خطاب الرئيس أنور السادات، في افتتاح المؤتمر القومى للاتحاد الاشتركي العربي، 22/ 7 / 1975
المصدر: "قال الرئيس السادات، الجزء الخامس 1975، السكرتارية الصحفية لرئيس الجمهورية، ط 1982، ص 190 - 200"

بسم الله:
أيها الأخوة والأخوات أعضاء المؤتمر القومى ...

قبل أن أبدأ حديثى اليكم يسعدنى أن أهنئكم بثقة الشعب فيكم وأن أشكركم من كل قلبى ووجدانى على انتخابكم لى رئيسا للاتحاد الاشتراكى وأسأل الله سبحانه وتعالى ان يوفقنا لحمل الأمانة.

أيها الأخوة والأخوات أعضاء المؤتمر القومى ..

قد يختلف حديثى هذه المرة عن كل حديث سبق أن وجهته اليكم فى مثل هذه المناسبة، ذلك أننا نواجه مرحلة جديدة من حياتنا السياسية، بعد سنوات قليلة تمت فيها انجازات وتغيرات عميقة كان قد آن أوانها.

اطلاق الحريات

لقد كان من أهم الانجازات التى أخذتها على عاتقى منذ توليت مسئولية الحكم، كان من أهم الانجازات اطلاق الحريات.. وكان لابد مع اطلاق الحريات أن تتعدد الآراء وتختلف بل كان لابد من مرور مرحلة من البلبلة كنت أتوقعها، كما يحدث عادة بعد كل غيبة طويلة للحرية، ولم أكن اخشى منها، ثقة منى بأن شعبنا سوف يخرج منها بالنتائج الصحيحة، وقد آن الأوان، لكى ننظر إلى كل ما ثار حوله الجدل نظرة موضوعية عميقة خصوصا، وقد لاحظت وأحسست بحيرة الشباب بالذات ازاء ما يقرأ وما يسمع من سيل الآراء المتعارضة، ولست هنا لأصدر حكما فى كل قضية ثار حولها الجدل، ولكننى أريد أن أتوجه إلى شبابنا بالذات وأن أصارحه بأن عليه أن يقرأ ويدرس ويتمعن فى تاريخ بلاده وظروفها حتى يصل إلى أحكام صحيحة، وحتى لا يخدعه قول معسول أو كلام ظاهره حق وباطنه الباطل، ولأننى كما أكرر وأقول دائما نواجه عالما بالغ التعقيد سريع التحول، ولكن فى وسط كل هذه المتغيرات والتحولات لا يحفظ لنا توازننا ووضوح رؤيتنا، الا ادراكنا لتاريخ وطننا وظروفه، وعناصر الدوام والاستمرار فيهن ولعلكم تذكرون اننى قلت فى ورقة أكتوبر، لكى نحدد أين نحن والى أين نسير، علينا أن نقف وقفة سريعة عند سؤال هام ربما كان شباب هذا الجيل بوجه خاص أكثر حاجة إلى إجابة واضحة عنه هو: كيف ننظر الى الماضى؟ وكيف ننظر إلى المستقبل؟ ثم استطردت قائلا.. ان تاريخ الأمم التى تتقدم هو التاريخ المتصل الحلقات، ليس المقطع الأوصال، والأمم التى تتنكر لتاريخها ونضال أجيالها المتوالية أمم غير جديرة بتراثها فضلا عن أنها تضيع على نفسها الكثير من ثمار ما أنجزته ولا تدع للأجيال الصاعدة حافزا كافيا للمضى على الطريق وتحمل المسئوليات الجديدة.

قلت هذا فى ورقة أكتوبر، وأكرر اليوم انه آن الأوان لأن ننظر إلى تجربتنا.. إلى ماضينا.. وحاضرنا.. ومستقبلنا.. ننظر نظرة شاملة ودقيقة معا لا نضيع فيها الأساسيات وسط التفاصيل الفرعية.. ويدفعنى إلى هذا التأكيد ما ألاحظه من الحاجة الماسة لدى شبابنا بالذات إلى أن يقرأ ويحلل ويدرك عبرة تاريخ بلاده وظروفها حتى يعرف إلى أين يتجه ببصره مستشرقا آفاق المستقبل، ذلك لأننا ننطلق فى عملنا من فهمنا العالم الذى نعيش فيه، وادراكنا لكل التجارب الاجتماعية التى حولها الانسان، ولكن مع كل هذا لابد لنا من أن ننطلق أساسا من ظروف بلادنا وتراثها وترابها وكفاحها.. وهذا ما يجب أن تكون عليه فلسفتنا دائما وفى كل مجال.

واذا كان بعض حديثى هذا اليكم يصدر عن تجربة خاصة عشتها فهى لا شك تجربة كل الجيل الذى انتمى اليه والتى آن الأوان لأن يسلم الأمانة تدريجيا إلى الجيل الذى يليه.

واذا كان قدرى اننى كنت فى شبابى فى خط النار وفى منطقة الاحتراق بالنضال.. ثم كان قدرى أن أتولى مراكز المسئوليات الثقيلة وارتياد الطرق الجديدة خلال تجربتنا الثورية الا أن المشاعر والحوافز والأمانى التى كانت تعتمل فى نفسى لا شك أنها كانت هى نفسها التى تعتمل في صدور الملايين من أبناء هذا الجيل الذى أتحدث عنه، تلك المشاعر التى أريد أن أنقل لمحة منها إلى الجيل الجديد وسوف يرى هذا الجيل.. الجيل الجديد.. سوف يرى هذا الجيل الجديد من شبابنا ورجالنا ونسائنا أنهم أسعد وأعظم فرصة منا وان الآفاق التى انفتحت أمامهم لم يكن لها أمامنا أى وجود.

ادعاءات تاريخية كاذبة

لقد تفتحت عيوننا على وطن محتل، هو جزء من أجزاء الامبراطورية البريطانية الواسعة.. وطن لا شأن له فى هذا العالم أكثر من شأن أى مستعمرة ولا دور لشعبه فيه سوى الرضوخ لرغبات المستعمرين، وكانوا يعلموننا ويحاولون غسل أدمغتنا بتاريخ غير صحيح، كانوا يعلموننا مثلا أن الانجليز هم المصلحون الأمناء على مصالح البلاد، وأن الخديوى الذى أدخلهم هو الوطنى، وأن العملاء الذين تحالفوا معهم وكوفئوا بالمناصب والاقطاعيات والأموال هم وجهاء البلد وزعماؤه، أما الثوار فهم المخربون، فثورة أحمد عرابى مثلا حاولوا تشويهها وقالوا أنها انتهت بالاحتلال الانجليزى للبلاد وحركة مصطفى كامل ومحمد فريد شوهوها أيضا على أنها انتهت باعلان الحماية على مصر مع الحرب العالمية الأولى، وثورة سنة 19 التى قادها سعد زغلول وتولى بقوة دفعها أول وزارة وطنية عن طريق الانتخاب الشعبى شوهوها على أنها انتهت بطرد الجيش المصرى من السودان.. وفصله عن مصر.. وتجميد الدستور.. والعبث بالحياة النيابية.. وكانوا يعلموننا أيضا أن مصر بلد زراعى، وأن شعب مصر ليس مؤهلا لا للصناعة ولا للتجارة ولا للبنوك فهذا كله يجب أن يكون فى يد الأجانب ولكننا لم نصدق وكان علينا وعلى جيلنا أن يفتش فى التاريخ الحقيقى لبدلنا.

عرفنا أن بلدنا مصر بلد مستهدف من زمن بعيد، وانه منذ أن قامت دولة مصر الحديثة فى عهد محمد على الكبير وحاربتها أوروبا كلها لكى تكسر شوكتها وتطفىء أنوارها التحررية التى بدأت تشع فى المنطقة، منذ ذلك الوقت وأوروبا مصممة على استعمار

مصر، ووجدنا أيضا أن التنافس زاد بعد حفر قناة السويس، وانزلقت البلاد تحت حكم الخديويين إلى الاستدانة والخضوع للنفوذ الأجنبي حتى تم رهن كل مرافق البلاد للماليين الأجانب، واشترت انجلترا أخيرا أسهم قناة السويس ولم يبق إلا قدوم قوات الاحتلال.

البحث عن الحقيقة

          كان علينا أيضا أن نبحث عن الحقيقة فى تاريخ بلدنا.. وجدنا أن أحمد عرابى كان البطل الوطنى الذى حاول مع الجيش الوطنى والحركة الشعبية أن يوقف هذا ويتصدى له معبرا عن مشاعر شعبه فى قيام برلمان منتخب وحكومة مصرية وجيش وطنى مطهر من الدخلاء.. وعرفنا أن مصطفى كامل لم يخرج الانجليز حقا ولكنه أيقظ شعلة الوطنية المصرية التى اطفأتها مؤقتا فترة الاحتلال.. وعرفنا ان محمد فريد كان اول من نظم نقابات العمال وفتح المدارس لمحو الأمية وواصل الكفاح حتى غلبته ظروف قيام الحرب العالمية الأولى.. وعرفنا ثورة 19 ليست عملا تخريبيا بل انه بعد الحرب العالمية الأولى وسيادة الاستعمار على كل ارجاء العالم كان شعب مصر هو صاحب أول ثورة وطنية ضد الاستعمار وضد الحلفاء المنتصرين المتجبرين.. وعرفنا أن سعد زغلول كان أول فلاح مصرى صميم يرأس أول وزراة دستورية.. وما كان اسقاطه وانتهاك الدستور إلا مؤامرة أخرى لكسر موجة الوطنية المصرية وسلبها ثمار تضحياتها واعادتها الى الوراء.. ولكن شعب مصر المكافح صانع الحضارة والتمدن منذ أقدم العصور حقق بالرغم من ذلك، وعبر كل تلك الحلقات من الكفاح بما فيها من انتصارات ونكسات، أقول.. حقق مكاسب كثيرة وقد انتشر الوعى والتعليم ونمت حركة فكرية وثقافية أضاءت المنطقة كلها، وتأسست أول جامعة مدنية بالجهد الشعبى، جامعة القاهرة هذه.. التى نجتمع فيها اليوم، وقامت حركة تحديثية تزعمها طلعت حرب لانشاء أول بنك مصرى وأخذ يؤسس أول شركات وصناعات مصرية صميمة خارقا جدار الاحتكار الاستعمار والأكذوبة الكبرى عن عدم قابلية شعبنا للاشكال الحديثة المتطورة فى الانتاج والاستثمار.

          واحب هنا ان الفت النظر الى نقطة تفوت كثيرين من المؤرخين.. هذه النقطة، هى ان مصر ساعة ان استولى عليها الاستعمار البريطانى كانت دولة على درجة من التقدم لو لم تقطعها ثمانين سنة من الاحتلال لكانت اليوم فى مصاف دول أوروبا.

          كان لها منذ قيام دولتها الحديثة على يد محمد على.. كان لها جيش قوى.. ومصانع حربية.. وترسانات بحرية، وأسطول حربى.. ومصانع الغرل والنسيج.. كان لدينا مدارس لكل فروع العلوم العسكرية المتقدمة وكليات لكل العلوم الحديثة، وتعليم مجانى فى كل المراحل ومجلس تشريعى ناشئ كان مثله قليل فى أوروبا فى ذلك الوقت.

          وحين نرجع الى أول قرارات اتخذها الانجليز والخديوى بعد اخماد الثورة العربية نجد ان فى مقدمتها حل الجيش المصرى واغلاق المصانع والترسانات الحربية والمدنية وبيعها خردة، وبيع القطع البحرية كلها ما عدا اليخت الملكى واغلاق المدارس والكليات وتخفيض ميزانية التعليم، والغاء كل الكليات العسكرية المتخصصة ومعظم الكليات والمعاهد الفنية.

          أسجل هذا لأكرر ما قلته من ان مصر كانت دائما وستظل بلدا مستهدفا من قوى كثيرة فى العالم، فالقوى الكبرى في كل عصر لا تريد ان تقوم في هذه البقعة الحساسة من العالم دولة قوية مؤثرة ذات شأن لأنهم يعرفون ثروتها البشرية، وطاقات شعبها الخلاقة، وامكانيات التضامن بواسطتها فى العالم العربى الشاسع فهم اما ان يتحالفوا عليها أو يكيدوا لها أو يعملوا على اذلالها أو يتأمروا ضدها، نجد هذه ظاهرة مستمرة منذ ان ضرب محمد على سنة 1840 الى الاحتلال الانجليزى سنة 1882 الى اقامة دولة اسرائيل سنة 1948 الى حروب سنة 56 و 67.

التمسك بحرية الارادة الوطنية

          وهذا ما يجعلنا دائما نرفض الدخول فى مناطق النفوذ.. ونرفض التبعية بأى شكل من الأشكال.. ونرفض ايضا المساومة على علاقتنا العربية ونتمسك بحرية ارادتنا الوطنية.. انها مبادئ أساسية لأنها بنت تجربة تاريخنا الطويل.

          وأعود إلى أحاسيس شبابنا عقب الحرب العالمية الثانية.. كنا نرى أن الحركة الوطنية بعد ثورة سنة 19 والكفاح الطويل ضد الاستعمار والقصر والظلم قد وصلت الى طريق مسدود، الحلفاء المنتصرون يريدون تكرار خدعة الحرب الأولى وتدعيم النظام الاستعمارى العالمى والغاء كل الوعود التى أعطوها للشعوب خلال الحرب.. الدستور نفسه صار صورة ممسوخة لا ظل لها من الوجود، الأحزاب تحللت وتفسخت، وهبط كفاحنا إلى مستوى التظاهر وتحطيم عربات الترام، وفوانيس النور، السجون والمعتقلات ممتلئة بواسطة القوى العميلة لحساب الانجليز وقامت حرب فلسطين الأولى، وتأسست دولة اسرائيل بواسطة قوى الاستعمار، لتكون خنجرا فى جنب مصر وفى قلب الأمة العربية كان الشباب الحائر يلجأ إلى التنظيمات السرية والعلنية ضد النظام القديم.. كانت حيرة من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار ووقعت معارك بين الفلاحين والاقطاع فى الريف، والسلطة الحاكمة ماضية فى غيها حتى صارت الوزارات لا تعيش إلا أياما ولا يصل اليها إلا من يدفع أكثر وتعرضت ثروة البلاد الأساسية وهى القطن للمضاربات و الرشوة والفساد.

23 يوليو .. أنصع أيام تاريخنا

          وكنت كما كان غيرى نتلمس فى ظلام دامس سبل الكفاح ورد الكرامة للوطن والمواطن، وعرفت كما عرف غيرى حياة التشرد والمقاومة والسجن والتنكيل والتجويع، ومع الزمن اهتدت قلة من شباب القوات المسلحة إلى بداية طريق لا نهاية له إلا النصر

أو الموت .. كان الجيش هو العصا الغليظة فى يد السلطة تهدد بها الشعب فكان الطريق الذى اخترناه هو انتزاع العصا الغليظة من يد السلطة البائدة، ووضعها في يد الشعب وسرنا في هذا الطريق المحفوف بأخطر المخاطر سنة بعد سنة دون خوف أو كلل أو يأس، وكانت هى الطريق التى حملتنى صباح يوم 23 يوليو سنة 1952 إلى دار الاذاعة لأذيع منها على الشعب كله أول بيان عن قيام الثورة وكان رد الفعل الشعبى الكاسح صبيحة 23 يوليو هو الذى قضى في الأمر وأسقط النظام القديم وأعطى السلطة الجديدة شرعيتها الثورية. إن كل بلد فى العالم له يومه المجيد الذى يحتفل به عاما بعد عام، ويوم 23 يوليو سنة 52 سيظل من أنصع صفحات تاريخنا ومن أكبر أحداث حياتنا وحياة المنطقة العربية بل والعالم الثالث كله.

         والثورة بمعناها الحقيقى ليست حدثا عابرا، انها حدث نادرا لا يقع إلا قليلا، والثورات لا تتم وكأنها تجربة في معمل كيميائى انها تهز المجتمع كله ويختلط فيها تراب كثيف بل وضحايا خلال عملية الهدم والبناء ولكن المهم فى تقييمها هو الحساب الختامى لها وأثرها الشامل على حياة الأمة فشعب فرنسا مثلا يحتفل كله بكل فئاته الاجتماعية بعد أكثر من مائة سنة بذكرى ثورية فى 14 يوليو وهم يعرفون ما وقع فى الثورة من ضحايا ومظالم واضطرابات دامية ولكنهم بكل ميولهم السياسية المختلفة يعرفون أن هذه الثورة فى النهاية هى التى فصلت بين فرنسا الاقطاعية الارستقراطية القديمة وفرنسا الحرية والاخاء والمساواة.

أبعاد الثورة الشعبية

         وثورتنا غيرت نهائيا حياة مصر وأغلقت إلى الأبد صفحة كانت قد انتهت.. ثورتنا التى كانت أول محاولة تغيير عميق فى العالم الثالث كله وصارت بعد ذلك قدوة العشرات من البلاد والدول.. ثورتنا هذه وقعت بأقل قدر من العنف عرفته الثورات كلها.. وبتضحيات لا مفر منها لأن الثورات عادة تواجه بمقاومة عنيفة من قوى الجمود والاستغلال ومن قوى داخلية وخارجية وأية ثورة جديدة بهذا الاسم عليها ان تتصدى لهذا بحزم أو أن تنكص على أعقابها وتفشل وكما أن للحياة العادية قوانينها فان للثورات أيضا قوانينها.. من ينكر الثورة ليس أمام الثورة سوى أن تنكره، ومن يقاوم الثورة ليس أمام الثورة إلا أن تقاومه، من يعترض على التغييرات الأساسية التى قامت الثورة من أجلها من واجب الثورة أن تنحيه.. ولكن لن تنجح الثورة أبدا بالقوة وحدها لأننا رأينا فى العالم استخدامات كثيرة للقوة بحيث أصبحت بعض الثورات مجرد انقلابات عابرة أما الثورة فهى القوة مدعمة بتأييد جماهيرى شامل، ومن ينكر أن جماهير الشعب فى أغلبيتها الساحقة القريبة من الاجماع، من ينكر اليوم أن هذه الجماهير كانت تؤيد عزل الملك واخراج الانجليز وتحديد الملكية الزراعية وتأميم قناة السويس.. وتمصير البنوك والشركات الكبرى، والبدء فى اقامة قطاع عام يقود حركة التصنيع.. تلك هى شرعية الثورة وأقول هذا لمن يتحدثون اليوم عن الشرعية من خلال أوضاع ما قبل الثورة، أى الأوضاع التى قامت الثورة لاسقاطها.

         إنه من السهل اليوم البحث عن أخطاء كثيرة وقعت هنا أو هناك، ولكن التعليق بعد عشرين سنة سهل وهو غير التصرف فى ظروف اتخاذ القرارات والاجراءات تماما كالمعركة الحربية، من السهل على معلق أن يأتى بعد سنوات ويقول ان قيادات القتال أخطأت فى كذا وكان أفضل لو فعلت كذا.. ولكن القيادات في غبار المعركة الكثيف وفي خلال القتال والتلاحم العنيف.. وحين يكون احتمال الهزيمة أو النصر معلق بخيوط واهية.. هذه القيادات تواجه ظروفا أخرى فى اتخاذ القرارات والتصرف ازاء الأحداث والأخطار.. غير ظروف الناقد المستريح بعد عشرين سنة.

         وفي إيجاز أكرر ما قلته فى ورقة أكتوبر من أنه مهما يكن من شأن الأخطاء التى وقعت فى التطبيق، فانها تهون بلا شك متى أدركنا أن الثورة بتلك الاجراءات قد أنقذت البلاد من الصدام الطبقى العنيف الذى شهدته وتشهده بلاد كثيرة، بل اننى لا أغالى اذا قلت أن الثورة أنقذت البلاد من الحرب الأهلية.

الفرق بين جوهر الثورة وبين الاجراءات الاستثنائية

على أننى أحب أن أضيف هنا أن الاجراءات الاستئنائية التى تقتضيها كل ثورة.. من الخطأ أن تطول أكثر من الوقت الذى تستلزمه.. انها حين تبقى أطول من ضرورتها تبدأ فى الفتك بجسد الثورة ذاتها.. قبل أن تفتك بأى شئ آخر لأنها تقلل من ثقة الجماهير بأهداف الثورة وتنفرهم منها.

         ونحن نرى اليوم بعض مدعى الناصرية فى العالم العربى لا يفهمون الفرق بين جوهر الثورة وبين اجراءاتها الاستثنائية، انهم يظنون أن الاجراءات الاستثنائية هى الثورة ويأخذون زوالها على أنه زوال للثورة فى حين أن زوالها كما قلت مرارا دليل على وصول الثورة الى بر الأمان والاستقرار.

         لقد كان عبد الناصر من أكثر الزعماء الذين هوجموا طيلة حياتهم ونضالهم السياسى، كانت الهجمات تأتيه أحيانا من أقصى اليمين، ومن المقاومين للتغيير من الذين اختاروا صف الاستعمار، عندما كنا نقاوم الاستعمار ونطارده من المنطقة العربية وأفريقيا.

         وكانت الهجمات تأتيه أحيانا أخرى من أقصى اليسار حين كان يفرق بين حركتنا للتحرر الوطنى، ولاقامة الاشتراكية، وبين رفضنا فى نفس الوقت للأخذ بنظم أخرى مختلفة والانتقال من نفوذ إلى نفوذ.. والأمثلة كثيرة، فى سوريا مثلا.. عبد الناصر أرسل قوات مصرية إلى سوريا سنة 57 حين زاد ضغط حلف الأطلنطى عليها وهددها بالغزو فهوجم عبد الناصر من كل قوى الاستعمار ومن يسانده، وعندما اقتضت ظروف الوحدة حل الأحزاب فى سوريا هوجم من أقصى اليسار بسبب حل الحزب الشيوعى السورى فى ذلك الوقت.

 وفى العراق هوجم عبد الناصر فى عهد نورى السعيد لأنه تصدى لاسقاط حلف بغداد الذى كان استعمارا من نوع جديد.. وهوجم فى عهد عبد الكريم قاسم لأنه وقف ضد تحول العراق إلى النظام الشيوعى، ولم يكن هذا تدخلا فى شئون هذا القطر أو ذلك، بل كان موقفه فى الحالتين يستقطب تأييد أوسع الجماهير العربية كلها لأننا كنا متمسكين بحرية ارادة الأمة العربية وبعدم تقسيمها كما قسمت أوروبا بين شرق وغرب، الأمر الذى يقضى على كل مستقبل للوحدة العربية والتضامن العربى والذى كان يمكن أن يجعلنا مثل جنوب شرق آسيا ساحة قتال بين قوى خارجية عن المنطقة لمصالح غير مصالحها.

          وعندما قبل عبد الناصر مشروع روجرز هوجم أشرس هجوم، ولكن الهجمات تبددت لأنه كان يتقدم متحملا المسئولية واثقا من تعبيره عن ضمير الأغلبية الساحقة وكان من السهل على عبد الناصر أن يوفر على نفسه هذه المعارك لو أنه آثر الرضوخ للأحداث تماما كما أنه من السهل علينا الآن أن نوفر على أنفسنا الحملات المسمومة لو أننا اخترنا عدم الحركة، وترك القضية تتجمد.. والزمن يمضى لصالح اسرائيل مكتفين بسياسة تسجيل المواقف الاعلامية والمزايدة، ولكننى أدرك كما كان يدرك عبد الناصر أن دور القيادة هنا فى القاهرة أن تتصدى للمسئوليات.

          ان دور القيادة هنا فى القاهرة، هو أن تتصدى للمسئوليات وأن تتلقى فى صدرها السهام، وان اقتضى.. في ظهرها الطعنات.. طالما اننا نتحرك بدافع من حرص على المصالح العربية العليا واننا نعبر عن رأى الأغلبية الساحقة واننا لا نفرط فى أى حق عربى وطالما اننا واثقون أن الزمن سيثبت جدوى نضالنا وعقم نباح الآخرين.

نفس الشئ ينطبق على تجربتنا الداخلية.. اننا لم نعلن الاشتراكية ليلة 23 يوليو بل مررنا بمراحل تطهير البلاد من الاحتلال ثم استرداد سيادتنا على قناة السويس ثم تمصير البنوك والشركات الكبرى التى كان يملكها الأجانب.. يسيطرون على حياة البلاد.

وحين اخترنا الاشتراكية اخترناها بارادتنا الحرة ومضينا فى طريقها مهتدين بظروفنا الخاصة غير خاضعين فى ذلك لا لفكر أجنبى ولا لتجارب أخرى محددة وقلنا انها اشتراكية عربية خالصة نابعة من واقعنا، والفكر الاجتماعى ليس ملكا لأحد والتجارب الاجتماعية ليست قوالب مصبوبة تصلح لكل مجتمع، وليس أدل على فكرنا المفتوح فى هذا المجال من أن الميثاق حين قدم للشعب أسماه عبد الناصر دليل العمل الوطنى، وقال انه للسنوات العشر التالية.. ثم يعاد النظر فيه، ورفض عبد الناصر تماما أن يضع ما يسمى بنظرية ثابتة رغم نضج تجربتنا الوطنية فى ذلك الوقت، ولم يفعل كما فعل من يحاول فرض نظرية باسمه على شعبه وعلى العالم وتجربته فى النضال ما تزال ضحلة قصيرة الأجل.

          هذه هى الناصرية أو ما كان عبد الناصر يسميه ونسميه معه تجربتنا المصرية الوطنية.. لا نفرضها خارج حدودنا ولا نقيدها بقيود تجمدها، كان هذا فهم عبد الناصر ورفاقه للأمور.

          وكنا لا نكف عن رصد التغيرات الاقليمية والعالمية لكى نطور من تجربتنا على أساسها. فالتجارب والنظم الاجتماعية لا تقوم فى فراغ.. ولا يمكن عزلها عن التأثر بما يحيط بها من تغيرات وأحداث.. وكل دولة فى عالم اليوم تعيد النظر فى سياستها على ضوء انتهاء عهد الحرب الباردة، وبدء عهد الوفاق والتهدئة، واختلاف الاجتهادات داخل كل من المعسكرين وبالتالى تبذل صور العلاقات السياسية والاقتصادية بين الدول.

          من كان يصدق مثلا منذ عشرين سنة أن عداء الصين وروسيا سيكون أشد من عدائهما من أمريكا! ومن كان يصدق أن المال الأمريكى والأوروبى واليابانى سيساهم فى تعمير سيبيريا؟ وأن روسيا قامت فعلا ببرامج مشتركة مع أمريكا فى الفضاء الخارجى منذ أيام قليلة! هذا الفضاء الذى كان ساحة منافسة حادة بينهما. من كان يصدق أن الغرب الذى رآنا أول من يكسر احتكار السلاح وتشتريه من الاتحاد السوفيتى لرفض الغرب تسليحنا.. من كان يصدق أن الغرب- وقد رأى أنه لن يحرم العرب من السلاح- بات يتسابق على تسليح العرب! .. من كان يتصور- من 20 سنة- نمو البترول العربى والمال العربى على هذا النحو الذى نراه.. من كان يصدق قبل عشرين سنة بل قبل سبع سنوات بل قبل سنتين اننا نستطيع أن نواجه إسرائيل فى معركة عسكرية بأحدث الأسلحة التكنولوجية ونهزمها ونغير بالتالى كل تصورات العالم عن مستقبل المنطقة؟..

          أسئلة كثيرة أطرحها وأطرح فى نهايتها سؤالا هاما، أى عاقل يتجاهل اليوم كل هذه التحولات ويفكر بعقلية ظروف عشرين سنة مضت.

          إننا نحن أبناء ثورة 23 يوليو نمضى فى طريقنا مسترشدين بما استرشدنا به دائما غير مبالين بصيحات العاجزين عن الفكر البناء أو النضال المفيد أولئك الذين يخوضون المعارك فى غير ساحاتها الفعلية كطريقة للتهرب من المسئوليات الحقيقية..

أيها الأخوة والأخوات:

          كلكم تعرفون الظروف التى توليت فيها المسئولية والتركة التى تحملتها ولا أريد أن أروى هنا كثيرا من التفاصيل ربما سبق لى الحديث عنها.. ولكن يهمنى فى هذه المناسبة وفي سباق هذا العرض التاريخى أن أسجل الاعتبارات السياسية التى كانت توجه تفكيرى، كان ماثلا فى ذهنى وكان مترسبا فى أعماقى كما هو مترسب فى أعماق كل دارس لتاريخ بلاده كل تلك المراحل السابقة على الثورة وما كان فيها من نضال مستمر من أجل الدستور الذى هتفت له جماهير عرابى والحياة الديمقراطية التى طالب بها الشعب وخيبت فيها الأحزاب القديمة، والقصر، والانجليز، آماله.. حتى اندلعت الثورة وكان فى ذهنى أن ثورة 23 يوليو التى قمنا بها أو التجربة الوطنية التى مارستها.. قد أزاحت عن طريق شعبنا عقبات المجتمع الاستعمارى الاقطاعى الذى عاش فى ظله قرونا طويلة وردت للجماهير الواسعة بعض حقوقها التى حرمت منها وبذلت جهد سباقا في تذويب الفوارق الاجتماعية وفى الاجتهاد في تصور صيغ سياسية شتى توحد جهود الشعب فى خطة طموحه للتنمية.

وكان في ذهنى أن مصر زاد تعدادها خلال عشرين سنة فقط من الثورة إلى الضعف تماما من 17 مليونا إلى 34 مليونا.. زيادة رهيبه.. تسابق كل جهود بذلناها فى المشروعات الكبرى كالسد العالى وتعمير الصحارى، وما يقرب من ألف مصنع استنفذنا فيها جهودنا الذاتية إلى أقصى حد.. وكان في ذهنى المتغيرات العالمية التى شرحتها من قبل وما تمليه علينا من إعادة ترتيب لموقفنا العالمى وعلاقتنا الدولية.

          وكان في ذهني بالطبع قبل كل شئ.. وبعد كل شئ.. الاحتلال الاسرائيلى الجاثم على الأرض العربية بل المد الصهيونى الذى ظل يتمدد وينتشر ويكسب أرضا جديدة، وثقة جديدة بنفسه، طوال سبعين سنة دون انقطاع ودون أن يردعه رادع، كان كل هذا فى ذهنى يتشابك ببعضه البعض وقد أظلم الأفق، أمام المستقبل العربى وطال تكبيلنا بسياسة اللاسلم واللاحرب وصرنا أمام وضع أشبه بوضع سنة 48 حين أدى القعود بنا إلى تدعيم الحدود الاسرائيلية التى تحققتها في ذلك الوقت، لقد وصلت اسرائيل والعالم إلى تدعيم بأن العرب لن يحاربوا وبالتالى فهى لن تتزحزح شبرا من فتوحاتها الجديدة، ولعلكم تذكرون برامج أحزابهم الانتخابية قبل حرب أكتوبر بأسابيع والخرائط التى رسموها في ذلك الوقت.. كان هذا كله في ذهنى.

          ولم يكن يختلف أحد بأن العبء ثقيل إلى أقصى الحدود فماذا نفعل؟

          هل ننكص على أعقابنا ونتحصن بمواقف سلبية ونطلب السلامة والنجاة؟

          أو هل نهتم بالداخل ونترك الخارج يكسب ثباتا واستقرارا بمرور الزمن؟

          أم نتوجه إلى الخارج ونترك الأمور فى الداخل تتجمد وتسوء ويسبقها الزمن؟

          هل نتجمد فلا نتحرك ولا نبادر؟

          أم نتحرك ونقبل المخاطر مهما كان ثمنها؟

          ولم أتردد كثيرا فلم تكن عندى ذرة من الشك فى أن هذا الشعب الأصيل العريق إذا أتيحت له الفرصة فهو أقدر على النضال والانتصار فى الداخل والخارج معا.

          لم تكن عندى ذرة من الشك في أن الشعب إذا دعى للمهمات الكبرى سوف يندفع للقيام بها بكفاءة وحماس ولم تكن عندى ذرة من الشك فى أن الله سيكون معنا لأنه مع كل مؤمن مخلص واثق فى عون الله.

          هنا بدأت أتحرك حركة سريعة فى كل ساحة واتجاه.. مستردا بذلك زمام المبادرة إلى أيدينا ومستردا قدرة الفعل وعدم الاكتفاء بقدرة رد الفعل.. قررت أن تكون سياستنا قائمة على المبادرة والتحرك لملاقاة كل الهموم الوطنية والقومية.. وقررت أن تكون مبادرتنا وحركتنا فى كل ساحات التحديات التى تواجهنا داخليا وخارجيا فى نفس الوقت.

          ومرة أخرى وأنا لا أتبع طريقة السرد لأحداث تعرفونها ولكننى أشرح منطلقاتنا وأولوياتنا لكى نتعلم منها الدرس، أقول اننا تحركنا فى وقت واحد على أربعة مستويات: الجبهة الداخلية.. لتحريرها وإعادة ترتيبها وتثبيتها.. الجبهة العربية لرأب ما تصدع من أعمدة الوحدة والتضامن العربى.. الجبهة الدولية بعزل اسرائيل سياسيا وكشف نواياها الحقيقية وتطوير علاقاتنا بالعالم على ضوء المتغيرات فيها.. والجبهة العسكرية بالبدء فورا فى الاعداد العسكرى حتى نكون جاهزين للعمل العسكرى إذا تجمدت السبل الأخرى.. تحت هذه المنطلقات الأربعة يمكننا أن ندرك معظم وجوه عملنا الوطنى خلال السنوات القصيرة الماضية.

تحت بند الجبهة الداخلية ماذا فعلت؟

          كانت قناعتى كما قلت مرارا ان ثورة 23 يوليو قد حققت أهدافها الأساسية في جعل مصر للمصريين وفى تحرير الارادة الوطنية، وفى اعادة توزيع الثروة، وبالتالى إعادة صياغة العلاقات الاجتماعية بطريقة أكثر عدالة وفى إقامة قاعدة ضخمة للصناعة، وفي تدعيم القطاع العام وتعميق تحالف قوى الشعب وبالتالى تجربتنا الاشتراكية الخاصة بنا صارت من جهة واضحة للعالم ومن جهة أخرى مغروسة بعمق في ضمير الشعب.

          وكانت قناعتى بالتالى أن نعود إلى مجال الحريات السياسية التى ضحينا بها فنردها كاملة إلى الشعب ونقيم بشكل نهائى المؤسسات الدستورية الثابتة التى تستوعب حركة المجتمع بشكل سلمى، ونرد إلى الشرعية الدستورية وسيادة القانون اعتبارهما وقيمتهما الكبرى فى حياة الناس.

          ومن هنا انطلقت ثورة التصحيح فى 15 مايو، كان لابد من تنحية مراكز القوة التى ظن أصحابها أن إجراءات الثورة هى الثورة وأن وظائفهم تعطيهم حق الوصاية على الشعب باطالة أجل الاجراءات الاستثنائية.. انطلقت ثورة التصحيح لا لتنحية بعض العناصر عن مراكزها ولكنها انطلقت لتصحيح مسار الثورة وردها إلى أصولها ومنطلقاتها وقدرتها الذاتية على التطور. انطلقت ثورة التصحيح، لتعيد إلى الأمة وحدتها وكما أن وحدة الأمة لابد لها من درجة مقبولة من العدالة الاجتماعية فانها محتاجة أيضا إلى مؤسسات سياسية تستوعب الحوار الحر، وتعطى كل مواطن حق المساهمة بالرأى فى شئون بلاده، ومؤسسات قانونية توضح الحقوق والواجبات وتضع الحدود وتحمى كل من يلجأ إلى ساحتها.

هكذا تم.

أولا: انهاء كل الاجراءات الاستثنائية واغلاق المعتقلات السياسية لأول مرة منذ أربعين سنة.

ثانيا: وضع الدستور الدائم وانشاء المحكمة الدستورية العليا.

ثالثا: إعادة هيبة القضاء وتحقيق استقلاله التام وحرمة أحكامه والغاء كل نص يحول دون أى فرد والاحتكام إلى ساحته.

رابعا: تأكيد مبدأ سيادة القانون.

   خامسا: الاستغناء عن الخبراء الروس حتى تكون معركتنا وطنية مائة فى المائة ولا نوقعها فى حبائل الصراع الدولى أو الوفاق الدولى.

          سادسا: التجهيز للمعركة الكبرى فى صمت متحملين كل ما أحاط بنا من يأس ومن تمزق.

          سابعا: وضع ورقة أكتوبر التى سجلت تقييمنا للماضى وفهمنا للحاضر كما سجلت الخطوط العريضة لاستراتيجية حضارية شاملة حتى سنة ألفين ثم وضع ورقة تطوير الاتحاد الاشتراكى بحيث يكون أكثر ديمقراطية من خلال تعدد المنابر والاتجاهات وبذلك يكون أكثر حيوية وفاعلية.

          ثامنا: رفع الرقابة نهائيا عن الصحف وانشاء المجلس الأعلى للصحافة لكى تكون الصحافة المملوكة للشعب أكثر تعبيرا عنه ولتكون مؤسسة ضمن مؤسسات البلاد.

          تاسعا: انشاء المجالس القومية المتخصصة التى تضم قطاعا عريضا من أبرز خبرائنا لوضع سياسة ثابتة فى المجالات التى تخبطنا فيها كالتعليم والتخطيط الاقتصادى وغيره من المجالات الأخرى.

          عاشرا: العمل على توسيع مظلة التأمينات الاجتماعية بحيث تظلل بضمانها وأمانها حياة أكبر عدد من المواطنين.

          حادى عشر: اعلان سياسة الانفتاح الاقتصادى فى الداخل والخارج، فنحن الآن مع وجود قاعدة صناعية وطنية ضخمة تتمثل فى القطاع العام نستطيع أن نطلق العنان للقطاع الخاص، ونستطيع أن نستقبل الاستثمارات الأجنبية من موقف قوة لا من موقف تبعية وضعت كما كان الحال قبل عشرات طويلة من السنين.

          ثانى عشر: العمل الدائب لتحقيق الثورة الادارية بحيث تقضى على المعوقات وعلى الروتين المعقد الذى يطبق لوائح عمرها أحيانا مائة سنة ولكى تتوافر الظروف حتى تؤتى سياسة الانفتاح ثمارها بسرعة.

          ثالث عشر: البدء فى اقامة المناطق الحرة والمدن الحرة.

          رابع عشر: إعادة تعمير منطقة قناة السويس والعبور بالتعمير شرقا والعبور بمياه النيل لأول مرة إلى أرض سيناء.

          خامس عشر: البدء فى تعويض ما فات من بناء وتجديد الأساس العمرانى للمرافق الحيوية التى طال اهمالها كأساس لابد منه لاقامة الدولة العصرية من موانى وسكك حديد وشبكات كهرباء إلى غير ذلك.

          سادس عشر: البدء فى إعادة تنظيم القطاع العام بطريقة تجعله أكثر انتاجية وأسرع حركة.

          سابع عشر: اعطاء كل الضمانات للقطاع الخاص وازالة كل المعوقات من طريقه.

          ثامن عشر: العفوعن كل الجرائم السياسية قبل 15 مايو، وهوعفو يصدر من مركز قوة الثور ورسوخها وسيادة مبادئها وشرعيتها، وذلك رأبا للجراح وتدعيما للوحدة الوطنية.

          ولم يكن طريقنا فى هذا سهلا أو ميسورا فهناك الذين تصايحوا بأن هذا تراجع عن الاشتراكية مطالبين بتجميد كل شئ كما كان هناك على الطرف الآخر من تصوروا أننا نثور على الثورة، أو نتنكر لشرعيتها وأرادوا اقتطاع تجربتنا المجيدة من تاريخنا المتصل الحلقات وكلا الطرفين كان مخطئا فنحن نؤكد دائما على التمسك بكل مكاسب الثورة ونعمل من منطلق تنميتها.

          قبل أن أنتقل من الجبهة الداخلية إلى النقطة التالية وهى الجبهة العربية.. أريد أن أقول كلمتين: لقد كان من نتيجة اطلاق الحريات العامة وفى مقدمتها حرية الصحافة ان عشنا وقرأنا جدلا كثيرا.

أنا فلاح .. أعرف الوفاء

حاول البعض أن يصور أن ما نقوم به اليوم انما هو كما حكيت هنا أمر منفصل تماما عما سبق عن ثورة 23 وهذا خطأ.. ثورة 23 يوليو ستظل بآثارها فى المحيط العالمى، وفى المحيط العربى، وفى المحيط الداخلى.. ستظل بآثارها لآلاف السنين.. وسنظل نحتفل فى كل يوم 23 يوليو بانقضاء عهد. وبدء عهد جديد. اذا كانت هناك أخطاء قد وقعت. وهى فعلا وقعت بالفعل. فقد تصديت لهذا بنفسى وكتبت فى ورقة أكتوبر اننى شريكا لعبد الناصر الى اللحظة التى ذهب فيها إلى جوار ربه، اننى أعتبر نفسى مسئولا مسئولية كاملة عن كل قرار اتخذه عبد الناصر، من منطلق هذه المسئولية، أنا أكررها هنا.. لم أكتبها فى ورقة أكتوبر كمناورة، فأنا فلاح لا أناور.. أنا أعرف الوفاء.. لم أكتبها مناورة ولا مزايدة ولكننى أمارسها بالفعل، حين أطلقت الحريات اليوم فأنا أمين على ثورة 23 يوليو وأمين على عبد الناصر.. حين تبطل كل الاجراءات الاستثنائية، وحين تقفل المعتقلات منذ ما يقرب من 40 سنة أى من قبل قيام الثورة بأكثر من 17 سنة أيضا.. كانت هناك معتقلات، وطوال الفترة الماضية حين أغلقها إلى الأبد وأطلب من الشعب فى ورقة أكتوبر ألا يسمح بفتحها فأنا أحافظ على ثورة 23 يوليو وعلى عبد الناصر أيضا.

          أردت أن أقول هذا لأن أول شئ نتعلمه فى القرية وكلكم فلاحون مثلى.. نتعلم الخلق والوفاء، وأتمنى ألا ينسى جيلنا الصاعد من الشباب هذه القيم وهذه المعانى التى حفظت على شعبنا صلابته وأصالته عبر آلاف السنين وعشرات المغيرين.. لم يذب فيهم أبدا وانما جميعا ذابوا فيه.

توحيد الصف العربي

          وعلى المستوى العربى أخذت على نفسى من اللحظة الأولى ضرورة توحيد الصف العربى قدر الطاقة سواء لمواجهة الحرب أو لمواجهة المتغيرات العالمية، والتكافل للبقاء خارج مناطق النفوذ، ولنكون مجتمعين أقوى من أى محاولة لعقد صفقة على حسابنا بين أصحاب القوة والنفوذ ولحماية الثروة العربية الجديدة الناتجة عن زيادة البترول وارتفاع أسعاره وحفظ هذه الثروة لأصحابها ولتطوير الوطن العربى.

  طبعا لا يمكن أن تختفى كل الخلافات العربية فجأة، وبعضها غذته الشكوك المتبادلة زمنا طويلا، وبعضها يأتى من خلاف فى الاجتهادات، وهنا أيضا أثرت على نفسى ألا أدخل فى معارك جانبية وأمامنا المعركة الأهم.. وأن يكون دورنا دور الذى يوحد ولا يفرق، يقرب ولا يبعد، أما الذين في قلوبهم مرض وتحركهم أحقاد دفينة هى أحقاد العزل وقلة الحيلة، فهؤلاء نتركهم لشعوبهم التى لا نشك فى صفائها ولا نعطيهم أهمية لا يستحقونها بالنزول إلى مستوى اسفافهم وستعلمهم الظروف أن مصر هى الأخ الأكبر وهى الضمان وهى محور الحركة إلى الأمام وأن تجاربها العميقة المتتالية لا تتوقف بها عند تضحيات الآخرين، ولقد رأينا أثر هذه السياسة حين جاءت المعركة فلم يشذ عى تأييدها والعمل على أن يقطف العرب ثمارها سوى حاكم عربى واحد لعله ظن أن المعركة خاسرة وستأتى بكارثة كما تنبأ، فبدأ قبل الأوان يعد نفسه للاستفادة من الكارثة وللارتفاع على أنقاضها.. لولا أن خذله النصر الذى حققناه.

زمام المبادرة السياسية في أيدينا

          أما على المستوى الدولى والعالمى.. فمنذ طرحت أول مبادرة سياسية خاصة بفتح قناة السويس سنة 75 وزمام المبادرة السياسية فى أيدينا.. لم تستطع اسرائيل بكل قواها الدعائية أن تنتزعه منا قط.. لقد قلبنا المائدة عليها تماما أمام العالم، لقد طرحنا استعدادنا للسلام جادين، بل واقترحنا السبل والوسائل المؤدية اليه فانكشف للعالم بطلان دعواها فى انها تريد السلام وأن العرب يرفضون.. وتحولت قناعة العالم إلى الصورة الصحيحة وهى ان اسرائيل لا تريد السلام بل تخاف السلام،  وتخشى أن يؤدى السلام إلى تزايد قوة العرب من جهة وتضاؤل أهميتها وتزعزع مجتمعها من جهة أخرى.

          وكلنا نرى اليوم أن اسرائيل لم تكن محشورة ومعزولة سياسيا كما هى الآن.. هنا أيضا كان علينا أن نصبر على حملات السطحيين وذوى الأغراض المحلية الضيقة والذين من طول ما أمسكوا بالميكروفون يحاربون به لم يعد فى وسعهم أن يمسكوا ببندقية أو بمدفع ولقد كونوا ما أسموه جبهة الرفض، وحاولوا عبثا توسيع نطاقها وتكبير حجمها الصغير وأنا أسأل.. رفض ماذا؟ لقد استفادت اسرائيل من الرفض طوال سبعين سنة، وليس أحب اليها من أن يستمر هذا الرفض، رفض النضال السياسى مثلا؟ ان السياسة استمرار للحرب، كما أن الحرب استمرار للسياسة.. خصوصا إذا كنا نبذل كل ما لدينا استعدادا لأى احتمال في مواجهة عسكرية جديدة.

          وأسأل أيضا.. رفض من من؟ هناك رفض الضعفاء الذى لا يساوى شيئا، وهناك رفض الأقوياء.

سنحارب إذا اقتضى الأمر

          ونحن لأننا نحارب، ولأننا حاربنا فعلا ونمارس التفاوض، كما نمارس الرفض، ولكنه الرفض الذى له وزن وحساب وأصل.. ان أسطورة الرفض الأعمى لم يعد يصدقها الرأى العام العربى فهو رفض من مقاعد وثيرة، رفض دون حساب لآلام الشعب الفلسطينى فى دمه المبذول أو مخيماته أو تحت وطأة الاحتلال، رفض السفسطه الكلامية المكتوبة، التى لا تساوى فى ساحة الواقع والتأثير على الأحداث أكثر من ثمن الورق الذى تكتب عليه.

          لقد فاوضنا وحاربنا وسنفاوض إذا كان هناك فرصة، وسنحارب إذا اقتضى الأمر، وقد نجحنا فى المفاوضات ونجحنا فى الحرب بحمد الله وحققنا نتائج غير هينة، خصوصا إذا قارناها بسنوات الجمود، وهذا يجعلنا نشعر بأننا نمضى فى الطريق الصحيح.

          واننا نضرب المثل لغيرنا ونتحمل مسئوليات قيادة المسيرة، هذا دورنا ومسئوليتنا كشعب، وهذا دورى ومسئوليتى كقائد لهذا الشعب.

          اتصالا بهذه النقطة.. وهو التحرك الخارجى فقد تعلمون أننا أرسلنا لسكرتير عام الأمم المتحدة، وزير الخارجية أرسل له منذ أيام رسالة بعدم موافقتنا على تجديد فترة قوة الطوارئ الدولية.

          وأريد أن أضع أمامكم وأنتم أكبر هيئة وسلطة، لابد أن يعرض عليها فى كل وقت ما يؤثر على مستقبل البلاد.

طبيعة قوات الطوارىء ومهمتها

          أقول أريد أن أحكى لكم عن هذا الموضوع وعن آخر تطوراته، منذ قبلنا تواجد قوات الطوارىء التابعة للأمم المتحدة على جزء من الأرض التى تنسحب منها اسرائيل، كان قبولنا قائما على أساس فهم محدد لطبيعة هذه القوات ومهمتها، فهى أولا.. قوات تستمد شرعية وجودها من رضا الدولة المضيفة ثم انها فى المرحلة الأولى تكون ذات طبيعة مؤقتة قصيرة الأجل تقتصر على الفصل بين المتحاربين والاسهام فى ايجاد مناخ من الهدوء يزيد من فرص التوصل إلى سلام.. أما قوات حفظ السلام التى تشكل فى مرحلة تالية ضمن اتفاق سلام نهائى فطبيعة مهمتها مختلفة، وتعتبر من ضمانات السلام وعلى ذلك فغير مقبول على الاطلاق أن تبقى قوات الطوارئ على أرض مصرية دون رضا..

          كما أن من غير المقبول أن تستخدم لتكريس الاحتلال أو للابقاء على وضع تتوقف فيه الحركة في محاولة لفرض أمر واقع لا يتفق مع اجماع المجتمع الدولى ولا مع الشرعية التى يستند اليها ميثاق الأمم المتحدة، وقد حرصت مصر على تأكيد هذه المعانى عندما أعلنت قبولها للقرار 340 لسنة 73 الخاص بقوات الطوارئ، ولذلك فقد كان منطقيا وطبيعيا أن نتخذ قرارنا على هذا الأساس، بعد أن ثبت طوال الأشهر الماضية أن اسرائيل.. تحاول بشتى الوسائل الابقاء على الوضع الراهن واحباط أى جهد دولى يستهدف تحريك الموقف فى اتجاه السلام، وهو ما كان يترتب عليه لو ترك دون تصرف حازم من جانبنا تجميد الموقف والوصول به إلى حالة من الركود تهدد بإهدار المكاسب التى حققناها في معارك أكتوبر المجيدة.

  ومن ثم فقد وجه نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية خطابا إلى السكرتير العام للأمم المتحدة فى 14 يوليو الجارى يخطره فيه بأن مصر لا توافق على مد مدة قوات الطوارئ بعد انتهاء صلاحيتها فى الرابع والعشرين من هذا الشهر طالما كانت اسرائيل مصرة على استخدام هذه القوة ووجودها كوسيلة للابقاء على حالة اللاسلم واللاحرب واستمرار احتلال الأراضى المصرية.

نداء مجلس الأمن

          ودعت مصر مجلس الأمن إلى معالجة الموقف فى اطار السلطات والمسئوليات التى نص عليها ميثاق الأمم المتحدة، وبالفعل بدأ رئيس مجلس الأمن اتصالات مكثفة وعقد المجلس عدة اجتماعات بصفة عاجلة انتهت بأن كلف المجلس رئيسه بتوجيه نداء لنا تلقاه وزير الخارجية فجر اليوم ويتضح من هذا النداء قلق المجلس من خطورة الموقف فى الشرق الأوسط، وحرصه على تتبع تطوراته عن كثب وتأكيده على ضرورة تحقيق مزيد من التقدم نحو السلام العادل والدائم فى المنطقة وتجنب أو تجميد للموقف ومن هذا المنطلق فقد طلب رئيس المجلس أن نعيد النظر فى قرارنا الخاص بعدم مد مدة صلاحية القوات.

          فى هذا الاطار نقوم بدراسة الموقف من جميع جوانبه ونأخذ فى اعتبارنا أن مسئولية المجلس لا تقف عند حد العمل على تخفيف حدة التوتر وانما تتجاوز ذلك إلى ضمان التطبيق الكامل للقرار 338 لسنة 73 والقرارات الأخرى المتعلقة بالقضية وسوف أخطركم بما يستقر عليه الرأى فى هذا الشأن بعد أن اجتمع ان شاء الله بمجلس الأمن القومى وأضع تقريرا أمامكم بما نصل اليه.

النضال العسكرى

          يبقى المستوى الرابع والأخير وهو فى الحقيقة الأول، وهو مستوى النضال العسكرى فما زالت أحداث معركة أكتوبر الباسلة ترن فى أسماع العالم إلى اليوم ولا زالت نتائج معركة أكتوبر محل دراسة فى كل بقعة من العالم بوصفها واحدة من أكبر المتغيرات التى حدثت سواء فى ذلك أثر المعركة ومعناها المباشر أو أثارها ودروسها غير المباشرة .. أثر المعركة ومعناها المباشر فى الحاق أول هزيمة عسكرية باسرائيل حتى رأى العالم وسمع قادتها بصلافتهم وغرورهم يرسلون إلى أمريكا بصيحات الاستغاثة. وأثر المعركة أيضا فى تحقيق أول نصر عربى منذ عدة قرون وذلك بنجاح القيادات والضباط والجنود مصريين وسوريين فى خوض أحدث أنواع الحروب واستخدام أعقد أجهزتها ابتداء من الخداع الاستراتيجى الناجح وانتهاء بمعارك الدبابات الكبرى التى فاقت فى حجمها أى معارك من نوعها فى التاريخ.

          ولقد توالت نتائج حرب أكتوبر وما زالت تتوالى اليوم فى سلسلة من الآثار لا تعد ولا تحصى كان من نتائجها انهيار نظرية الأمن الاسرائيلى.. وتصدير أزمة الشك والتمزق وعدم الثقة من العالم العربى إلى المجتمع الاسرائيلى. واقتناع العالم بأن اسرائيل لم تعد سلاح الارهاب الذى يستخدم ضد العرب ويحمى المصالح الخارجية وان هذه المصالح لايحميها إلا التفاهم مع العرب.

          ظهور القوة البترولية والمالية للعالم العربى.. واقبال كل القوى العالمية على الحوار معنا وترتيب مستقبلها بالتفاهم مع أصحاب الأرض.

          لقد رويت لكم مرة القول المأثور: هات القوة وتكلم.. وهات القوة وتفاوض.. وهذا ما حدث بالضبط. لو أراد أن يتذكر المتشككون فأنتم تذكرون أننى بدأت رئاستى بطرح مبادرة سلمية لفتح قناة السويس وانسحاب اسرائيل من شاطئها الشرقى كخطوة على الطريق إلى السلام، يومها رفضت اسرائيل هذه المبادرة في كبرياء وساعدها الأمريكيون بالسكوت والاغضاء.. حسنا.. لقد فعلنا ذلك بعد سنوات قليلة بالقوة.. عبرنا نحن قناة السويس.. ودمرنا لهم خط بارليف وجاء الأمريكيون يسعون لوقف القتال وقد صارت القناة بضفتيها فى أيدينا، وطهرنا القناة وأعدنا فتحها للملاحة الدولية بأيدينا ورغم أنف الآخرين. صورة أخرى تطوف بالبال.. فى سنة 54 كان الغرب يمنع عنا السلاح ويهددنا لو حاولنا الحصول عليه من مصدر آخر فكسرنا احتكار السلاح واشتريناه من الاتحاد السوفيتى فى وجه حملات استعمارية ومؤمرات عنيفة، وبعد حرب 73 حين تأزمت العلاقات بيننا، وبين الاتحاد السوفيتى ورأينا انه لا يعطينا ما يقدر عليه من السلاح اتخذنا قرار تنويع مصادر الأسلحة فمن كان يتصور قبل عشرين سنة أن يتنافس الغرب فى بيع السلاح لنا كما هو حاصل الآن..؟

          ولكن قوة الشعب تغيرت.. والعلاقات الدولية تغيرت.. وكنا فى القرارين اللذين يفصل بينهما عشرين سنة لا نتوخى إلا استقلال الارادة والمصلحة العربية العليا.

          صور يجب أن يتأملها المشوشون ليتعلموا أن السياسة امتدادا للحرب وأن الحرب امتدادا للسياسة، وأن ما نضحى به ونتحمله إلى الآن ليس شأن المستسلمين الذين ألقوا السلاح.

          ولكن الشعب العربى يعرف هذا جيدا.. إذا كانت المفاوضة هى المصلحة العليا فسنفاوض.. وإذا كان السلم هو المصلحة العليا فسنسالم .. وإذا كانت الحرب هى المصلحة العليا فسنحارب.. كل ذلك مستعينين بالله ومسترشدين دائما بالهدف الأكيد وهو تحرير كل شبر من الأرض العربية المحتلة وعدم التفريط فى الحقوق الشرعية التى لا يملكها سوى شعب فلسطين، نحن نقدم حين يحجم الآخرون ونحزم حين يتردد الآخرون، ونفعل حين يتكلم الآخرون.

          تلك مرة أخرى هى مسئوليتنا القيادية لاتنقصنا شجاعة الاقدام ولا ننكص أمام ما يوجه الينا من سهام ولا نعطى قيمة لمن ليس لديهم سوى الكلام.

 أيها الأخوة والأخوات أعضاء المؤتمر القومي..

          انكم مقبلون على مرحلة جديدة في حياة الاتحاد الاشتراكى.. مرحلة جديدة بكل ما سردته عليكم الأن من ظروف وطنية وعربية ودولية ومرحلة جديدة بتأكيدنا على ضرورة أن يكون الاتحاد الاشتراكى الجديد ديمقراطيا لا يرد عن بابه أى فرد يلتزم بمواثيق الثورة ويفسح المجال لتعدد المنابر.

          ومرحلة جديدة بتسليمكم أنتم مهمة انجاح تحالف قوى الشعب العاملة فى هذه الصيغة الديمقراطية الجديدة وجعله أكثر ايجابية وفاعلية..

          وسيكون نجاحكم ان شاء الله رهنا بقدرتكم على استيعاب كل حوار حول أى قضية من القضايا واعطاء كل اتجاه فرصته في التعبير عن رأيه..

          بهذا نخطو خطوة كبيرة على الطريق إلى الديمقراطية وتصبح لدينا القنوات التى يدور فيها الحوار المؤدى إلى التطور فى أسلوب سلمى معبراً تعبيراً حقيقياً عن إرادة الشعب.

أسس العمل الوطنى

          ولست أريد أن أتدخل الآن فى مناقشاتكم ولكننى أجد من الواجب على أن أوصيكم بعدة أشياء أعتبر أنها هى الأسس التى يجب أن يقوم عليها دائما عملنا الوطنى.

          أولا: وحدة الشعب المصرى ووحدة التاريخ المصرى، فالشعب المصرى جغرافيا واجتماعيا قل أن تجد فى العالم نظيرا له في ترابطه وتماسكه وانسجامه الوطنى عبر آلاف السنين. لم يكن يوما ممزقا إلى أجزاء ولم يكن يوما يتحدث عدة لغات ولم يكن يوما بغير عاصمة مركزية للقطر كله.

          والشعب المصرى تاريخيا كانت فى حياته دائما المتغيرات التى تجئ مع الغزوات والهجرات الخارجية ولكن كانت لديه دائما عوامل الثبات التى لا تتغير بل تهضم كل متغير وتستوعبه وتصبه فى قالبها الخاص الفريد.

          هذه الوحدة التاريخية والجغرافية والاجتماعية هى التى أوجدت المصرى الأصيل الذى رأى مالم تره شعوب كثيرة من هجمات وغزوات لأن بلادنا كما قلت لكم كانت عبر التاريخ كله مستهدفة من كل قوة تريد أن تسيطر على العالم ولكنه صمد لهذا كله واحتفظ بقيمه وخصائصه الأصيلة وظل يصنع الحضارة ويخلق ويبدع دون انقطاع.

          وكفاحنا أمس واليوم وغدا مكرس كله لاتاحة الفرصة لهذا المصرى الأصيل مكرس كله لتخليصه من آثار التخلف الطويل لكى يعود إلى دوره الرائد فى الخلق والابداع والمساهمة فى الحضارة الانسانية الحديثة.

          واذا كان الشعب المصرى متدينا بطبيعته فانه أيضا متسامح بطبيعته .. آمن دائما بأن الدين لله وأن الوطن للجميع وآمن دائما بوحدة عنصرى الأمة ولكنه كان دائما يرفض التعصب والشعوذة أو استخدام الدين لأغراض سياسية.

          لقد كانت مصر دائما حصناً للاسلام سواء بالمعنى العسكرى دفاعا عن بلاد المسلمين، أو بالمعنى الثقافي باقامتها لمنابر الدين وحفظها لتراثه، وتدريسها لكل مذاهبه واتجاهاته، فهى ليست فى حاجة إلى من يعلمها شيئا فى هذا المجال، وهى تلفظ كل دعاة للتعصب والشعوذة، التى هى ضد جوهر الدين.

          ولهذا يجب أن نكون منفتحين من جهة على التجارب الانسانية المعاصرة والعلوم الحديثة.. ومتمسكين من جهة أخرى بقيمنا الروحية والمعنوية، نأخذ بأسباب التقدم المادى، ولكن نعتصم فى نفس الوقت بقيمنا التى تحمينا من أمراض المجتمعات المادية الخالية من الروح وسوف تظل وحدة الشعب المصرى دائما أقوى حصونه وأمضى أسلحته.

          ثانيا: الانتماء العربي: وهذا الانتماء العربى ليس سياسة وليس قرارا يتخذه أحد أو يرفضه أحد.. انه واقع ومصير وانه تراث مشترك قوى عميق أضاء الدنيا كلها ذات يوم، وحمل مشعل الحضارة فى عصور سادها الظلام، انه مصير مشترك فى عالم يداس فيه الصغار بالأقدام وتبحث الدول عن عائلات أكبر تنتسب اليها حتى تتقدم وتعيش.

          والعروبة هى عائلتنا جميعا.. عائلتنا التى لا ينقصها شئ نفتعله لها. فاللغة واحدة والتراث الثقافى والفكرى واحد، وعلى أمتنا هبطت الأديان السماوية جميعا ومنها خرج كل الرسل والأنبياء وموقعنا الجغرافي متصل.

          وأخيرا فالأطماع فينا أسبابها واحدة وآثار قوتنا وتماسكنا تنعكس علينا جميعا.

          ولا يؤثر فيكم أن يقوم فرد هنا أو جماعة هناك تحاول بناء رأسمالها على حملات الكراهية ضد مصر أو محاولات عزل مصر فتلك شراذم معزولة ومصر ستبقى دائما عزيزة على قلب كل عربى.

          ثالثا: حرية الارادة الوطنية: ان حرية الارادة الوطنية هى الترجمة العميقة لكلمة الاستقلال. لقد كافح الشعب المصرى طويلا لتحقيق استقلاله الوطنى والاقتصادى ومن أجل جعل قيادته وحكومته ومؤسساته مصرية مائة فى المائة غير أننا كما شرحت من قبل، فى عصر جديد لا يكفى فيه مجرد الاستقلال بمعناه القديم. كما أن الاستقلال لم يعد يعنى العزلة بعد أن انفتحت الأبواب بين كل الدول اقتصادياً وسياسياً وفكرياً.. عالم اختفت فيه الامبراطوريات القديمة لكن صار ما يسمى بالدول الكبرى والدول الصغيرة.. والدول المتقدمة والدول المتخلفة، وما إلى ذلك من المصطلحات..

          عالم عزف عن الأشكال القديمة للاستعمارولكن حلت فيه أشكال جديدة من أساليب الضغوط والاستدراج وفرض الرأى والاخضاع للنفوذ وأساليب التأثير الفكرى والحرب النفسية والمعنوية والشركات المتعددة الجنسيات التى تضخمت حتى صارت كالامبراطوريات غير الظاهرة للعيان. ولابد لنا أن نتعامل مع هذا كله فى عالم يزداد تشابكا واقترابا بوسائل النقل والاتصال.

ومن هنا فان علينا أن نتعامل بعيون مفتوحة، وبصمود نفسي وفكري حتى نحتفظ في كل الظروف بحرية الإرادة الوطنية.

لا تفرطوا أبدا في حرية الإرادة الوطنية ولا في مصرية القرارات المصيرية مهما كلف ذلك من جهد وتضحية واحتمال.

فحرية الإرادة الوطنية هي مفتاح الإيمان وهي الكنز الثمين الذي حققناه بأغلى الأثمان.

رابعا: لقد اختار شعبنا الاشتراكية طريقا له نحو التنمية .. ووضع لها معالمها الخاصة بنا من أجل تذويب الفوارق بين الطبقات دون صراع طبقي حاد واخترنا هنا الطريق أيضا تحقيقا لدرجة من العدالة الاجتماعية وعدالة توزيع الدخل القومي في اطراد.

          إن الشعوب اليوم لا تقاس بقممها القليلة ولكن تقاس بمستوى قاعدتها العريضة، وهذا يقتضي أولا التمسك بمواثيق 23 يوليو وثورة التصحيح التي قلت مرارا أنها لا تنسخ بعضها البعض، بل يكمل بعضها البعض.

          ويقتضي ثانيا أن لا نكون عبدة لنصوص جامدة فكل النصوص والتجارب من صنع الإنسان ولابد أن نمعن فكرنا دائما في تطويره طالما أننا نضع رهن اعتبارنا التوسع في تحقيق العدالة ورفع شأن كرامة الوطن والمواطنين.

          خامسا: إن اشتراكيتنا ديمقراطية: وإذا كنا قد انشغلنا زمنا عن الديمقراطية السياسية لتحقيق أغراض اجتماعية طال إهمالها ولمقاومة ضغوط استعمارية عاتية فإنه بعد المرحلة التي قطعناها ومن منطلق النصر الذي أحرزناه قد آن الأوان لأن نهتم بتحقيق الديمقراطية السياسية وتدعيمها، وليست الديمقراطية والحرية هي الفوضى، ليست هي الفوضى أبدا وليست هي التناحر الحزبي، وليست هي أن يأكل السمك الكبير السمك الصغير دون حساب، إن الديمقراطية الناضجة لا تستقيم إلا بمؤسسات ديمقراطية راسخة تستوعب كل الأفكار والتيارات وبدرجة من النضج والإحساس بالمسئولية المترتبة على الحرية والمقترنة بها والتساهل في حماية هذه النظم والمؤسسات أو إساءة استخدامها هو أول طريق لهدم الحرية ذاتها. فحين تلجأ فئة قليلة إلى محاولة فرض رأيها بالعنف على المؤسسات الدستورية في البلاد وبالتالي على الأغلبية الساحقة التي اقتضت هذه المؤسسات فان العنف لا يمكن أن يقابل إلا بالشدة والعنف فمقدرات البلاد لا يمكن أن تترك لتعبث بها فئة قليلة بوسائل القسر ولا تسمحوا بأن يتصور أحد أن من حقه أن يعتدى على الحياة العامة أو أن يعطل مسارها دون أن تتصدى له القوى التي أوجدها المجتمع وكل مجتمع لحماية سلامته وأمنه، بل ولحماية حريته، أننا نعيد أمانة الثورة إلى الشعب بالديمقراطية السليمة وسوف يحمل الشعب هذه الأمانة.

          سادسا: السلام الاجتماعي: لقد كانت ثورة 23 يوليو منعطفا حاسما في حياة شعبنا إذ أن ثورتنا توخت فوق تحرير الإرادة المصرية إعادة صياغة علاقاتنا الاجتماعية في الداخل بطريقة تجعل هذه العلاقات بين فئات الشعب أكثر توازنا وعدالة فالوطن الحر هو الذي يشعر مواطنوه بأنهم أحرار والوطن العزيز هو الذي يشعر مواطنوه أنهم أعزاء، وقد قطعت الثورة شوطا طويلا في هذا الاتجاه ووضعت قدمها على طريق تذويب الفوارق بين الطبقات بطريقة سلمية قل أن تحقق مثلها في أي قطر آخر من العالم.

          وها نحن نرى بلاد العالم الأخرى تحاول إنجاز بعض ما أنجزناه في هذا المجال بثمن باهظ من التناحر والقلاقل والاضطرابات.

          وها نحن نرى بلاد العالم الأخرى تحاول إنجاز بعض ما أنجزناه بثمن باهظ من التناحر والقلاقل والاضطرابات.

          بعد أن قطعنا هذا الطريق فإنه آن لنا أن نصل إلى مرحلة أعمق من السلام الاجتماعي تقوم على استقرار العلاقات الاجتماعية وتطويرها ديمقراطيا وسلميا دون أية هزات جديدة.

          إن وطنا لا تقوم فيه درجة مقبولة من السلام الاجتماعي بين فئاته وطبقاته هو وطن غير مستقر.. معرض دائما للأخطار، مبدد لقواه في غير الحشد الوطني من أجل التنمية والتقدم والارتفاع بمستوى معيشة أوسع للجماهير فيه.

          لقد وصلنا في مجال تطوير العلاقات الاجتماعية إلى مرحلة صار فيها ممكنا أن نواصل تطويرها بالجدال الحر والحكمة والموعظة الحسنة والتطور التشريعي دون دعوات إلى الحقد أو صيحات من أجل الثأر.

          إن الحرية والعدالة هي أقدم وأسمى ما سعى إليه الإنسان والمجتمعات الإنسانية منذ بدء الخليقة ودعوات الحرية مع العدالة ليست طارئة عليها أنها على العكس الأساس الصلب لجيلنا السمح الذي قدم لهذا العالم أرقى صيغ الحرية والعدالة معا.

          ولقد قلت أكثر من مرة وأيد الشعب قولي في ورقة أكتوبر: أن الثورة تصل حقا إلى شاطئ النجاح حين تستقر وترسخ أسسها وتتحول إلى نظام حين تمر فترة الإجراءات الاستثنائية التي لابد منها لتجديد حياة المجتمع وتطويرها وحين يصبح المجتمع بعد ذلك، وقد انفتحت أمامه الآفاق قادرا على التطور في الاتجاه الصحيح من خلال مؤسسات ثابتة وتفاعلات صحية لا تشوبها شوائب الصدام العنيف وقد وصلت ثورتنا المجيدة إلى هذا البر من الأمان والنجاح، تغيرت علاقات الريف والمدينة، ترسخت في النفوس كلمة الاشتراكية بترجمتها المصرية الصميمة وصارت مكتسبات الجماهير في التعليم والعلاج والتأمين الاجتماعي وتكافؤ الفرص وغيرها غير قابلة للرجوع إلى الوراء ولا نقول أن كل شيء صار كما نحب ونتمنى، ولا نقول إننا في نهاية الطريق، فطريق التطور في أي مجتمع لا نهاية له، ولكن نقول أنه صارت لدينا الأسس والقيم والعلاقات التي تكفل أن يستمر التطور إلى الأعدل والأحسن لا من خلال التناحر ولكن من خلال السلام الاجتماعي.

          سابعا: الحرص على الشرعية: إننا الآن ننتقل من الشرعية الثورية بعد أن تمت كل هذه التعديلات في بنيان المجتمع المصري إلى الشرعية الدستورية، والشرعية الدستورية هي أساس من أهم أسس الحرية والديمقراطية والعدالة والمساواة، إنها هي التي تمنع الطغيان وتوقف الاستغلال والتجاوز في استخدام المناصب وتمنع افتئات المؤسسات الدستورية على بعضها البعض وهي التي تعطى المجتمع حقه والفرد حقه دون أن يجور أحد على حق آخر.

          وكما أن هذه الشرعية الدستورية في حماية المؤسسات فهي أيضا في حمايتكم أنتم كممثلين لتحالف قوى الشعب العامل. تلك الصيغة التي أعطت حق المشاركة لكل الفئات لا للفئات المتميزة أو المحظوظة فحسب فبواسطتها صار للفلاحين والعمال لأول مرة

فرصة المساهمة المباشرة على كل المستويات فى ادارة شئون البلاد وأخيرا فهذه الشرعية الدستورية هى حماية لكل فرد فهى لا تستقيم إلا بحرص كل فرد على حقه وتمسكه به مستخدما فى ذلك كل المؤسسات الديمقراطية وجو حرية الرأى الذى أوجدناه.

          ثامنا - محاربة الفساد: ان الفساد والانحراف أمور تعرفها كل المجتمعات تحت كل النظم بصور وأشكال شتى، وكل تجربة معرضة لها ولكن هذا لا يعنى الاستسلام لهذه الظاهرة أو التساهل معها لأن المجتمعات أيضا كلما زاد نضجها وتدعمت مؤسساتها وأضئ النور لجو النقد والحساب فيها كلما قل فيها هذا الفساد وضعف تأثيره على شئون البلاد أما إذا وقع التساهل مع الفساد أو حال جو الكبت دون كشفه، فانه لا يلبث أن يصبح كالسوس الذى ينخر فى الظلام ويفسد كل شئ ويفقد الشعب ثقته فى نظام وأسلوب حياته، والرقابة الشعبية لها دور كبير فى هذا المجال ولا يجوز لكم أن تقبلوا أن يكون هناك أى انسان بحكم نفوذه أو ماله أو جاهه فوق الحساب.

          تاسعا: العمل المباشر: ان تنظيم الاتحاد الاشتراكى لا يمكن أن ينجح ويؤثر فى حياة الجماهير التى يمثلها اذا اكتفى بأن يكون ندوة للمناقشات والمجادلات ولكن عليه أن يتبنى أسلوب العمل المباشر فى حل كثير من المشكلات سواء على المستوى الوطنى أو على المستويات المحلية تبعا لتسلسل تنظيمات الاتحاد.. ان البلاد النامية كلها تحتاج إلى أكثر من جهد الحكومة.. الحكومة مهما أوتيت من قدرة لا تستطيع أن تحل كل مشكلة ابتداء من العاصمة إلى أبعد القرى لكن الجهد الشعبى مطلوب منه أن يبادر كلما أتيح له ذلك في حل مشكلاته حلولا ذاتية إذا أردنا أن نسرع الخطى فى القضاء على التخلف، وروح الاتكالية على الحكومة فى كل شئ حتى فى ردم أصغر بركة فى بقعة نائية أو فى مراقبة التسعيرة فى دكان صغير أو محو الأمية بين عمال مصنع ما.. روح الاتكالية على الحكومة فى كل هذا روح خطرة ويجب التخلص منها ويجب أن تحل محلها المساهمة الشعبية إلى أقصى حد.

          هذا هو شأن الشعوب التى تتوفر لديها ارادة التقدم، وأنتم من واجبكم ارتياد الطريق وقيادة هذه المساهمة الشعبية فى كل مجال حتى الوحدات الأساسية لديها الكثير من مشاكل البيئة التى تعيش فيها والتى يمكن أن تدرسها وتتصدى لها، وهذا هو الامتحان الحقيقى للعاملين فى ساحة تنظيمنا السياسى وفى هذا المجال يجب افساح الطريق دائما أمام الأجيال الصاعدة من الشباب الذى عليه أن يثبت بهذا جدارته لتحمل المسئوليات الكبرى بعد ذلك.

          عاشرا: الأمن القومي والقوات المسلحة: ان كل ما نريد ان نبنيه لبلادنا لا يمكن أن نطمئن عليه إلا إذا توفرت لنا درجة كافية من الأمن القومى، والأمن القومى ينطوى على عناصر كثيرة، وحدة الجبهة الداخلية. سلامة الوضع الاقتصادى. تنمية القوة الانتاجية. علاقات وأوضاع سياسية ودبلوماسية معينة، ولكن يضاف قبل ذلك وبعد ذلك عنصر أساسى هو وجود جيش وطنى قادر ومؤمن برسالته فى حماية الوطن. والحقيقة الكبرى فى الموقف حتى اليوم هى ان معركة التحرير لم تنته بعد ولهذا فنحن نعد لاحتمال وقوعها لأقصى حد ولكن الجيش الوطنى القوى ليس ضرورة مؤقتة مرهونة بطرف واحد ونحن فى عالم لا زالت القوة تلعب الدور الأول فيه انه ضرورة دائمة أثبتت قواتنا المسلحة حين أتيحت لها الفرصة أنها قادرة على أداء رسالتها بشرف، ولهذا لابد لنا أن نوفر لها دائما كل الامكانيات وأحدثها وأن نفكر فى هذا تفكيرا بعيد المدى.

          ومن هنا بدأنا نقيم الأساس لصناعة أسلحة عربية مشتركة ولا يجوز أن نبخل فى هذا المجال بشئ حتى تظل قواتنا المسلحة هاماتها مرفوعة وأعلامها منتصرة.

أيها الأخوة والأخوات:

          هذا بعض ما أردت أن أوصيكم به لأننى أعتبره عناصر ثابتة وضرورية لتقدمنا. لا تحتمل التأجيل ولا التغيير، وحين أنظر إلى ما حققناه فى السنوات القليلة من سنة 71 إلى الآن فاننى أقول الحمد لله. الحمد لله. الحمد لله. والحمد للشعب.. لقد حققنا الكثير فى أجل قصير وصنعنا ملحمة رائعة من الجهد الوطنى فى كل مجال، وشعبنا قادر دائما على أن يكرر هذه الملحمة مرات ومرات بعون الله، طالما اننا فى عون أنفسنا وعون أخوتنا.

ربنا لا تزغ قلوبنا بعد اذ هديتنا.. وهب لنا من لدنك رحمة انك أنت الوهاب.

والسلام عليكم ورحمة الله..

 


المصدر: موسوعه مقاتل من الصحراء على شبكه الانترنت

 

Hosted by YallaHosting