فقرات رئيسية من حيث صحافي خاص للرئيس أنور السادات، حول بعض القضايا الراهنة، 15 و 22 / 8 / 1975
المصدر: "الوثائق الفلسطينية العربية لعام 1975، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، بيروت، مج 11، ص 334 - 344"

حديث صحافي خاص للرئيس أنور السادات، رئيس جمهورية
مصر العربية، حول بعض القضايا الراهنة. [مقتطفات]

 

(الحوادث، العددان 979 و980،
بيروت، 15 و22 / 8 / 1975،
ص 20 و18)

       س - يبدو انك مرتاح. فالمعلومات الواردة من اسرائيل تقول ان الاقتراحات المصرية الاخيرة من اجل انسحاب جديد في سيناء ستسهل الوصول الى اتفاق. اين وصلت المفاوضات بالضبط، يا سيادة الرئيس؟

       ج - اذا كان هناك موقفا جديد، او فهم جديد، فهو من جانب اسرائيل. موقفنا نحن لم يتغير، ومطاليبنا محددة منذ مهمة كيسنجر التي فشلت في مارس (آذار) الماضي، وهي الممرات والبترول. التعنت الإسرائيلي الذي كان في مارس [آذار] هو الذي تغير. وعندما يقرأ البعض في العالم العربي ان هناك مقترحات تروح وتجيء، يظن ان هناك عملية تتم في الخفاء والحقيقة، ان مطاليبنا التي حددناها منذ البدء لا تزال هي نفسها، الممرات والبترول.

       س - ما الفائدة من الممرات، كمواقع استراتيجية، اذا انسحبت منها اسرائيل وسلمتها لقوات الطوارئ؟

       ج - لقوات الأمم المتحدة.

       س - لقوات الأمم المتحدة. اسرائيل ستبقى بالقرب من الممرات، اي ان في استطاعتها العودة اليها بمجرد عودة التوتر الى المنطقة، بالإضافة الى ان الرادارات ومحطة التشويش ستكون تحت الإدارة الأميركية. هل تعتقد، يا سيادة الرئيس، ان كل هذا الجهد الذي بذل، والأموال الطائلة التي دفعتها اميركا لإسرائيل مقابل هذا الانسحاب الجزئي، والشروط التي اخذتها اسرائيل من مصر، كالتعهد بالتمديد لقوات الطوارئ سنة بعد اخرى، هل مثل هذا الانجاز يستحق ان نعتبره انتصارا؟

       ج - نقطة البدء في تقييم هذه العملية هي الرد على السؤال التالي: هل هناك امكانية لحل القضية عسكريا، اي بالقوة العسكرية؟ لقد ثبت بمد انتصار اسرائيل الخرافي عام 1967، انها لم تستطع ان تفرض شروطها. ولم نستطع نحن، بعد حرب اكتوبر [تشرين الاول]، ان نفرض شروطنا ايضا. القوى الكبرى منعتنا، ووقفت في وجهنا، ولم تترك لنا حرية الخيار. اذا انطلقنا من هذه الحقيقة، فلا نجد امامنا غير البحث عن الممكن. تقول ان اسرائيل ستسلم الممرات لقوات الأمم المتحدة، وانا اقول لك: هل اسرائيل خارج الممرات هي اسرائيل داخل الممرات؟ اما محطة الإنذار، فستكون لي انا ايضا محطة انذار. ومن هنا، يجب ان تفهم

خطتي بضرورة الاحتفاظ بوقع الحركة الـ (Momentum) واستمرارها نحو السلام. الانسحاب الجزئي مهما كان حجمه، هو تقدم نحو السلام. اما اذا توقف التقدم،. فهنا مكمن الخطورة. ولذلك، فالانسحاب يساوي في تقديري الكثير جدا، يساوي كل الجهد، وكل الوقت، وكل الصبر الذي نبذله. علينا ان لا نسقط من حسابنا موقف العالم منا ومن القضية، وموقف الاثنين الكبار. علينا ان لا ننسى انهما تعانقا على الأرض اولا، ثم تعانقا في الفضاء، وفي هلسنكي ايضا. العناق قائم، وكذلك الوفاق، وعلينا ان نبحث عن قضيتنا ومصلحتنا داخل هذه المعادلة الدولية. وفي رأيى، ان اي تردد لاخذ بوصة من الأرض يعتبر خطأ جسيما يصل الى حد الخيانة.

       س - ولكن القبول بمبدأ تجزئة الانسحاب من الأراضي العربية المحتلة، أوجد في العالم العربي جوا من الشك، جعل الرؤية مضطربة، والتقدير مختلفا. فلو فرضنا ان الإسرائيليين وافقوا على الاقتراحات والترتيبات التي تبحث الآن، وتحقق الانسحاب الجزئي الجديد من الأراضي الصحراوية في سيناء، والتي بذل في سبيلها جهد شاق، سواء من قبلكم او من قبل اميركا، فكم سيأخذ الانسحاب الجزئي الإسرائيلي من الجولان من وقت؟ وهل يمكن لاميركا ان تنجح في تحقيق انسحاب مماثل في ارض تعتبرها اسرائيل استراتيجية، وأعلنت مرارا أنها لن تنسحب منها؟ أليس هناك احتمال بأن يستمر الوضع  معلقا الى ما بعد معركة الانتخابات الأميركية في اواخر 1976؟

       ج - مبدأ تجزئة الانسحاب لم يكن اختياريا، ولم يكن بالنسبة لي هدفا، وانما هو اسلوب، خطوة لحفظ وقع الحركة بدلا من توقفها. وعندما فشلت مهمة كيسنجر في مارس [آذار] الماضي، كان لا بد بعدها من الذهاب الى جنيف.ومن حق المواطن العربي ان يقلق لو كانت سياسة الخطوة بخطوة هي البديل عن جنيف. فجنيف هي المكان الوحيد الذي ستطرح فيه التسوية بحضور جميع الاطراف، ولكن المهم ان نهيئ الموقف الأميركي ليكون ايجابيا معنا، لانه هو الذي سيرجح امكانية التسوية. الموقف الأميركي مهم، شئنا ام لم نشأ، رضينا ام لم نرض. وعندما تقابلت مع الرئيس الأميركي فورد في "سالزبورغ"، طلب ان تبذل اميركا محاولة ثانية لتحقيق انسحاب جزئي قبل الذهاب الى جنيف، لانها ان تمت، سوف تهيىء جوا افضل لمؤتمر جنيف. فقلت له: "مافيش مانع". فبالنسبة الي يستوي الامر عندي، ان تتم خطوة او لا تتم. فاذا امكن ان تتم، باعتبار ان هذا هو المتاح، ومن اجل الاحتفاظ بوقع الحركة كما يقول الاميركيون، كان بها، والا فنحن ذاهبون جميعا الى جنيف، تمت الخطوة ام لم تتم. فالمهم، كما قلت، ان يبقى الموقف الاميركي ايجابيا، لان جميع الاوراق بيد

الاميركيين، رغم مخالفة بعض الاخوان العرب لهذا الرأي.

        س - يعني ان الرئيس الاميركي هو الذي طلب فرصة جديدة لتحقيق انسحاب في سيناء؟

        ج - تمام، وعلى ان تتبع ذلك خطوة في مرتفعات الجولان ايضا.

        س - يا سيدي، اذا كانت اسرائيل قد رفضت الانسحاب الجزئي من سيناء رغم الضغط الاميركي، فماذا تتوقعون من مؤتمر جنيف، حيث ستجري المفاوضات عل جميع الاراضي العربية المحتلة، بما فيها الضفة الغربية والقدس العربية؟

        ج - سؤال وجيه جدا. اذا كانت اسرائيل ترفض الجزء، فما بالك بالكل. هذا خلاصة السؤال. سؤإل وارد. وفي رأيي ان الموقف الاساسي الذي يحكم التحرك في هذه القضية هو موقف اميركا. وكما قلت مرارا، انا لا تهمني خطوة اخرى بقدر ما يهمني الموقف الاميركي، سواء في الخطوة بخطوة او في جنيف. وقد يغضب هذا الكلام الاتحاد السوفياتي، ولكنهم في موسكو يعرفرن الحقائق كما أعرفها أنا. وقد قالوا لعبدالناصر في اكثر من مرة، عندما التقى بهم في موسكو بعد هزيمة 1967: "روحوا واتكلموا مع الاميركان". وأنا أيضا، في كل مرة من المرات الاربع التي ذهبت فيها الى موسكو وانا رئيس، كانوا يقولون لي: "روحوا اتصلوا، وافتحوا، واتكلموا مع الاميركان ". وغروميكو قال لاسماعيل فهمي ايضا ما معناه "اميركا تملك الاوراق الاساسية في هذه اللعبة". هذه حقيقة واضحة للكل، وان كان البعض لا يحب ان يواجهها علنا.

        س - لا اخفي عليك، يا سيدي الرئيس، ان في العالم العربي اعتقادا متزايدا بأنكم وثقتم بالوعود الاميركية، بل بالغتم بهذه الثقة الى حد كيل المديح لكيسنجر وفورد، ومن قبلهما نيكسون. لقد خرجتم من حرب اكتوبر [تشرين الاول] بانتصار عسكري جزئي على الاقل، فبقيتم سنتين حتى استطعتم انتزاع جزء صغير من سيناء، بينما خرج عبدالناصر مهزوما عسكريا عام 1956، ومع ذلك استطاع ان يسترجع سيناء كلها ومعها قطاع غزة بأقل من ثلاثة اشهر. ويقولون عن السبب ان عبد الناصر استطاع ان يحافظ على علاقات متوازية بين الاميركيين والسوفيات، بينما انتم تركتم السوفيات، بل تعرضتم لهم بالنقد اللاذع في بعض الاحيان، ووضعتم كل اوراقكم على مائدة الاميركيين؟

        ج - المقارنة غير منصفة، والظروف مختلفة، وقد اثرت هذا الموضوع بالذات مع الرئيس الاميركي فورد في "سالزبورغ". فبالاضافة الى انه كان على رأس اميركا

عام 1956 رئيس اسمه ايزنهاور، وكان رجلا ذا كلمة وذا شرف، فالظروف كانت مختلفة. عام 1956 تمرد حليفا اميركا عليها، وهما بريطانيا وفرنسا، فأراد ان يلقنهما درسا قاسيا، فأصدر امره بالانسحاب، لا لاسرائيل فقط بل لبريطانيا وفرنسا في الوقت نفسه. ونفذوا الامر. ولكن معركة المواجهة الطويلة التي دارت بعد 1956 بين مصر واميركا، هي التي جعلت واشنطن تتحفز اولا، ثم تقطع المعونة عام 1965 ثانيا. لقد ارسلوا وكيل وزارة الخارجية "تالبوت" يا في اوائل 1965 بانذار كان الاول من نوعه.

        كانوا يريدون تحديد عدد القوات المسلحة المصرية، وكانوا يطالبون بحق التفتيش عليها وبكذا وكذا. كان انذارا استفزازيا جعل عبدالناصر يرفضه رفضا كاملا. وقطعت المعونة، ودخلت المواجهة في دور شديد. صحيح ان المواجهة كانت قد بدأت قبل ذلك، ولكن في هذه الفترة دخلت في دور متطور، او دور نستطيع ان نقول عنه "نقطة اللاعودة".

        س - يعني اصبحت اميركا فريقا في المواجهة؟

        ج - بالضبط. وهذا الذي جعل الرئيس جونسون يوافق على اعطاء اسرائيل، قبل معركة 1967، تعهدا بأن لا تتدخل كما تدخلت عام 1956، وأن تترك القرار لاسرائيل كاملا.

وهذا سر "التكتف" الاميركي الى يومنا هذا. الحكومة الاميركية غير قادرة على التحلل من هذا الارتباط الذي تعهد به جونسون بسبب المواجهة التي كانت قائمة بين اميركا ومصر.

وعبدالناصر كان يعرف ان العملية كلها كانت تهدف الى ضربه شخصيا. وهذه قصة فرغت اخيرا من املائها في التاريخ الذي اسجله في هذه الايام. ففي يوم الجمعه، 9 يونيو (حزيران) 1967، ذهبت الى بيت عبد الناصر، بعدما سمعت بيانا من القيادة العليا للجيش المصري جاء فيه ان اليهود عبروا الى الضفة الغربية، ويا عالم اشهد، وكذا، وكذا، بيان انا اعتبرته مهينا جدا. كان ذلك حوالي الساعة العاشرة صباحا، وقلت لنفسي: الله؟ هل سننتظر حتى يصل اليهود الى القاهرة؟ لماذا لا نخرج ونقاتل؟ وفعلا قمت من بيتي، واخذت "عزالي"، واوصيت الوصية على اولادي، وذهبت الى بيت عبدالناصر. دخلت عليه، فوجدته في المكتب يحضر خطاب التنازل. فقلت له: "انت قاعد هادي كده ليه؟ لازم تروح الصعيد، لانك ستكون رمز المقاومة. ونحن هنا سنقاتل، وسنجهز الناس، ونذهب الى الشرقية والسويس ونقابلهم هناك. فنحارب حرب عصابات". ورفع عبد الناصر رأسه وسألني: وليه؟ قلت: ألم تسمع بيان القيادة ان اليهود عبروا الى الضفة الغربية؟ فابتسم بمرارة

وقال: "هل وقعت انت ايضا في الفخ الذي وقع فيه الكثيرون بعد سماعهم البيان؟ اقعد لتسمع الحقيقة: عندما سمعت البيان، ارسلت من يسأل عن الموضوع، فعرفت ان القيادة التي كانت اعصابها منهارة، تسرعت فأصدرت هذا البيان، بناء على حادثة فردية وقعت في الجبهة. ضابط من ضباطنا المصريين كان يحارب شرق القناة، وعبر الى الغرب. وعندما شاهد اليهود قد وصلوا الى الضفة الشرقية انفعل، وكان في يده "مدفع هاون" فضربهم به. وكان ردهم، ان استدعوا الطيران في اقل من دقيقة، وضربوا مصنعا للأصباغ "جديد لنغ" كان على وشك أن يبدأ العمل غرب الاسماعيلية، في الجانب الشرقي المباشر للقناة، ضربوا المصنع بالطائرات. قيادتنا المنهارة ظنت ان اليهود قد عبروا القناة، فأصدرت البيان". واستطرد عبدالناصر قائلا: "انا سمعت البيان ولم اعره اية اهمية، فاليهود لن يعبروا القناة. الخطة الموضوعة بينهم وبين جونسون هي ان يخلصوا علي انا. وجودهم شرق القناة كاف ليكسبوا معركتهم معي. لقد رحت احسب كما يحسبون هم هناك. لقد حقق جونسون ما يريد، ولذلك لن يعبروا الى غرب القناة، ولن يدخلوا الى الكثافة السكانية"‍!

        حادثة اخرى ارويها لك تؤكد الالتزام الاميركي مع اسرائيل. ففي 11 - 12 ديسمبر (كانون الاول) 1973، جاءني الدكتور كيسنجر ليبحث معي موضوع عقد مؤتمر جنيف بالدرجة الاولى. وكان جيب الدفرسوار موجودا، وكان لنا حول الجيب 800 دبابة، بخلاف خمس فرق كاملة حشدناها شرق القناة، منها الفرقتان التابعتان للجيش الثالث. وهذه الفرق الخمس كانت بكامل اسلحتها ودباباتها ومعداتها، تكون حلقة تحيط باليهود، مع حائط صواريخ اروع من الحائط الذي اشتكت منه اسرائيل. وسألني كيسنجر: انت ناوي تعمل ايه؟ فقلت: هذه اعظم فرصة لتصفية الجيب الاسرائيلي. لقد تورطوا في دخول منطقة لا تتسع لاكثر من لواء او لواءين من الدبابات، فأدخلوا اربعة ألوية، على اساس انها عملية سياسية، او كما سميتها من قبل  "معركة تلفزيونية". فلا هم قادرون على الدخول في الكثافة السكانية في مصر، وليس من السهل أن ينجحوا في قطع المائة كيلومتر حتى يصلوا إلى القاهرة عن طريق الصحراء. وفرقي جاهزة لتقفل الممر الذي اوجدوه بين قواتي في اقل وقت ممكن، والخطة موضوعة وجاهزة، تنتظر صدور الاوامر. وقال كيسنجر "كل ما تقوله صحيح. وقد تلقيت من البنتاغون، قبل أن احضر لاقابلك، تقريرا كاملا بعدد الدبابات التي اعددتموها. عندك كذا، وعدد بطارياتك وصواريخك كذا، والقوات المحتشدة حول الجيب قادرة فعلا على تصفية الجيب، ولكن لا بد من ان تعرف ما هو موقف اميركا. اذا اقدمت،

على هذه العملية فستضرب. هذه هي السياسة الموضوعة، لم تتغير". قلت: طيب ما هو الحل؟ قال: هل توافق على الذهاب الى جنيف، قلت: بالحساب، اسرائيل هى التى تخاف من جنيف لا انا. قال: وقبل ان نذهب الى جنيف، وبدلا من الالحاح على الاسرائيليين للعودة الى خط 22 اكتوبر [تشرين الاول] (خط وقف اطلاق النار الذي خرقه الاسرائيليون) وهو الامر الذي لن يفعلوه، لانه مقتل لهم كما هو الحال في الجيب، ففي الامكان ان نصل الى اتفاقية لفصل القوات، وينسحب الاسرائيليون الى شرق القناة بدون معركة الا اذا كنت "غاوي معارك"‍‍‍! وقلت له: ابدا، انا لست "غاوي معارك"، ولكني حريص على تحديد حجم انتصاري كاملا، والمحافظة عليه. وقال: كل هذا يمكن ان يتم في "فض الاشتباك".

         هذه الوقائع تعطيك صورة عن تعهدات اميركا لاسرائيل، وهي تعهدات لا تزال قائمة. ويجيء البعض ليتهمني بأني وثقت بأميركا ووعودها . انا علي ان اتعامل مع اميركا كما هي، سواء عن طريق نيكسون ام فورد ام كيسنجر، بصرف النظر عن الصداقات والعداوات والعواطف والانفعالات. على ان اتعامل مع اميركا لان اوراق القضية كلها موجودة عندها. لقد كان في الامكان ان تستدرجني لذة الانتصار العسكري في معركة كان يمكن ان تكون من اروع معارك العرب. كانت المعركة مضمونة مائة بالمائة. كان عندي 800 دبابة، وكان عندهم 400، يعني عندي دبابتان لكل دبابة عندهم، وصاروخ ونص لكل دبابة بالتعداد. وكان هذا الواقع معروفا من البنتاغون الاميركي، وقد صوروه كما قال لي كيسنجر. اذن، لماذا لم ادخل المعركة؟ لاني لست "غاويا"  ان ادخل معركة مع اميركا، واضحي بأولادي، في الوقت الذي استطيع ان احقق الهدف الذي اريد. علي ان اتعامل مع اميركا، ولكن هذا لا يعني اني اثق بها ثقة عمياء. علينا ان نرى الحقائق كما هي وبدون انفعال. انا مؤمن، كما سبق وقلت، ان الدكتور كيسنجر يحاول ان يصلح الوجه القبيح لاميركا الذي صنعه جونسون. اقبح وجه، واقبح حقبة كانت ايام جونسون بلا جدال. وهذا كلام قاله ليبمان الذي هجر اميركا وهجر الصحافة بسبب عهد جونسون الذي وصفه بأنه اسوأ ما رأت اميركا في تاريخها. والامانة تقضي ان اقول ان نيكسون كان صادقا معي، وفورد كان صادقا معي، وكيسنجر كان صادقا معي. فلماذا يحاول بعض الناس ان يحولوا الصدق الى اتهامات؟

         س - ولكن هناك وقائع اخرى تعطي صورة معاكسة. ففي الكتاب الذي وضعه الاخوان "مارفن وبرنارد كالب"

عن كيسنجر، ويقال ان كل وثائقه ومعلوماته مآخوذة من وثائق البيت الابيض ووزارة الخارجية، جاء فيه ان الدكتور كيسنجر اوضح لوزراء الخارجية العرب، عندما اجتمع بهم  في نيويورك يوم 25 سبتمبر (ايلول) 1973، أن خطة اميركا في بلوغ السلام في الشرق الاوسط، هى البحث عن اساليب تحول ما هو غير مقبول الى وضع مقبول. كان ذلك قبل حرب اكتوبر [تشرين الاول] بعشرة ايام. وبعد حرب اكتوبر [تشرين الاول] بشهرين، استقبل كيسنجر زعماء اليهود الاميركيين في مكتبه بالبيت الابيض، وكان ذلك يوم 6 ديسمبر [كانون الاول]. بالضبط، وقال لهم انه لا يمكن ان يتخلى عن اسرائيل ، بل بالعكس ، انه يحاول انقاذها من ائتلاف يضم الاوروبيين الجبناء والعرب المتعصبين. ألا ترون ان كيسنجر قد حقق هذين الهدفين اللذين اعلن عنهما؟

         ج - ومن قال لك ان اميركا تخلت عن اسرائيل؟ قبل معركة اكتوبر [تشرين الاول] ، ذهب حافظ اسماعيل الى اميركا والتقى بالدكتور كيسنجر مرتين. مرة في فبراير (شباط)، والثانية في ابريل (نيسان)، وكان ذلك اول لقاء لنا معه. وخلاصة المقابلتين ان كيسنجر قال لحافظ اسماعيل: لا تطلبوا المستحيل. نحن نتعامل مع الواقع. انتم مهزومون، واسرائيل متفوقة. وليس في استطاعتكم ان تطلبوا كثيرا قبل ان تنجحوا في تغيير الواقع. كنا نتكلم في ذلك الوقت عن حقوقنا الاساسية التي اعترفت لنا بها الامم المتحدة. ومع ذلك، قال لنا لا تطلبوا المستحيل، نحن نتعامل مع الواقع. هكذا كان الموقف في فبراير [شباط] وابريل [نيسان].  تعال معي بعد ذلك ليوم 13 اكتوبر [تشرين الاول] 1973، عندما ايقظني السفير البريطاني في الفجر، يحمل رسالة من كيسنجر يقول فيها انه وافق على وقف اطلاق النار على الخطوط الحالية، بعد ما كانت اميركا تطالب بوقف اطلاق النار وعودة القوات المتحاربة الى الخطوط التي كانت قبل بدء العمليات. كان كيسنجر صادقا عندما قال: "نحن نتعامل مع الواقع". وعلينا ان نعرف بأن اميركا ملتزمة بأن لا تفرط باسرائيل . ولكن التفريط باسرائيل شيء، ومعالجة القضية في ضوء الواقع الجديد بعد حرب اكتوبر [تشرين الاول] شيء آخر. وقد قلت لهم مرارا: انا لا اطلب منكم أن تتخلوا عن اسرائيل، ولا عن صداقتكم الخاصة بها، واعطوها ما تشاء وتشاؤون من السلاح، ولكن انصحوها بأن تكون واقعية، وتدافع عن نفسها داخل حدودها. لقد سألتهم مرارا: هل انتم تدافعون عن اسرائيل داخل حدودها التي كانت عام 1967، ام في الاراضي المغتصبة؟ وهم لم يجيبوا عن سؤالي هذا حتى الآن.

     س - سيدي، حتى ولو كان الاميركيون صادقين في الوصول الى تسوية، ألم تقدر ان قوة الضغط الصهيوني، التي لها تأثير حاسم على الكونغرس، قادرة عل موازنة اي ضغط قد يصدر عن الادارة الاميركية؟ لقد استطاع اللوبي اليهودي ان يجمد قرار اعتبار الاتحاد السوفياتي من الدول الاكثر رعاية، حق تفتح الابواب للهجرة اليهودية. وكذلك فعل الكونغرس مع رومانيا. واللوبي اليوناني استطاع ان يجعل الكونغرس يوقف تزويد تركيا بالسلاح، رغم وجود القواعد العسكرية الاميركية فيها. فعلى اي شيء غير الوعود، كنت تعتمد في رهانك على الاميركيين للوصول الى تسوية؟ لقد كتب كيسنجر قبل ان يصبح مستشارا في البيت الابيض، وقبل ان يعين وزيرا للخارجية: "ان محك رجل الدولة هو في صحة تقديره للنتائج والاحداث". هل تعتبر ان تقديراتك كانت صحيحة في الرهان على الموقف الاميركي؟ أليس هناك احتمال بأن نخرج من هذه التجربة لا مع اميركا بخير ولا مع السوفيات بخير؟

         ج - ما تقوله هو دليل على ان اوراق القضية موجودة في اميركا، سواء كانت الادارة قوية ام ضعيفة، وسواء كان الكونغرس يعارض الرئيس الاميركي ام كان يؤيد الرئيس الاميركي. هذه حقيقة علينا ان نواجهها. اما على ماذا أعتمد في حساباتي، فقد قلت ورددت مرارا اني اعتمد على ثلاثة امور: اولا، رؤية واضحة تماما لكل ابعاد المشكلة، سواء داخل اميركا، ام داخل اسرائيل، ام داخل العالم العربي، ام بالنسبة للمتغيرات الدولية من حولنا؛ ثانيا، ارادة القرار الحرة التي املكها، وليس لاحد ان يتدخل فيها او ان يشكلها على اية صورة لا تتلاءم مع مصلحتنا او لا تتمشى معها؛ اما الامر الثالث، فهو صبر طويل جدا نتمتع به هنا منذ سبعة آلاف سنة، واصرار على الهدف مهما جرى. وقد قلت من قبل: قد تنجح خطوة مارس [آذار] او لا تنجح. اذا لم تنجح فسنكون اقوى. واقول الآن: قد تنجح الخطوة التي نحن بصددها، وقد لا تنجح، وسنكون اقوى. وقد نذهب الى جنيف، وقد يحدث تجمد الموقف، ولكننا لن نحيد عن هدفنا، وسنستمر. وعندما تفشل عملية السلام فشلا كاملا، وتعطى اسرائيل فرصة رفض السلام، بعدها سيكون لنا كلام آخر!

         س - هناك رهان آخر لاسرائيل. لقد سمعت من الملك حسين بعد عودته من واشنطن، ان اليهود يماطلون ويسوفون ويسعون الى تفشيل الوساطة الاميركية، او على الاقل تجميدها الى ما بعد الانتخابات الاميركية، على امل ان تنفجر الاوضاع الداخلية في مصر . وكثيرون في العالم العربي

يعتقدون ان الاميركيين متواطئون مع الاسرائيليين لكسب الوقت، حتى ينتهي اليهود من اتمام برنامج التسلح الضخم الذي تقول التقارير بأنهم عل وشك الانتهاء منه.

         ج - اسرائيل تلعب على الوقت. هذه حقيقة. فهي، يوم ان رفضت التسوية مع كيسنجر في مارس [آذار] الماضي، كان هدفها ان يستقيل كيسنجر، ويأتي وزير خارجية جديد، فيأخذ على الاقل ستة اشهر. والى ان يدرس ملف القضية، نكون قد دخلنا سنة الانتخابات فلا يحدث شيء. واذا كانت الآن تراهن على شيء آخر، بعد ان بقي كيسنجر في منصبه، فليس على الوضع الداخلي في مصر، فهم يعرفون، ان الوضع في مصر الآن اقوى من الفولاذ. انهم يلعبون على انفجار الموقف العربي، وضياع، او القضاء علي تأثير استخدام سلاح البترول مرة اخرى، والتقليل من اهميته. فلو انفجر الموقف العربي من داخله، فلن نتمكن من استخدام سلاح البترول مما يطمئن اوروبا الغربية واميركا وغيرهما من الدول التي تخاف اسرائيل منها. وانا اطلب منكم، ما سبق ان قلته في مؤتمر القمة العربي للملوك والرؤساء في الرباط، ان لا تأخذوا كلام راديو اسرائيل، وتطلبوا مني التعليق عليه. انهم يقولون اشياء كثيرة، وهم يتعمدون قولها على امل ان ينسفوا الموقف العربي من داخله. ولقد سبق لي ان رفضت طلبا من دولة عربية حليفة، بتفسير كلام قاله راديو اسرائيل، فقلت: انا لست مطالبا ان افسر او ارد على ما تقوله اسرائيل. لاحظوا الآن الزوبعة الكبيرة التي تثيرها على طردها من الامم المتحدة. هل حقيقي ان اسرائيل خائفة من طردها من الامم المتحدة ؟ انا اطالب ان نفكر  بعمق، لا بالانفعال والعواطف. اسرائيل تتمنى ان تطرد من الامم المتحدة، لانها في هذه الحالة ستستقطب الرأي العام الاميركي كله الذي تحرك ضدنا اخيرا. وقد استقطبت الرئيس الاميركي وكيسنجر واعضاء الكونغرس الى الحد الذي اعلنوا فيه انهم قد يتركون الامم المتحدة. فطالما ان اميركا وراء اسرائيل، فلن تقيم اسرائيل وزنا لا لمجلس الامن، ولا للامم المتحدة، ولا للعالم الغربي او العالم الشرقي. هذا طعم رميناه لاسرائيل، فقاموا ليهيجوا الدنيا على العرب. انا مش فاهم ليه احنا غاويين نلعب لعبة اسرائيل؟

         س - موقفكم، يا سيدي، لم يفهم بوضوح في العالم العربي، بل ان قسما كبيرا من الرأي العام لم يقتنع بوجهة نظركم، بأن طرد اسرائيل من الامم المتحدة ضار وغير مفيد. انهم يقولون: كان في الامكان ان يصدر في "كمبالا"

قرار بالطرد كالذي صدر عن مؤتمر وزراء الخارجية للدول الاسلامية في جدة. وقرار ثالث يمكن ان يصدر عن مؤتمر دول عدم الانحياز الذي سيعقد في اميركا اللاتينية. اساسا، اميركا ستستخدم الفيتو في مجلس الامن لتمنع تنفيذ القرار. واذا لم تستعمل اميركا الفيتو فستستعمله بريطانيا. عمليا لن يستطيع احد ان يطرد اسرائيل من الامم المتحدة، طالما كان هناك فيتو من الدول الكبرى تستعمله لتحمي اسرائيل كما حدث بالنسبة لجنوب افريقيا. ولكن هذه القرارات ستكون سيفا مسلطا على عنق اسرائيل قد تساعد على عزلها دوليا.

         ج - اسرائيل الآن معزولة فعلا في المجتمع الدولي.

ولكن قرارا يؤخذ بطرد اسرائيل قد يقلب موازين اللعبة التي نلعبها نحن، فتعود اسرائيل لتستقطب اميركا بالكامل. وهذا هو الخطأ في التوقيت. وقد قلت، عندما زرت السودان وانا في طريقي الى "كمبالا" : قبل ان نستنفد جهود السلام، يجب ان لا نفكر بخطوة من هذا النوع . وعندما التقيت بياسر عرفات في "كمبالا"، قلت له: هناك امكانية للحصول على مئات القرارات بمئات الصيغ التي يمكن ان تزيد في عزلة اسرائيل، ولكن يجب ان لا نخسر اجماع القرار الذي اخذناه سنة 73 من منظمة الوحدة الافريقية، ولا الاجماع الذي اخذه ياسر عرفات في الامم المتحدة  في العام الماضي، فنضع العالم امام موضوع ينقسم فيه على نفسه، وخصوصا العالم الثالث. وقد جاءني من احد اقطاب العالم الثالث البارزين كلام قلته لياسر عرفات، خلاصته: "هل انتم تعملون لمصلحتكم ام لمصلحة اسرائيل؟ انا صديقكم، ومستعد ان اصوت معكم ولو مرغما، ولكن لا يجوز ان تندفعوا وتطلبوا من اصدقائكم ان يندفعوا معكم في طريق الخطأ". ان اسرائيل هي جبهة الرفض الاساسية للتسوية، فلماذا نزايد عليها؟ اعود فأكرر، ان علينا ان نفكر بعقولنا في العالم العربي، وبالحساب بدلا من الانفعال!

         س - يا سيدي الرئيس، السوفيات يأخذون عليكم نفس ما تأخذونه على البعض في العالم العربي، اي عدم احترام حسابات العقل. يأخذون عليكم انكم ارتكبتم خطأين: الاول عندما رفضتم الاستماع الى نصيحتهم يومي 11 و 12 اكتوبر [تشرين الاول] بوقف اطلاق النار، بعد ان وافق اليهود والاميركيون على ان تحتفظوا بالاراضي التي حررتموها على الضفة الشرقية للقناة، وهي الاراضي التي لم تستطيعوا ان تضيفوا اليها شيئا بعد ذلك. وعندما رفضتم الاستماع الى نصيحتهم، بل الحاحهم بقبول وقف اطلاق النار، اقامت الولايات المتحدة الجسر الجوي الذي مكن اسرائيل من تحقيق انتصار الدفرسوار. وكدتم تتسببون بحرب بينهم وبين الاميركيين عندما فكرتم بضرب عمليات الانزال الاميركية في سيناء بصواريخ "سكود"، اما الخطأ الثاني، فعندما رفضتم حق اشراكهم، ولو معنويا، بمساعي التسوية،

بالرغم من انهم هم الذين زودوكم بالسلاح الذي هزمتم به اسرائيل.

         ج - لنناقش الخطأين. الاول، عدم استجابتي لطلبهم بوقف اطلاق النار. ولهذا الموقف خلفية كبيرة جدا، لقد كانت هناك قناعة في العالم قاطبة ثم في العالم العربي اساسا، بأننا لا حراك لنا. واننا - كما قال احد المسؤولين الاميركيين قبل المعركة بيومين - لن تكون لنا قيمة عسكرية وسياسية لخمسين سنة. ولطول ما صدق العالم هذا الكلام عنا، كان لابد من ان تكون المعركة طويلة. هذا اولا. وثانيا، كانت من خطوط الاستراتيجية الاساسية التي بدأنا بها المعركة، والتي اعطيتها للقائد العام، والمسجلة في سجلات الدولة، ان تبنى المعركة على مدى طويل، لان استراتيجية اسرائيل هي استراتيجة اسبوع على الاكثر، ولا تحتمل معركة طويلة. وثالثا، كان الملك فيصل، قد قال لي: "اذا كنت لا تستطيع ان تدخل معركة طو