خطاب الرئيس أنور السادات، للجنة المركزية للاتحاد الاشتراكي العربي ومجلس الشعب،
في ذكرى الزعيم جمال عبد الناصر، 28 / 9 / 1974
المصدر: "قال الرئيس السادات، الجزء الرابع لعام 1974، السكرتارية الصحفية الرئيس الجمهورية، ص
276 - 282"

بسم الله

          نجتمع الليلة ايها الأخوة والأخوات فى ذكرى عزيزة وعظيمة. الذكرى الرابعة لجمال عبد الناصر ولسوف نظل نتذكر جمال عبد الناصر سنة بعد سنة. ولسوف نظل نتذكره فى السراء والضراء، حبا وتقديرا وعرفانا ووفاء لهذا القائد الذى ترتفع قامته الشامخة بين القادة التاريخيين المعدودين فى حياة مصر. ولسوف نظل نتذكره أيضا حبا وتقديرا لهذا الرجل الذى اعطى بلاده. وأعطى امته العربية. وأعطى القضايا التى أمن بها، وأعطى المعارك التى خاضها كل دقيقة من حياته كل نبضة من قلبه حتى الرمق الأخير حقا لا مجازا حين قاوم المرض فى صمت وحمل عبء الهزيمة فى الم عظيم وكظيم ولفظ انفاسه بعد دقائق من آخر معركة خاضها فى حياته، حياته التى كانت كلها معارك. تلك المعركة التى كانت من اجل توحيد الصف العربى، ربما فى افجع ظروف مر بها الصف العربى. مات أو استشهد جمال وهو يحاول المستحيل أوما بدا للجميع أنه مستحيل. عقب أيام حالكة قتل فيها الآلاف ولقد وقع هذا الاقتتال ووطأة الدم العربى المهدر لا يقل بالنسبة له عن وقع هزيمة سنة 1967 ذاتها وكان المستحيل هو أن يجمع بين المتقاتلين والدم الذى أهدر ما زال ساخنا واننا نقف جميعا فى مواجهة عدو محتل وكعادته فى مجابهة المستحيلات ظل يثابر ويعاند قوانين الطبيعة بالنسبة لصحته وبالنسبة لبركة الدم التى يحاول تجاوزها حتى حقق المستحيل ثم قضى وكان توحيد الصف العربى فى مواجهة العدو وفى مواجهة العالم هو آخر وصية له.

ذكرى عبد الناصر.. حية فى ضمير الجماهير

          لقد كان عبد الناصر هو المخطط والمفجر لثورة 23 يوليو سنة 1952 وطالما بقيت ثورة 23 يوليو وطالما بقيت جذورها التى اثمرت فى ارض بلادنا وطالما ظل عطاؤها والمبادئ التى قامت من أجلها راسخة فى قلوب الجماهير جيلا بعد جيل فسوف تبقى ذكرى جمال عبد الناصر حية فى ضمير جماهير هذا الشعب الواعى والوفى مهما تعرضت له من محاولات التشويه والحقد ومهما تعرض تراثه لمحاولات الاستغلال والاستخدام لغير ما قام من أجله عبد الناصر ولغير ما كان يمثله حقا.

لا نؤمن بالجدل القائم على الحقد

          لقد كان عبد الناصر طوال حياته كقائد وزعيم وظل بعد مماته محل جدل ونقاش شأن كل عظماء التاريخ، شأن كل الذين كان عليهم أن يتصدوا لمهمات تاريخية وقرارات مصيرية لا بد أن يكون لها ضحاياها ولا بد أن يكون لها ثمنها الذى لا مفر منه. والقائد عادة ملك للتاريخ وملك للناس وملك للمؤرخين. والجدل والنقاش حول دور عبد الناصر فى حياة الأمة من حق هؤلاء جميعا ولكننا لا نؤمن بالجدل القائم على الحقد ولا النقاش بروح من الضغينة.

أيها الأخوة والأخوات...

          إن الثورات لا تحدث فى معامل أو فى انابيب للاختبار ولكنها تقع فى ساحة مليئة بالكر والفر وفى بحر متلاطم من المصالح والعواطف والغرائز البشرية. والهدم والبناء لهما دوى هائل وغبار كثيف. والأخطاء جزء من كل عمل فما بالنا بالمراحل الثورية حين تسرع للحوادث ويختزل التاريخ وتشق سبل جديدة ليست هى المعتاد أو المألوف.

          القيادة الصادقة الأصيلة لا تنبع من فراغ ولا تخترع الظروف اختراعا ولكنها لكى تكون صادقة ومؤثرة لا بد لها أن تنبع من الواقع ومن الظروف. لقد ظهر أحمد عرابى حين نضج الوعى الشعبى وانتشرت المطالبة بالحرية والدستور لأول مرة فى تاريخ مصر الحديث ولمع مصطفى كامل حين افاقت مصر من صدمة الاحتلال الانجليزى وافتقدت صوتا يعبر عن وجودها من جديد وكافح محمد فريد ضد اقسى الظروف ولم يقهره الا قيام حرب عالمية اكتسحت فى طريقها كل مقاومة فى الشعوب الصغيرة، وحين تمخضت البلاد خلال الحرب العالمية عن مطالبة جديدة بالاستقلال عبر عنها سعد زغلول وانفجرت ثورة سنة 19 ووجدت فيه قائدها وزعيمها. كذلك كان جمال عبد الناصر وكانت ثورة 23 يوليو هما الرد على التحدى حين عم الفساد فى الحكم وفقدت مصر زمامها وصار اسمها مضغة فى افواه الناس فى ظل ملك كان من يحكمها من جزيرة (كابرى) ويتوجه الوزراء والزعماء اليه هناك وحين سدت الطرق أمام القضايا الوطنية والاجتماعية بمؤامرة حريق القاهرة.

          كانت ثورة 23 يوليو وكان عبد الناصر هما الرد. كانت صيحات الثورة موجودة ولكنها عاجزة مبعثرة. كانت قوى الشعب تطالب بتحديد الملكية الزراعية وباخراج الانجليز من مصر وبالحياد ورفض التبعية والأحلاف. كانت كل هذه الصيحات موجودة لم يخترعها احد ولكن الثورة وعبد الناصر جاءا لاسقاط السلطة القديمة وتحويل احلام هذا الشعب الى حقائق.

مصر.. ليلة 23 يوليو

أيها الأخوة والأخوات...

          هكذا تسلمنا السلطة فى البلاد ليلة 23 يوليو، حكم مجترىء فاسد غير قادر على الاستجابة لأى صوت من اصوات العقل، وتيارات ساخطة سخطا مشروعا وحقيقيا ترفع هذه الشعارات وإن كانت لا تعرف الطريق اليها. وسلسلة لا تنتهى من الاضطرابات والاغتيالات والانفصام بين السلطة والجماهير يجعل حريق القاهرة ممكنا واحتمالات الصراع الداخلى لا حدود لهما.

          وقد كان سهلا علينا حين تسلمنا المسئولية تلك الليلة مع عبد الناصر تتجاذبنا التيارات بين اقصى اليسار واقصى اليمين وكان

سهلا أن نستجيب، كما دعا البعض، الى الأسلوب الدموى فى القضاء على الفساد السابق والدخول فى حلقة مفرغة من الدم، كما كان سهلا كما دعا البعض الآخر الى الاكتفاء بعزل الملك وترك الأمور على حالها من الصراع والاضطراب والاستغلال وترك حلفاء القصر والانجليز يرتعون فى البلاد التى عاثوا فيها فسادا من قبل.

حركة الثورة للتغيير

          ولكن الثورة وعبد الناصر... كانت لدينا عدة مؤشرات أساسية تحدد حركتنا وتستمد قوتها وأصالتها من التأييد الشعبى الكاسح للثورة هذا التأييد الذى كان فى حقيقة الأمر تكليفا شعبيا لنا بالتغيير. كانت هذه المؤشرات هى الاستقلال والكرامة الوطنية وهى القضاء على الاستغلال وتحقيق العدالة الاجتماعية وهى رفض الدخول فى دوائر نفوذ أجنبية مهما ارتدت من ثياب جديدة وهى أن تكون لنا تجربتنا الثورية الوطنية الخاصة. كان يهمنا دائما أن نكون على دراية بكل تجارب العالم ولكن كان تفكيرنا واختيارنا دائما يستلزم الواقع المصرى والتراث المصرى والطبيعة المصرية والآمال التى تجيش فى صدور المصريين.

حلول الثورة لمواجهة التخلف

          وفى تقديرى أن هذه الصفة الأخيرة التى اخذت بها الثورة والتى كان عبد الناصر دائما عليها هى التى كتبت للثورة النجاح لأنها كانت فى مجمل اهدافها ومبادئها مولودا شرعيا لهذه الأرض وهى التى جعلت ثورة 23 يوليو ايضا تهتدى الى حلول لمواجهة تركة التخلف والاستغلال والتفاوت الاجتماعى الرهيب. كانت حلولا أصيلة ولم تلبث هذه الحلول أن تبنتها معظم دول العالم الثالث حتى التى كانت تستنكرها فى اول الأمر.

الاصلاح الزراعى.. مبادرة مصرية

          الأسلوب الذى تم به الاصلاح الزراعى من تحديد للملكية الزراعية وما استتبعه من نظم رغم انه قد شابه بعض العيوب الا انه كان من اول تجارب العالم فى هذا المجال. وما زال حتى الآن مثلا يحتذى به فى كل مجتمع حين يواجه ضرورة التغيير ومواجهة متطلبات العصر.

النظام العام.. تجربة رائدة

          تجربة القطاع العام التى مهما قيل ايضا فى نواقصها هى التجربة الرائدة فى مجالها فى العام وهى التى مكنت بلادنا من اقامة قاعدة صناعية لم تتوفر لنا قبل ذلك قط وهى التى جعلت صمودنا الاقتصادى بعد النكسة ممكنا وهى التى ساهمت بالكثير فى تهيئة أسباب المعركة والنصر.

عدم الانحياز.. دعم للاستقلال

          الممارسة الدولية الحازمة لسياسة عدم الانحياز عندما لم يكن هناك فى العالم من يحاول ممارستا فى جو الحرب الباردة الرهيب الا ثلاث دول ووقوفنا حين كان الاستعمار فى اوج جبروته ومعظم البلاد العربية وآسيا وافريقيا محتل بصورة أو بأخرى وقوفنا تلك الأيام الى جانب حركات التحرر الوطنية كتدعيم لسياسة الانحياز التى هى فى جوهرها سياسة الاستقلال الوطنى لنا وللغير.

الاتجاه الصحيح لحركة التاريخ

          كل هذا ربما كلفنا معارك وخصومات ولكن فضلا على انه كان فى الاتجاه الصحيح لحركة التاريخ فانه قد كون لنا الرصيد الدولى الذى وجدناه عند الحاجة فكل من وقفنا الى جانبهم فى اوقات شدتهم وقفوا الى جانبنا فى اوقات محنتنا. نفس الشئ عندما تبينت الثورية الهوية العربية لمصر وحين نقلت هذا الانتماء من مجرد اجتماع حكام الى حركة شعبية واسعة القومية العربية تربى عليها جيل بأكمله من المحيط الى الخليج. لقد كلفنا هذا ايضا معارك كثيرة ومنا من يضع قوائم حساب لما قدمناه وما بذلناه فى هذا المجال ولكن فوق أن هذه القضايا المصيرية لا توضع لها قوائم حساب الا أن نضالنا على هذا المستوى كان له دور بارز فى المكانة التى تحتلها الأمة العربية اليوم. فما هى قيمة الثراء اذا كان يتحكم فيه الاستعمار الذى ظل سنوات يدفع خمسة شلنات فى طن البترول وما قيمة الموقع الاستراتيجى اذا كان محكوما بقواعد اجنبية، وما قيمة الممرات البحرية من قناة السويس الى باب المندب وغيرها اذا كانت اساطيل الاستعمار وشركائه هى التى تفرض مشيئتها عليه، كل هذه كانت اختيارات اقدمت عليها الثورة واقدم عليها عبد الناصر بالذات.

الاختيار الوطنى لتجربتنا

          مرة اخرى اقدم عليها منطلقا من المؤشرات التى اشرت اليها منذ قليل والتى هى فى جوهرها تقوم على الاختيار الوطنى لملامح التجربة المصرية من خلال ظروفها الموضوعية وتفاعلها مع القوانين العالمية المتغيرة.

          إن عبد الناصر حين استخدم فى الميثاق تعبير التطبيق العربى للاشتراكية لم يكن يستخدم كلمة انشائية بليغة بل كان يقصدها حرفيا. أن هناك القوانين العامة للاشتراكية التى غايتها الكفاية والعدل وتذويب الفوارق بين الطبقات والقضاء على الامتيازات وصور الاستغلال وكان هناك أسلوب خاص بناء فى تطبيقها يستلهم ظروفنا وتراثنا ومصالحنا وموقعنا على خريطة العروبة وخريطة العالم. وها نحن نرى حتى الاحزاب الشيوعية ذاتها تكسر دائرة الانغلاق على نفسها وتحاول أن توازن بين مبادئها

والظروف، الحزب الشيوعى فى فرنسا اعلن فى الانتخابات الماضية قبوله لتعدد الأحزاب وأن اشتراكه فى الحكم مع الحزب الاشتراكى لا يعنى تطبيقه الاشتراكية كما يراها الحزب الشيوعى لأن هذا يحتاج الى تفويض آخر من الشعب الفرنسى وها نحن نرى الحزب الشيوعى الايطالى اكبر الأحزاب الشيوعية خارج المعسكر الشرقى يشير الى أن اشتراكه فى الحكم لا يعنى اخراج ايطاليا أوتوماتيكيا من حلف الأطلنطي. نعم من حلف الأطلنطى.. لأنه يدرك كل الظروف التى تشغل بال المواطن الايطالى ولأنه يريد أن يحصل على ثقته بالاقتناع واللقاء مع رغباته وملابسات وضعه.

صيغة ابتكرها عبد الناصر

          ثم هناك تلك الصيغة التى ابتكرها عبد الناصر ابتكارا كما قلت فى خطابى لكم فى هذه المناسبة ذاتها فى العام الماضى صيغة تحالف قوى الشعب العاملة ما معنى هذه الصيغة وما هى المهمة التى وجدت لمواجهتها وفى اى مرحلة كان ذلك؟ كما قلت ورثنا مجتمعا اقطاعيا تحجرت علاقاته الاجتماعية عبر القرون. مجتمع تتفاوت فيه اوضاع الفئات الاجتماعية تفاوتا رهيبا وتضيق فيه دائرة الثراء الى الدرجة التى جعلت عبد الناصر يطلق عليه عبارة مجتمع النصف فى المائة وكان هذا وصفا حقيقيا. ورثنا مجتمعا التعليم فيه والعلاج والتقدم فى المناصب قاصر على هذا النصف فى المائة فيما عدا القلة النادرة من ذوى القدرات الخاصة، ورثنا مجتمعا تجتاحه من حين لآخر أوبئة الكوليرا اذا كنا قد نسينا ويموت فيها الفلاحون بالمئات ورثنا مجتمعا.. الديموقراطية فيه مهزلة فالدستور معطل على الدوام تقريبا.. إما تعطيلا صريحا وإما تعطيلا غير صريح بتمكين أحزاب الأقلية من حكم الشعب أو بانتخابات صورية يساق فيها الناخبون الى حيث يصوتون لصاحب الأرض واذا كان الدستور فى اجارة فالقوانين كلها فى اجازة لأن الدستور هو ابو القوانين.

          كانت الصفة الثانية لهذا المجتمع الذى ورثناه هى ضآلة معدل النمو بل أكاد أقول انعدامه تماما فى نفس الوقت الذى يتزايد فيه السكان زيادة لا مثيل لها تقريبا فى العالم ففى عهد الثورة فقط زاد السكان فى مصر الى الضعف تماما، الأمر الذى كان يهدد بانفجار اجتماعى وطبقى حاد لو لم تسبق الثورة الى وضع قوانينها وتحقيق منجزاتها.

          وكانت الصفة الثالثة لهذا المجتمع الذى ورثناه هى كثير من الاحداث العنيفة التى سبقت الثورة فى الريف وفى العاصمة على السواء وكان الحل الأول هو ظهور بداية هذا الانفجار الاجتماعى الذى تمثل فى حشد الجهد القومى من اجل التنمية وكان الحل الثانى هو اتخاذ اجراءات عاجلة كالاصلاح الزراعى لتغيير خريطة السلطة السياسية والاجتماعية فى البلاد ولا عادة توزيع الثروة توزيعا عادلا ثم قوانين التمصير ثم اقامة القطاع العام ثم قوانين العمال من تحديد الأجور الى اشراكهم فى الأرباح ومجالس الادارة إلى التأمينات الاجتماعية وغيرها. وكان لا بد من صيغة لاجتياز هذا الطريق الصعب سلميا بقدر الطاقة ومن هنا ولدت فكرة عبد الناصر فى تحالف قوى الشعب العاملة فى اطار تنظيم سياسى واحد مكتوب ولا شك انه يمكن أن يقال وقد قيل فعلا الكثير فى تعداد سلبيات وايجابيات الاتحاد الاشتراكى الذى كان هو التعبير الاشتراكى لهذا التحالف ولكننا لا يجب أن ننسى أن هذه الصيغة قد أدت مهمتها الأساسية آخر الأمر وهى اجراء كل تلك التغييرات الاجتماعية العميقة بأسلوب سلمى تحسدنا عليه كل الدول المشابهة لنا.

          قد قال رئيس وزراء انجلترا بعد الحرب العالمية الثانية انه ما زال هناك شعبين إنجليزيين بسبب الفوارق الاجتماعية الصارخة، فما بالنا بالنسبة لمصر يوم تحملت الثورة مسئولياتها. وها نحن نرى ديجول وخلفاؤه بعد ذلك يطرحون شعار المشاركة بعد انفجارات سنة 68 العنيفة فى فرنسا وها نحن نرى الأحزاب فى انجلترا تطرح فى الانتخابات الحالية ما يسمونه عقدا اجتماعيا جديدا بعد أن تدهورت البلاد نتيجة تأزم الصدام بين نقابات العمال من جهة وبين الرأسمالية وأجهزتها فى السلطة من جهة اخرى. إن ايجاد صيغة تجعل العامل والفلاح يجلسان جنبا الى جنب مع الرأسمالى الوطنى والمثقف فى المجالس المنتخبة جميعا ويجلس جنبا الى جنب ايضا مع المدير والخبير والمسئول فى الشركات والصناعات والمشروعات الكبرى. إن ايجاد هذه الصيغة التى تبدو لنا اليوم بديهية من البديهيات وحقا طبيعيا للعامل والفلاح لم تكن كذلك يوم بدأنا التجربة بل كان ضربا من الخيال، كانت هذه هى المهمة الأساسية للاتحاد الاشتراكى أو بالأحرى لتحالف قوى الشعب العاملة وقد نجح فيها وتم التحول الاجتماعى دون صدام واحد عنيف وكنا نحن البلد المتخلف سباقين الى اكتشاف هذا الطريق بهذا التحالف وبالقوانين المتفرعة عنه من ضمان نسبة 50% للعمال والفلاحين واشتراكهم فى مجلس الادارة قبل أن تفكر فى هذا الدول المتقدمة بعد أن قاسى مجتمعها وقاسى إنتاجها من وطأة الصراع الاجتماعى

حاجتنا إلى التحالف.. وإلى تطويره

          إن الظروف الخاصة التى تمر بها بلادنا اليوم ما زالت فى حاجة الى هذا التحالف، وما يمثله من وحدة وطنية نحتاج اليها الآن أكثر من أى وقت مضى فاننا منذ أحرزنا انتصار أكتوبر المجيد اندفعنا الى العمل والانفتاح والتجديد فى كل نواحى حياتنا بصورة لم يسبق لها مثيل، فمن جهة لا يجب أن ننسى ولو للحظة واحدة أن المعركة ما زالت قائمة وأن ارضنا وسائر الأرض العربية لم تتحرر بعد وأن خصمنا خصم ماكر وغدار لا يمكن أن يضيع فرصة تسنح له دوليا أو محليا إلا ويستغلها لابقاء قبضته على الأرض المحتلة أو لتجميد القضية من جديد ومن جهة اخرى فاننا إزاء هذه الحرب السياسية الدائرة رحاها منذ اكتوبر لا بد أن نبدو للعالم على حقيقتنا صامدين فى وحدة وطنية صلبة، فليس لدينا على الاطلاق ما هو أهم من تحرير الأرض مهما تشعبت بيننا المناقشات ومهما فكرنا فى شئون حياتنا الأخرى المختلفة. ومن جهة ثالثة فاننا وقد بدأنا سياسة الانفتاح وقررنا المضى فيها سوف

تواجهنا تحديات كثيرة حين نحتك ونتعامل مع عناصر اخرى جديدة وسوف يكون علينا أن نغير ونطور فى اجهزتنا ومؤسساتناولوائحنا وقوانيننا بما يكفل نجاح سياسة الانفتاح وتدعيم عوامل الثقة فى استقرارنا من جهة وما يكفل فى نفس الوقت بقاء سيطرتنا على مواردنا القومية وصيانة حقوق قوى الشعب العاملة ومكاسبها الاشتراكية. كل هذه ظروف تلقى على تحالف قوى الشعب العاملة مسئوليات جديدة خطيرة ولكنها في نفس الوقت ظروف تملى علينا أن نطور صيغة هذا التحالف بما يخلصه من سلبياته وبما يجعله اكثر ديمقراطية، وبالتالى يجعله اكثر قوة وفعالية فى حياة البلاد من غير طريق التسلط أو الفرض.

         ولا يجب أن يغيب عن بالنا لحظة أننا قبل اكتوبر سنة 73 كنا نواجه معركة واحدة هى معركة التحرير نوجه لها كل طاقاتنا وأموالنا وامكانياتنا. واليوم وبعد أكتوبر صرنا نواجه معركتين فى نفس الوقت. معركة التحرير ومعركة التعمير.

معركة التحرير ومعركة التعمير

         معركة التحرير لأن ارضنا لم تتطهر كلها من دنس الاحتلال بعد وكل من يظن أننا يمكن أن نتخفف من عبء واحد من أعباء الاعداد للتحرير ولأى مواجهة تفرضها علينا الظروف فهو واهم. إننا لا نستطيع ان نفرط فى النصر بالإهمال أو الاغضاء أو عدم الاستعداد ولا نستطيع أن نحرم قواتنا المسلحة التى قد يفرض عليها القتال فى أى وقت من أحدث الأسلحة مهما كلفتنا من ثمن.إن تحقيق التحرير حتى نهايته هو الشرط الأول والأخير لأن نقطف ثمار النصر وأن نعيش وأن نطور حياتنا بعد ذلك فى سلام.

         بالاضافة الى ذلك فهناك معركة التعمير، فالفرص التى اتاحتها لنا حرب أكتوبر كان لا بد أن يكون للتعمير نصيبه الأوفى منها وهذا ما اخذنا به فعلا لتعويض ما فات وترميم ما طال اهماله أو تأجيله لحساب المعركة ولدفع كل طاقات الانتاج المتاحة الى الأمام وأنتم تعرفون أيها الاخوة والأخوات أن لهذا كله أولويات. فمن شرد من مدينته أو قريته بعد أن قدمها قربانا للنصر أولى ممن لديه سكن لا يرضيه، والعمل على زيادة الانتاج لتحقيق الرخاء أكثر فاعلية فى خفض الأسعار عن طريق زيادة السلع من صرف الأموال. وكمية السلع المتوفرة لا تزيد. وكل ساعة عمل ضائعة هى خسارة قومية وتأجيل لهذا الرخاء وكلكم تعرفون كارثة التضخم التى تحيط بالعالم الخارجى وما أدت اليه فى البلاد الرأسمالية من زيادة هائلة فى الأسعار والبطالة معا ولكننا هنا بفضل نظامنا الاشتراكى، نجد الدولة من جهة تدفع مئات الملايين لحفظ مستوى اسعار الضروريات ولتحقيق سياسة العمالة الكاملة مهما كان ثمنها كبيرا من جهات اخرى. وان كان من المستحيل أن نحول تماما دون وصول أثر التضخم العالمى الينا، فكل ما نستورده تضاعف ثمنه مرات من الآلة الى حبة القمح. كل هذه الظروف تلقى على تحالف قوى الشعب مسئوليات افدح، من كل ما واجهنا من قبل وتجعل مسئولية هذا التحالف فى حشد طاقات الانتاج اجتياز عنق الزجاجة الذى نمر به محتفظين بوحدتنا الوطنية تجعل كل ذلك اعلى من اى مسئولية وأسمى من أى اعتبار آخر من أجل هذا ولأن الظروف فى تغيير مستمر ولأن الثورة قد أفرزت خريطة اجتماعية جديدة بالفعل، ولأن تطلعات الجماهير بعد هذه الانجازات ثم بعد انتصار أكتوبر بالذات قد زادت ومن حقها المشروع أن تزيد وأن تطالب بحريات أوسع لهذا كله كان همى هو إقامة دولة المؤسسات على اساس سيادة القانون وقدمت للنقاش ورقة لتطوير الاتحاد الاشتراكى ودفعه على طريق الديمقراطية خطوات أخرى جديدة.

جو الحرية فى مناقشات ورقة التطوير

         وقد تابعت كل ما دار من حوار واسع ومفتوح حول هذه الورقة وقد انصبت بعض هذه المناقشات على الورقة ذاتها بينما تجاوزتها مناقشات اخرى كثيرة وأحب أن أؤكد هنا اننى لم أضق صدرا بهذه المناقشات. ولن أضيق بها ابدا مهما شابتها الشوائب فتلك طبيعة الأمور. واذا كنا نتجه حقا الى المزيد من الحرية، فعلينا أن نتعود على هذا وعلى كل المستويات من رئيس الجمهورية الذى لم يجد حرجا فيما وجه الى ورقته من انتقادات الى الوزراء وكافة المسئولين الذين يجب أن يتعودوا جو الحرية ويستخدموا حقهم فى الرد وينسوا حق الحماية والانغلاق الذى ربما كانوا قد تعودوا عليه اطول مما يجب وأكثر مما يجب. كذلك فقد فزع الكثيرون من عواقب هذا النقاش الحر وتناوله لأسس نظام الحكم فى بلادنا وبعض المراقبين الأجانب ظنوا أن الدنيا قد انقلبت. أما أنا فلم اجد اى مخاطر فى اجتياز هذا كله. ذلك اننى مرة اخرى ورجوعا الى منطلقات ثورة 23 يوليو الأساسية كانت قناعتى دائما هى أن الشعب هو صاحب المصلحة الأولى وان فطرته السليمة هى الترمومتر الصحيح دائما إننى لا أخاف على شعبنا ابدا من النقاش والحوار والبلبلة. إننى أعتقد أنه بتجاربه العريقة وبكل ما عبر به عن تبنيه لمفاهيم الثورة الأساسية سوف يصمد لتجربة الحرية التى طالما طالب بها وناضل من أجلها. على أن هذا لا يحرمنى من أن أبدى ملاحظة على هذا الحوار ليس فيها مصادرة على أى رأى فلقد كنت أشعر أحيانا أن ورقة التطوير ذاتها لم تكن محور النقاش إن ما تدخله الورقة على صيغة التحالف ليس بالأمر القليل ولا هو بالخطوة القصيرة. فهناك مثلا جعل العضوية اختيارية وعدم الربط بينها وبين عضوية مجالس ادارة المنظمات والنقابات والهيئات الأمر الذى يرد لها حرية واسعة كمنظمات جماهيرية كفء، وهناك حق المواطن فى أن يرشح نفسه لينال شرف النيابة عن الشعب دون المرور بالاتحاد الاشتراكى وفى هذا قضاء على كل امكانية لأن يسئ الاتحاد الاشتراكى استخدام حقه فى حجز فرصة عضوية الهيئة التشريعية عن أى مواطن له رصيده بين أبناء دائرته.

لن يكبت رأى.. ولن يقهر فكر

         ثم ان هناك قضية تعدد المنابر والاتجاهات داخل دائرة التحالف، وبالتالى حق كل الآراء فى التعبير عن نفسها بوضوح وهى قضية كنت أتصور مثلا أن يبحث الحوار حول أساليب وضعها موضع التطبيق مضيفا بذلك الى ما جاء فى الورقة، على أننى بعد هذه الملاحظة أؤكد أننى عازم على اجتياز طريق الديمقراطية على ضوء ظروفنا حتى نهايته، عازم على أن تتسع سبل الحرية أمام

   جماهير شعبنا يوما بعد يوم ولا تضيق عازم على أن أظل مسئولا أن لا يكبت رأى وأن لا يقهر فكر طالما كان التعبير عنه من خلال المؤسسات الشرعية وفى اطار من سيادة القانون.

إننى أيها الاخوة والأخوات حين أفكر بينى وبين نفسى ما هى المهمة الكبرى التى على أن أنذر نفسى لها بعد مهمة تحرير الأرض لا أجد إلا إجابة واحدة هى أن أسلم هذه الثورة بمبادئها وأهدافها الى اصحابها أى الى الشعب والشعب بعد ذلك سيد نفسه وصاحب الحق فى رسم  مستقبله واختيار لون الحياة التى يريد بشرط أن نكفل له حرية هذا الاختيار. واذ كانت الظروف بعد ذلك لا تسمح لنا بالتحليق فى الخيال ولا تسمح لنا بالقفز إلى آمالنا مرة واحدة فان هذا لا يجوز أن يكون قيدا على الحوار ولكن رحابة الصدر فى تقبل الحوار يجب أن تقابلها رحابة الأفق فى تقدير الظروف ونحن نفكر فى المستقبل وليس المهم بعد ذلك أن نقطع خطوة فى يومنا هذا أو فى غدنا إنما المهم أن تكون حركتنا دائما فى الاتجاه نحو مزيد من الحرية والديمقراطية والمشاركة.

ذكرى حرب أكتوبر المجيدة

          أيها الاخوة والأخوات: بعد أيام قليلة تمر سنة على ذكرى هامة اخرى سوف تظل ابد الدهر من أعز ما حفل به تاريخنا من ذكريات. تلك هى ذكرى مرور سنة على انطلاق الشرارة. مرور سنة على العملية العسكرية بعد مرور سنة على العبور، مرور سنة على حرب أكتوبر المجيدة ولعلكم تذكرون اننى فى مثل هذا اليوم قبل سنة بالضبط ومن نفس هذا المكان كنت اتحدث اليكم والى الأمة وقلت لكم فى آخر الحديث اننى لن اتحدث بعد ذلك عن المعركة ولعل احد لم يفهم هذه الاشارة وعدونا بالذات لم يفهمها انه كان قد بنى حساباته وادعاءاته على أننا هنا قد فقدنا روح القتال وروح المقاومة ولم يخطر على بالهم أننى حين كنت هنا أتحدث اليكم واختصر الكلام عن المعركة كانت ساعة الصفر قد تحددت وكانت أوامر المعركة حتى آخر جزئية فيها قد صدرت وكان رجالنا وأبناؤنا وأخوتنا بمئات الآلاف يتخذون مواقعهم القتالية فى البر والبحر والجو فى هدوء مذهل وكان العدد التنازلى قد بدأ بالفعل. كنت اتحدث اليكم وحركة مئات الآلاف تدور فى صمت وكنت هادئا مستريح البال والضمير. لقد اتخذت القرار الوطنى التاريخى بعد أن أعددت للأمر عدته بأقصى ما يطبق به جهد بشرى، ولقد شاركنى هذا القرار زميلى وأخى الرئيس حافظ الأسد وكان القادة الرجال من حولى يشاركوننى الثقة بالله وبرجلنا المقاتل ابن الجامعة والحقل والمصنع وشعبنا الواقف من خلفهم مستعدا لاحتمال أى تضحية. كنت قد اجتزت بالفعل طريق الاختيار الصعب واستراح ضميرى الى أننى لم اترك جهدا ولا مسعى لحل القضية دون إراقة الدماء الغالية. كما استراح ضميرى الى أنه مهما كانت نتيجة القتال، فان أجيال شعبنا المقبلة ما كانت لتغتفر لنا لو أننا قبلنا اختيار آخر حين لم يكن هناك اختيار آخر سوى الاستسلام. كنت قد اجتزت هذه المراحل كلها وبدأت العجلة تدور ونزلت السكينة على نفسى فقد ربطت حياتى بالمعركة ونذرت نفسى لها وكنت فوق ثقتى بالله والشعب والأمة العربية واثقا من حكم التاريخ وراحة الضمير. وبعد ذلك فان أى شئ آخر لا يهم. وقد من الله علينا بالنصر وفى مشهد تاريخى مثير عبرت قواتنا القناة واكتسحت خط بارليف على خط مواجهة طوله 180 كم. الأمر الذى لم يسبق له مثيل قط. وأقول لكم اليوم إنه لم يكن الأهم فى الحسابات التى وضعناها فى المعركة، كم كيلومترا من الأرض نحررها، بل كان تحطيم نظرية الأمن الإسرائيلية أهم من تحطيم خط بارليف، وكان اجتياز عدم ثقة العالم بنا ولكلامنا وبقدرتنا على الفعل أهم من اجتياز القناة وكان إثبات أن اسرائيل التى لا تقهر مجرد وهم أهم من كسب كيلومتر زيادة فى الأرض عن طريق إلحاق أكبر قد&#