خطاب الرئيس أنور السادات، أمام المؤتمر المشترك للجنة المركزية للاتحاد الاشتراكي العربي ومجلس الشعب، حول اتفاقية سيناء، 4 /9 /1975
المصدر: "قال الرئيس السادات ، الجزء الخامس 1975، السكرتارية الصحفية لرئيس الجمهورية، ط 1982، ص260-265"

بسم الله..

أيها الأخوة والأخوات اعضاء المؤتمر المشترك..

         يسعدنى فى اول لقاء التقى فيه بأعضاء اللجنة المركزية بعد انتخابهم ان اهنئهم على ثقة الأمة فيهم، وكأنما كنتم على موعد مع القدر فيشاء الله سبحانه وتعالى ان يكون اول انعقاد رسمى للجنة المركزية بعد اعادة انتخابها من المؤتمر القومى العام بالاشتراك مع مجلس الأمة الذى انجز فى دورات اربع انجازا رائعا وتبقى له دورة أرجو أن يضع فيها كل الأسس واللبنات التى نريدها لمجتمعنا الجديد ان شاء الله.

         أهنئ الأخوة والأخوات أعضاء اللجنة المركزية بانتخابهم وكما قلت فكأنهم كانوا على موعد مع القدر، لأن اول اجتماع رسمى للجنة يأتى ونحن نجتاز مرحلة اعتبرها بحق كما قلت وسمعتمونى، اعتبرها نقطة تحول فى الصراع الذى يدور فى منطقتنا هنا منذ سبعة وعشرون عاما على الأرض، ومنذ ثلاثة أرباع القرن بالتدمير.. بالتآمر.

         ولقد أعددت خطابا لكى ألقيه عليكم فى هذه المناسبة، واصارحكم واصارح شعبنا وامتنا العربية، كما تعودت ان اصارحكم جميعا. ولكن ساءنى ان تتخذ قرارات وان تعلن مواقف حتى لم ينتظروا خطابى وانما اتخذت قرارات، وصدرت تصريحات ، وقامت مظاهرات من قبل ان القى بحديثى عن هذا الاتفاق الأخير الذى تم .. من اجل ذلك اجد لزاما على ان احدثكم بحديث نفسى الذى اعددته لهذه المناسبة فيما بعد ذلك لابد لى من ان اعود الى بعض الخلفيات حتى لا نضلل رجل الشارع العربى لا بالمزايدات ولا بالشعارات.

         أيها الأخوة والأخوات اعضاء المؤتمر المشترك ..

         لقد أردت من اجتماعنا هذا أن أشرككم كعادتى في تفهم كل موقف من المواقف الهامة التى نمر بها وان أتحدث أيضا من خلالكم إلى شعبنا وإلى الأمة العربية كلها حديثا لا تنقصه الصراحة الكاملة لقد توصلنا بعد جهد جهيد الى تحقيق اتفاق ثان للفصل بين القوات على الجبهة المصرية فى سيناء..

         وأقول بعد جهد جهيد، لأن هذا الفصل الثانى قد استغرق التوصل اليه شهورا من المناقشات المضنية والمناورات المستمرة ومحاولات التهرب والتأجيل وراهن كثيرون على ان هذا الفصل الثانى لن يتم، او انه اذا تم فسيكون مقابل ثمن اساسى هو اتفاقية سلام منفرد وهو ما عبرت عنه بأنه تعبير مستورد من خارج المنطقة العربية وأصر أيضا أنه تعبير مستورد من خارج المنطقة العربية.

          وأقول أو أنه اذا تم فسيكون مقابل ثمن أساسى هو اتفاقية سلام منفرد أو في القليل قبولنا باعلان إنهاء حالة الحرب. كان التعنت الاسرائيلى بالغا والتصريحات الصادرة من تل ابيب تؤكد انه لا خطوة الى الوراء دون هذا الثمن وللأسف وبرغم ما حذرت وبرغم ما قلته لأخوتى الملوك والرؤساء العرب فى الرباط بهذا الشأن من ان لا نأخذ تصريحات اسرائيل لكى نتعامل او نتساءل بيننا عنها او ان نضعها محل اتهام لبعض. لأقول للأسف.. سار بعض العرب وراء هذه التصريحات الاسرائيلية على انها حقيقة رغم أننا نفيناها مراراً، ذلك ان البعض ما زالوا أسرى الواقع الذى ساد المنطقة ربع قرن قبل حرب اكتوبر حين كانت كلمة اسرائيل هى القانون وارادتها هى العليا وكنت خلال هذا كله اكرر اننى متفائل وكان الصراع السياسى يدور حول كل كلمة وكل حرف من حروف هذا الاتفاق.

         ولكن كان مصدر تفاؤلى ما شرحته مرارا وما زالت بعض العقول لا تدركه من أن حرب أكتوبر المجيدة قد غيرت الموقف تماما وان موقف المفاوض العربى قد اختلف جذريا بعد هذه الحرب. كان موقف المفاوض العربى طوال ربع قرن هنا فى المنطقة او هناك في الأمم المتحدة والمحافل الدولية كان موقفه دائما قائما على مجرد الرجاء والاستجداء تارة والمذكرات القانونية والمرافعات والحصول على قرارات ورقية لا قيمة لها فى التنفيذ اما بعد حرب اكتوبر المجيدة  والمحافل الدولية كان موقفه دائما قائما على مجرد موقف الند للند، وصارت سياستنا تستهدف التوصل الى وثائق مشفوعة بالتنفيذ غير الوثائق الورقية التى تراكمت بالمئات خلال ربع قرن.

         من هنا كان تفاؤلى المستمر دون استهانة طبعا بالصعوبات الضخمة التى نواجهها..

         ثم إن هذا الاتفاق الثانى للفصل بين القوات يختلف فى مغزاه اختلافا جذريا عن الاتفاقين الأولين للفصل بين القوات على الجبهتين المصرية والسورية..

         كان الاتفاق الأول فك اشتباك بين قوات متحاربة رغم انه اعطانا ما اردنا كهدف عسكرى لحرب اكتوبر وهو استعادة قناة السويس وتحطيم خط بارليف وايجاد موضع قدم راسخة لنا فى سيناء..

         اما هذا الاتفاق الثانى فهو قبول صريح من اسرائيل بالانسحاب واكرر كلمة انسحاب.. تلك الكلمة التى كانت اسرائيل تأبى مجرد ذكرها بحجة انها ستقرر مبدأ وتكون سابقة لانسحابات اخرى تالية..

         وكان الانسحاب هذه المرة ايضا من مواقع استراتيجية هى منطقة الممرات ومنطقة آبار بترول ابو رديس..

         ولعلكم تتذكرون أننا بعد حرب أكتوبر قلنا أن الحرب كانت انجازا رائعا للأمة العربية كلها . فمن الناحية العسكرية حققت ما ذكرته لكم منذ قليل .. ومن الناحية السياسية والاقتصادية فانها جمعت الموقف العربى كما لم يحدث من قبل. وحركت سلاح البترول، الذى لم يستخدم قط، وزادت الثروة العربية بالصورة التى تعرفونها.

         ومن الناحية الدولية تغيرت نظرة العالم الينا كلية، بلى تغيرت موازين كثيرة للقوى العالمية واصبحت الأمة العربية هى القوة

السادسة فى عالم اليوم هذا الى جانب كسر نظرية الأمن الاسرائيلى وفتح اوسع الأبواب امام قضية شعب فلسطين وكفاحه واقتناع العالم لأول مرة بأمرين هامين، اولهما ان اسرائيل ليست الحارس على مصالح العالم فى البلاد العربية ولكن الحارس هىالأمة العربية ذاتها.

        وثانيهما انه لا استقرار ولا سلام فى المنطقة ولا ضمان ولا أمان لمصالح العالم لدينا الا برد حقوق شعب فلسطين المسلوبة اليه. كان هذا هو تقييمنا لحرب اكتوبر: وقد ايدتنا فيه الأمة العربية شعوبا وحكومات.

        ولكن قلة من الذين فى نفوسهم مرض او الذين يملأ عقولهم تاريخ ربع قرن من العقد راحوا يشككون فى هذه الحرب وتحول كل واحد منهم الى جنرال يفتى فيما لا يفهم.

        وقالوا بالذات انه طالما ان اسرائيل لن تنسحب من منطقة الممرات قناة السويس ما زالت رهينة فى ايديهم. وإن النصر لا قيمة له وراحوا يؤكدون ان اسرائيل لن تنسحب شبرا واحدا بعد ذلك. ولكن ما الذى حدث لقد فتحنا قناة السويس، وأمنا الملاحة فيها.

        واليوم ها هى اسرائيل تنسحب إلى ما وراء الممرات وها هى الاتفاقية ليس فيها صلح ولا انهاء لحالة الحرب، اما الأقوال والمقالات التى قيلت ضدنا فانها اليوم تملأ سلال المهملات.

        ونحن نعرف انه بعد ذلك الموقف الجديد سيجدون ما يشككون فيه سيقولون ان اسرائيل قد انسحبت حقا من الممرات، ولكنها لم تنسحب الى تل ابيب ولكن هذه المزايدات لن تشغلنا من سلوك الطريق الذى قررناه ونجحنا فيه ومن مزايدات لم تعد تلقى من الرأى العام العربى إلا السخرية.

أيها الأخوة والأخوات: اعضاء المؤتمر المشترك ويا أبناء الأمة العربية كلها من المحيط إلى الخليج.

        كلنا نعلم تاريخ قضية فلسطين وقضية الوجود الاسرائيلى ولكننا نعلم انه منذ بدء الحركة الصهيونية قبل ثلاثة ارباع القرن والموقف العربى فى تراجع مستمر بعد هزيمة 67 بالذات بدأ لاسرائيل وللعالم ان حلمها في امبراطورية اسرائيلية قد تحقق اخيرا واخذت اسرائيل تغذى هذا الواقع الجديد كل يوم بالدعايات السياسية والحرب النفسية وضرب الفلسطينيين فى المخيمات والاغارة على مصر فى العمق ولم يتحول الموج، ولم يقف التراجع العربى، ويبدأ التراجع الاسرائيلى، إلا منذ حرب اكتوبر 1973 التى خاضتها قوات مصر وسوريا ببسالة وكفاءة لا مزيد عليها.

        ولست فى حاجة الى ان اشرح لكم كثيرا ملامح الموقف طوال تلك الفترة السابقة على سنة 1973، التى ادت الى ما صرنا عليه، لكن يكفى أن اقول ان ابرز ملامح السلوك العربى طوال هذا الزمن كانت السلبية والمزايدة الكلامية والرفض المقترن بالرضوخ للأمر الواقع.

        هزم العرب سنة 48 ورفضوا مشروع التقسيم وسكتوا وان مجرد تسجيل الرفض هو اقصى درجات الجهاد، ثم خرقت اسرائيل الهدنة، واخذت اكثر مما اعطاها مشروع التقسيم بكثير، وسجل العرب رفضهم وسكوتهم. هكذا كان الأمر ذاته.

        وقد ظن اصحاب الرفض القابع العاجز انهم سيدخلون التاريخ كوطنيين ولكننا بعد ربع قرن نرى كيف ان هذا كان جريمة لا تغتفر.

        وما بعد 67 يختلف عما سبقه فى ظهور المقاومة الفلسطينية، وفى ابقاء الجبهة المصرية ساخنة حتى كان الحدث الأكبر في حرب اكتوبر 73 ومنذ توليت الرئاسة كانت تحكم تصرفاتى عدة اشياء مستمدة من عبرة الماضى وتجاربه.

        اولها: لقد قلت مرارا ان كل جيل يجد امامه المسئولية التى عليه ان يوفى بها، وان هناك من القضايا المصيرية ما لا يمكن ان يبت فيها وبحلها جيل واحد ولا شك ان قضية الشرق الأوسط من هذا النوع ومنذ بدء قدوم الحركة الصهيونية مضى ما يزيد على سبعة اجيال. مر زمن طويل زادت المشكلة فيه تشابكا وتعقدا وتراكمت وجوه الخطأ والقصور.

        وحين يتصدى جيلنا اليوم لمواجهة هذه التركة لا يمكن ان يحسمها فى يوم واحد او سنة واحدة ولكن على جيلنا ان يبذل اقصى جهده ويكفيه ان ينجح فى تحويل الموج من التراجع المستمر الى التقدم، وعليه ان يبقى الباب مفتوحا امام الاجيال المقبلة ويسلمها الراية مرفوعة كريمة ويجب ان تكون لدينا الثقة فى ان الأجيال القادمة ستكون بدورها كفيلة بحمل الأمانة طالما اننا لا نقصر فى واجبنا نحوها واننا لا ننحرف بها عن الطريق.

        ثانيها: ثانى هذه العوامل الخروج من دائرة المزايدات التى لا تلبث ان تقيد اصحابها وتعوق حركتهم وتعزلهم عن العالم خصوصا وهى مزايدات غير مصحوبة بالقوة ولا بالقدرة على تطبيق عشر معشارها.

        ثالثا: الاستقامة والصراحة مع الرأى العام العربى وعدم تغذيته بوعود التخدير، وقد سمعنا قادة تحدثوا عن القضاء على اسرائيل فى ثلاث ساعات ولم نسمع لماذا لم يفعلوا.

        رابعا: الواقعية فى فهم عناصر قوة الخصم وعناصر ضعفه وفى فهم العلاقات الدولية التى تؤثر فى الموقف. وقد طاف الأخوة الفلسطينيون كما طفنا بالعالم، وعرفوا كما عرفنا ان العالم قد تتراوح مواقفه، ولكنه بغير استثناء يقف عند حد عدم المساس بكيان اسرائيل كدولة لا يختلف فى هذا القوتين الأعظم عن باقى كل دول العالم.

        خامسا: عدم جدوى الأخذ بأسلوب المذكرات القانونية والمرافعات الرنانة التى اسفرت عن مئات القرارات الدولية ولكنها لم تسفر ابدا عن تحريك اسرائيل سنتيمترا واحدا عن الأرض وببساطة وكما قلت فى المؤتمر الوطنى الأخير للاتحاد الاشتراكى العربى اذا كانت المصلحة العربية العليا تقتضى ان نسالم فسنسالم وإذا كانت تلك المصلحة العليا تقتضى ان نفاوض فسنفاوض واذا كانت المصلحة العليا تقتضى ان نحارب فسنحارب، وقد حاربنا وفاوضنا وانتصرنا.

        حاربنا سنة 73 وهزمنا اسرائيل وواجهنا امريكا ذاتها فى ساحة القتال اكثر من عشرة ايام.. نعم واجهنا امريكا ذاتها حين

خفت لانقاذ اسرائيل، وصارت ترسل الأسلحة والفنيين رأسا الى سيناء وخلف خط القتال مباشرة وبالرغم من ذلك فقد ثبتنا اقدامنا شرق قناة السويس، وتوقف القتال ونحن نحتل خط بارليف كله.. وتوقف القتال وقد تحقق هدف اخر هام جدا من الاهداف التى كانت فى حسابنا اثناء التخطيط للمعركة وهو اننا خرجنا من المعركة وتسعون فى المائة من  قواتنا المسلحة سليمة تماما.

         لم يتوقف القتال كما حدث فى السابق مرات وقد فقدنا جيشنا او سلاحنا بل ظل جيشنا سليما بتشكيلاته واسلحته وعلى اتم القدرة ليخوض القتال مرات ومرات.. لماذا.. لأن القتال ليس هدفا لذاته فالحرب تنشب لتحقيق هدف سياسى وحين يجىء دور السياسة والتفاوض يختلف الأمر جدا بين ما اذا كنا قد فقدنا قوتنا وما اذا كانت قواتنا المسلحة موجودة قوية وقد ازدادت كفاءة وخبرة، اذ صقلتها نيران المعركة.

         وهذا ما حدث. وقد اسرعت امريكا بجسرها الجوى ساعة القتال لانقاذ اسرائيل ارسلت ايضا بوزير خارجيتها ليتصل بنا لكى نبدأ البحث للوصول الى تسوية فما الذى تغير؟

         لقد كانت امريكا قبل ذلك تكتفى بمساعدة اسرائيل وتضع القضية كلها فى ثلاجة وكل وزراء خارجية الدول العربية بلا استثناء كانوا فى نيويورك وواشنطن اكثر من مرة وتحدثوا الى كل مسئول فى امريكا لمحاولة لفت نظره الى خطورة استمرار الاحتلال الاسرائيلى وكلهم يعرفون انهم لم يجدوا اذنا واحدة صاغية. فما الذى تغير ليأتى وزير الخارجية الأمريكى الى العالم العربى.. الذى تغير هو ان امريكا اكتشفت ان حساباتها خاطئة وان ما كانت تتوقعه من هزيمة للعرب خلال ساعات او ايام لم تحدث. تغير انها رأت عالما عربيا جديدا تماما.. لذلك كان لابد لها ان تسرع بالاتصال بنا، وقد رحبنا بذلك وشجعناه لاننا نعرف. وكلكم تعرفون ان امريكا طرف اصيل فى قضية النزاع العربى الاسرائيلى وكان يهمنا بالتالى ان ينتهى تنصلها من مسئوليتها وان تتحمل هذه المسئولية امامنا وامام العالم.

         وقد كنت حين انوه بدور امريكا واقول ان معظم الأوراق فى يدها يحاول البعض تفسيره ان هذا تقرب او ارتماء فى احضان امريكا. كلا انه تأكيد حقيقة انه ضغط على امريكا ووضعها امام مسئوليتها وقد نجحنا فى ذلك والى حد بعيد ورأينا امريكا تبذل كل هذا الجهد منذ وقف القتال بواسطة الرئيس نيكسون والدكتور كيسنجر ثم بواسطة الرئيس فورد والدكتور كيسنجر.

         وانني لأحب فى هذه المناسبة أن اشكر بوجه خاص الرئيس الأمريكى فورد، فرغم ظروفه الداخلية الصعبة التى يواجهها فى الداخل، الا انه وقف فى رجولة مع كلماته وتعهداته وكان لتدخله واهتمامه الشخصى اثر كبير فى انجاز هذه الخطوة الكبيرة.

ايها الأخوة والاخوات اعضاء المؤتمر المشترك..

         ان المراقب للتصرفات السياسية العربية خلال ربع القرن الماضى سيلاحظ ان هذه السياسة كثيرا ما كانت تتحرك في عشوائية أو كرد فعل.

         ولكننا حين خططنا لحرب اكتوبر خططنا للحرب والسياسة معا. لذلك فانكم تذكرون اننى وقواتنا فى قمة انتصارها والقتال مازال دائرا طالبت امامكم بمؤتمر فى جنيف يضم كل الأطراف ويضع الحل الشامل بحضور كل الاطراف.

         كل ذلك الوقت والوصول الى مؤتمر جنيف كان وما زال هدفنا الاستراتيجى بشرط ان نصل اليه جميعا وفى المقدمة ممثلو شعب فلسطين على اننا نتحرك بسياسة مرسومة ولكنها مرنة في نفس الوقت.

         فاذا وجدنا الخلافات العربية عقبة فى الذهاب الى جنيف بذلنا جهدنا لتسوية هذه الخلافات وصار تمثيل الفلسطينيين لأنفسهم بواسطة منظمة ليس محل اعتراض احد فى المعسكر العربى واذا وجدنا أن تحقيق خطوات من الانسحاب على جبهات المواجهة العربية يمثل اختبارا للنوايا ويهىء الجو للذهاب الى جنيف عملنا على تحقيق هذه الخطوات ومازلنا نعمل له.

         وأقول لكم لقد كانت قضية الشعب الفلسطينى وضرورة تحقيق فصل قوات ثان على الجبهة السورية كانت هاتان القضيتان مائلتين فى كل خطوة او جلسة او مناقشة دارت طوال الفترة الماضية لتحقيق الانسحاب الأسرائيلى الثانى فى سيناء ولم يكن بحثنا الخاص بسيناء منفصلا ابدا لحظة واحدة عن اهتمامنا بسائر الأراضى العربية المحتلة حتى فى الساعات الأخيرة وفى يوم توقيع الاتفاق وعندما اتصل الرئيس فورد تليفونيا بى ذكرت له مرة اخرى ان تجنب خطر الحرب فى هذه المرحلة لا يتم الا بأمرين:الأول تحقيق فصل قوات آخر على الجبهة السورية والثانى هو دخول امريكا فى حوار مع الممثلين الشرعيين لشعب فلسطين والمتمثلين فى منظمة التحرير.

         ان هذا هو هدفنا التالى وسنصل اليه باذن الله. ولو كان كل ما نريده هو سيناء لحصلنا على اكثر جدا مما حصلنا عليه الى هذه اللحظة.

         واستراتيجيتنا منذ اكتوبر 73 فى جانبها السياسى هى الاحتفاظ بقوة الاندفاع فى حل جوانب القضية وعدم ترك قوة الدفع تضعف او تتوقف لحظة واحدة فلا عودة الى سياسة الجمود ولا عودة الى سياسة اللا حرب واللا سلام: ان تجميد قضيتنا بسبب شقاق دولى او وفاق دولى. انما عمل مستمر لكى تبقى الجذوة مشتعلة دائما حتى يتحقق الانسحاب من كل ارض عربية حتى تكون للشعب الفلسطينى دولة تعبر عن ارادته وعن حقه فى تقرير مصيره.

         أيها الأخوة والأخوات أعضاء المؤتمر المشترك..

         إننى بعد كل هذا اقول لكم بنفس الصراحة والاستقامة ان هذه الاتفاقية لفصل القوات لم تحقق ما كنت اريده ولكن قيمتها فوق

ما ذكرت سابقا انها خطوة اخرى على الطريق وانها كسر لاحتمال الجمود وانها كما رأيتم لم تقترن بأى شرط سياسى الا حين تقترن بالحل الشامل فى المنطقة.

        والسؤال الذى يطرحه المخلص هو هل وضعنا السياسى اضعف ام اقوى بعد هذه الاتفاقية . وهل وضعنا العسكرى اضعف ام اقوى بعد هذا الفصل الثانى. وهى اسئلة اجاباتها ساطعة واضحة للعيان سوف نجد من يهاجم ومن يشكك وسوف نجد من يفكر بخياله لا بعقله ومن يكافح بحنجرته لا بعمله.

        ولكني لا أخاطب هؤلاء. اولئك الذين حذرونا قبل الحرب من الهزيمة وبعد سقوط خط بارليف قالوا الممرات وبعد الممرات سيجدون شيئا آخر. حسنا ان لهم الكلام ولنا الفعل والحركة . انما انا اخاطب الضمير العربى العام لا اخاطب الذين يزايدون غير شاعرون بالمسئولية نحو الأراضى المحتلة والشعب الرازح تحت الاحتلال والفلسطينى الذى يسكن الخيمة والمستقبل العربى المعطل عن الانطلاق.

أما نحن فنستشعر مسئوليتنا ازاء ذلك كله. ولهذا نحن نركب المخاطر ونتحرك ونشغل الدنيا وأطراف القضية بالذات واستمرار دون انقطاع وانا واثق ان الضمير العربى العام وقد رأى تحركنا وصواب سياستنا هو معنا. ان مصر لا تمن بأنها ضحت واحتلت وحاربت ولكن مصر ايضا لا تكذب ولا تضلل. ولا تقول الا ما تستطيع ان تفعله. وترتبط به مهما كان الثمن.

        ان طريق السلام شاق وطويل والكفاح من اجله هو الذى يجعلنا فى نفس الوقت حريصين على تنمية قوتنا العسكرية وقوة العرب العسكرية والحصول على السلاح والبدء فى تصنيع السلاح.

        اننا نفعل هذا كله لاننا لا نريد سلاما بأى ثمن بل نريد سلاما عادلا نسترد به حقوقنا وحقوق الشعب الفلسطينى واذا كنا نقول اننا متفائلون فلأننا نراهن على المستقبل العربى ونثق فيه ونتحرك به الى الامام وسيشهد التاريخ اننا كنا الأوفياء بالعهد واننا كنا الصادقين.

        كان يمكن ان اكتفى بهذا الخطاب وهو ما اعددته لهذه المناسبة، ولكن احداثا تقع من حولنا فى العالم العربى ومن اخوة اعزاء علينا لا نستطيع ان نتركها لأننا جميعا مسئولون امام ضمير امتنا العربية كلها.

        كلنا مسئولون ان نضع الحقائق واضحة، ان نضع الحقائق كما هى لكى يعرف كل انسان فى وطننا العربى فى امتنا العربية اين نقف الآن والى اين نسير. وبادىء ذى بدء، اريد ان اقول ما سبق ان قلته مرارا. لقد رفضنا الوصاية من الدول الكبرى واخرى باشقائنا ان يعلموا اننا ونحن لم نحاول ابدا ان نفرض عليهم وصاية لا من قريب ولا من بعيد احرى بهم ان يعلموا اننا لن نقبل وصاية احد لا على قراراتنا ولا على ارضنا.

        تبدأ المأساة اذا كان ولابد من تسميتها مأساة - لأننى اسميها مأساة فعلا - فهدف اسرائيل الأساسى فى هذه المرحلة هو ان تشق الصف العربى وان تنسف الجبهة العربية من داخلها وللأسف نحن نقدم لها بأيدينا ما تريده.

        تبدأ المأساة بأن الاتحاد السوفيتى يرسل الى اخوتنا في سوريا انه لن يحضر توقيع الاتفاق المصرى الاسرائيلى فى جنيف اليوم يعلن هذا مصدر رسمى فى دمشق.

        وإلى هنا كان الأمر سوف يكون امرا يخص الاتحاد السوفيتى وهو حر فيما يريد أو ما لا يريد وإنما يأتى وزير الخارجية السورى خلال هذه المقابلة سلم السفير الروسى بيان القيادتين القومية والقطرية لحزب البعث السورى والذى يحدد موقف سوريا ازاء الاتفاق.

        وكانت قيادتا حزب البعث قد اعلنتا فى اعقاب الاجتماع المشترك مساء امس الأربعاء ان الاتفاق يعد هزيمة خطيرة للنضال العربى.

        وذكر مصدر رسمى فى دمشق من ناحية اخرى ان الحكومة السورية تعتزم ايفاد مبعوث بدرجة وزير الى العواصم العربية لكى يسلم الى رؤساء الدول رسائل من الرئيس السورى حافظ الأسد يشرح فيها وجهة النظر السورية ازاء الاتفاق المصرى الاسرائيلى.

        بعدها قامت مظاهرات فى الساعة الحادية عشرة اليوم فى دمشق ضد مصر بهتافات عدائية ضد فك الأرتباط وشددت الحراسة على السفارة المصرية.

        ولا أريد ان اطيل اكثر من ذلك فى وصف هذه المظاهرات بعد ذلك يصدر بيان من القيادة القومية لحزب البعث العربى الاشتراكى فى العراق، وفى فقرة منه يقول: "وفى نفس الوقت الذى يعبر فيه النظام المصرى عن استعداده لعقد معاهدة صلح مع العدو بصراحة - أحنا اعلنا كده - يؤكد رئيس النظام السورى ذلك للمسئولين الأمريكيين والصحافة الأمريكية - عايزين يقولوا يعنى - ان احنا بنعمل عمليتنا مكشوفة لكن الرئيس السورى بيعملها متغطية.

        لمصلحة مين يتقال ان النظام المصرى بيعقد معاهدة صلح مع العدو ويعلنها بصراحة احنا لو عايزين نعقد معاهدة صلح يسمع الأخوة فى العراق والأمة العربية كلها لو كنا عايزين نعقد معاهدة صلح عندنا من الشجاعة ما نواجه به امتنا ونقول هذا.

        ولكن انا اريد الجميع ان يعلموا انه عرض على اخلاء سيناء بالكامل مقابل انهاء حالة الحرب فتقيدت بسوريا وبقضية فلسطين.

        وعرض ايضا من ضمن العروض الا يكون الخط خلف المضايق فقد لااربعين ولا خمسين كيلو وانما يكون من العريش الى رأس محمد اكثر من ثلثى سيناء برضه بهدف انهاء حالة الحرب ورفضت موش خوفا من حد وانما ايمانا بدور مصر ومبادىء مصر وخلق مصر.

 على الأخوة فى العراق انا لن ارد، لأنه المقصود بهذا كله هو الرئيس حافظ الأسد وبياخدونا احنا سكة الهجوم عليه. انا لن ارد عليهم لكن على اخوتنا فى دمشق انا حزين ومتألم. وأقولها امام الأمة العربية جميعا لأننا شركاء سلاح.

        فى فض الاشتباك الأول نفس هذا الكلام حصل بس بدون قرارات واوفد وزير الخارجية السورى الى العواصم العربية.

        وفى يوم فوجئت بوزير خارجية السعودية يأتينى برسالة من الملك فيصل فى الفجر وبوزير الدولة عبد العزيز يأتينى من امير الكويت بعدة ساعات.. وهم فى حالة نزع لنفس هذا الكلام الذى ورد فى قرارات القيادة القومية والقطرية. ان مصر خرجت من المعركة وان مصر تنكرت لقرارات مؤتمر القمة العربى وان وان وان.

        ماذا حدث.. ثم فض الاشتباك الأول، وتم لسوريا فض الاشتباك الأول ما قلته للرئيس حافظ قبلها بثمانية شهور.

        نفس الخط الذى اتفقت عليه لمصر فى نفس الوقت اتفقت على خط مماثل لسوريا. وهو ما تم فى مصر وما تم فى سوريا بعدها بـ 8 شهور.

        انا باقول هذا وانا ضميرى مجروح ومتألم لا تصل بنا الأمور الى ان نصدر قرارات في بعض. والاتفاق اللى وقع بالأمس، وقعه رؤساء اركان الحرب، اتفاق عسكرى، فض اشتباك وانا ارسل نائب رئيس الجمهورية الى سوريا ليخطرهم بحقيقة الوضع وليضع كل شىء تحت تصرفهم.

        لجنتنا المصرية فى جنيف. جهود القائد العام هنا كل شىء كما تم فى فض الاشتباك الأول يتم فى فض الاشتباك الثانى، وضعت كل شىء تحت امرهم.

        الرئيس حافظ ما قابلش نائب رئيس الجمهورية وقابل كيسنجر بعد ذلك. عتابى شديد لأنى احس بزمالة السلاح وبالأخوة ولكن يجب ان نضبط اعصابنا فى هذه اللحظات الحاسمة انا لدى الكثير جدا الذى استطيع ان اقوله. لدى الكثير عن كل المعركة. ولدى الكثير من الحقائق وانا اعتبر الاتحاد السوفيتى بالموقف الذى اتخذه اليوم تحريض سافر ومحاولة لشق صف الأمة العربية.

        اتفاقنا اتفقنا عليه.. وما نوقعه نحترمه وننفذ ، فمصر لا تعود فى كلمتها ابدا. ومصر لن تخاف المظاهرات ولن تخاف القرارات ولا المزايدات ولا الشعارات.. مصر تعمل عمل بهدوء وبمبادىء وبخلق قبل كل شىء.  

        يلى هذا تصريح من اخونا ياسر عرفات وبيختمه وبيقول " ان اعتقادنا وتخطىء امريكا واسرائيل ان اعتقدنا ان الجيش المصرى سيقف مكتوف اليدين اذا ما ضربت الثورة الفلسطينية وان السلام لن يكون امريكيا. السلام هو سلام الفلسطينيين " حتى الأخ ياسر. بعد كل اللى قامت به مصر ليه كل ده  علشان مصر استردت خمسين كيلو هى الممرات والبترول، واتفاق عسكرى يفض اشتباك كل ده يطلع من اخواننا.. انا عايز اقول لأخوتنا العرب مرة اخرى انا لن افتح معارك فى هذه المرحلة، ولن ادخل فى معركة جانبية ولكنى احذرهم كما حذرتهم فى الرياض من اولئك الذين يحملون اليهم عمدا اخبار ملفقة لنسف الموقف العربى.

        فى مارس الماضى راحوا لسوريا وراحوا للفلسطينيين، وقالوا لهم الاتفاق اللى بين السادات وامريكا والأردن اهه وسوريا الفلسطينيين انتوا رحتوا فى داهية وادى البنود السرية وادى البنود العلنية وجه مارس ولم نتفق على شىء وقالت مصر لا فأين كانت البنود السرية واين كانت البنود العلنية . نفس هذا الوسواس الخناس هو الذى يسعى اليوم، ويبلغ المذكرات كذبا.

سيأتى اليوم باذن الله الذى اضع امامكم فيه جميع الحقائق ولكننى حريص على أخوة لنا وحريص على صداقتهم وزمالتهم واخوتهم الى ان يرفضوا هم ذلك فلن نتنكر عندئذ لهذه الأخوة ولكننا سنعلن الحقائق لأننا لن نتنكر ابدا لمن نضع يدنا فى يده او يقف معنا فى ساعة الشدة ابدا.