفها الرسمية تعطيها أكثر من حقها الشرعى فبدأت تتصرف بمنطق الوصاية على هذه الأمة وكان من مصلحة استمرارها فى هذه المراكز أن تجمد التجربة المصرية وأن تتجاهل كل الدروس التى تعلمناها قيادة وشعبا من نكسة 67 بهدف واحد هو محاولة تلمس كل سبيل لادانة وصاياتها وفرض إرادتها.

          ومن جهة خامسة كانت هناك الى جانب الآلام الكظيمة آمال عظيمة يريد شعبنا أن يمضى اليها ويرى من حقه بعد نضال الثمانية عشر عاما أن يقطف ثمارها ولكن كانت هناك كل العقبات السابقة تبدو وكأنها تسد أمامنا الافق الرحيب وتفرض علينا حيرة وبلبلة تجعلنا لا نعرف طريقنا بالضبط ولا ما هو المحط.

          وأخيرا من جهة سادسة كانت هناك الساحة العربية المفككة الحافلة بالشكوك المتبادلة كما كانت هناك فى هذه الساحة أيضا سوق رائجة للمزايدات والمناقصات التى لم تكن تحاول أن تنتهج أسلوبا تحليليا علميا لفهم الواقع أو لا كتشاف الطريق الذى يمكن أن يؤدى الى تغيير هذا الواقع .

          هذه العوامل الستة التى أجملتها والتى يمكن أن أشرح كل ظرف منها شرحا مستفيضا أقول أن هذه العوامل كلها تشابكت وتداخلت بحيث جعلت الظرف الذى توليت المسئولية فيه كما قلت لكم من أخطر الظروف وأحرجها وأكثرها تعقيدا كانت مجرد حركة واحدة خاطئة أو خطوة واحدة متسرعة أو إذعان للحظة واحدة لضغط داخلى أو خارجى كان أى شئ من هذا كفيلا بأن يضيع معه كل شئ.

          ومرة أخرى أقول كان اعتقادى فى مواجهة هذه الغابة الكثيفة من الظروف المعقدة المتشابكة وفى الخروج من هذا التيه الشاسع كان اعتمادى على ثقتى بالله سبحانه وتعالى وبعدالة قضيتنا وبالوطنية المصرية المستعدة دائما للتحمل والعطاء وكذلك كانت أمامى دائما تلك الينابيع الأولى التى نبعت منها ثورة 23 يوليو والتى خضنا من أجلها كل تلك المعارك وواجهنا ما فرضته علينا من تحديات وببساطة كانت تلك المنطلقات الاولى للثورة التى جمعتنا حول رايتها هى :

          تحرير الارادة الوطنية المصرية وجعل القرارات العليا كلها مصرية مائة فى المائة وهى أيضا التمسك بتجربة اجتماعية مصرية لم نقصر خلالها فى الاستفادة من شتى التجارب ولكن بشرط أن تكون صالحة لتربة هذا الوطن وهى أيضا رفضنا المطلق أن نجمد هذه التجربة الحية في أى قوالب جامدة سواء كانت من صنعنا أو من صنع غيرنا. ومن تأمل هذه الينابيع الاساسية سوف يجد أى باحث معنى القرارات الاساسية الكبرى التى اتخذتها خلال تلك الفترة وسوف يجد المنطق الذى يربط بينها جميعا. كان هناك قرار تنحية مراكز القوى كمدخل لا بد منه لتحرير الارادة الشعبية التى تعزز بحريتها حرية الارادة الوطنية وكمدخل لا بد منه لمرحلة من إعادة تقييم الماضى وتطويره والاستفادة من تجاربه خصوصا بعد أن برهنت لى الظروف والتصرفات على أن تأجيل حسم هذه  القضية سوف يجعل وضع هذه الوصاية الخفية على الشعب يتفاقم ويضع قيود مصطنعة على التجربة المصرية وكان منطقيا بعد ذلك القرار الثانى بالبدء وبسرعة فى وضع الدستور الدائم واقامة دولة المؤسسات وترسيخ مبدأ سيادة القانون وتصفية الاجراءات الاستثنائية التى كان يقينى أن ضروراتها قد زالت وأن تعزيز أساس العدل الاجتماعى بالأساس الثانى وهو الحرية السياسية هو أعظم وأفعل فى ضمان مكتسبات الثورة من أى اجراء استثنائى خصوصا بعد أن استقرت المبادئ الاساسية لهذه الثورة وتعمقت جذورها فى أضمن تربة وهى ضمير هذا الشعب. ولم نكن خلال هذا كله غافلين عن أن العدو على شاطىء القناة وعلى أراض عربية كثيرة وانه لا محالة آخر الأمر من القتال فلم يعطلنا هذا لحظة واحدة عن التمهيد للمعركة سواء باعداد المناخ الدولى لمناسب أو بترتيب الجبهة العربية قدر الطاقة أو بتعزيز قدرتنا القتالية بكل الوسائل الممكنة. ومع ذلك فمع هذا الادراك والعمل المستمر كان قرارى الثالث بانهاء خدمة الخبراء السوفيت بعد أن صار أبناؤنا وخصوصا وأن شبابنا المتعلم الجديد الذى هو نتاج حركة التعليم الواسعة التى نهضت بها الثورة أقول أصبح هذا الشباب قادرا على استيعاب أحدث الأسلحة وأكثرها تعقيدا وكما حدث بالنسبة لكل قرار من هذه القرارات المصيرية تعرض هذا القرار للتفسيرات والتأويلات خصوصا من الاتحاد السوفيتى ذاته وتعرض للحملات التى حاولت أن تصور القرار على أنه عدول نهائى عن المعركة وأنه صفقة مع أمريكا وكان العكس تماما هو الصحيح لقد أرادت اسرائيل ان تجعل المواجهة بينها وبيننا دائما مواجهة بين روسيا وأمريكا حتى يتجمد الموقف ازاء قضية خطر المواجهة بين الدولتين الأعظم وأردنا نحن أن تكون المواجهة وطنية وقومية تماما نحمل نحن مسئوليتها ونملك بذلك حرية حركة لا نورط بها أحدا وهو ما أثبتته الاحداث كلها وبعد ذلك كما تعلمون ولعلكم تذكرون أننى خاطبتكم خلال تلك الظروف وفى مثل هذا اليوم قبل سنتين وقلت لكم وللعالم بالتحديد اننا نفضل أن يسيل الدم الزكى فى ميدان القتال على أن نظل أسرى حالة اللاسلم واللا حرب. وقلت أيضا ليس أمامنا سوى أن تنهض الوطنية المصرية والقومية العربية بمسئولياتها التاريخية وليعرف شعبنا وتعرف أمتنا أننا سوف نقاتل فى العراء اذا كان هذا هو ما سوف تفرضه الظروف علينا. وختمت كلمتى اليكم قائلا نحن لا نريد أن جبر أحدا على شئ ولا نريد ان نطلب لانفسنا شيئا ولكننا نتساءل أليس هو المصير العربى كله في الميزان.

          أيها الأخوة والأخوات..

          من هذا المنطلق كان القرار التاريخى بالعبور وببدء حرب أكتوبر المجيدة بالتنسيق التام مع زميلى الرئيس حافظ الاسد والجيش السورى الباسل والشعب السورى البطل الذى كان دائما وبحق قلب العروبة النابض.

 ولعل المناسبة التى يمكن أن أروى فيها المزيد عن هذا القرار وعن المعركة كلها قد أصبحت قريبة ولكن ما يهمنى أن أسجله هنا هو أن قرار الحرب هو أخطر القرارات فى حياة أى أمة وفى حساب أى قياس ومع ذلك فاننا رغم الحرب النفسية واستعدادات العدو الضخمة ومخاطر ردود الفعل الدولية لم نجفل من اتخاذ القرار حين صار لا بد مما ليس منه بد.

          لقد صدر القرار عن ارادة وطنية وقومية خالصة وهو معنى أحرص دائما على تأكيده وتكراره أهم ما يجب أن نحرص عليه دائما فى الحاضر والمستقبل ولان تأكيد الارادة الوطنية كان المنطلق الاساسى لحركتنا منذ بدأنا الاعداد لثورة 23 يوليوولان معظم ما تعرضنا له طول 22 سنه ومن تحديات كان مرجعه حرصنا على حرية هذه الارادة الوطنية لانها اذا رسخت فى ضمير قياداتنا وقواعدنا اليوم وغدا فهى الضمان الوحيد للمستقبل.

          وفى تقديرى أن قرار حرب أكتوبر وما اثبته ضباطنا وجنودنا وشعبنا كله من قدرة وبسالة وثبات قد دعم أمام العالم كله هذا الحرص على حرية إرادتنا الوطنية كما لم يدعمها شئ من قبل.

          ولقد خضنا المعركة كما تعرفون فاندفعت الامة العربية كلها وراءنا بالدعم والتأييد المادى والمعنوى عدا أصوات قليلة حاقدة حاولت أن تتبرأ من المعركة منذ يومها الأول وأن تتنبأ بالكارثة واستخدمنا سلاح البترول العربى لاول مرة واندفعت لتأييدنا ومساعدتنا أيضا قوى دولية صديقة كثيرة وتنبأ حلفاء اسرائيل وفى مقدمتهم الولايات المتحدة بهزيمتنا ورسموا ردود فعلهم الاولى على هذا الاساس حتى فوجئنوا بمعجزة العبور وتدمير خط بارليف وباستغاثة اسرائيل فلم تلبث أن أنقلبت تلك التقديرات وبالتالى اندقعت الولايات المتحدة بالذات فى اتجاهين الاول هو انقاذ اسرائيل من الهزيمة بدعمها عسكريا عبر جسر جوى لم يسبق له مثيل والثانى هو التحرك فى اتجاه محاولة الوصول الى حل بعد أن ثبت لهم بطلان أسطورة التفوق الاسرائيلى المطلق وبطلان قدرتها على الاستيلاء على ما تشاء من الاراضى العربية بغير رادع وبطلان سياستهم السابقة فى تجاهل الشعب الفلسطينى واعتبار مقاومته الباسلة أمرا عابرا سوف يذبل مع الوقت.

          أيها الأخوة والأخوات..

          منذ حرب أكتوبر أخذت الأحداث العالمية والسياسات المختلفة إزاء قضيتنا تتخذ مواقف وسبلا مختلفة وجديدة تماما منذ التوصل الى الاتفاق العسكرى للفصل بين القوات على الجبهتين السورية والمصرية سرنا نواجه مرحلة مختلفة تماما من حقنا أن نسجل مكاسبها التى هى مكاسب ما بذلناه من دم وأن نسجل أيضا مخاطرها ومحاذيرها فنحن نريد أن تكون تقديراتنا السياسية دائما متوازنة لا تضللها رياح الاغراق فى التفاؤل ولا تعطلها حملات اليأس والتشاؤم. منذ سكتت المدافع وتم اتفاق الفصل بين القوات وأعلامنا مرفوعة فى سيناء وأعلام سوريا مرفوعة فى القنطرة لم تسكت حركتنا السياسية ولم تتوقف حرب أكتوبر عن العطاء فى شتى المجالات.

          لقد صدر قرار جديد من مجلس الامن ينص على التنفيذ الفورى  لقرار 242 القاضى بالانسحاب الفورى من الاراضى المحتلة بعد أن كان هذا القرار قد دفن ومات تقريبا وقد تحركت القضية كما لم تتحرك منذ سنة 67 وأدرك العالم أنها لا يمكن أن تستسلم للرقاد مرة أخرى فأسرعت الدول المختلفة وخصوصا الولايات المتحدة تبدل فى سياستها وتعيد تقييم نظرتها الى المنطقة العربية وبذلت فى ذلك نشاطا كبيرا تعرفونه جميعا.

          واذا كنا قد رحبنا بهذا التغيير وهذا النشاط فاننا نرحب بمثله اذا جاء من أى طرف آخر. ونحن نقول بوضوح اننا لا نؤثر ساحة العمل على التوصل إلى حل على أى دولة كبرى دون غيرها. وقد ظهرهذا الفارق الحاسم بينما كان قبل أكتوبر وما حدث بعده فى مؤتمر القمة الذى انعقد في موسكو مؤخرا بين رئيسى دولتى الاتحاد السوفيتى والولايات المتحدة يكفى أن نقارن بين البيان الذى أصدره فى لقائهما الأول وتحدثا فيه عن الاسترخاء العسكرى فى المنطقة وبين بيانهما الاخيرعن ضرورة الاسراع فى التوصل الى الحل والاسراع بعقد مؤتمر جنيف وتسجيل المصالح المشروعة للشعب الفلسطينى. وقد أصبح الوجود الوطنى والحقوق الوطنية للشعب الفلسطينى أمورا مسلما بها ساهم فى هذا للدرجة الاولى نضال الشعب الفلسطينى الباسل وساهمت فيه وسجلته ودعمته حرب أكتوبر التى كان الحصول على هذه الحقوق الفلسطينية أحد أهدافها الاساسية.

وقد كان حصولنا لاول مرة على اعترافات دولية خارج العالم العربى بحق الشعب الفلسطينى وان منظمة التحرير الفلسطينية هى الممثل الشرعى له هو ما حدث خلال رحلتى الى رومانيا وبلغاريا.

          كان هذا نقطة تحول جديدة وهامة على الطريق. حتى اسرائيل ذاتها لم تتمكن من تجاهل هذه التحولات فنشبت فيها مناقشات داخلية حادة لاول مرة حول هذه القضية على مستوى السلطة وداخل مجلس الوزاء الاسرائيلى ذاته على أن هذه النتائج وغيرها لا يجب أن تصرفنا عن المشاكل والمخاطر والمهمات الكبرى التى تنتظرنا والتى تحتاج منا الى حكمة وعزيمة معا لا تقلان عن الحكمة والعزيمة اللتين أخذنا بهما فى قرار الحرب وفى ادارة القتال ذاته على السواء.

وفى هذا المجال فانه من واجبى أن أسجل أمام شعبنا وأمام الرأى العام العربى كله هذه النقاط:

          أولا - أنه يؤسفنا حقا أن نسجل أن بعض مشاكلنا بعد أكتوبر تأتى من بعض الذين هم أصدقاء أو أخوة فان سوء التفاهم بيننا وبين الاتحاد السوفيتى أمر لا نحب له أن يستمر ونحن من جانبنا نحرص على ازالته وفى تقديرنا أنه سوف يأتى اليوم الذى سوف يدركون فيه أن بعض تفسيراتهم لسياساتنا ليست على صواب كما حدث أكثر من مرة من قبل.

          كما أنه يؤسفنا أن أخوة لنا فى العروبة صارت مهمتهم الوحيدة التشويش علينا أو التشهير بسياستنا واتباع سياسة المن بما ساهموا به في المعركة الامر الذى لا يستقيم مع أى منطق خلقى أو قومى أو وحدوى.

ثانيا- أن علينا أن نرقب انعكاسات الخلاف أو الوفاق الدولى على قضيتنا بدقة بالغة فالعلاقات بين الاتحاد السوفيتى والولايات المتحدة الأمريكية ومجموعة دول غرب أوروبا علاقات معقدة وتمر بمراحل حساسة ورغم أن هذه الأطراف لها قضاياها الخاصة بها من نزع سلاح وأمن أوربى وعلاقات تجارية واقتصادية الا أن المرحلة الراهنة حتى فى هذا المجال حافلة بالمتغيرات وهى وأن بدت بعيدة عنا الا أن لها انعكاساتها على المنطقة العربية كلها لاهميتها الاستراتيجية والاقتصادية وبالتالى على قضية الحرب والسلام فى منطقتنا بالذات وأقرب مثال على ذلك هو الأحداث الأخيرة المؤسفة فى قبرص ذات الموقع الحساس بالنسبة لامتنا ومنطقتنا ومن هنا يجب أن نكون منتبهين دائما الى هذه العلاقات وحريصين على أن نبعد انعكاساتها عن قضيتنا وأن نحرص على أن نكون يدا ثابتة فى توجيه دفة أمورنا خلال هذا الموج المتقلب .

          وهناك أيضا سياسة الانفتاح التى قد يتصورها البعض اندفاعا غير محسوب سعيا وراء أكثر عدد من مصادر التموين من أجل مهمات التعمير والتنمية فى حين نراها نحن سياسة تحتاج الى حسابات دقيقة لا تخل بالتوازن الداخلى لتقدمنا ولا تخل بالتوازن الخارجى لاستقلالنا وسيطرتنا على مقدراتنا .

          وها أنتم ترون ونحن نستعد لمرحلة التعمير الكبرى ترون أننا نستقبل القروض والاستثمارات من ايران ومن دول الغرب ومن الدول العربية ومن دول عدم الانحياز فى نفس الوقت الذى نعمل فيه على احياء الاتفاقات القديمة مع دول المعسكر الشرقى التى كانت ظروف النكسة تعطل الاستفادة منه.

          وهناك أيضا محاولات اسرائيل التى لم تنقطع لاجهاض آثار حرب أكتوبر سواء بالتعطيل والتسويف أو بالمغامرات العسكرية ضد لبنان التى لا يمكن أن تترك الى غير ما حد أو باستخدام قوى الضغط الصهيونى داخل أمريكا التى ما زالت تمارس تأثيرها فى مجالات كثيرة.

          ثم أن أمامنا قضية توحيد الصف العربى الى اقصى درجة ممكنة وخصوصا التنسيق بين الأطراف العربية المرشحة لحضور مباحثات جنيف فى مراحلها التى ستكون مضنية وان نناضل فى سبيل كسب حق الفلسطينيين فى الحضور كشعب