فقرات رئيسية من حيث صحافي خاص للرئيس أنور السادات، حول بعض القضايا الراهنة، 15 و 22 / 8 / 1975
المصدر: "الوثائق الفلسطينية العربية لعام 1975، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، بيروت، مج 11، ص 334 - 344"

حديث صحافي خاص للرئيس أنور السادات، رئيس جمهورية
مصر العربية، حول بعض القضايا الراهنة. [مقتطفات]

 

(الحوادث، العددان 979 و980،
بيروت، 15 و22 / 8 / 1975،
ص 20 و18)

       س - يبدو انك مرتاح. فالمعلومات الواردة من اسرائيل تقول ان الاقتراحات المصرية الاخيرة من اجل انسحاب جديد في سيناء ستسهل الوصول الى اتفاق. اين وصلت المفاوضات بالضبط، يا سيادة الرئيس؟

       ج - اذا كان هناك موقفا جديد، او فهم جديد، فهو من جانب اسرائيل. موقفنا نحن لم يتغير، ومطاليبنا محددة منذ مهمة كيسنجر التي فشلت في مارس (آذار) الماضي، وهي الممرات والبترول. التعنت الإسرائيلي الذي كان في مارس [آذار] هو الذي تغير. وعندما يقرأ البعض في العالم العربي ان هناك مقترحات تروح وتجيء، يظن ان هناك عملية تتم في الخفاء والحقيقة، ان مطاليبنا التي حددناها منذ البدء لا تزال هي نفسها، الممرات والبترول.

       س - ما الفائدة من الممرات، كمواقع استراتيجية، اذا انسحبت منها اسرائيل وسلمتها لقوات الطوارئ؟

       ج - لقوات الأمم المتحدة.

       س - لقوات الأمم المتحدة. اسرائيل ستبقى بالقرب من الممرات، اي ان في استطاعتها العودة اليها بمجرد عودة التوتر الى المنطقة، بالإضافة الى ان الرادارات ومحطة التشويش ستكون تحت الإدارة الأميركية. هل تعتقد، يا سيادة الرئيس، ان كل هذا الجهد الذي بذل، والأموال الطائلة التي دفعتها اميركا لإسرائيل مقابل هذا الانسحاب الجزئي، والشروط التي اخذتها اسرائيل من مصر، كالتعهد بالتمديد لقوات الطوارئ سنة بعد اخرى، هل مثل هذا الانجاز يستحق ان نعتبره انتصارا؟

       ج - نقطة البدء في تقييم هذه العملية هي الرد على السؤال التالي: هل هناك امكانية لحل القضية عسكريا، اي بالقوة العسكرية؟ لقد ثبت بمد انتصار اسرائيل الخرافي عام 1967، انها لم تستطع ان تفرض شروطها. ولم نستطع نحن، بعد حرب اكتوبر [تشرين الاول]، ان نفرض شروطنا ايضا. القوى الكبرى منعتنا، ووقفت في وجهنا، ولم تترك لنا حرية الخيار. اذا انطلقنا من هذه الحقيقة، فلا نجد امامنا غير البحث عن الممكن. تقول ان اسرائيل ستسلم الممرات لقوات الأمم المتحدة، وانا اقول لك: هل اسرائيل خارج الممرات هي اسرائيل داخل الممرات؟ اما محطة الإنذار، فستكون لي انا ايضا محطة انذار. ومن هنا، يجب ان تفهم

خطتي بضرورة الاحتفاظ بوقع الحركة الـ (Momentum) واستمرارها نحو السلام. الانسحاب الجزئي مهما كان حجمه، هو تقدم نحو السلام. اما اذا توقف التقدم،. فهنا مكمن الخطورة. ولذلك، فالانسحاب يساوي في تقديري الكثير جدا، يساوي كل الجهد، وكل الوقت، وكل الصبر الذي نبذله. علينا ان لا نسقط من حسابنا موقف العالم منا ومن القضية، وموقف الاثنين الكبار. علينا ان لا ننسى انهما تعانقا على الأرض اولا، ثم تعانقا في الفضاء، وفي هلسنكي ايضا. العناق قائم، وكذلك الوفاق، وعلينا ان نبحث عن قضيتنا ومصلحتنا داخل هذه المعادلة الدولية. وفي رأيى، ان اي تردد لاخذ بوصة من الأرض يعتبر خطأ جسيما يصل الى حد الخيانة.

       س - ولكن القبول بمبدأ تجزئة الانسحاب من الأراضي العربية المحتلة، أوجد في العالم العربي جوا من الشك، جعل الرؤية مضطربة، والتقدير مختلفا. فلو فرضنا ان الإسرائيليين وافقوا على الاقتراحات والترتيبات التي تبحث الآن، وتحقق الانسحاب الجزئي الجديد من الأراضي الصحراوية في سيناء، والتي بذل في سبيلها جهد شاق، سواء من قبلكم او من قبل اميركا، فكم سيأخذ الانسحاب الجزئي الإسرائيلي من الجولان من وقت؟ وهل يمكن لاميركا ان تنجح في تحقيق انسحاب مماثل في ارض تعتبرها اسرائيل استراتيجية، وأعلنت مرارا أنها لن تنسحب منها؟ أليس هناك احتمال بأن يستمر الوضع  معلقا الى ما بعد معركة الانتخابات الأميركية في اواخر 1976؟

       ج - مبدأ تجزئة الانسحاب لم يكن اختياريا، ولم يكن بالنسبة لي هدفا، وانما هو اسلوب، خطوة لحفظ وقع الحركة بدلا من توقفها. وعندما فشلت مهمة كيسنجر في مارس [آذار] الماضي، كان لا بد بعدها من الذهاب الى جنيف.ومن حق المواطن العربي ان يقلق لو كانت سياسة الخطوة بخطوة هي البديل عن جنيف. فجنيف هي المكان الوحيد الذي ستطرح فيه التسوية بحضور جميع الاطراف، ولكن المهم ان نهيئ الموقف الأميركي ليكون ايجابيا معنا، لانه هو الذي سيرجح امكانية التسوية. الموقف الأميركي مهم، شئنا ام لم نشأ، رضينا ام لم نرض. وعندما تقابلت مع الرئيس الأميركي فورد في "سالزبورغ"، طلب ان تبذل اميركا محاولة ثانية لتحقيق انسحاب جزئي قبل الذهاب الى جنيف، لانها ان تمت، سوف تهيىء جوا افضل لمؤتمر جنيف. فقلت له: "مافيش مانع". فبالنسبة الي يستوي الامر عندي، ان تتم خطوة او لا تتم. فاذا امكن ان تتم، باعتبار ان هذا هو المتاح، ومن اجل الاحتفاظ بوقع الحركة كما يقول الاميركيون، كان بها، والا فنحن ذاهبون جميعا الى جنيف، تمت الخطوة ام لم تتم. فالمهم، كما قلت، ان يبقى الموقف الاميركي ايجابيا، لان جميع الاوراق بيد

الاميركيين، رغم مخالفة بعض الاخوان العرب لهذا الرأي.

        س - يعني ان الرئيس الاميركي هو الذي طلب فرصة جديدة لتحقيق انسحاب في سيناء؟

        ج - تمام، وعلى ان تتبع ذلك خطوة في مرتفعات الجولان ايضا.

        س - يا سيدي، اذا كانت اسرائيل قد رفضت الانسحاب الجزئي من سيناء رغم الضغط الاميركي، فماذا تتوقعون من مؤتمر جنيف، حيث ستجري المفاوضات عل جميع الاراضي العربية المحتلة، بما فيها الضفة الغربية والقدس العربية؟

        ج - سؤال وجيه جدا. اذا كانت اسرائيل ترفض الجزء، فما بالك بالكل. هذا خلاصة السؤال. سؤإل وارد. وفي رأيي ان الموقف الاساسي الذي يحكم التحرك في هذه القضية هو موقف اميركا. وكما قلت مرارا، انا لا تهمني خطوة اخرى بقدر ما يهمني الموقف الاميركي، سواء في الخطوة بخطوة او في جنيف. وقد يغضب هذا الكلام الاتحاد السوفياتي، ولكنهم في موسكو يعرفرن الحقائق كما أعرفها أنا. وقد قالوا لعبدالناصر في اكثر من مرة، عندما التقى بهم في موسكو بعد هزيمة 1967: "روحوا واتكلموا مع الاميركان". وأنا أيضا، في كل مرة من المرات الاربع التي ذهبت فيها الى موسكو وانا رئيس، كانوا يقولون لي: "روحوا اتصلوا، وافتحوا، واتكلموا مع الاميركان ". وغروميكو قال لاسماعيل فهمي ايضا ما معناه "اميركا تملك الاوراق الاساسية في هذه اللعبة". هذه حقيقة واضحة للكل، وان كان البعض لا يحب ان يواجهها علنا.

        س - لا اخفي عليك، يا سيدي الرئيس، ان في العالم العربي اعتقادا متزايدا بأنكم وثقتم بالوعود الاميركية، بل بالغتم بهذه الثقة الى حد كيل المديح لكيسنجر وفورد، ومن قبلهما نيكسون. لقد خرجتم من حرب اكتوبر [تشرين الاول] بانتصار عسكري جزئي على الاقل، فبقيتم سنتين حتى استطعتم انتزاع جزء صغير من سيناء، بينما خرج عبدالناصر مهزوما عسكريا عام 1956، ومع ذلك استطاع ان يسترجع سيناء كلها ومعها قطاع غزة بأقل من ثلاثة اشهر. ويقولون عن السبب ان عبد الناصر استطاع ان يحافظ على علاقات متوازية بين الاميركيين والسوفيات، بينما انتم تركتم السوفيات، بل تعرضتم لهم بالنقد اللاذع في بعض الاحيان، ووضعتم كل اوراقكم على مائدة الاميركيين؟

        ج - المقارنة غير منصفة، والظروف مختلفة، وقد اثرت هذا الموضوع بالذات مع الرئيس الاميركي فورد في "سالزبورغ". فبالاضافة الى انه كان على رأس اميركا

عام 1956 رئيس اسمه ايزنهاور، وكان رجلا ذا كلمة وذا شرف، فالظروف كانت مختلفة. عام 1956 تمرد حليفا اميركا عليها، وهما بريطانيا وفرنسا، فأراد ان يلقنهما درسا قاسيا، فأصدر امره بالانسحاب، لا لاسرائيل فقط بل لبريطانيا وفرنسا في الوقت نفسه. ونفذوا الامر. ولكن معركة المواجهة الطويلة التي دارت بعد 1956 بين مصر واميركا، هي التي جعلت واشنطن تتحفز اولا، ثم تقطع المعونة عام 1965 ثانيا. لقد ارسلوا وكيل وزارة الخارجية "تالبوت" يا في اوائل 1965 بانذار كان الاول من نوعه.

        كانوا يريدون تحديد عدد القوات المسلحة المصرية، وكانوا يطالبون بحق التفتيش عليها وبكذا وكذا. كان انذارا استفزازيا جعل عبدالناصر يرفضه رفضا كاملا. وقطعت المعونة، ودخلت المواجهة في دور شديد. صحيح ان المواجهة كانت قد بدأت قبل ذلك، ولكن في هذه الفترة دخلت في دور متطور، او دور نستطيع ان نقول عنه "نقطة اللاعودة".

        س - يعني اصبحت اميركا فريقا في المواجهة؟

        ج - بالضبط. وهذا الذي جعل الرئيس جونسون يوافق على اعطاء اسرائيل، قبل معركة 1967، تعهدا بأن لا تتدخل كما تدخلت عام 1956، وأن تترك القرار لاسرائيل كاملا.

وهذا سر "التكتف" الاميركي الى يومنا هذا. الحكومة الاميركية غير قادرة على التحلل من هذا الارتباط الذي تعهد به جونسون بسبب المواجهة التي كانت قائمة بين اميركا ومصر.

وعبدالناصر كان يعرف ان العملية كلها كانت تهدف الى ضربه شخصيا. وهذه قصة فرغت اخيرا من املائها في التاريخ الذي اسجله في هذه الايام. ففي يوم الجمعه، 9 يونيو (حزيران) 1967، ذهبت الى بيت عبد الناصر، بعدما سمعت بيانا من القيادة العليا للجيش المصري جاء فيه ان اليهود عبروا الى الضفة الغربية، ويا عالم اشهد، وكذا، وكذا، بيان انا اعتبرته مهينا جدا. كان ذلك حوالي الساعة العاشرة صباحا، وقلت لنفسي: الله؟ هل سننتظر حتى يصل اليهود الى القاهرة؟ لماذا لا نخرج ونقاتل؟ وفعلا قمت من بيتي، واخذت "عزالي"، واوصيت الوصية على اولادي، وذهبت الى بيت عبدالناصر. دخلت عليه، فوجدته في المكتب يحضر خطاب التنازل. فقلت له: "انت قاعد هادي كده ليه؟ لازم تروح الصعيد، لانك ستكون رمز المقاومة. ونحن هنا سنقاتل، وسنجهز الناس، ونذهب الى الشرقية والسويس ونقابلهم هناك. فنحارب حرب عصابات". ورفع عبد الناصر رأسه وسألني: وليه؟ قلت: ألم تسمع بيان القيادة ان اليهود عبروا الى الضفة الغربية؟ فابتسم بمرارة

وقال: "هل وقعت انت ايضا في الفخ الذي وقع فيه الكثيرون بعد سماعهم البيان؟ اقعد لتسمع الحقيقة: عندما سمعت البيان، ارسلت من يسأل عن الموضوع، فعرفت ان القيادة التي كانت اعصابها منهارة، تسرعت فأصدرت هذا البيان، بناء على حادثة فردية وقعت في الجبهة. ضابط من ضباطنا المصريين كان يحارب شرق القناة، وعبر الى الغرب. وعندما شاهد اليهود قد وصلوا الى الضفة الشرقية انفعل، وكان في يده "مدفع هاون" فضربهم به. وكان ردهم، ان استدعوا الطيران في اقل من دقيقة، وضربوا مصنعا للأصباغ "جديد لنغ" كان على وشك أن يبدأ العمل غرب الاسماعيلية، في الجانب الشرقي المباشر للقناة، ضربوا المصنع بالطائرات. قيادتنا المنهارة ظنت ان اليهود قد عبروا القناة، فأصدرت البيان". واستطرد عبدالناصر قائلا: "انا سمعت البيان ولم اعره اية اهمية، فاليهود لن يعبروا القناة. الخطة الموضوعة بينهم وبين جونسون هي ان يخلصوا علي انا. وجودهم شرق القناة كاف ليكسبوا معركتهم معي. لقد رحت احسب كما يحسبون هم هناك. لقد حقق جونسون ما يريد، ولذلك لن يعبروا الى غرب القناة، ولن يدخلوا الى الكثافة السكانية"‍!

        حادثة اخرى ارويها لك تؤكد الالتزام الاميركي مع اسرائيل. ففي 11 - 12 ديسمبر (كانون الاول) 1973، جاءني الدكتور كيسنجر ليبحث معي موضوع عقد مؤتمر جنيف بالدرجة الاولى. وكان جيب الدفرسوار موجودا، وكان لنا حول الجيب 800 دبابة، بخلاف خمس فرق كاملة حشدناها شرق القناة، منها الفرقتان التابعتان للجيش الثالث. وهذه الفرق الخمس كانت بكامل اسلحتها ودباباتها ومعداتها، تكون حلقة تحيط باليهود، مع حائط صواريخ اروع من الحائط الذي اشتكت منه اسرائيل. وسألني كيسنجر: انت ناوي تعمل ايه؟ فقلت: هذه اعظم فرصة لتصفية الجيب الاسرائيلي. لقد تورطوا في دخول منطقة لا تتسع لاكثر من لواء او لواءين من الدبابات، فأدخلوا اربعة ألوية، على اساس انها عملية سياسية، او كما سميتها من قبل  "معركة تلفزيونية". فلا هم قادرون على الدخول في الكثافة السكانية في مصر، وليس من السهل أن ينجحوا في قطع المائة كيلومتر حتى يصلوا إلى القاهرة عن طريق الصحراء. وفرقي جاهزة لتقفل الممر الذي اوجدوه بين قواتي في اقل وقت ممكن، والخطة موضوعة وجاهزة، تنتظر صدور الاوامر. وقال كيسنجر "كل ما تقوله صحيح. وقد تلقيت من البنتاغون، قبل أن احضر لاقابلك، تقريرا كاملا بعدد الدبابات التي اعددتموها. عندك كذا، وعدد بطارياتك وصواريخك كذا، والقوات المحتشدة حول الجيب قادرة فعلا على تصفية الجيب، ولكن لا بد من ان تعرف ما هو موقف اميركا. اذا اقدمت،

على هذه العملية فستضرب. هذه هي السياسة الموضوعة، لم تتغير". قلت: طيب ما هو الحل؟ قال: هل توافق على الذهاب الى جنيف، قلت: بالحساب، اسرائيل هى التى تخاف من جنيف لا انا. قال: وقبل ان نذهب الى جنيف، وبدلا من الالحاح على الاسرائيليين للعودة الى خط 22 اكتوبر [تشرين الاول] (خط وقف اطلاق النار الذي خرقه الاسرائيليون) وهو الامر الذي لن يفعلوه، لانه مقتل لهم كما هو الحال في الجيب، ففي الامكان ان نصل الى اتفاقية لفصل القوات، وينسحب الاسرائيليون الى شرق القناة بدون معركة الا اذا كنت "غاوي معارك"‍‍‍! وقلت له: ابدا، انا لست "غاوي معارك"، ولكني حريص على تحديد حجم انتصاري كاملا، والمحافظة عليه. وقال: كل هذا يمكن ان يتم في "فض الاشتباك".

         هذه الوقائع تعطيك صورة عن تعهدات اميركا لاسرائيل، وهي تعهدات لا تزال قائمة. ويجيء البعض ليتهمني بأني وثقت بأميركا ووعودها . انا علي ان اتعامل مع اميركا كما هي، سواء عن طريق نيكسون ام فورد ام كيسنجر، بصرف النظر عن الصداقات والعداوات والعواطف والانفعالات. على ان اتعامل مع اميركا لان اوراق القضية كلها موجودة عندها. لقد كان في الامكان ان تستدرجني لذة الانتصار العسكري في معركة كان يمكن ان تكون من اروع معارك العرب. كانت المعركة مضمونة مائة بالمائة. كان عندي 800 دبابة، وكان عندهم 400، يعني عندي دبابتان لكل دبابة عندهم، وصاروخ ونص لكل دبابة بالتعداد. وكان هذا الواقع معروفا من البنتاغون الاميركي، وقد صوروه كما قال لي كيسنجر. اذن، لماذا لم ادخل المعركة؟ لاني لست "غاويا"  ان ادخل معركة مع اميركا، واضحي بأولادي، في الوقت الذي استطيع ان احقق الهدف الذي اريد. علي ان اتعامل مع اميركا، ولكن هذا لا يعني اني اثق بها ثقة عمياء. علينا ان نرى الحقائق كما هي وبدون انفعال. انا مؤمن، كما سبق وقلت، ان الدكتور كيسنجر يحاول ان يصلح الوجه القبيح لاميركا الذي صنعه جونسون. اقبح وجه، واقبح حقبة كانت ايام جونسون بلا جدال. وهذا كلام قاله ليبمان الذي هجر اميركا وهجر الصحافة بسبب عهد جونسون الذي وصفه بأنه اسوأ ما رأت اميركا في تاريخها. والامانة تقضي ان اقول ان نيكسون كان صادقا معي، وفورد كان صادقا معي، وكيسنجر كان صادقا معي. فلماذا يحاول بعض الناس ان يحولوا الصدق الى اتهامات؟

         س - ولكن هناك وقائع اخرى تعطي صورة معاكسة. ففي الكتاب الذي وضعه الاخوان "مارفن وبرنارد كالب"

عن كيسنجر، ويقال ان كل وثائقه ومعلوماته مآخوذة من وثائق البيت الابيض ووزارة الخارجية، جاء فيه ان الدكتور كيسنجر اوضح لوزراء الخارجية العرب، عندما اجتمع بهم  في نيويورك يوم 25 سبتمبر (ايلول) 1973، أن خطة اميركا في بلوغ السلام في الشرق الاوسط، هى البحث عن اساليب تحول ما هو غير مقبول الى وضع مقبول. كان ذلك قبل حرب اكتوبر [تشرين الاول] بعشرة ايام. وبعد حرب اكتوبر [تشرين الاول] بشهرين، استقبل كيسنجر زعماء اليهود الاميركيين في مكتبه بالبيت الابيض، وكان ذلك يوم 6 ديسمبر [كانون الاول]. بالضبط، وقال لهم انه لا يمكن ان يتخلى عن اسرائيل ، بل بالعكس ، انه يحاول انقاذها من ائتلاف يضم الاوروبيين الجبناء والعرب المتعصبين. ألا ترون ان كيسنجر قد حقق هذين الهدفين اللذين اعلن عنهما؟

         ج - ومن قال لك ان اميركا تخلت عن اسرائيل؟ قبل معركة اكتوبر [تشرين الاول] ، ذهب حافظ اسماعيل الى اميركا والتقى بالدكتور كيسنجر مرتين. مرة في فبراير (شباط)، والثانية في ابريل (نيسان)، وكان ذلك اول لقاء لنا معه. وخلاصة المقابلتين ان كيسنجر قال لحافظ اسماعيل: لا تطلبوا المستحيل. نحن نتعامل مع الواقع. انتم مهزومون، واسرائيل متفوقة. وليس في استطاعتكم ان تطلبوا كثيرا قبل ان تنجحوا في تغيير الواقع. كنا نتكلم في ذلك الوقت عن حقوقنا الاساسية التي اعترفت لنا بها الامم المتحدة. ومع ذلك، قال لنا لا تطلبوا المستحيل، نحن نتعامل مع الواقع. هكذا كان الموقف في فبراير [شباط] وابريل [نيسان].  تعال معي بعد ذلك ليوم 13 اكتوبر [تشرين الاول] 1973، عندما ايقظني السفير البريطاني في الفجر، يحمل رسالة من كيسنجر يقول فيها انه وافق على وقف اطلاق النار على الخطوط الحالية، بعد ما كانت اميركا تطالب بوقف اطلاق النار وعودة القوات المتحاربة الى الخطوط التي كانت قبل بدء العمليات. كان كيسنجر صادقا عندما قال: "نحن نتعامل مع الواقع". وعلينا ان نعرف بأن اميركا ملتزمة بأن لا تفرط باسرائيل . ولكن التفريط باسرائيل شيء، ومعالجة القضية في ضوء الواقع الجديد بعد حرب اكتوبر [تشرين الاول] شيء آخر. وقد قلت لهم مرارا: انا لا اطلب منكم أن تتخلوا عن اسرائيل، ولا عن صداقتكم الخاصة بها، واعطوها ما تشاء وتشاؤون من السلاح، ولكن انصحوها بأن تكون واقعية، وتدافع عن نفسها داخل حدودها. لقد سألتهم مرارا: هل انتم تدافعون عن اسرائيل داخل حدودها التي كانت عام 1967، ام في الاراضي المغتصبة؟ وهم لم يجيبوا عن سؤالي هذا حتى الآن.

     س - سيدي، حتى ولو كان الاميركيون صادقين في الوصول الى تسوية، ألم تقدر ان قوة الضغط الصهيوني، التي لها تأثير حاسم على الكونغرس، قادرة عل موازنة اي ضغط قد يصدر عن الادارة الاميركية؟ لقد استطاع اللوبي اليهودي ان يجمد قرار اعتبار الاتحاد السوفياتي من الدول الاكثر رعاية، حق تفتح الابواب للهجرة اليهودية. وكذلك فعل الكونغرس مع رومانيا. واللوبي اليوناني استطاع ان يجعل الكونغرس يوقف تزويد تركيا بالسلاح، رغم وجود القواعد العسكرية الاميركية فيها. فعلى اي شيء غير الوعود، كنت تعتمد في رهانك على الاميركيين للوصول الى تسوية؟ لقد كتب كيسنجر قبل ان يصبح مستشارا في البيت الابيض، وقبل ان يعين وزيرا للخارجية: "ان محك رجل الدولة هو في صحة تقديره للنتائج والاحداث". هل تعتبر ان تقديراتك كانت صحيحة في الرهان على الموقف الاميركي؟ أليس هناك احتمال بأن نخرج من هذه التجربة لا مع اميركا بخير ولا مع السوفيات بخير؟

         ج - ما تقوله هو دليل على ان اوراق القضية موجودة في اميركا، سواء كانت الادارة قوية ام ضعيفة، وسواء كان الكونغرس يعارض الرئيس الاميركي ام كان يؤيد الرئيس الاميركي. هذه حقيقة علينا ان نواجهها. اما على ماذا أعتمد في حساباتي، فقد قلت ورددت مرارا اني اعتمد على ثلاثة امور: اولا، رؤية واضحة تماما لكل ابعاد المشكلة، سواء داخل اميركا، ام داخل اسرائيل، ام داخل العالم العربي، ام بالنسبة للمتغيرات الدولية من حولنا؛ ثانيا، ارادة القرار الحرة التي املكها، وليس لاحد ان يتدخل فيها او ان يشكلها على اية صورة لا تتلاءم مع مصلحتنا او لا تتمشى معها؛ اما الامر الثالث، فهو صبر طويل جدا نتمتع به هنا منذ سبعة آلاف سنة، واصرار على الهدف مهما جرى. وقد قلت من قبل: قد تنجح خطوة مارس [آذار] او لا تنجح. اذا لم تنجح فسنكون اقوى. واقول الآن: قد تنجح الخطوة التي نحن بصددها، وقد لا تنجح، وسنكون اقوى. وقد نذهب الى جنيف، وقد يحدث تجمد الموقف، ولكننا لن نحيد عن هدفنا، وسنستمر. وعندما تفشل عملية السلام فشلا كاملا، وتعطى اسرائيل فرصة رفض السلام، بعدها سيكون لنا كلام آخر!

         س - هناك رهان آخر لاسرائيل. لقد سمعت من الملك حسين بعد عودته من واشنطن، ان اليهود يماطلون ويسوفون ويسعون الى تفشيل الوساطة الاميركية، او على الاقل تجميدها الى ما بعد الانتخابات الاميركية، على امل ان تنفجر الاوضاع الداخلية في مصر . وكثيرون في العالم العربي

يعتقدون ان الاميركيين متواطئون مع الاسرائيليين لكسب الوقت، حتى ينتهي اليهود من اتمام برنامج التسلح الضخم الذي تقول التقارير بأنهم عل وشك الانتهاء منه.

         ج - اسرائيل تلعب على الوقت. هذه حقيقة. فهي، يوم ان رفضت التسوية مع كيسنجر في مارس [آذار] الماضي، كان هدفها ان يستقيل كيسنجر، ويأتي وزير خارجية جديد، فيأخذ على الاقل ستة اشهر. والى ان يدرس ملف القضية، نكون قد دخلنا سنة الانتخابات فلا يحدث شيء. واذا كانت الآن تراهن على شيء آخر، بعد ان بقي كيسنجر في منصبه، فليس على الوضع الداخلي في مصر، فهم يعرفون، ان الوضع في مصر الآن اقوى من الفولاذ. انهم يلعبون على انفجار الموقف العربي، وضياع، او القضاء علي تأثير استخدام سلاح البترول مرة اخرى، والتقليل من اهميته. فلو انفجر الموقف العربي من داخله، فلن نتمكن من استخدام سلاح البترول مما يطمئن اوروبا الغربية واميركا وغيرهما من الدول التي تخاف اسرائيل منها. وانا اطلب منكم، ما سبق ان قلته في مؤتمر القمة العربي للملوك والرؤساء في الرباط، ان لا تأخذوا كلام راديو اسرائيل، وتطلبوا مني التعليق عليه. انهم يقولون اشياء كثيرة، وهم يتعمدون قولها على امل ان ينسفوا الموقف العربي من داخله. ولقد سبق لي ان رفضت طلبا من دولة عربية حليفة، بتفسير كلام قاله راديو اسرائيل، فقلت: انا لست مطالبا ان افسر او ارد على ما تقوله اسرائيل. لاحظوا الآن الزوبعة الكبيرة التي تثيرها على طردها من الامم المتحدة. هل حقيقي ان اسرائيل خائفة من طردها من الامم المتحدة ؟ انا اطالب ان نفكر  بعمق، لا بالانفعال والعواطف. اسرائيل تتمنى ان تطرد من الامم المتحدة، لانها في هذه الحالة ستستقطب الرأي العام الاميركي كله الذي تحرك ضدنا اخيرا. وقد استقطبت الرئيس الاميركي وكيسنجر واعضاء الكونغرس الى الحد الذي اعلنوا فيه انهم قد يتركون الامم المتحدة. فطالما ان اميركا وراء اسرائيل، فلن تقيم اسرائيل وزنا لا لمجلس الامن، ولا للامم المتحدة، ولا للعالم الغربي او العالم الشرقي. هذا طعم رميناه لاسرائيل، فقاموا ليهيجوا الدنيا على العرب. انا مش فاهم ليه احنا غاويين نلعب لعبة اسرائيل؟

         س - موقفكم، يا سيدي، لم يفهم بوضوح في العالم العربي، بل ان قسما كبيرا من الرأي العام لم يقتنع بوجهة نظركم، بأن طرد اسرائيل من الامم المتحدة ضار وغير مفيد. انهم يقولون: كان في الامكان ان يصدر في "كمبالا"

قرار بالطرد كالذي صدر عن مؤتمر وزراء الخارجية للدول الاسلامية في جدة. وقرار ثالث يمكن ان يصدر عن مؤتمر دول عدم الانحياز الذي سيعقد في اميركا اللاتينية. اساسا، اميركا ستستخدم الفيتو في مجلس الامن لتمنع تنفيذ القرار. واذا لم تستعمل اميركا الفيتو فستستعمله بريطانيا. عمليا لن يستطيع احد ان يطرد اسرائيل من الامم المتحدة، طالما كان هناك فيتو من الدول الكبرى تستعمله لتحمي اسرائيل كما حدث بالنسبة لجنوب افريقيا. ولكن هذه القرارات ستكون سيفا مسلطا على عنق اسرائيل قد تساعد على عزلها دوليا.

         ج - اسرائيل الآن معزولة فعلا في المجتمع الدولي.

ولكن قرارا يؤخذ بطرد اسرائيل قد يقلب موازين اللعبة التي نلعبها نحن، فتعود اسرائيل لتستقطب اميركا بالكامل. وهذا هو الخطأ في التوقيت. وقد قلت، عندما زرت السودان وانا في طريقي الى "كمبالا" : قبل ان نستنفد جهود السلام، يجب ان لا نفكر بخطوة من هذا النوع . وعندما التقيت بياسر عرفات في "كمبالا"، قلت له: هناك امكانية للحصول على مئات القرارات بمئات الصيغ التي يمكن ان تزيد في عزلة اسرائيل، ولكن يجب ان لا نخسر اجماع القرار الذي اخذناه سنة 73 من منظمة الوحدة الافريقية، ولا الاجماع الذي اخذه ياسر عرفات في الامم المتحدة  في العام الماضي، فنضع العالم امام موضوع ينقسم فيه على نفسه، وخصوصا العالم الثالث. وقد جاءني من احد اقطاب العالم الثالث البارزين كلام قلته لياسر عرفات، خلاصته: "هل انتم تعملون لمصلحتكم ام لمصلحة اسرائيل؟ انا صديقكم، ومستعد ان اصوت معكم ولو مرغما، ولكن لا يجوز ان تندفعوا وتطلبوا من اصدقائكم ان يندفعوا معكم في طريق الخطأ". ان اسرائيل هي جبهة الرفض الاساسية للتسوية، فلماذا نزايد عليها؟ اعود فأكرر، ان علينا ان نفكر بعقولنا في العالم العربي، وبالحساب بدلا من الانفعال!

         س - يا سيدي الرئيس، السوفيات يأخذون عليكم نفس ما تأخذونه على البعض في العالم العربي، اي عدم احترام حسابات العقل. يأخذون عليكم انكم ارتكبتم خطأين: الاول عندما رفضتم الاستماع الى نصيحتهم يومي 11 و 12 اكتوبر [تشرين الاول] بوقف اطلاق النار، بعد ان وافق اليهود والاميركيون على ان تحتفظوا بالاراضي التي حررتموها على الضفة الشرقية للقناة، وهي الاراضي التي لم تستطيعوا ان تضيفوا اليها شيئا بعد ذلك. وعندما رفضتم الاستماع الى نصيحتهم، بل الحاحهم بقبول وقف اطلاق النار، اقامت الولايات المتحدة الجسر الجوي الذي مكن اسرائيل من تحقيق انتصار الدفرسوار. وكدتم تتسببون بحرب بينهم وبين الاميركيين عندما فكرتم بضرب عمليات الانزال الاميركية في سيناء بصواريخ "سكود"، اما الخطأ الثاني، فعندما رفضتم حق اشراكهم، ولو معنويا، بمساعي التسوية،

بالرغم من انهم هم الذين زودوكم بالسلاح الذي هزمتم به اسرائيل.

         ج - لنناقش الخطأين. الاول، عدم استجابتي لطلبهم بوقف اطلاق النار. ولهذا الموقف خلفية كبيرة جدا، لقد كانت هناك قناعة في العالم قاطبة ثم في العالم العربي اساسا، بأننا لا حراك لنا. واننا - كما قال احد المسؤولين الاميركيين قبل المعركة بيومين - لن تكون لنا قيمة عسكرية وسياسية لخمسين سنة. ولطول ما صدق العالم هذا الكلام عنا، كان لابد من ان تكون المعركة طويلة. هذا اولا. وثانيا، كانت من خطوط الاستراتيجية الاساسية التي بدأنا بها المعركة، والتي اعطيتها للقائد العام، والمسجلة في سجلات الدولة، ان تبنى المعركة على مدى طويل، لان استراتيجية اسرائيل هي استراتيجة اسبوع على الاكثر، ولا تحتمل معركة طويلة. وثالثا، كان الملك فيصل، قد قال لي: "اذا كنت لا تستطيع ان تدخل معركة طويلة، وطلبت وقف اطلاق النار في يوم او يومين، فلن نستطيع نحن ان نكون موقفا عربيا".

         كان، رحمه الله، شأنه شأن كل العالم، بالاضافة الى اشفاقه على مصر وعلي انا كصديق شخصي، يريد ان يطمئن الى قدرتنا على الاستمرار في المعركة وقتا كافيا. واذا كنا قد استطعنا ان نكون موقفا عربيا، فلأننا بقينا في المعركة 17 يوما حتى تدخلت اميركا. وليس صحيحا القول بأن الجسر الجوي الاميركي لم يقم الا بعد رفضي قرار وقف اطلاق النار. الكوبري الجوي الاميركي كان تحت امر اسرائيل من اول يوم، لان هناك ضمانة اميركية مسبقة حصلت عليها اسرائيل. ولكن القيادة العسكرية الاسرائيلية بغطرستها قالت: " اعطونا يومين حتى نخلص عليهم". وعندما مر اليومان، قالوا: " اعطونا كمان يومين"، وفي نهاية الاربعة ايام، بكى دايان على الجبهة المصرية امام جميع مراسلي الصحف، وقال:"لن نستطيع ان نزحزح المصريين بوصة". بعدها، ارسل النداء الشهير الى اميركا"Save Israel"، اي: "انقذوا اسرائيل"، بدلا من ان يرسلوا البرقية التي كانوا يرددونها "لقد طحنا عظام المصريين". الكوبري الجوي الاميركي كان تحت امر اسرائيل، ولكن اسرائيل لم تكن تريده، لانها كانت مطمئنة انها ستطحن عظام المصريين. ولكن لي سؤال هنا لاصدقائنا السوفيات: هل كان الكوبري الجوي السوفياتي يوازي الكوبري الجوي الاميركي؟ انا لا اًطمح الى ان يوازيه، ولكن، هل كان، في احسن التقديرات، بخطوتين او ثلاث وراء الكوبري الجوي الاميركي؟ ابدا. كان بعشر خطوات على الاقل. وانا عندي بيانات الكوبري الجوي الاميركي، والسوفيات يعرفون انني لا اكذب. اذن، فان الرد على المأخذ الاول هو ان اساس استراتيجيتي هو ان تكون المعركة طويلة. ولو لم تكن طويلة لما تيسر تكوين موقف عربي، بالاضافة الى ان اسرائيل لا تحتمل معركة طويلة. وهذا هو السبب في ان اسرائيل

ستعالج معركة 6 اكتوبر [تشرين الاول] الى عشرات السنين عسكريا واقتصاديا ونفسيا. والتمزق الموجود اليوم في المجتمع الاسرائيلي هو اكبر شاهد على هذا، ولكنهم اشطر منا. انهم يعرفون كيف يخفون آلامهم ومشاكلهم الاساسية.  اما نحن، فنحب دائما ان نهرج، ونزايد، ونلوي الحقائق، لا لشيء الا من اجل المزايدات.

         س - وقصة صواريخ "سكود" ؟ هل صحيح ان السوفيات طلبوا منكم عدم ضرب الانزال الاميركي في سيناء بها؟

         ج - انا لا اريد الحديث عن قصة الصواريخ الارضية. لي مع الاتحاد السوفياتي كلام كثير احب ان اتركه بيني وبينهم.

         س - والخطأ الثاني الذي يأخذونه عليكم، من انكم ابعدتموهم عن مساعي التسوية؟

         ج - لسه،  لم ننته من الرد على الجزء الثاني من الخطأ الاول الذي يأخذونه على. يقولون، لو انني سمعت نصيحتهم بوقف اطلاق النار، لكنت حافظت على الارض التي كسبتها. انا حافظت علي الارض، واخذت عليها ارضا اضافية. والذين اخذوا الارض الاضافية هم قوات الفرقتين اللتين كان اليهود وراءهما. انا اخذت ارضي وزيادة، بالرغم من ان المعركة التي دارت بعد رفضي وقف اطلاق النار، كانت من اعنف معارك التاريخ. لم يحدث من قبل ان بلغت الخسائر ثلاثة آلاف دبابة في اية معركة من معارك الحروب. اما قصة عدم اشراكهم بمساعي التسوية، فالحقيقة ان الاتفاق على الست نقاط الذي توصلت الى عقده مع كيسنجر في اول زيارة قام بها الى القاهرة، لم يكن مخططا له، بل جاء نتيجة مناقشة حول خط 22 (خط وقف اطلاق النار). لقد جاء الينا كيسنجر اول مرة، ردا على زيارة اسماعيل فهمي لواشنطن، فقلت له: " انا عايز خط 22. لقد ضمنتم، انتم والسوفيات هذا الخط". فأجاب: "غولدا مئير تقول ان هذا الخط غـير موجود". فقلت: "ازاي بقى؟ انه متصور عندكم، وعند السوفيات، وهو الخط الذي حاربتموني انتم الاميركيون عليه، واستطعت ان اقف علية رغم استعمالكم احدث ما في العصر من اسلحة، خصوصا القنبلة التلفزيونية التي صنعتها اليابان، واستخدمتموها ضدي بنجاح رهيب!".

         عندها قال لي: انت تعرف ان خط 22 هو مقتل للاسرائيليين، تماما كالجيب في الدفرسوار. أليس افضل لك ان يخرجوا من الضفة الغربية نهائيا، وتحقق انتصارك كاملا؟ فأجبته: ما فيش مانع. ووضعنا النقاط الست المشهورة، وكانت النقطة الاولى هي فض الاشتباك. وهذا موضوع عسكري بحت لا دخل للسوفيات فيه. هل كان من المفروض ان استأذنهم قبل ان اوافق على النقاط الست؟ انا لست مستعدا لان استأذن لا موسكو ولا غير موسكو في مواضيع تهم مصالح بلدي.

         س - ألم يكن من المستحسن ان تضعهم في الصورة

باعتبارهم حلفاء؟

         ج - ارسلت اليهم كل التفاصيل بعد الاتفاق، ولكن هل كان من المفروض ان احصل منهم على اذن مسبق كلما اردت ان اتكلم مع احد؟

         س - الاذن المسبق شيء، واخطارهم شيء آخر.

         ج - دي معركتي انا. قرار المعركة كان قرارا عربيا، وبعد ذلك اخطرتهم به. وكذلك اتفاق النقاط الست. ولكن، منذ اللحظة التى جاء فيها كيسنجر، واعلنا النقاط الست وكأني ارتكبت الخيانة العظمى في حق الاتحاد السوفياتي. ومنذ ذلك التاريخ حتى يومنا هذا، لم يتغير موقف السوفيات ابدا.

         س - ولكن غروميكو قال لاسماعيل فهمي ان فك الاشتباك كان عملا ايجابيا.

         ج - اكثر من ذلك، صدر بيان بعد زيارة اسماعيل فهمي لموسكو في يناير [كانون الثاني] 1974، وبموافقة بريجنيف، ان فك الاشتباك كان خطوة نحو السلام. ولكن هذا لم يمنع من ان يعتبروني وكأني ارتكبت الخيانة العظمى، لانى لم استأذنهم مسبقا!

         س - هل صحيح إن بريجنيف استطاع ان يحصل منكم على وعد باجراء محادثات مباشرة مع اسرائيل، مقابل ضمان الدولتين الكبريين لوقف اطلاق النار على خط 22؟ لقد طالب رابين مؤخرا بالمفاوضات المباشرة، واصر عليها، ولو في المراحل النهائية. وقد فسر البعض هذا المطلب بأنه تنفيذ للوعد الذي حصل عليه بريجنيف وأبلغه لكيسنجر؟

         ج - للانصاف، لا يمكن ان يكون بريجنيف قال مثل هذا الكلام، لانه لم يتصل بي، ولم يتحدث احد من السوفيات معي بهذا الموضوع . وبريجنيف يعلم تمام العلم ان المفاوضات المباشرة شيء غير وارد. وانا اقطع بأنه لم يقل اي كلام من هذا النوع لا لكيسنجر ولا لغير كيسنجر.

         س - وانا، ايضا، لم اصدقه عندما قرأت ما نشر عن لسان كيسنجر في هذا الموضوع. فالذي اذكره، ان فينوغرادوف، رئيسى الوفد السوفياتي في مؤتمر جنيف، حاول ان ينسحب هو والوفد الاميركى من حضور اللجنة العسكرية التي ضمت الضباط الاسرائيليين والمصريين، وقال لاسماعيل فهمي: "تفاهموا، فاذا اختلفتم، فنحن حاضرون لمساعدتكم". لكن اسماعيل فهمي رفض، وقال له: انتم والاميركيون دعوتم الى هذا المؤتمر، والمفاوضات يجب ان تتم بحضوركم.

         ج - بالضبط. المهم اني ابرىء الاتحاد السوفياتي من هذا الكلام. لعن الله قوم ضاع الحق بينهم. اما لماذا طالب رابين بالمحادثات المباشرة، فلذلك قصة. لو تذكر، اني في المؤتمر القومي قلت في الخطاب الذي ألقيته في اليوم الاول، انه اذا كانت هناك مفاوضات، فسنتفاوض لمصلحة القضية،

العربية العليا. واذا كانت مصلحة القضية العربية العليا تقتضي ان نسالم، فسنسالم. وفي اليوم التالي، وجه لي احد المواطنين من الوجه البحري سؤالا عن الذي اقصد بالمفاوضات التي اشرت اليها في خطاب امس، هل هي مفاوضات مباشرة او لا ؟ فكان ردي- وكان الكلام منقولا كله على الهواء - فقلت: لا، ليست هناك مفاوضات مباشرة. هذا مبدأ لا رجوع فيه، وان المفاوضات تجري بواسطة طرف ثالث هو اميركا. بعد الظهر، وبعد سماعه لما حدث في جلسة الصباح التي اذيعت على الهواء، ادلى رابين بتصريحه عن المفاوضات المباشرة! هذه  هي القصة، وانا متتبعها!

         س - ما هي معلوماتكم عما كتبه بعض الصحف الاميركية الموثوقة، عن امتلاك اسرائيل لعشر قنابل ذرية قادرة على استعمالها وقت الاضطرار؟ واذا كانت هذه المعلومات صحيحة فكيف سيستطيع العرب شراء قنابل ذرية مضادة؟

         ج - امس، قلت للصحافيين المكسيكيين اننا لن ندخل السلاح الذري الى المنطقة، اما اذا ادخلته اسرائيل، فسنكون احرارا في الرد.

         س - ماذا نستطيع ان نفعل؟

         ج - هناك وسائل كثيرة. وارجو ان تثقوا بي في مثل هذه المواضيع، فكما رأيتم في 6 اكتوبر [تشرين الاول] كيف كان ردنا اكبر، سيكون ايضا ردنا هذه المرة، فنضرب اسرائيل بأكثر من القنبلة الذرية.

         س - يعني قنبلة نووية؟ ومن اين؟

         ج - بلاش نتكلم في التفاصيل، فمثل هذه القضايا الدقيقة لا تناقش من وراء الميكروفون.

         س - هل قرأتم التقرير السياسي للحزب الشيوعي المصري؟

لقد اعلن بهذا التقرير عودته الى ساحة العمل، بعد 11 عاما من حل نفسه في يوليو [تموز] عام 1964. ويدين الحزب في تقريره الاتجاه المصري نحو المعسكر الامبريالي الاميركي، وابتعاد مصر عن المعسكر الاشتراكي، ورهانها على حل اميركي للازمة يعطيها بضعة كيلومترات من صحراء سيناء، مقابل حل منفرد مع اسرائيل. فماذا يعني تصاعد الحملة الشيوعية على سياستكم الدولية والعربية والداخلية؟

         ج - لم أقرأ البيان، ولكني لا استغربه. فمنذ الشتاء وانا اتابع التحركات الشيوعية التي تجري في الداخل. والقضية ليست قضية بضعة كيلومترات في سيناء، فلو أخذنا كل حدودنا التى كانت قبل 1967 في قفزة واحدة، فسوف يهاجموننا أيضا. لماذا؟ لاني أعدت الى ثورة 23 يوليو [تموز] وجهها الحقيقي، وهو الارادة الحرة المصرية.  هنا شعر الشيوعيون انهم فقدوا الكثير، ففي مرحلة من المراحل، وقبل مايو (أيار) 1971، كادوا يصلون الى جميع المراكز الحساسة في الدولة. بل كان هناك قول مأثور: ان الطريق الى اي منصب في القاهرة يجيء عبر موسكو.

هذا هو السبب الرئيسي للحملة. وليس سرا ان الحزب الشيوعي، لا يشكل في مصر وزنا ولا  قوة ، ولا سيما بعد التطورات الاخيرة التي حدثت داخل الاتحاد الاشتراكي، وتعدد المنابر فيه. ونحن لم نمنع الماركسيين من ان يكون لهم منبر يتكلمون منه بكل حرية. اما اذا حاولوا ان يعملوا فى السر فهناك سيادة القانون. وخلافي مع الشيوعيين ومن هم وراء الشيوعيين هو الارادة الحرة لمصر. والدليل، انهم كانوا يتعرضون لي في وقت كنت اهاجم فيه روجرز بأعنف ما في القاموس من كلمات، وذلك عندما اخلف وعده معي، خوفا من اليهود. لقد وقفت غولدا مئير، وشتمته من فوق منبر الكنيست، فتراجع، ونكث بوعده ، فهاجمته، واتهمته بالغش والكذب والتضليل هو وسياسة اميركا. في هذا الوقت بالذات، كنت اتعرض لهجوم عنيف من اليسار. مع الاسف، فاليسار تائه ومرتبط.

         س- تقصد الشيوعيين؟

         ج - الشيوعيون جزء من اليسار. ولكن احقاقا للحق، يجب الاشارة  الى ان عندنا يسارا وطنيا. اما اليسار المرتبط فأمره ليس في يده.

         س - مع ان الرئيس الاميركي فورد مدح موقف الاتحاد السوفياتي من ازمة الشرق الاوسط عندما كان في هلسنكي، ووصفه بأنه متجاوب!

         ج - السوفيات والاميركيون متفاهمون على حدود اللعبة. ولكن الشيوعيين في العالم العربي يلعبون على التناقضات العربية، وهم لا يزالون اسرى النظريات القديمة "الدوغما"، فهم لا يتحركون "لا يمين ولا يسار". اما اليسار الوطني فقد تحرر عن التبعية، وتفاعل مع اماني البلد، وهو يشترك معنا في اشياء كثيرة جدا.

         س - اين وصلت العلاقات مع الاتحاد السوفياتي؟ وكم تبلغ ديونه التي تطالبون بفترة سماح لتسديدها؟ وهل صحيح ان المفاوضات التى اجراها وزير المالية المصرية اخيرا في موسكو قد علقت؟

         ج - الموقف من الاتحاد السوفياتي لم يتغير منذ خروج الخبراء في يوليو (تموز) 1972. فبالرغم من الكوبري الجوي عام 1973، وبالرغم من زيارة اسماعيل فهمي لموسكو 1974، والوعد الذي قطعه بريجنيف بزيارة القاهرة، وبالرغم من سفر وزير المالية الذي عاد من موسكو قبل يومين، لا يزال الموقف على حاله. في بعض الاحيان تحدث حركات تكتيكية، انما العلاقات لم تتغير استراتيجيا حتى الآن. ولا اكتمك اني كنت مقدرا ان زيارة وزير المالية لن تسفر عن شيء، وانهم وقعوا ضحية "واحد من بتوع البطاطا" في بيروت، لقد ضحك عليهم، واخبرهم بأن السادات قرر الغاء المعاهدة المصرية السوفياتية في 23 يوليو [تموز]. فالسوفيات يستقون اخبارهم من "بتوع البطاطا"

في بيروت. وهذه كلمة مشهورة لجمال عبد الناصر كان يقولها داخل مجلس الثورة. كان يقول ان السوفيات يأخذون اخبارهم من "بتوع البطاطا"، يعني من ناس لا يعرفون شيئا، ثم يبنون عليها مواقفهم. فواحد من "بتوع البطاطا" في بيروت اخبرهم بأن السادات يفكر بالغاء المعاهدة في عيد الثورة. وقد مضى اكثر من ستة اشهر، وانا اطالب والح في الطلب على جدولة الديون، وهم يسمعون ولكن لا يتحركون. وفي يوم 20 يوليو [تموز] افاجأ برسالة من موسكو تطلب ارسال وزير المالية ليكون في موسكو يوم 23 يوليو [تموز]، اي في اليوم الذي سأخطب فيه. ضحكت طبعا، وقلت: "واحد بتاع بطاطا" في بيروت خدمنا، وجعلهم يتحركون. وذهب وزير المالية، ثم عاد ليقول لنا ان وفدا سوفياتيا سيجيء بعد ذلك الى القاهرة ليتحدث معنا، المهم، ان يوم 23 يوليو [تموز] فات، واطمأنوا الى ان شيئا لم يحدث مما كانوا يتوقعون. وانا لم يكن عندي اية نية لالغاء المعاهدة، ولم تطرح الفكرة اساسا علي بساط البحث. ولكن ماذا نفعل بأخبار "بتوع البطاطا " عندكم ؟

         س - على سيرة الديون، يقول الملك حسين ان بعض الدول العربية التي تعهدت في مؤتمر القمة بالرباط بدفع مبلغ مليار دولار وشوية، لكم ولسورية والاردن ومنظمة التحرير، لم تسدد ما عليها حتى الآن، كالعراق والجزائر. هذا في الوقت الذي تجاوزت المساعدات الاميركية لاعادة بناء الجيش الاسرائيلي الاربعة مليار دولار، حتى اصبحت اسرائيل - كما تقول الدوائر المطلعة - قوة عسكرية قادرة على انزال الهزيمة في الجيوش العربية مجتمعة. فكيف ستواجهون هذا الوضع العسكري، حتى لو سددت كل الدول العربية المليار دولار، بل ولو رفعته الى مليارين؟

         ج - يجب ان لا نقع، مرة اخرى، في حبائل حرب الدعاية عن قوة اسرائيل التي لا تقهر و و و. صحيح ان لدى اسرائيل قوة عسكرية، وهي تتبع خطة هذه المرة مع اميركا على اساس الاحتفاظ باحتياطي لمعركة طويلة، لكي لا تحتاج الى كوبري جوي سريع كالذي احتاجته في اكتوبر [ تشرين الاول] 73. ولكن مع ذلك فهي ستحتاج الى كوبري جوي، كما نحن ايضا سنحتاج الى كوبري جوي، فالذين لا ينتجون السلاح، ويدخلون الحرب، لابد من ان يحتاجوا لتموين وامدادات. وعلينا ان لا نأخذ الكلام الذي توزعه الدعايات عن قوة اسرائيل، فنخاف ونيأس ونتمزق كما كان حالنا في الماضي. لقد واجهنا قوة اسرائيل في حرب 1973، وانتصرنا، واستعدنا احترام العالم، واثبتنا قدرتنا العسكرية . ونحن على استعداد ان نواجه اسرائيل في معركة اخرى عندما تفرض علينا. اما بالنسبة للعرب، والدعم الذي تقرر في مؤتمر الرباط، فليس لدي ما اشكو منه اطلاقا. لقد قام الاخوان بواجبهم تماما. وعلى ما اذكر،

فالجزائر لم تتعهد بمبالغ نقدية، لان ليس عند الجزائر سيولة في الوقت الحاضر، ويجب ان لا نظلم الجزائر، فقد قامت بما عليها وزيادة. ولا يمكن لمصر ان تنسى موقف بومدين في حرب اكتوبر [تشرين الاول].

         س - والعراق؟

         ج - بالنسبة لي، ادوا ما عليهم، وليس لي اية شكوى.

         س - سؤال عن السلاح الفرنسي، هل يضاهي السلاح الاميركي او السلاح السوفياتي، وبصورة. خاصة في مجال الاسلحة الجوية والصواريخ؟ وهل يمكن لدول اوروبا مجتمعة ان تعوضكم عن السلاح السوفياتي او تستطيع موازنة الاسلحة الاميركية التي تدفقت ولا تزال تتدفق على اسرائيل؟

         ج - ممكن. ولعلك تذكر المعركة الاخيرة التي دارت حول الطائرات المطلوبة لحلف الاطلسي، هل هي الطائرة الفرنسية (.F.1) ام الطائرة الاميركية (XY 16 - 17). ففي مجال المقارنة، تعتبر الطائرات ذات مستوى واحد تقريبا. وفي ميدان الالكترونيات، يتقارب المستوى ايضا. ولكن هناك حقيقة يجب مواجهتها، وهي ان كميات السلاح التي ينتجها الاتحاد السوفياتي او الولايات المتحدة الاميركية كبيرة جدا. ولو اني اردت ان استبدل كميات السلاح السوفياتي التي عندي، لاحتجت الى عشرين سنة على الاقل. والسبب ان مصانع الحرب في اوروبا تملكها شركات لا تستطيع ان تنتج الكميات نفسها التي ينتجها الاتحاد السوفياتي، لان الاتحاد السوفياتي يخصص جزءا ضخما من صناعته للانتاج الحربي. ولذلك يستطيع ان يعطي كميات من الصعب على غيره ان يؤمنها في اوروبا.

         س - يعني في امكان الاتحاد السوفياتي في يوم من الايام، ولأي سبب من الاسباب، ان يوقف عنكم الذخيرة او قطع الغيار؟

         ج - ممكن، وقد حصل هذا خلال الاربعة عشر شهرا الاخيرة، منذ اليوم المشؤوم الذي قابلت فيه كيسنجر، واصدرنا بيان "النقاط الست"، اذا كان يصح ان نسمي ذلك اليوم بالمشؤوم. انه مشؤوم طبعا، من وجهة نظر الاتحاد السوفياتي.

         س - وماذا نفعل في مثل هذه الحالة، اي عندما يتوقف الاتحاد السوفياتي عن توريد الذخيرة  وقطع الغيار؟

         ج - علينا ان نتدبر امرنا.

         س - ممكن؟

         ج - نعم، وبدون تفاصيل، وإلا اكون اهزل، وافرط بمستقبل ومصير البلد في وقت الجد!

. . . . . . .

         س - يعني "استغليت" جريمة فردان لكى تطرح على

مجلس الامن القضية الفلسطينية؟

         ج - لأ. طرحت قضيتنا نحن، ازالة آثار العدوان. انا الذي ارسلت لفرنجية، وألحيت عليه ليدعو مجلس الامن للاجتماع، ووافقني الرجل، وطلب لبنان عقد جلسة للمجلس. وخلال مناقشة مقتل الزعماء الفلسطينيين الثلاثة، ارسلت الزيات للمجلس، وطرح القضية، وبعد جهود استمرت شهرين، حصلنا على القرار. كل هذا كان اعدادا لحرب 1973، من توحيد الموقف العربي، الى توحيد الموقف الافريقي، الى القرار الذي حصلنا عليه في مؤتمر دول عدم الانحياز، الى قرار مجلس الامن. والآن، وبالرغم من اني كنت حريصا على مراعاة مزاج القذافي، ووضع ليبيا كبلد غني يخشى ان يأخذ الغير فلوسه كما كنت حريصا ان تكون الوحدة مبنية على اساس سليم بعد الدرس الذي اخذناه في سورية. سليم يعني ايه؟ ان لا نلحق اي ضرر بشعب لمصلحة شعب آخر. وانا هنا اقصد مصالح الشعب الليبي، لاننا في مصر وصلنا الى اسوأ ما يمكن ان نصل اليه . رغم هذا كله، فاجأني القذافي بأنه يريد "فركشة" وحدة العالم العربي التي بذلنا جهودا مضنية ودؤوبة حتى حققنا الحد الادنى منها. وذهلت. امس فقط كنا متفقين على كل شيء، وتحدثنا عن لجنة الصياغة، واليوم اختلف كل شيء. انه يضع شروطا لم تكن واردة ولن تكون. فقلت له: يا ابني، انا آسف. هناك كلمة مأثورة "ويل للمغلوب" . ويظهر انك تعتبرنا مهزومين ومغلوبين. انت غلطان. وانا غير مستعد ان ادخل معك في كل هذا الكلام! كان ذلك في شهر يوليو (تموز). وفي اول أغسطس (آب)، جاءت المسيرة والمهزلة التي حدثت فيها. وفي 29 اغسطى (آب) وصل الى القاهرة، دون ان يعطي علما بحضوره. وكنت انا وقتها في بلودان ، حيث اتخذت مع حافظ الاسد قرار المعركة. وتلقيت منه برقية تقول انه وصل القاهرة ، فطلبت ان ينتظرني. ولما عدت، وقابلته، قال لي: "لقد اقترب اول سبتمبر [ايلول] ولم نفعل شيئا". فأجبته: "لقد شرحنا موقفنا، وانت تعرفه". وقلت له ايضا - وكان ذلك بحضور عبد السلام جلود: "انا تائه معك. لا اعرف ماذا تريد. كل يوم لك رأي، وحال غير الحال الذي كنت فيه!" المهم، اتفقنا على اعلان "ميت ابوالكوم" الذي نص على تشكيل جمعية تأسيسية تضع الدستور. وقلت له: "هذا البيان سيصدر، ولكن الناس ستقول إن شيئا ما لم يتم". فقال: "اذن ، تعال نتفق على خطوة عملية". قلت له: أنا عندي فكرة. الآن نحن في اول اغسطس [آب]، ما رأيك في ان نقتطع مائة كيلومتر مربع من الاراضي المصرية المجاورة لكم، تبدأ ببلد اسمه "براني"، ومائة كيلومتر مربع من الاراضي الليبية تبدأ بطبرق، نجعل منها المحافظة الاولى لدولة الوحدة ، ويكون محافظها عضوا من اعضاء مجلس الثورة الليبي،

ولا يكون تابعا لا للحكومة المصرية، ولا للحكومة الليبية، ويكون مسؤولا امامي انا وانت، ونجعل هذه المحافظة حقل اختبار للفكرة، نبدأ بتدشينها في احتفال يوم 20 سبتمبر [ايلول]. قلت للقذافي هذا الكلام، وفي بالي انني سأبدأ المعركة في اكتوبر [تشرين الاول]، فيكون هذا الاحتفال من ضمن خطة التمويه الاستراتيجي. وقلت له: "سنأتي بالاسطول المصري الى طبرق، التي سنجعلها عاصمة المحافظة الجديدة. وسنأتي بالطيران وبقوة كبيرة من الجيش، ونقوم بعرض عسكري يشترك فيه الجيش الليبي. وفي اليوم نفسه، نفتتح انا وانت الجمعية التأسيسية في طبرق بعد انتهاء العرض العسكري. وبذلك  نقيم اول محافظة في دولة الوحدة ". كنت وانا اعرض الفكرة للقذافي، اتصور ان اسرائيل ستبلع هذه الخدعة، فستجدنا منصرفين الى اقامة عرض عسكري على الحدود  الليبية، وتنطلي عليها خطة التمويه الاستراتيجي. وقلت للقذافي: ايه رأيك ؟ واجاب: ماشي. فكرة رائعة. وبعد ذلك ذهبنا الى مؤتمر عدم الانحياز في الجزائر، وكان في سبتمبر [ايلول]. وكان مع القذافي اثنان من اعضاء مجلس الثورة، احدهما بشير هواري الذي تولى مسؤولية الاتحاد الاشتراكي، فقلت له: انت عند كلامك يا معمر في 20 سبتمبر [ايلول] ؟ " قال: " نعم، خلاص، نحن متفقين ". وعندما عدت من الجزائر، اصدرت الاوامر للاسطول بالتحرك من الاسكندرية الى طبرق. لان الاسطول يحتاج الى وقت لكي يتحرك من موانئه، فلقد تحرك الاسطول قبل عشرة ايام من ساعة الصفر في حرب اكتوبر [تشرين الاول] . وقد اصدرت الاوامر من برج العرب. فقد احببت ان ابقى قريبا من العملية. ولكن بعدما اجتاز الاسطول مرسى مطروح، اذا بي افاجأ بوزير الوحدة الليبي- لاننا سبق واتفقنا على تعيين وزيرين للوحدة- ومعه رسالة من معمر القذافي، سأعطيك صورة منها لتنشرها في يوم من الايام. ويقول القذافي في هذه الرسالة " انه يعتبر هذه الخطوة اجهاضا للوحدة " . وأعترف بأني ذهلت . وقلت بيني وبين نفسي: اما اني اعيش في عالم غير العالم الذي يعيش فيه القذافي، او ان تفكيري هو الخاطىء من الاساس. وقلت للوزير: "يا ابني، نحن الذين نريد ان نجهض الوحدة؟ عد وقل للقذافي خلاص، لنقفل الموضوع! " وكتبت له رسالة جوابية قلت له فيها: "ألن تنتهي من الشكوك؟ ".

واصدرت اوامري للاسطول بالعودة الى الاسكندرية ! هذه نتف من قصصي مع القذافي بالنسبة للوحدة. اما بالنسبة للمعركة، فقد حدث قبل حرب اكتربر [تشرين الاول] بيومين، اي يوم الخميس 4 اكتوبر [ تشرين الاول]، ان ناديت عبد السلام جلود الذي كان يزور القاهرة، وقلت له: " اقطع زيارتك اليوم، وسافر الى معمر، وبلغه الرسالة التالية: سأدخل المعركة ". وليس سرا ان القذافي وراديو

ليبيا كانا في ذلك الوقت يشككان في المعركة، وينفيان وجود فكرتها. ولا يستطيع احد ان ينكر هذه الحقيقة ، لان التسجيلات موجودة. المهم، سألني جلود: متى قررتم  دخول المعركة؟ فقلت له: "لم أحدد الوقت بعد". ولم أشأ ان اخبره بالموعد، لاني سبق ان ابلغت القذافي الموعد الذي كنت حددته عام 1971 يوم اطلقت على تلك السنة اسم "سنة الحسم". فاذا بي افاجأ بأن القذافي قال كل الكلام الذي قلته له لصحافي لبناني، كان في زيارته، ثم جاء الى القاهرة، وقابل هيكل، واخبره  بأن القذافي اخبره بكذا وكذا. كل التفاصيل التي اخبرتها للقذافي نقلها الصحافي اللبناني لهيكل الذي نقلها بدوره الي. وانا لست مستعدا ان اخاطر، مرة ثانية، بابلاغه الموعد الذي حددناه للمعركة. لذلك، اكتفيت بالقول لجلود: اذهب لمعمر، وقل له انا داخل المعركة، وطالب منه ثلاثة اشياء: ميناء طبرق، كميناء بديل، لان ليس عندنا غير ميناء الاسكندرية، فاذا ضرب، لا بد له من ميناء بديل ، الشيء الثاني، ان طائرات الميراج التي ارسلتموها الى مصر، متعطلة منذ ستة اشهر بسبب الحاجة الى قطع غيار، عليكم ان تحضروها بالطائرة ، الشيء الثالث، البترول، فأنا سأقفل بترولي، وقد صممت معركتي على سنة، واحتاج لبترولكم. وكان القذافي يومها قد أمم الشركة الانكليزية، وهي على حدودنا مباشرة، ونفطها لا يباع بعد. وفعلا قطع جلود زيارته لمصر، وسافر مساء الخميس 4 اكتوبر [تشرين الاول]. فقابل العقيد، واتصل تليفونيا في اليوم نفسه وقال: موافقين. وفعلا استلمنا ميناء طبرق. اما قطع الغيار، فقد اضطررت ان اشتريها من فرنسا، وشحنتها بالطائرة ، ودفعت ثمنها من سلفة حصلت عليها من فيصل، الله يرحمه. ولقد اخذ القذافي بعد ذلك نصف قطع الغيار التي اشتريتها بمال السعودية التي علق القذافي السير في طريق الوحدة على قطع علاقتي بها. واما البترول، فقد حصلت على 800 الف طن فقط، ثم اوقف القذافي شحن النفط، وأعاد الي الناقلات فارغة. لا كلام، لا خبر، لا انذار. أهكذا يكون التصرف في حياة الشعوب؟ لقد اخذت البترول من القذافي على اساس انه دين ارده اليه بعد اعادة فتح آبار البترول عندي . في هذا الوقت، اعطاني فيصل 800 الف طن مجانا، وقال العرب الآخرون: تعال وخذ كل ما تحتاج اليه من بترول . لماذا تصرف القذافي كما تصرف؟ لانني، في رأيه، اوقفت المعركة. هل هذا كلام؟ اكثر من ذلك، كان الراديو الليبي، في اثناء وقوف اليهود وراء الجيش الثالث، يذيع: " يا جيش يا ثالث ثور، ثور على قيادتك! " وكانت الناس لا تعرف كيف تحكم على ما تسمع. هل تضحك؟ كان الجيش المحاصر يكسب ارضا كل يوم، والدبابات تقاتل، والتموين مؤمن، والاتصال بالقيادة قائم، فالعملية كانت اشبه بالسندوتش. فالفرقتان اللتان كانتا على

الضفة الشرقية، محاصرتان من قبل اليهود، واليهود محاصرون بثلاث فرق على الضفة الغربية . عملية سندوتش بيننا وبينهم. وراديو ليبيا يقول: "يا جيش يا ثالث ثور، ثور على قيادتك". قبل ذلك، طلب مني اذاعة صوت العرب يوم 7 اكتوبر [تشرين الاول]، بعد يوم واحد من القتال، ونجاح عملية العبور التاريخية. اعطيته الاذاعة، فراح يشكك بالمعركة، وقال: "انا بريء من الخطة، وان هذه هزيمة، وفيها كذا وفيها كذا". واذعنا كلامه في صوت العرب. أليست قصتنا معه قصة غريبة تكاد لا تصدق؟ قطع البترول في عز المعركة، واضطرني لان اطلب البترول من ايران ومن الاخوان العرب . قطع البوتاغاز فجأة، بالرغم من ان لديه فائضا من البوتاغاز لا حد له، فتسبب بأزمة بوتاغاز في البلد، بدون اخطار او انذار، وبعد ذلك راح الى فرنسا، وأخذ يشتمنا ويقول: عبدالناصر كان شجاعا لانه اعترف بالهزيمة، وانا لم اعترف بالهزيمة. طيب، لماذا لم يحضر ويعبر القناة، ويرى خط بار- ليف المنهار، ويتبين اذا كنا انهزمنا ام انتصرنا قبل ان يتكلم؟ هل يريد مني ان اعترف بهزيمة لم تحصل؟ آخر شيء، احتفل العالم كله معنا بتغيير 5  يونيو [حزيران] من يوم هزيمة ومرارة وألم، الى يوم انتصار الارادة العربية، وفتح قناة  السويس عنوة، رغم ان اسرائيل كانت تقول "مياه القناة بالنص". فالعالم كله، شرقه وغربه، الدول الاشتراكية والدول الليبرالية والدول الرأسمالية شاركتنا باحتفال اعادة فتح القناة الا واحد هو معمر القذافي، وكأنه يريد ان يبقي 5 يونيو [حزيران] يوم شؤم في تاريخ العرب. لقد حولناه الى انتصار، والعالم كله شاركنا فرحة هذا الانتصار الا معمر القذافي. خلاصة القول، والله العظيم، انا مازلت اعتبر معمر القذافي كولد من اولادي، وانا حزين عليه، لاني اعتبره مريضا ويحتاج الى علاج، ولا سيما بعد الذي حصل منه في "كمبالا".

         س - لقد انتقدكم الشيوعيون واليساريون في لبنان لانكم وقفتم الى جانب حزب الكتائب بدلا من الوقوف مع المقاومة.

فما هي نظرتكم للأزمة اللبنانية حتى اتخذتم هذا الموقف؟

         ج - عجبي من تأويل الوقائع. كل الذى فعلته هو انني ناشدت بيار الجميل عاطفيا من البلد الذي عاش اول شبابه فيه، ودفن فيه اهله، ناشدته ان يراعي الموقف الذي تعيشه امتنا العربية. فأين الانحياز في موقفي؟ لقد ناشدته عاطفيا، وقلت له: انا لا اخونك، وأعلم انك عربي، بس يا بيار قدر موقف امتك والموقف الذي نحن فيه من اجل ان نرأب الصدع.

         س - ولكن جنبلاط والجبهة العربية المشاركة يتهمون الجميل والكتائب بالتعامل مع اسرائيل والاتصال بالهاغناه.

         ج - لازم يعرف الكل انني ضد استسهال توزيع الخيانات والاتهامات التي درجت في العالم العربي في السنوات

الاخيرة. لقد وجهت ندائي الى بيار الجميل كي لا تتحول المعركة في لبنان الى معركة طائفية. فالخوف ليس ان نضرب المقاومة فقط، بل الخوف ان تنتهي المقاومة، وينتهي لبنان، ويضرب الموقف العربي كله من داخله.

 


المصدر: موسوعه مقاتل من الصحراء على شبكه الانترنت

 

Hosted by YallaHosting