خطاب الرئيس أنور السادات، أمام مجلس الشعب حول التطورات الأخيرة على صعيد أزمة الشرق الأوسط 29 / 3 / 1975
المصدر: "قال الرئيس السادات، الجزء الخاس 1975، السكرتارية الصحفية لرئيس الجمهورية، ط 1982، ص 74 - 78"

بسم الله..

السيد رئيس المجلس

الأخوة والأخوات أعضاء مجلس الشعب..

          يهمنى بصفة خاصة ولاكثر من معنى محدد ان أشترك مع مجلسكم الموقر، ومن فوق منبره، لتوجيه التحية والتقدير لذكرى الملك فيصل بن عبد العزيز.. يهمنى أن أشترك فى تحية وتقدير الانسان فى فيصل، ويهمنى ان أشترك فى تحية وتقدير الموقف في فيصل.

          أما الانسان فيه.. فرجل يعرف معنى الخلق، ومعنى الصداقة، ومعنى الكرامة، ومعنى الشرف، وأما الموقف فيه.. فرجل قلت له في حياته: أنك وعدت فصدقت وعاهدت فوفيت.. قلت له ذلك فى حياته، وأقوله اليوم بعد مماته.. ذاكرا بكل إعزاز وبكل عرفان وبكل محبة رجلا كان فى دوره إنسانا، وهذا أعظم ما يقال عن رجل، وكان فى حياته موقفا.. وهل الانسان إلا موقف حق والتزام؟

أيها الأخوة والأخوات أعضاء مجلس الشعب:

          لقد كان عزمى بعد مشيئة الله، أن أجىء اليكم اليوم مهما كانت النتائج فيما كنا نحاوله خلال الأسابيع الأخيرة فى أسوان.. كنا - كما عرفتم وتابعتم - نحاول وضع سياسة التقدم خطوة خطوة نحو آفاق السلام فى موضع الاختبار الحقيقى.. وكنا نفعل ذلك مقتنعين بأن قوة الضغط الأمريكى على اسرائيل لا تعادلها قوة ضغط أخرى، وبالتالى فان علينا ان نعطى للدكتور كيسنحر صاحب هذه السياسة، وللولايات المتحدة صاحبة هذه القوة، مجالا يحاولون فيه ونحن نحكم.. وفسحة من الوقت يجربون فيها ونحن نملك الكلمة الأخيرة.. كان عزمى- كما قلت لكم، ومهما كانت النتائج - أن أجئ اليوم اليكم.. فاذا كانت النتائج مما يمكن أن نقبل به، فقد كان واجبا في رأيى أن أضعها أمامكم وامام الشعوب والأمة بحقائقها ووثائقها.

          وقد طلبت الى وزير الخارجية - قبل ذهابنا الى اسوان - أن يكون مستعدا فى حالة الوصول الى أى اتفاق أن يودع لدى أمانة مجلسكم الموقر كل أوراقه ومستنداته..

          كان مطلبى أن تكون الحقائق والوثائق أمامكم لكى تحكموا ويحكم الشعب والأمة.. وكان من بين مقاصدى أن يكون ما نصل إليه بأكمله مبرأ من مظان السرية وظلالها، مصونا من التأويلات والتخريجات، قاطعا بالصدق والحق، قابلا للمسئولية أمام الامة وأمام التاريخ.

          وإذا كانت النتائج مما لا نستطيع القبول به، فقد كان واجبا فى رأيى أيضا أن أجىء إليكم والى الشعب والأمة من ورائكم، عارضا سير الأمور قائلا لكم بالأمانة رأيى، طالبا منكم بالأمانة ما ترونه، حتى نستطيع معا أن نحمل مسئوليتنا المشتركة ونسير.. نحمل أعباءنا المشتركة ونسير.. نحمل اقدارنا المشتركة ونسير.. ولم يكن بى فى الحالتين: حالة الوصول الى نتائج  نقبل بها، أو حالة الوصول الى نتائج لا نقبل بها.. لم يكن بى في الحالتين تخوف ولا قلق. كان ذلك صادرا من قناعات رضيت بها، ولازلت راض.

          أولها: انه ليس هناك طريق واحد الى الهدف، وإنما هناك طرق متعددة ومتنوعة. من ذلك مثلا أن استعدادنا للعمل بالوسائل الدبلوماسية، ليس له أن يعوق استعدادنا للعمل بوسائل القوة.. ومن ذلك أيضا أن القبول بإعطاء الفرصة لسياسة التقدم خطوة خطوة ليس له أن يسد الطريق أمام احتمال الطرح الاشمل في مؤتمر جنيف.

          ثانيها: أنه فى قرارات تتصل مباشرة بخيارات الحرب والسلام، فان أى مسئول يستشعر وقع المسئولية ويعرف أثقالها ويؤمن بقدسية الحياة وتشوق البشر الدائم الى السلام القائم على العدل.. أقول أن هذا المسئول لابد له - تقى لله وصلاة - ألا يترك باب دون استكشافه، وألا يترك للضياع أية فرصة، وأن يظل ساهرا ولو لم يكن معه فى الظلام الحالك الا شمعة واحدة.

          ثالثها: أنه فيما يتعلق بى فاننى آليت على نفسى منذ أول يوم توليت فيه مسئوليتى بارادة الشعب ورضا الأمة.. آليت على نفسى ألا يكون شخصى موضعا للاعتبار فى قرارى بمعنى أننى على استعداد باستمرار لكى أحاول كل ما أعتقد أو أتصور أو أظن أنه سبيل ضمن سبل الى هدف من أهدافنا.. فاذا توقف السعى اليه لسبب أو لآخر، فاننى لا أعتبر ذلك نهاية المطاف، كما أننى لا أعتبره مساسا لكبريائى.. لقد آمنت وسوف أؤمن وسوف أظل أؤمن أن كبريائى هى حقوق وطنى وحقوق أمتى.. فاذا وصلنا فالكبرياء مصونة.. واذا لم نصل فالكبرياء أيضا مصونة.. طالما أننا نملك العقل الذى يعطينا طرقا بديلة، ونملك الارادة التى هى المفتاح لكل شئ.

          أيها الأخوة والأخوات أعضاء مجلس الشعب:

          ما الذى كنا نحاوله خلال السنة الأخيرة؟.. ذلك سؤال ضمن اسئلة لابد ان نجيب عليها لكى نسلح أنفسنا بأكبر قدر ممكن من الوضوح.. كنا نحاول أمرين:

          الأمر الأول: ترجمة ما استطعنا بجيوشنا وشعوبنا، وكل عناصر قوانا الذاتية والدولية ان نحققه في ذلك اليوم المجيد من أكتوبر سنة 1973 أى أن نترجمه الى واقع سياسى إن قيمة أى انتصار عسكرى هى بمقدار ما يستطيع أصحابه أن يترجموه إلى واقع سياسى أى الى حقائق حية على ميدان الصراع.. أرضا محررة تتسع كل يوم حتى يشمل التحرير كل بقعة ضائعة من أوطاننا حقوقا تعود وتعود كل يوم حتى تتم العودة الكاملة لكل الحقوق الضائعة.. ارادة أقوى وأقوى كل يوم.. حتى تصل الارادة الى الدرجة الكافية لتحقيق الهدف الوطنى والقومى.

          هذه هى قيمة أى انتصار عسكرى.. وهذا ما حاولناه بكل سبيل.

          الأمر الثاني: هو الاحتفاظ في كل الظروف وفى كل الأحوال بحجم الانتصار، حتى يظل قائما وحتى يظل أيضا قادرا طول الوقت على توليد كمية الضغط اللازمة لتحقيق الآمال التى كانت من أجلها التضحيات.. ولقد كان أعظم ما حققناه فى حرب أكتوبر العظيمة أننا أثبتنا - لأنفسنا وللآخرين - أن الارادة العربية قد قبلت التحدى الصهيونى بكل جوانبه العسكرية والحضارية، المعنوية والمادية، الاقليمية والدولية.

  أن الارادة العربية قبلت التحدى، وأثبتت فى تجربة النار والحديد أنها اليوم قادرة عليه وأنها غدا أكثر قدرة.. ولو أننا راجعنا جميع تصرفاتنا فى السنة الأخير، لوجدنا أنها جميعا تصدر عن هذين الأمرين:

          في مجال ترجمة انتصارنا العسكرى الى واقع سياسى، فسوف تجدون أننا فضلا عما أستطعنا تحريره بالقوة من أرضنا المغتصبة، فأننا اتحنا الفرصة للولايات المتحدة أن تمارس دورا تقدمت إلينا به لأول مرة فى علاقاتنا معها، وأننا توصلنا الى اتفاقية أولى فى فك الارتباط.. رحلت بها القوات الاسرائيلية عن جيب من أراضينا تسلل العدو خلاله الى غرب قناة السويس، وأننا ذهبنا الى جولة أولى من محادثات جنيف ربطت العالم كله بمسئولية صنع السلام في الشرق الأوسط.. وأننا فتحنا المجال الدولى لاعتراف كامل وحقيقى بحقوق شعب فلسطين ممثلا في منظمة التحرير، وأننا واصلنا الجهد لاكمال الحصار السياسى من حول إسرائيل، أى أننا رفعنا الحصار عن فلسطين وهو مطلب الحق فى صراع الشرق الأوسط، وفرضنا هذا الحصار على إسرائيل وهى آداة العدوان في صراع الشرق الأوسط.

          وفى مجال الاحتفاظ فى كل الظروف بحجم الانتصار فسوف تجدون أننا لم نكسر أسطورة التفوق الاسرائيلى فحسب، وإنما رفضنا أن نغامر بغير روية فى أى عمل من شأنه أن يهز هذا الانتصار أو أن يعرضه قبل الوقت المناسب الى اختيار غير محسوب.. وقد كان من ذلك مثلا أننى عدلت عن فكرة تصفية الجيب الاسرائيلى فى غرب قناة السويس بالقوة المسلحة رغم قدرتنا على ذلك.. عدلت حين أصبح واضحا أمامى أن ذلك سوف يعرضنا لمواجهة عسكرية مع الولايات المتحدة. قبل ذلك تذكرون أننى أوقفت إطلاق النار حينما تأكدت أننى لا أواجه إسرائيل فى ميدان القتال وحدها.. وذلك في مقدورنا.. وإنما كنا نواجه الولايات المتحدة ذاتها لأكثر من عشرة أيام، وذلك يتخطى قدراتنا.

ترجمة الانتصار العسكرى الي حقائق سياسية جديدة

          ثم إنني بعد ذلك - كما تذكرون - طرحت سياسة الحصول على السلاح من حيث تتاح لنا فرصة الحصول عليه، ومهما كان الثمن.. كنا طوال سنة كاملة نحاول ترجمة انتصارنا الى حقائق سياسية جديدة.. وكنا طوال سنة نحرص على حجم انتصارنا ليظل رصيدا دائما لنا ولا يتبدد.. كانت هذه مصادر سياستنا طوال العام الماضى، ولم نسمح لأية اعتبارات خارجية أن تؤثر في حركتنا أو أن تغير من خط سيرنا، أو تجرنا الى شواغل فرعية تطغى على الأصل أو تعمى عن الهدف النهائى.

          ولقد كانت من هذه المصادر محاولتنا الأخيرة للوصول الى مرحلة أخرى من فصل القوات.. كنا نرى أن ذلك ممكن اذا استطاعت الولايات المتحدة أن تمارس ضغطا على اسرائيل، وكنا نرى أن ذلك مطلوب لأنه يعطينا إضافة إلى قوتنا تعزز موقفنا، تضيف إليه ولا تأخذ منه.. وكان شرطنا الوحيد لذلك هو أن يتم إنسحاب إسرائيلى جديد بالتوازى على الجبهات الثلاث:

المصرية، والسورية، والفلسطينية.. وكان تقديرى أن نفرغ من هذه المرحلة فى خريف سنة 1974، بحيث نكون مستعدين مع بداية هذا العام - 1975 - للذهاب الى مؤتمر جنيف للتحرك هناك على جبهة أعرض، والتقدم منها إلى أهداف أبعد.

          لكن بعض مشاكل السياسة الداخلية الأمريكية عطلت ذلك التقدير.. وكان على أن أخذ ذلك فى حسابى، وإذا اقتضى الأمر أن أخذه على حسابى.. وقد فعلت.. ولم أترك الوقت يضيع، فقد رحت فى ذلك الوقت أرتب لمؤتمر جنيف ولحضور الأطراف جميعا، وبالذات الطرف الفلسطينى، خصوصا وقد كنا نحن الذين اقترحنا أن يكون مؤتمر القمة الأخير فى المغرب العربى هو مؤتمر فلسطين، وأقر فيه ما أقر من اعتبار منظمة التحرير الفلسطينية ممثلا شرعيا ووحيدا للشعب الفلسطينى.. كنا على وشك الدخول فى مرحلة جديدة لفصل القوات، وكنا في نفس الوقت نسبق التطورات بخطوة أخرى هى الاعداد لجنيف.

مشكلة تمثيل الفلسطينيين

          ومن مشاكل الاعداد لجنيف فى ذلك الوقت كانت مشكلة تمثيل الفلسطينيين.. كانت هناك عناصر في اسرائيل ترفض رفضا قاطعا أن تشترك منظمة التحرير الفلسطينية فى أعمال مؤتمر جنيف، ولم يكن ذلك عقبة فى تقديرنا، فقد كنا - ولا زلنا - نملك أن نصر على حضور المنظمة مهما كره الكارهون.. ولكن المشكلة هى أنه كانت هناك من ناحية أخرى عناصر فى المقاومة الفلسطينية ترفض رفضا قاطعا حضور مؤتمر جنيف، وهذا أمر يجب أن نضعه فى اعتبارنا اذا ما انتهى اليه رأى منظمة التحرير.. ولم تكن المقاومة الفلسطينية فى نفس الوقت راغبة فى أن يحضر الأردن عنها، على أن يسلمها السلطة في المناطق الفلسطينية المحررة .. وفي ذلك الوقت، وبينما نحن نحاول خطوة على الأبواب، ونرتب فى نفس الوقت لخطوة تليها حتى نضمن باستمرار إبقاء التقدم والتمسك بزمام المبادأة، عرضت على القيادات الفلسطينية، اقتراحا لكى يدرسوه.. مؤداه أن تمثلهم الأمانة العامة لجامعة الدول العربية، أى أن تمثلهم الجامعة العربية، ويحمل لواءهم كل الدول العربية فى مؤتمر جنيف.

          أيها الأخوة والأخوات أعضاء مجلس الشعب:

          مع بداية هذا العام 1975، وبرغم الوقت الذى ضاع فى الخريف الماضى بسبب الظروف الداخلية للسياسة الأمريكية، ومع ما كنا نتخذه من ترتيب وتدبير لخطى أخرى بدا لى أن السياسة الأمريكية- وبعد إنقضاء مشاكل داخلية معينة في الولايات المتحدة- على استعداد لتحمل مسئولية العمل من أجل فصل جديد للقوات.. وقمنا بتحديد مطالبنا فى هذه العملية بالذات على النحو التالى:

1 -

أن كل انسحاب اسرائيلى جديد هو عملية جمع في موقفنا، وليس عملية طرح.  

2 -

أن ضمان جدوى أى انسحاب إسرائيلى جديد هى أن يتصل - مبدأ وعملا - بالانسحاب على الجبهات الثلاث: المصرية والسورية والفلسطينية.

 3 - أن الحد الأدنى من الانسحاب الذى نقبل به فى هذه المرحلة، ونعتبر معه أن عملية الاقتراب لحل الأزمة تسير سيرا سليما، هو أن يشمل الانسحاب: المضايق الاستراتيجية فى سيناء الى جانب آبار البترول فى أبو رديس وبلاعيم.

          وبعثت الى الدكتور كيسنجر بموقفنا واضحا و"كاملا" كى يكون على بينة من الأمر قبل أن يبدأ جهوده لتحقيق هذه الخطوة.. ورد على الدكتور كيسنجر يقترح أن يقوم بإنجاز مهمته في هذه الخطوة خلال زيارتين: زيارة أولى لاستكشاف المواقف، وزيارة ثانية تعقبها لممارسة الجهد العملى المطلوب لتحقيقه.. وبعثت اليه أقترح أن يكتفى بزيارة واحدة للمنطقة فى هذه المرحلة، باعتبار أن وجهة نظرنا أمامه من ناحية، ثم أن اتصاله بالأطراف الأخرى قائمة ومتصلة من ناحية أخرى.. وتلقيت من الرئيس جيرالد فورد رسالة مكتوبة يرجو فيها أن نترك للدكتور كيسنجر فرصته الكافية للاستكشاف قبل أن يدخل بكل طاقته فى ممارسة التنفيذ.. ووافقت.

محادثات أسوان

          وقام الدكتور كيسنجر فى شهر فبراير الماضى بزيارة استكشافية للمنطقة.. يسمع آخر الآراء، ويجرى بنفسه آخر التقديرات.، ثم عاد الى المنطقة - كما تعلمون - يوم 7 مارس بادئا بزيارتي فى أسوان.. ولقد استمر عملنا فى أسوان 17 يوما كاملة.. جهدا متصلا كان لا بد أن نبذله وتحملا صابرا، كان فى مقدور أخوة لنا أن يكفوه عنا حتى تتضح لهم الحقائق.. أما الجهد.. فقد اقتضانا عملا بالليل وبالنهار ويقظة كاملة.. وأما التحمل فقد كان منانا لو تسلح غيرنا بالثقة بالنفس والثقة باخوة لهم تأكد للجميع صدق التزامهم.. فتركونا نعمل فى هدوء، وبغير أن نكون مطالبين باجراء محادثات مع الأطراف الدولية الأخرى أمام ميكروفونات تنقل لهم كل كلمة وكل حرف وكل همسة فيما نقول أو نسمع.. ولقد تأذنون لى حضراتكم الا أفيض فى هذه النقطة، ذلك أنه بعد أن أتضحت الحقائق وتكشفت المواقف فانى أوثر أن أترك الأخرين مع ضمائرهم راضيا منهم بحساب الضمير.

          أيها الأخوة والأخوات أعضاء مجلس الشعب:

          قد لا أجد - وقد لا تجدون معى - داعيا للدخول فى تفصيلات عملنا المتصل خلال 17 يوما فى أسوان.. ويكفينى أن اقول: اننا كنا - كما حاولنا باستمرار - أن نكون الأمناء، وأن نكون الأوفياء.

          من ناحيتنا كنا نعرف ما نريد: انسحاب جديد فى سيناء يشمل المضايق والبترول، هذا الانسحاب يتصل بخطوات متماثلة على الجبهة السورية والجبهة الفلسطينية.. ولا نريد ولا نملك فى هذه المرحلة، أن ننهى حالة الحرب بيننا وبين إسرائيل.. وكيف نريد أو نملك انهاء حالة الحرب وثلثى سيناء سوف يظل حتى بعد المرحلة المقترحة من الانسحاب تحت احتلال العدو؟

          ثم كيف نريد أو نملك إنهاء حالة الحرب، ولم يظهر تحرك على الجولان.. ولا ظهرت نية تحرك من الضفة الغربية أو من غزة، أو أولا وقبل كل شيء من القدس؟

          كيف نريد ذلك أو نملكه عمليا؟ وكيف نريد ذلك تاريخيا؟ .. كان ذلك موقفنا، ولم يكن سرا على أحد.

          ولم يكن ذلك سرا على أحد.. ولا على الدكتور كيسنجر قبل أن يبدأ زيارته الأخيرة للمنطقة.. ولا كان سرا على إسرائيل بالطبع من خلال الدكتور كيسنجر.. وأنا هنا أتساءل من خدع من؟ وأبادر فأقول: إننا لم نخدع أحدا، لأن مطالبنا كانت واضحة ومحددة منذ البداية ثم أبادر فأقول أيضا: أننا لم ننخدع من جانبنا بأى موقف من مواقف إسرائيل من البداية إلى النهاية.

آثار حرب أكتوبر على إسرائيل

          ولعلي أسمح لنفسى أن أقول أمامكم: إننى بعد أيام قليلة فى أسوان قلت لعدد من معاونى، بل وللدكتور كيسنجر نفسه، أن هذه المحاولة لن تصل إلى نتيجة.. فأريحوا أنفسكم.. ولما سألونى عن أسبابى فيما أقول، كان جوابى على النحو التالى:

          أولا: أن اسرائيل لا تزال تعيش آثار زلزال أكتوبر 1973.. لقد حاولوا بكل الوسائل إخفاء الحقائق ودفن الرؤوس كالنعام فى كثبان الرمال.. ولكن هول الخسائر في البشر قبل المعدات هز كل بيت فى إسرائيل، ومس كل عائلة فى إسرائيل.. على أن الأرقام الحقيقية لهذه الخسائر لم تعلن حتى الآن.. والدليل العملى على ذلك أن قواتنا المسلحة عثرت أخيرا على مقبرة لقتلى العدو فى المعركة تضم تسعا وثلاثين جثة تاهت فى حسابات القيادة الإسرائيلية.. ويعلم الله وحده كم مئات غيرها ممن لقوا النهاية المحتومة على أرضنا الطاهرة ومازالت جثثهم تحت الأنقاض.. ومهما يكن فقد طلبت الى وزير الحربية تسليم جثث القتلى الى العدو إشارة إلى الحقيقة ورمزا، وإن كان تقديرى أن الحقيقة الكبرى فيما صنعناه فى أكتوبر المجيد أننا كسرنا نظرية الأمن الإسرائيلي، وكان ذلك مطلبنا الأساسى من الحرب.. ولم تجد إسرائيل بديلا لنظريتها القديمة، فأثرت أن تتمسك بالبقايا من الحطام.. على أن تعطى لنفسها بداية جديدة.

          ثانيا: أن الحكم الحالى فى إسرائيل ضعيف، غير قادر على البت.. يتحدث عن القوة بأوهام الأمس، ويتحدث عن السلام بمخاوف الغد، وبين الأمس والغد يعيش يومه على التردد عاجزا عن اتخاذ أى قرار.

          ثالثا: أن هناك قوى فى إسرائيل تدرك نقط الضعف الراهنة فى السياسة الأمريكية وتظن أنها قادرة على استغلالها بما يشل فاعلية الموقف الأمريكى، على فرض أن هذا الموقف رأى الحقيقة واقتنع بها ولو جزئيا، وأدرك أن ذلك فى مصلحة الشعب الأمريكى نفسه قبل غيره من الأطراف.

          رابعا: أن بعض العناصر الثابتة فى صنع القرار الإسرائيلي تتصور أنها فى حاجة إلى كسب وقت تكمل فيه قوتها وتبعثر فيه الصف العربى، ولو باستغلال شكوكه في نفسه أحيانا، للأسف.. ثم أنها تريد فسحة من الزمن يتضاءل فيه التأييد الدولى للعرب أو تفتر حرارته.

  خامسا: أن هذه العناصر نفسها تعتقد أنها إذا كسبت بضعة شهور، فان الظروف سوف تواتيها أكثر.. سوف تواتيها أكثر فى  الولايات المتحدة التى سوف تنشغل بعد شهور فى معركة جديدة لانتخابات الرئاسة يحل موعدها فى نوفمبر سنة 1976، يبدأ  الاستعداد لها قبل ذلك بعام كامل.

          سادسا: أنه إذا تحقق لها ذلك، فان هذه العناصر تعتقد أنها بهذه الوسيلة تكون قد أجلت أى دور أمريكى محتمل إلى حين  انتخابات رئيس أمريكى جديد تساعد إسرائيل على انتخابه - اذ استطاعت - لتضمن تأييده، خصوصا وأنها تتصور أن ضغط  البترول العربى قد يخف خلال عامين أو ثلاثة بفعل ما يتخذ الآن من سياسات وإجراءات للتغلب على أزمة الطاقة.. ولقد  تسألوننى حضراتكم - أيها الأخوة والأخوات: ثم ماذا؟ وما العمل؟  

          وأقول لكم بأمانة وبصراحة: خذوها منى لهذا الجيل ولكل جيل من أجيال شعبنا وأمتنا يجىء من بعدنا ويتصدى للمسئولية،  أقول فى أى موقف يجب أن نسأل أنفسنا قبل أى شئ سؤالا واحدا مجددا: أين أرادتنا؟  

          اذا كنا نملك ارادتنا فنحن نملك كل شئ.. واذا كنا لا نملك ارادتنا فنحن لا نملك أى شئ.. النصر يبدأ بالارادة وينتهى بها،  والهزيمة لا سمح الله تبدأ بالارادة وتنتهى بها.. ولقد كان جهدى وعملى دائما لهدف مبدئى يسبق غيره من الأهداف، بل هو الباب  لهذه الأهداف جميعا.. وهو أن نكون المالكين لارادتنا، وأن يكون القرار الصادر عن إرادتنا وطنيا وقوميا وإنسانيا.. لربما كان  أهم ما حققناه فى حرب أكتوبر المجيدة هو أننا أثبتنا أننا نملك القرار، وأننا نملك الارادة، وفوق ذلك فان إرادتنا تملك لنفسها  قدرة تكفل لها الاحترام.. ونعود إلى السؤال الذى يدور - وبحق - في أذهاننا: ثم ماذا؟ وما العمل؟

          ومن هنا فلعلى أستأذن حضراتكم فى أن افكر معكم بصوت عال، لكى تشتركوا معى.. ولكى يشارك الشعب، وتشارك الأمة:

          أولا: ليس من رأيى أننا أمام موقف يدعونا إلى الغضب، وإنما يغضب هؤلاء الذين لا يجدون غير الغضب وسيلة التنفيس عن  مشاعرهم، ولسنا من هؤلاء.. قلت لكم أننا نملك إرادتنا، وقد أثبتنا أن لهذه الارادة قدرة، وأن هذه القدرة استوجبت وسوف تستوجب احترام العالم.. وأرادتنا فى أيدينا، وقرارنا منها.

          ثانيا: أننا عندما قبلنا بتجربة أسلوب خطوة بخطوة.. قلنا إن هذا الطريق ليس بديلا عن مؤتمر جنيف، وأنما قد يكون مجرد  مقدمة له، ولقد وجهنا الدعوة فعلا لعقد مؤتمر جنيف.. وهناك فاننا سوف نطلب من الكل أن يكونوا شهودا، وأن يكونوا شركاء   في مسئولية الحل.. وسوف يكون مطلبنا هناك بكل وضوح: الانسحاب إلى خطوط ما قبل الخامس من يونيو سنة 1967، وكفالة  الحقوق المشروعة للشعب الفلسطينى.. ولعلى أضيف هنا أن مؤتمر جنيف لن يكون وحده الاطار الوحيد لعملنا من أجل تحقيق  هذه المطالب.. أقول ذلك ليسمعه الجميع.

          ثالثا: أن الأمة العربية على المستوى الرسمى والشعبى مطالبة - فى اعتقادنا - بتقدير كامل لموقفها تواصل منه نضالها.. وفي  ذلك الصدد فهناك مطلب: تنسيق كامل بين الأطراف الثلاثة على خط المواجهة: مصر وسورية ومنظمة التحرير الفلسطينية.. ثم  مؤتمر على مستوى القمة العربية يضع استراتيجية كاملة لمواجهة المرحلة المقبلة.  

          ولست أخفى عليكم أننى فكرت فى لحظة من اللحظات في توجيه الدعوة الى مؤتمر عربى على مستوى القمة يعقد فى القاهرة.. ثم  وجدت أننا فى الرباط قد اتفقنا على لقاء عربى على مستوى القمة فى شهر يونيو القادم، وآثرت بدلا من توجيه دعوة لمؤتمر طارئ أن ننتظر الموعد الذى اتفقنا عليه فعلا في الرباط.. وفى حسابى أن مصر تتقدم إلى هذا المؤتمر بخطة عمل أرجو أن تلتقى عندها  الآراء.  

          رابعا: لقد أعطيت، وسوف أعطى، أقصى الجهد لوضع العلاقات بيننا وبين الاتحاد السوفيتى في مكانها الصحيح.. وكان  رأيى، ومازال، أن هذه العلاقة مبدئية وليست مجرد انتهاز فرص أو صداقة ظروف، وأرجو أن يكون هذا الجهد متبادلا.  

          خامسا: إننى حريص كل الحرص على أن يظل للقضية العربية رصيدها الدولى الذى حصلت عليه فى كل مكان، سواء فى العالم  الثالث أو فى أوروبا الغربية أو فى الولايات المتحدة.. ولست أنصح أبدا - مهما كانت المبررات - بالتراجع عن مواقع اكتسبناها بعد  عناء طويل، حتى نتركها سهلة لاسرائيل.

          سادسا: أن البعض قد يتوقع منى بالانفعال أن أنهى اتفاق عمل قوات الطوارىء فى سيناء، ولكنى أوثر الفعل على الانفعال.. ومن هنا فاننى سوف أسمح بتجديد عمل قوات الطوارىء لمدة ثلاثة شهور فقط بدلا من سنة.. من ناحية لأنى لا أريد أن أضع  المجتمع الدولى أمام أزمة مفاجئة، ومن ناحية أخرى أريد أن يعرف العالم كله أن هناك حدودا للوقت.. كما أن هناك حدودا  للصبر.

          سابعا: أن البعض يتوقع منى أيضا - وبالانفعال - أن أبقى قناة السويس مغلقة، ولكنى سوف أفعل العكس تماما.. فان  قرارى هو فتح قناة السويس للملاحة البحرية فى الموعد الذى كنت قد حددته لفتحها، وهو 5 يونيو القادم بانن الله.. سوف أفتح  قناة السويس لخير شعبنا ولخير العالم، ذلك اننى لا أريد لشعوب العالم التى تهتم بالقناة معبرا لتجارتها أن تتصور أن شعب  مصر يريد عقابها لذنب لم تقترفه.. انهم جميعا أيدونا، ونحن نريد قناتنا كما يريدونها.. طريقا للازدهار..

          سوف نفتح قناة السويس.. ونحن قادرون على حمايتها، نفس قدرتنا على حماية مدن القناة التى قمنا ونقوم بتعميرها.. فلقد  مضى ذلك العهد الذى كانت فيه المسافات حائلا دون العدوان، فالأمن الأن يرتكز على مقدرة الردع، ونحن نملك من قوة الردع  ما يجعل عدونا يفكر مرتين وثلاثا قبل أن يرتكب أية حماقة.. ولكى لا يكون لأحد عذر، فانى أعلن أمام حضراتكم من هنا أن أى  مساس لموقع واحد من مدن القناة، وأى تعرض لنقطة واحدة على قناة السويس نفسها، سوف يواجه بردع كاف حيث يكون الردع  أكثر إيلاما وأشد وجعا.

  إن شعبنا كما تعرفونه، وكما يعرفه العالم، يتصرف دائما بهدوء أعصاب، ويدير معاركه بخبرة حضارية ضاربة فى أعماق التاريخ.. ثم هو شعب ملك إرادته ولن يتخلى عنها.. ولقد أثبت دائما. وسوف يثبت دائما، أنه يستطيع تعزيز إرادته بما يكفل لها الاحترام.

          أيها الأخوة والأخوات أعضاء مجلس الشعب:

          لقد كنت أقول دائما: إن الذين يأخذون مكانهم الصحيح يستطيعون دائما مواجهة المتغيرات مهما حملت لهم مما يحسبه غيرهم من المفاجآت.. واذا عرفنا أين نحن دائما، وحرصنا على أن نكون فى موقفنا الصحيح.. أذن فنحن الأجدر بالنصر، ونحن الأقدر عليه باذن الله.

          نحن نعرف مكاننا ضمن قوى الثورة الوطنية المعادية للاستعمار، ونحن نعرف مكاننا ضمن الأمة العربية التى اتحد تاريخها وتوحد مصيرها، ونحن نعرف مكاننا فى طلائع التقدم الاجتماعى لصالح أوسع للجماهير التى تريد مجتمعا تتكافأ فيه الفرص بين الأفراد، وتذوب فيه الفوارق بين الطبقات، ونحن نعرف مكاننا حملة لمشاعل الحضارة ودعاة لسلام قائم على العدل.. نحن نعرف مكاننا، ثم اننا نعرف أيضا عصرنا.. أن المكان ليس وحده. ولكنه المكان فى الزمان.. أعنى اننا نعرف ونعيش عصرنا الحافل بالمتغيرات، واذا عرفنا مكاننا وحده ولم نعرف عصرنا فاننا نقع فى خطأ كبير.. ان الزمان لا يغير مبادئ الانسان ولا يغير مبادئ أى شعب أو أمة.. ولكن معرفة العصر تمنح لهؤلاء جميعا أفضل الوسائل لافضل الغايات.

          إن مبادئنا - كما قلت - لم تتغير .. ولكننا على سبيل المثال لا نستطيع ان نمارس صراعنا فى عصر يسوده الوفاق الدولى بنفس الأساليب التى كنا نستعملها فى عصر الحرب الباردة.. كان لعصر الحرب الباردة مناخ، وقد استجبنا لهذا المناخ فى وقته وظرفه .. ولعصر الوفاق مناخ، ولا بد أن نستجيب لهذا المناخ الجديد بما يناسب وقته وظروفه.. والا وقعنا في اسار الجمود وسط عالم يتحرك، تكون مبادئنا سليمة ولكننا نعجز عن خدمته.

          أيها الأخوة والأخوات أعضاء مجلس الشعب:

          لقد كنت أتمنى لو استطردت فى هذا الحديث، فقادني سياقه المنطقى الى كثير من شئوننا الداخلية وفيها كثير أريد أن أحدث اليكم والى الشعب فيه .. لكننى أعد أن أفعل ذلك فى فرصة قريبة أطرح فيها تصوراتي لمرحلة من العمل الوطنى تنتظرنا .. أن أمامنا آمالا عظمى ننتظر تحقيقها.. أن أمامنا تحديات كبرى تطرح نفسها علينا، و أمامنا في المجال الخارجى والمجال الداخلى مهام تقتضى عزم الرجال وتناديهم لتحقيقها، ولم يتقاعس هذا الشعب أبدا في تاريخه عن أمل، ولا هرب من تحد، ولا غابت منه عزائم الرجال تصنع تاريخا وتقتحم مسقبلا.

          وفقكم الله.. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 


ا