خطاب الرئيس أنور السادات، في افتتاح المؤتمر القومى للاتحاد الاشتركي العربي، 22/ 7 / 1975
المصدر: "قال الرئيس السادات، الجزء الخامس 1975، السكرتارية الصحفية لرئيس الجمهورية، ط 1982، ص 190 - 200"

بسم الله:
أيها الأخوة والأخوات أعضاء المؤتمر القومى ...

قبل أن أبدأ حديثى اليكم يسعدنى أن أهنئكم بثقة الشعب فيكم وأن أشكركم من كل قلبى ووجدانى على انتخابكم لى رئيسا للاتحاد الاشتراكى وأسأل الله سبحانه وتعالى ان يوفقنا لحمل الأمانة.

أيها الأخوة والأخوات أعضاء المؤتمر القومى ..

قد يختلف حديثى هذه المرة عن كل حديث سبق أن وجهته اليكم فى مثل هذه المناسبة، ذلك أننا نواجه مرحلة جديدة من حياتنا السياسية، بعد سنوات قليلة تمت فيها انجازات وتغيرات عميقة كان قد آن أوانها.

اطلاق الحريات

لقد كان من أهم الانجازات التى أخذتها على عاتقى منذ توليت مسئولية الحكم، كان من أهم الانجازات اطلاق الحريات.. وكان لابد مع اطلاق الحريات أن تتعدد الآراء وتختلف بل كان لابد من مرور مرحلة من البلبلة كنت أتوقعها، كما يحدث عادة بعد كل غيبة طويلة للحرية، ولم أكن اخشى منها، ثقة منى بأن شعبنا سوف يخرج منها بالنتائج الصحيحة، وقد آن الأوان، لكى ننظر إلى كل ما ثار حوله الجدل نظرة موضوعية عميقة خصوصا، وقد لاحظت وأحسست بحيرة الشباب بالذات ازاء ما يقرأ وما يسمع من سيل الآراء المتعارضة، ولست هنا لأصدر حكما فى كل قضية ثار حولها الجدل، ولكننى أريد أن أتوجه إلى شبابنا بالذات وأن أصارحه بأن عليه أن يقرأ ويدرس ويتمعن فى تاريخ بلاده وظروفها حتى يصل إلى أحكام صحيحة، وحتى لا يخدعه قول معسول أو كلام ظاهره حق وباطنه الباطل، ولأننى كما أكرر وأقول دائما نواجه عالما بالغ التعقيد سريع التحول، ولكن فى وسط كل هذه المتغيرات والتحولات لا يحفظ لنا توازننا ووضوح رؤيتنا، الا ادراكنا لتاريخ وطننا وظروفه، وعناصر الدوام والاستمرار فيهن ولعلكم تذكرون اننى قلت فى ورقة أكتوبر، لكى نحدد أين نحن والى أين نسير، علينا أن نقف وقفة سريعة عند سؤال هام ربما كان شباب هذا الجيل بوجه خاص أكثر حاجة إلى إجابة واضحة عنه هو: كيف ننظر الى الماضى؟ وكيف ننظر إلى المستقبل؟ ثم استطردت قائلا.. ان تاريخ الأمم التى تتقدم هو التاريخ المتصل الحلقات، ليس المقطع الأوصال، والأمم التى تتنكر لتاريخها ونضال أجيالها المتوالية أمم غير جديرة بتراثها فضلا عن أنها تضيع على نفسها الكثير من ثمار ما أنجزته ولا تدع للأجيال الصاعدة حافزا كافيا للمضى على الطريق وتحمل المسئوليات الجديدة.

قلت هذا فى ورقة أكتوبر، وأكرر اليوم انه آن الأوان لأن ننظر إلى تجربتنا.. إلى ماضينا.. وحاضرنا.. ومستقبلنا.. ننظر نظرة شاملة ودقيقة معا لا نضيع فيها الأساسيات وسط التفاصيل الفرعية.. ويدفعنى إلى هذا التأكيد ما ألاحظه من الحاجة الماسة لدى شبابنا بالذات إلى أن يقرأ ويحلل ويدرك عبرة تاريخ بلاده وظروفها حتى يعرف إلى أين يتجه ببصره مستشرقا آفاق المستقبل، ذلك لأننا ننطلق فى عملنا من فهمنا العالم الذى نعيش فيه، وادراكنا لكل التجارب الاجتماعية التى حولها الانسان، ولكن مع كل هذا لابد لنا من أن ننطلق أساسا من ظروف بلادنا وتراثها وترابها وكفاحها.. وهذا ما يجب أن تكون عليه فلسفتنا دائما وفى كل مجال.

واذا كان بعض حديثى هذا اليكم يصدر عن تجربة خاصة عشتها فهى لا شك تجربة كل الجيل الذى انتمى اليه والتى آن الأوان لأن يسلم الأمانة تدريجيا إلى الجيل الذى يليه.

واذا كان قدرى اننى كنت فى شبابى فى خط النار وفى منطقة الاحتراق بالنضال.. ثم كان قدرى أن أتولى مراكز المسئوليات الثقيلة وارتياد الطرق الجديدة خلال تجربتنا الثورية الا أن المشاعر والحوافز والأمانى التى كانت تعتمل فى نفسى لا شك أنها كانت هى نفسها التى تعتمل في صدور الملايين من أبناء هذا الجيل الذى أتحدث عنه، تلك المشاعر التى أريد أن أنقل لمحة منها إلى الجيل الجديد وسوف يرى هذا الجيل.. الجيل الجديد.. سوف يرى هذا الجيل الجديد من شبابنا ورجالنا ونسائنا أنهم أسعد وأعظم فرصة منا وان الآفاق التى انفتحت أمامهم لم يكن لها أمامنا أى وجود.

ادعاءات تاريخية كاذبة

لقد تفتحت عيوننا على وطن محتل، هو جزء من أجزاء الامبراطورية البريطانية الواسعة.. وطن لا شأن له فى هذا العالم أكثر من شأن أى مستعمرة ولا دور لشعبه فيه سوى الرضوخ لرغبات المستعمرين، وكانوا يعلموننا ويحاولون غسل أدمغتنا بتاريخ غير صحيح، كانوا يعلموننا مثلا أن الانجليز هم المصلحون الأمناء على مصالح البلاد، وأن الخديوى الذى أدخلهم هو الوطنى، وأن العملاء الذين تحالفوا معهم وكوفئوا بالمناصب والاقطاعيات والأموال هم وجهاء البلد وزعماؤه، أما الثوار فهم المخربون، فثورة أحمد عرابى مثلا حاولوا تشويهها وقالوا أنها انتهت بالاحتلال الانجليزى للبلاد وحركة مصطفى كامل ومحمد فريد شوهوها أيضا على أنها انتهت باعلان الحماية على مصر مع الحرب العالمية الأولى، وثورة سنة 19 التى قادها سعد زغلول وتولى بقوة دفعها أول وزارة وطنية عن طريق الانتخاب الشعبى شوهوها على أنها انتهت بطرد الجيش المصرى من السودان.. وفصله عن مصر.. وتجميد الدستور.. والعبث بالحياة النيابية.. وكانوا يعلموننا أيضا أن مصر بلد زراعى، وأن شعب مصر ليس مؤهلا لا للصناعة ولا للتجارة ولا للبنوك فهذا كله يجب أن يكون فى يد الأجانب ولكننا لم نصدق وكان علينا وعلى جيلنا أن يفتش فى التاريخ الحقيقى لبدلنا.

عرفنا أن بلدنا مصر بلد مستهدف من زمن بعيد، وانه منذ أن قامت دولة مصر الحديثة فى عهد محمد على الكبير وحاربتها أوروبا كلها لكى تكسر شوكتها وتطفىء أنوارها التحررية التى بدأت تشع فى المنطقة، منذ ذلك الوقت وأوروبا مصممة على استعمار

مصر، ووجدنا أيضا أن التنافس زاد بعد حفر قناة السويس، وانزلقت البلاد تحت حكم الخديويين إلى الاستدانة والخضوع للنفوذ الأجنبي حتى تم رهن كل مرافق البلاد للماليين الأجانب، واشترت انجلترا أخيرا أسهم قناة السويس ولم يبق إلا قدوم قوات الاحتلال.

البحث عن الحقيقة

          كان علينا أيضا أن نبحث عن الحقيقة فى تاريخ بلدنا.. وجدنا أن أحمد عرابى كان البطل الوطنى الذى حاول مع الجيش الوطنى والحركة الشعبية أن يوقف هذا ويتصدى له معبرا عن مشاعر شعبه فى قيام برلمان منتخب وحكومة مصرية وجيش وطنى مطهر من الدخلاء.. وعرفنا أن مصطفى كامل لم يخرج الانجليز حقا ولكنه أيقظ شعلة الوطنية المصرية التى اطفأتها مؤقتا فترة الاحتلال.. وعرفنا ان محمد فريد كان اول من نظم نقابات العمال وفتح المدارس لمحو الأمية وواصل الكفاح حتى غلبته ظروف قيام الحرب العالمية الأولى.. وعرفنا ثورة 19 ليست عملا تخريبيا بل انه بعد الحرب العالمية الأولى وسيادة الاستعمار على كل ارجاء العالم كان شعب مصر هو صاحب أول ثورة وطنية ضد الاستعمار وضد الحلفاء المنتصرين المتجبرين.. وعرفنا أن سعد زغلول كان أول فلاح مصرى صميم يرأس أول وزراة دستورية.. وما كان اسقاطه وانتهاك الدستور إلا مؤامرة أخرى لكسر موجة الوطنية المصرية وسلبها ثمار تضحياتها واعادتها الى الوراء.. ولكن شعب مصر المكافح صانع الحضارة والتمدن منذ أقدم العصور حقق بالرغم من ذلك، وعبر كل تلك الحلقات من الكفاح بما فيها من انتصارات ونكسات، أقول.. حقق مكاسب كثيرة وقد انتشر الوعى والتعليم ونمت حركة فكرية وثقافية أضاءت المنطقة كلها، وتأسست أول جامعة مدنية بالجهد الشعبى، جامعة القاهرة هذه.. التى نجتمع فيها اليوم، وقامت حركة تحديثية تزعمها طلعت حرب لانشاء أول بنك مصرى وأخذ يؤسس أول شركات وصناعات مصرية صميمة خارقا جدار الاحتكار الاستعمار والأكذوبة الكبرى عن عدم قابلية شعبنا للاشكال الحديثة المتطورة فى الانتاج والاستثمار.

          واحب هنا ان الفت النظر الى نقطة تفوت كثيرين من المؤرخين.. هذه النقطة، هى ان مصر ساعة ان استولى عليها الاستعمار البريطانى كانت دولة على درجة من التقدم لو لم تقطعها ثمانين سنة من الاحتلال لكانت اليوم فى مصاف دول أوروبا.

          كان لها منذ قيام دولتها الحديثة على يد محمد على.. كان لها جيش قوى.. ومصانع حربية.. وترسانات بحرية، وأسطول حربى.. ومصانع الغرل والنسيج.. كان لدينا مدارس لكل فروع العلوم العسكرية المتقدمة وكليات لكل العلوم الحديثة، وتعليم مجانى فى كل المراحل ومجلس تشريعى ناشئ كان مثله قليل فى أوروبا فى ذلك الوقت.

          وحين نرجع الى أول قرارات اتخذها الانجليز والخديوى بعد اخماد الثورة العربية نجد ان فى مقدمتها حل الجيش المصرى واغلاق المصانع والترسانات الحربية والمدنية وبيعها خردة، وبيع القطع البحرية كلها ما عدا اليخت الملكى واغلاق المدارس والكليات وتخفيض ميزانية التعليم، والغاء كل الكليات العسكرية المتخصصة ومعظم الكليات والمعاهد الفنية.

          أسجل هذا لأكرر ما قلته من ان مصر كانت دائما وستظل بلدا مستهدفا من قوى كثيرة فى العالم، فالقوى الكبرى في كل عصر لا تريد ان تقوم في هذه البقعة الحساسة من العالم دولة قوية مؤثرة ذات شأن لأنهم يعرفون ثروتها البشرية، وطاقات شعبها الخلاقة، وامكانيات التضامن بواسطتها فى العالم العربى الشاسع فهم اما ان يتحالفوا عليها أو يكيدوا لها أو يعملوا على اذلالها أو يتأمروا ضدها، نجد هذه ظاهرة مستمرة منذ ان ضرب محمد على سنة 1840 الى الاحتلال الانجليزى سنة 1882 الى اقامة دولة اسرائيل سنة 1948 الى حروب سنة 56 و 67.

التمسك بحرية الارادة الوطنية

          وهذا ما يجعلنا دائما نرفض الدخول فى مناطق النفوذ.. ونرفض التبعية بأى شكل من الأشكال.. ونرفض ايضا المساومة على علاقتنا العربية ونتمسك بحرية ارادتنا الوطنية.. انها مبادئ أساسية لأنها بنت تجربة تاريخنا الطويل.

          وأعود إلى أحاسيس شبابنا عقب الحرب العالمية الثانية.. كنا نرى أن الحركة الوطنية بعد ثورة سنة 19 والكفاح الطويل ضد الاستعمار والقصر والظلم قد وصلت الى طريق مسدود، الحلفاء المنتصرون يريدون تكرار خدعة الحرب الأولى وتدعيم النظام الاستعمارى العالمى والغاء كل الوعود التى أعطوها للشعوب خلال الحرب.. الدستور نفسه صار صورة ممسوخة لا ظل لها من الوجود، الأحزاب تحللت وتفسخت، وهبط كفاحنا إلى مستوى التظاهر وتحطيم عربات الترام، وفوانيس النور، السجون والمعتقلات ممتلئة بواسطة القوى العميلة لحساب الانجليز وقامت حرب فلسطين الأولى، وتأسست دولة اسرائيل بواسطة قوى الاستعمار، لتكون خنجرا فى جنب مصر وفى قلب الأمة العربية كان الشباب الحائر يلجأ إلى التنظيمات السرية والعلنية ضد النظام القديم.. كانت حيرة من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار ووقعت معارك بين الفلاحين والاقطاع فى الريف، والسلطة الحاكمة ماضية فى غيها حتى صارت الوزارات لا تعيش إلا أياما ولا يصل اليها إلا من يدفع أكثر وتعرضت ثروة البلاد الأساسية وهى القطن للمضاربات و الرشوة والفساد.

23 يوليو .. أنصع أيام تاريخنا

          وكنت كما كان غيرى نتلمس فى ظلام دامس سبل الكفاح ورد الكرامة للوطن والمواطن، وعرفت كما عرف غيرى حياة التشرد والمقاومة والسجن والتنكيل والتجويع، ومع الزمن اهتدت قلة من شباب القوات المسلحة إلى بداية طريق لا نهاية له إلا النصر

أو الموت .. كان الجيش هو العصا الغليظة فى يد السلطة تهدد بها الشعب فكان الطريق الذى اخترناه هو انتزاع العصا الغليظة من يد السلطة البائدة، ووضعها في يد الشعب وسرنا في هذا الطريق المحفوف بأخطر المخاطر سنة بعد سنة دون خوف أو كلل أو يأس، وكانت هى الطريق التى حملتنى صباح يوم 23 يوليو سنة 1952 إلى دار الاذاعة لأذيع منها على الشعب كله أول بيان عن قيام الثورة وكان رد الفعل الشعبى الكاسح صبيحة 23 يوليو هو الذى قضى في الأمر وأسقط النظام القديم وأعطى السلطة الجديدة شرعيتها الثورية. إن كل بلد فى العالم له يومه المجيد الذى يحتفل به عاما بعد عام، ويوم 23 يوليو سنة 52 سيظل من أنصع صفحات تاريخنا ومن أكبر أحداث حياتنا وحياة المنطقة العربية بل والعالم الثالث كله.

         والثورة بمعناها الحقيقى ليست حدثا عابرا، انها حدث نادرا لا يقع إلا قليلا، والثورات لا تتم وكأنها تجربة في معمل كيميائى انها تهز المجتمع كله ويختلط فيها تراب كثيف بل وضحايا خلال عملية الهدم والبناء ولكن المهم فى تقييمها هو الحساب الختامى لها وأثرها الشامل على حياة الأمة فشعب فرنسا مثلا يحتفل كله بكل فئاته الاجتماعية بعد أكثر من مائة سنة بذكرى ثورية فى 14 يوليو وهم يعرفون ما وقع فى الثورة من ضحايا ومظالم واضطرابات دامية ولكنهم بكل ميولهم السياسية المختلفة يعرفون أن هذه الثورة فى النهاية هى التى فصلت بين فرنسا الاقطاعية الارستقراطية القديمة وفرنسا الحرية والاخاء والمساواة.

أبعاد الثورة الشعبية

         وثورتنا غيرت نهائيا حياة مصر وأغلقت إلى الأبد صفحة كانت قد انتهت.. ثورتنا التى كانت أول محاولة تغيير عميق فى العالم الثالث كله وصارت بعد ذلك قدوة العشرات من البلاد والدول.. ثورتنا هذه وقعت بأقل قدر من العنف عرفته الثورات كلها.. وبتضحيات لا مفر منها لأن الثورات عادة تواجه بمقاومة عنيفة من قوى الجمود والاستغلال ومن قوى داخلية وخارجية وأية ثورة جديدة بهذا الاسم عليها ان تتصدى لهذا بحزم أو أن تنكص على أعقابها وتفشل وكما أن للحياة العادية قوانينها فان للثورات أيضا قوانينها.. من ينكر الثورة ليس أمام الثورة سوى أن تنكره، ومن يقاوم الثورة ليس أمام الثورة إلا أن تقاومه، من يعترض على التغييرات الأساسية التى قامت الثورة من أجلها من واجب الثورة أن تنحيه.. ولكن لن تنجح الثورة أبدا بالقوة وحدها لأننا رأينا فى العالم استخدامات كثيرة للقوة بحيث أصبحت بعض الثورات مجرد انقلابات عابرة أما الثورة فهى القوة مدعمة بتأييد جماهيرى شامل، ومن ينكر أن جماهير الشعب فى أغلبيتها الساحقة القريبة من الاجماع، من ينكر اليوم أن هذه الجماهير كانت تؤيد عزل الملك واخراج الانجليز وتحديد الملكية الزراعية وتأميم قناة السويس.. وتمصير البنوك والشركات الكبرى، والبدء فى اقامة قطاع عام يقود حركة التصنيع.. تلك هى شرعية الثورة وأقول هذا لمن يتحدثون اليوم عن الشرعية من خلال أوضاع ما قبل الثورة، أى الأوضاع التى قامت الثورة لاسقاطها.

         إنه من السهل اليوم البحث عن أخطاء كثيرة وقعت هنا أو هناك، ولكن التعليق بعد عشرين سنة سهل وهو غير التصرف فى ظروف اتخاذ القرارات والاجراءات تماما كالمعركة الحربية، من السهل على معلق أن يأتى بعد سنوات ويقول ان قيادات القتال أخطأت فى كذا وكان أفضل لو فعلت كذا.. ولكن القيادات في غبار المعركة الكثيف وفي خلال القتال والتلاحم العنيف.. وحين يكون احتمال الهزيمة أو النصر معلق بخيوط واهية.. هذه القيادات تواجه ظروفا أخرى فى اتخاذ القرارات والتصرف ازاء الأحداث والأخطار.. غير ظروف الناقد المستريح بعد عشرين سنة.

         وفي إيجاز أكرر ما قلته فى ورقة أكتوبر من أنه مهما يكن من شأن الأخطاء التى وقعت فى التطبيق، فانها تهون بلا شك متى أدركنا أن الثورة بتلك الاجراءات قد أنقذت البلاد من الصدام الطبقى العنيف الذى شهدته وتشهده بلاد كثيرة، بل اننى لا أغالى اذا قلت أن الثورة أنقذت البلاد من الحرب الأهلية.

الفرق بين جوهر الثورة وبين الاجراءات الاستثنائية

على أننى أحب أن أضيف هنا أن الاجراءات الاستئنائية التى تقتضيها كل ثورة.. من الخطأ أن تطول أكثر من الوقت الذى تستلزمه.. انها حين تبقى أطول من ضرورتها تبدأ فى الفتك بجسد الثورة ذاتها.. قبل أن تفتك بأى شئ آخر لأنها تقلل من ثقة الجماهير بأهداف الثورة وتنفرهم منها.

         ونحن نرى اليوم بعض مدعى الناصرية فى العالم العربى لا يفهمون الفرق بين جوهر الثورة وبين اجراءاتها الاستثنائية، انهم يظنون أن الاجراءات الاستثنائية هى الثورة ويأخذون زوالها على أنه زوال للثورة فى حين أن زوالها كما قلت مرارا دليل على وصول الثورة الى بر الأمان والاستقرار.

         لقد كان عبد الناصر من أكثر الزعماء الذين هوجموا طيلة حياتهم ونضالهم السياسى، كانت الهجمات تأتيه أحيانا من أقصى اليمين، ومن المقاومين للتغيير من الذين اختاروا صف الاستعمار، عندما كنا نقاوم الاستعمار ونطارده من المنطقة العربية وأفريقيا.

         وكانت الهجمات تأتيه أحيانا أخرى من أقصى اليسار حين كان يفرق بين حركتنا للتحرر الوطنى، ولاقامة الاشتراكية، وبين رفضنا فى نفس الوقت للأخذ بنظم أخرى مختلفة والانتقال من نفوذ إلى نفوذ.. والأمثلة كثيرة، فى سوريا مثلا.. عبد الناصر أرسل قوات مصرية إلى سوريا سنة 57 حين زاد ضغط حلف الأطلنطى عليها وهددها بالغزو فهوجم عبد الناصر من كل قوى الاستعمار ومن يسانده، وعندما اقتضت ظروف الوحدة حل الأحزاب فى سوريا هوجم من أقصى اليسار بسبب حل الحزب الشيوعى السورى فى ذلك الوقت.

 وفى العراق هوجم عبد الناصر فى عهد نورى السعيد لأنه تصدى لاسقاط حلف بغداد الذى كان استعمارا من نوع جديد.. وهوجم فى عهد عبد الكريم قاسم لأنه وقف ضد تحول العراق إلى النظام الشيوعى، ولم يكن هذا تدخلا فى شئون هذا القطر أو ذلك، بل كان موقفه فى الحالتين يستقطب تأييد أوسع الجماهير العربية كلها لأننا كنا متمسكين بحرية ارادة الأمة العربية وبعدم تقسيمها كما قسمت أوروبا بين شرق وغرب، الأمر الذى يقضى على كل مستقبل للوحدة العربية والتضامن العربى والذى كان يمكن أن يجعلنا مثل جنوب شرق آسيا ساحة قتال بين قوى خارجية عن المنطقة لمصالح غير مصالحها.

          وعندما قبل عبد الناصر مشروع روجرز هوجم أشرس هجوم، ولكن الهجمات تبددت لأنه كان يتقدم متحملا المسئولية واثقا من تعبيره عن ضمير الأغلبية الساحقة وكان من السهل على عبد الناصر أن يوفر على نفسه هذه المعارك لو أنه آثر الرضوخ للأحداث تماما كما أنه من السهل علينا الآن أن نوفر على أنفسنا الحملات المسمومة لو أننا اخترنا عدم الحركة، وترك القضية تتجمد.. والزمن يمضى لصالح اسرائيل مكتفين بسياسة تسجيل المواقف الاعلامية والمزايدة، ولكننى أدرك كما كان يدرك عبد الناصر أن دور القيادة هنا فى القاهرة أن تتصدى للمسئوليات.

          ان دور القيادة هنا فى القاهرة، هو أن تتصدى للمسئوليات وأن تتلقى فى صدرها السهام، وان اقتضى.. في ظهرها الطعنات.. طالما اننا نتحرك بدافع من حرص على المصالح العربية العليا واننا نعبر عن رأى الأغلبية الساحقة واننا لا نفرط فى أى حق عربى وطالما اننا واثقون أن الزمن سيثبت جدوى نضالنا وعقم نباح الآخرين.

نفس الشئ ينطبق على تجربتنا الداخلية.. اننا لم نعلن الاشتراكية ليلة 23 يوليو بل مررنا بمراحل تطهير البلاد من الاحتلال ثم استرداد سيادتنا على قناة السويس ثم تمصير البنوك والشركات الكبرى التى كان يملكها الأجانب.. يسيطرون على حياة البلاد.

وحين اخترنا الاشتراكية اخترناها بارادتنا الحرة ومضينا فى طريقها مهتدين بظروفنا الخاصة غير خاضعين فى ذلك لا لفكر أجنبى ولا لتجارب أخرى محددة وقلنا انها اشتراكية عربية خالصة نابعة من واقعنا، والفكر الاجتماعى ليس ملكا لأحد والتجارب الاجتماعية ليست قوالب مصبوبة تصلح لكل مجتمع، وليس أدل على فكرنا المفتوح فى هذا المجال من أن الميثاق حين قدم للشعب أسماه عبد الناصر دليل العمل الوطنى، وقال انه للسنوات العشر التالية.. ثم يعاد النظر فيه، ورفض عبد الناصر تماما أن يضع ما يسمى بنظرية ثابتة رغم نضج تجربتنا الوطنية فى ذلك الوقت، ولم يفعل كما فعل من يحاول فرض نظرية باسمه على شعبه وعلى العالم وتجربته فى النضال ما تزال ضحلة قصيرة الأجل.

          هذه هى الناصرية أو ما كان عبد الناصر يسميه ونسميه معه تجربتنا المصرية الوطنية.. لا نفرضها خارج حدودنا ولا نقيدها بقيود تجمدها، كان هذا فهم عبد الناصر ورفاقه للأمور.

          وكنا لا نكف عن رصد التغيرات الاقليمية والعالمية لكى نطور من تجربتنا على أساسها. فالتجارب والنظم الاجتماعية لا تقوم فى فراغ.. ولا يمكن عزلها عن التأثر بما يحيط بها من تغيرات وأحداث.. وكل دولة فى عالم اليوم تعيد النظر فى سياستها على ضوء انتهاء عهد الحرب الباردة، وبدء عهد الوفاق والتهدئة، واختلاف الاجتهادات داخل كل من المعسكرين وبالتالى تبذل صور العلاقات السياسية والاقتصادية بين الدول.

          من كان يصدق مثلا منذ عشرين سنة أن عداء الصين وروسيا سيكون أشد من عدائهما من أمريكا! ومن كان يصدق أن المال الأمريكى والأوروبى واليابانى سيساهم فى تعمير سيبيريا؟ وأن روسيا قامت فعلا ببرامج مشتركة مع أمريكا فى الفضاء الخارجى منذ أيام قليلة! هذا الفضاء الذى كان ساحة منافسة حادة بينهما. من كان يصدق أن الغرب الذى رآنا أول من يكسر احتكار السلاح وتشتريه من الاتحاد السوفيتى لرفض الغرب تسليحنا.. من كان يصدق أن الغرب- وقد رأى أنه لن يحرم العرب من السلاح- بات يتسابق على تسليح العرب! .. من كان يتصور- من 20 سنة- نمو البترول العربى والمال العربى على هذا النحو الذى نراه.. من كان يصدق قبل عشرين سنة بل قبل سبع سنوات بل قبل سنتين اننا نستطيع أن نواجه إسرائيل فى معركة عسكرية بأحدث الأسلحة التكنولوجية ونهزمها ونغير بالتالى كل تصورات العالم عن مستقبل المنطقة؟..

          أسئلة كثيرة أطرحها وأطرح فى نهايتها سؤالا هاما، أى عاقل يتجاهل اليوم كل هذه التحولات ويفكر بعقلية ظروف عشرين سنة مضت.

          إننا نحن أبناء ثورة 23 يوليو نمضى فى طريقنا مسترشدين بما استرشدنا به دائما غير مبالين بصيحات العاجزين عن الفكر البناء أو النضال المفيد أولئك الذين يخوضون المعارك فى غير ساحاتها الفعلية كطريقة للتهرب من المسئوليات الحقيقية..

أيها الأخوة والأخوات:

          كلكم تعرفون الظروف التى توليت فيها المسئولية والتركة التى تحملتها ولا أريد أن أروى هنا كثيرا من التفاصيل ربما سبق لى الحديث عنها.. ولكن يهمنى فى هذه المناسبة وفي سباق هذا العرض التاريخى أن أسجل الاعتبارات السياسية التى كانت توجه تفكيرى، كان ماثلا فى ذهنى وكان مترسبا فى أعماقى كما هو مترسب فى أعماق كل دارس لتاريخ بلاده كل تلك المراحل السابقة على الثورة وما كان فيها من نضال مستمر من أجل الدستور الذى هتفت له جماهير عرابى والحياة الديمقراطية التى طالب بها الشعب وخيبت فيها الأحزاب القديمة، والقصر، والانجليز، آماله.. حتى اندلعت الثورة وكان فى ذهنى أن ثورة 23 يوليو التى قمنا بها أو التجربة الوطنية التى مارستها.. قد أزاحت عن طريق شعبنا عقبات المجتمع الاستعمارى الاقطاعى الذى عاش فى ظله قرونا طويلة وردت للجماهير الواسعة بعض حقوقها التى حرمت منها وبذلت جهد سباقا في تذويب الفوارق الاجتماعية وفى الاجتهاد في تصور صيغ سياسية شتى توحد جهود الشعب فى خطة طموحه للتنمية.

وكان في ذهنى أن مصر زاد تعدادها خلال عشرين سنة فقط من الثورة إلى الضعف تماما من 17 مليونا إلى 34 مليونا.. زيادة رهيبه.. تسابق كل جهود بذلناها فى المشروعات الكبرى كالسد العالى وتعمير الصحارى، وما يقرب من ألف مصنع استنفذنا فيها جهودنا الذاتية إلى أقصى حد.. وكان في ذهنى المتغيرات العالمية التى شرحتها من قبل وما تمليه علينا من إعادة ترتيب لموقفنا العالمى وعلاقتنا الدولية.

          وكان في ذهني بالطبع قبل كل شئ.. وبعد كل شئ.. الاحتلال الاسرائيلى الجاثم على الأرض العربية بل المد الصهيونى الذى ظل يتمدد وينتشر ويكسب أرضا جديدة، وثقة جديدة بنفسه، طوال سبعين سنة دون انقطاع ودون أن يردعه رادع، كان كل هذا فى ذهنى يتشابك ببعضه البعض وقد أظلم الأفق، أمام المستقبل العربى وطال تكبيلنا بسياسة اللاسلم واللاحرب وصرنا أمام وضع أشبه بوضع سنة 48 حين أدى القعود بنا إلى تدعيم الحدود الاسرائيلية التى تحققتها في ذلك الوقت، لقد وصلت اسرائيل والعالم إلى تدعيم بأن العرب لن يحاربوا وبالتالى فهى لن تتزحزح شبرا من فتوحاتها الجديدة، ولعلكم تذكرون برامج أحزابهم الانتخابية قبل حرب أكتوبر بأسابيع والخرائط التى رسموها في ذلك الوقت.. كان هذا كله في ذهنى.

          ولم يكن يختلف أحد بأن العبء ثقيل إلى أقصى الحدود فماذا نفعل؟

          هل ننكص على أعقابنا ونتحصن بمواقف سلبية ونطلب السلامة والنجاة؟

          أو هل نهتم بالداخل ونترك الخارج يكسب ثباتا واستقرارا بمرور الزمن؟

          أم نتوجه إلى الخارج ونترك الأمور فى الداخل تتجمد وتسوء ويسبقها الزمن؟

          هل نتجمد فلا نتحرك ولا نبادر؟

          أم نتحرك ونقبل المخاطر مهما كان ثمنها؟

          ولم أتردد كثيرا فلم تكن عندى ذرة من الشك فى أن هذا الشعب الأصيل العريق إذا أتيحت له الفرصة فهو أقدر على النضال والانتصار فى الداخل والخارج معا.

          لم تكن عندى ذرة من الشك في أن الشعب إذا دعى للمهمات الكبرى سوف يندفع للقيام بها بكفاءة وحماس ولم تكن عندى ذرة من الشك فى أن الله سيكون معنا لأنه مع كل مؤمن مخلص واثق فى عون الله.

          هنا بدأت أتحرك حركة سريعة فى كل ساحة واتجاه.. مستردا بذلك زمام المبادرة إلى أيدينا ومستردا قدرة الفعل وعدم الاكتفاء بقدرة رد الفعل.. قررت أن تكون سياستنا قائمة على المبادرة والتحرك لملاقاة كل الهموم الوطنية والقومية.. وقررت أن تكون مبادرتنا وحركتنا فى كل ساحات التحديات التى تواجهنا داخليا وخارجيا فى نفس الوقت.

          ومرة أخرى وأنا لا أتبع طريقة السرد لأحداث تعرفونها ولكننى أشرح منطلقاتنا وأولوياتنا لكى نتعلم منها الدرس، أقول اننا تحركنا فى وقت واحد على أربعة مستويات: الجبهة الداخلية.. لتحريرها وإعادة ترتيبها وتثبيتها.. الجبهة العربية لرأب ما تصدع من أعمدة الوحدة والتضامن العربى.. الجبهة الدولية بعزل اسرائيل سياسيا وكشف نواياها الحقيقية وتطوير علاقاتنا بالعالم على ضوء المتغيرات فيها.. والجبهة العسكرية بالبدء فورا فى الاعداد العسكرى حتى نكون جاهزين للعمل العسكرى إذا تجمدت السبل الأخرى.. تحت ه