خطاب الرئيس أنور السادات، في مقر الاتحاد الاشتراكي العربي، في الذكرى الخامسة لوفاة الرئيس جمال عبد الناصر، 28/9/1975
المصدر: "قال الرئيس السادات، الجزء الخامس 1975، السكرتارية الصحفية لرئيس الجمهورية، ط 1982، ص 288 - 307"

بسم الله - كل سنة وأنتم طيبين ..

         في الواقع وأنا أعد نفسي للقائكم بوصفكم أعلى القيادات في الدولة للجنة المركزية ومجلس الشعب.. السلطة التنفيذية كلها في الواقع.. كنت في حيرة لأنه لدى الكثير مما أريد أن أضعه أمامكم خصوصا وأنه تمت منذ شهور قليلة اعادة انتخابات الاتحاد الاشتراكي من القاعدة إلى القمة إلى اللجنة المركزية.. ومن حق اللجنة المركزية مع مجلس الشعب ان اضع امامهم تقريرا كاملا عن الفترة الماضية.. حين أقول الفترة الماضية.. أقصد السنوات الخمس .. التي تلت وفاة عبد الناصر والتي نجتمع اليوم في نهايتها لكي نحيى ذكرى عبد الناصر.

         ومن ناحية أخرى كنت أريد ان يكون هذا الحديث مركزا تركيزا كاملا على عبد الناصر.. فقد آن الأوان فعلا أن نتحدث، وأن نتحدث بصراحة.. وأمر ثالث هو ما يحيط بنا من مواقف في هذا العالم الذي نعيشه سواء كان من القوى الكبرى أو في عالمنا العربي أو في المحيط الدولي كله وقضيتنا التي هي فوق كل شيء والتي عاش ومات عبد الناصر من أجلها.

         وجدتنى في حيرة فعلا. أن أسلم طريق في تقديرى أن أبدأ بسرد أحداث سنوات مضت منذ أن أنتقل عبد الناصر إلى جوار ربه حتى هذه اللحظة منذ خمس سنوات.

         ولعل استعراض هذه السنوات الخمس.. لعله يلقى الضوء على مسيرة ثورتنا التي بدأت في 23 يوليو سنة 1952 بقيادة عبد الناصر فليس هناك من تكريم لعبد الناصر أكثر من أن تكون الثورة والمسار الذي بدأه تسير وتتطور وتنضج وتصحح مسارها إذا اقتضى الأمر، فقد عشنا أحداثا جساما في السنوات الخمس الماضية.

         لهذه الذكرى- ذكرى عبد الناصر بالنسبة لنا جميعا كشعب وبالنسبة لى شخصيا كزميل وصديق ورفيق سلاح خواطر كثيرة ومشاعر فياضة، طبعا من المألوف في العالم كله وعبر التاريخ كله ان اى شخصية عملاقة مثل شخص عبد الناصر تتصدى للأحداث بالتغيير.. والتغيير فيه هدم وبناء، من المألوف أن اى شخصية من هذا النوع توجد دائما الصداقات العميقة والخصومات الحادة وينفتح بعدها باب الجدل سنين وأجيالا.

         ولست أريد أن أحد من المناقشات التي لم تنقطع عن عبد الناصر وعن الناصرية.. ولكننى فقط أريد ترشيد هذه المناقشات حتى تكون ذات فائدة ونخرج منها بالعبرة الصحيحة.

         فماذا نرى الآن.. نرى شطحات كثيرة غريبة- بعضها ربما كان بريئا وبعضها بالتأكيد غير برئ - مثلا نرى تلك المنظمات والتيارات التي أنفقت حياتها في محاربة عبد الناصر تحاول اليوم ان تجعل من تراثه تجارة يتذرعون بها للهجوم على مصر.

         ونرى أناسا آخرين يحاولون اقامة معبد اسمه الناصرية يحوط به التقديس والغموض لكي يقيموا من أنفسهم كهنة لهذا المعبد هم العالمون وحدهم بالأسرار وهم المحتكرون للتفسير.. وهم قضاة الخطأ والصواب.

         ولا اقول وقد عايشت عبد الناصر وزاملته وشاركته أكثر عمري وعمره - أقول لا - لم يحاول عبد الناصر قط أن يقيم بناء جامدا اسمه الناصرية بل كان يرفض أي قالب جامد، بل أنني أقول أكثر من ذلك ان الذين يقولون اليوم بأن هناك ناصرية وأن هناك ساداتية مخطئون. انهم ينطلقون من أحكام شخصية وليست موضوعية وفيهم اليوم من يلعن الأمس واذا سمحت الظروف فسوف يلعنون غدا اليوم.. هكذا.

         في تقديرى أولا.. أن المسألة ليست ناصرية أو ساداتية ولكنها ثورة 23 يوليو- أو.. التجربة الوطنية المصرية.. هذه هي الموضوعات والعناوين التي تناقش فكل دارس لتواريخ الأمم يعرف أن دور أي فرد مهما كبر فهو ابن التربة التي أنبتته والظروف التي صاحبته، والشعب الخلاق الذي واكب مسيرته.

         مناقشة شخص عبد الناصر بالتقدير أو بالتجريح اساءة لعبد الناصر لأنه أبدا لم يشأ أن يكون صنما أبدا بل كان نموذجا في معايشته للواقع ومخالطته للحياة ومرونته في وجه المتغيرات.

         ليست القضية اذن قضية ناصرية أو ساداتية فمناقشة الأمور على هذا النحو تضل في متاهات المشاعر أو الأحقاد الشخصية وتجزئ التجربة الوطنية المصرية في حين أننا نناقش ثورة 23 يوليو أو التجربة الوطنية المصرية فاننا نربط بذلك نضال القادة بالجماهير او الحاكم بالشعب.

         لقد كان عبد الناصر انسانا، وكان بشرا، وبالتالي فلا يقلل من شأنه ان نقول انه كانت له حسنات وكانت له أخطاء، كانت هناك أهداف حققها .. وأهداف لم يستطع أن يحققها.. وأنا أيضا لا شك ان لى أخطاء، فكل من يتصدى لأعلى المستويات في مثل الظروف الصعبة والبحار المتلاطمة من التيارات لا يمكن إلا أن يخطئ ويصيب إلا أولئك الذين يؤثرون السلامة لأنفسهم ويحكمون بالتالي على أقدار شعوبهم بالانكماش والجمود.

         حين تكلمت في إحدى خطاباتي السابقة إليكم عن كفاح عرابى ومصطفى كامل ومحمد فريد وسعد زغلول أبدى البعض دهشتهم واتهموا ثورة 23 يوليو بأنها حذفت كل هؤلاء من التاريخ.

         هذا افتراء على ثورة 23 يوليو فالكتب التي تؤلف عن هؤلاء لم تنقطع، وتدريس كفاحهم في المدارس لم يتوقف ولكن الفرق انهم قبل الثورة كانوا يدرسون ان الخديوي توفيق مثلا الذي استدعى الإنجليز هو الوطني وان عرابى البطل المصري الفلاح الأصيل هو المسئول عن الاحتلال، فلما جاءت الثورة أعادت الأمور إلى نصابها في المناهج التعليمية.

         لم يكن في حديثى ذلك أي جديد أو غريب على، ولقد قصدت منه أن أعطى درسا لمن يفهم في ضرورة احترام تاريخنا وتقييمه بموضوعية لا إسراف فيها ولا تقصير ولا تزويق فيها ولا تشهير، ولكن، مرة أخرى انتهز البعض الفرصة وشطحت بهم الميول

والأفكار فراحوا يمجدون في العهد السابق على الثورة ويصورون الأمور وكأن عهد ما قبل 23 يوليو كان نعيما وما بعد 23 يوليو كان نقمة وعذابا وهنا أيضا أقول بكل صراحة - لا - التاريخ ماثل أمامنا ولا يمكن خداع الناس فيه .. قبل 23 يوليو ماذا كان العهد ؟ كان عهد الاستعمار والقصر والإقطاع وامتيازات الأقلية .. وبعد 23 يوليو بدأ عهد الحاكم المصري والقيادة المصرية والقرارات المصرية والاتجاه إلى استرداد حقوق الأغلبية المقهورة من شعب مصر ولو كانت مصر قبل 23 يوليو، رافلة في النعيم كما يزعمون ففيم اذن كانت الثورة، ولماذا خرجت ملايين الشعب من اللحظات الأولى تباركها وتؤيدها وتتنفس الصعداء لزوال الكابوس الجاثم عليها.

         اننا حين نذكر لكل عهد ايجابياته وسلبياته فليس معنى ذلك خلط الأمور واستغلالها لهذا الغرض أو لذاك.

         ومرة أخرى فنحن لا نناقش الشخصيات ولكن ظروف النضال الوطني قبل 23 يوليو كانت مختلفة تماما وبالتالي كان انجازها ضئيلا جدا.

         ماذا وصل اليه عهد الأحزاب القديمة من سنة 19 الى سنة 52 أي طوال ثلاثة وثلاثين عاما، في القضية الوطنية كان أقصى ما وصل اليه عهد الأحزاب هو معاهدة 36 التي أسموها معاهدة الشرف والاستقلال والتي بمقتضاها بقى الجيش الإنجليزي في قلب القاهرة بل في ثكنات قصر النيل مكان هذا المبنى الذي نجتمع فيه الآن.

         وكان اقصى أمل للمعاهدة احتفاظهم بمنطقة القناة كلها والارتباط بحلف عسكرى ابدى مع الإنجليز.

         وفي مجال القضية الداخلية ظل الإنجليز والقصر يتحكمون في كل شئون البلاد.. حتى قيام الثورة كانت السلطة الحقيقية في دار المندوب السامى أولا.. ثم تحولت الى سفارة في النهاية.

         ولعلنا ننكر قبل قيام الثورة بأسابيع اعتذر سفير انجلترا عن مقابلة رئيس وزراء مصر فسقطت الوزارة ...

         قبل قيام الثورة بأيام دفع للقصر نصف مليون جنيه لتغيير الوزارة وتم التغيير. كل دى حقائق في التاريخ موجودة.

         في مجال القضية الاجتماعية رفضت الأحزاب كلها أي مشروع معتدل للاصلاح الزراعي.

         في مجال التنمية انعدم معدل الزيادة في التنمية تقريبا. وكانت الصناعة محاولات صغيرة فردية مبعثرة. والمشروع الكبير الوحيد الذي تصدت له الأحزاب طوال ثلاثين سنة كان التعلية الثانية لخزان أسوان القديم وكهربته.. ومع ذلك لم يتم هذا بسبب الفساد والمضاربات الحزبية، وهو ما لا يبلغ عشر معشار السد العالي وحده- ومع ذلك تم أيضا كهربة خزان اسوان القديم.

         أقول لقد انتهت الحياة الحزبية القديمة مع نهاية الحرب الثانية الى الافلاس في كل مجال، ومن وقتها والى قيام الثورة اضطرب كل شئ في البلاد.. اضطرب الاقتصاد.. واضطرب الأمن.. اشتركت الحكومة والسلطات في الاغتيالات كأنها عصابة من العصابات فانتشر تلفيق القضايا.. انتهكت حرمة القضاء بتشكيل نيابات اقرأوا عنها ايامها- عانيت أنا نفسي وأنا في السجن منها- ومحاكم مثل محكمة حسين طنطاوي كانت اليد العليا للبوليس السياسي.. امتلأت السجون والمعتقلات.. عاشت البلاد أكثر عمرها في ظل الأحكام العرفية والرقابة على الصحف، وكان الفساد في أعلى المستويات.

         كان هذا مع الأسف هو الوضع، وكانت هذه الملامح هي التي مرغت كرامة الوطن في التراب.. وكانت هي الدافع الأول لقيام ثورة 23 يوليو 52.

         ولكن مرة أخرى.. وقد وعدت ان اتكلم بمنتهى الصراحة مرة أخرى.. أقول أن ثورة 23 يوليو كان لها أيضا سلبيات .. ومن واقع المسئولية أمارس هذا النقد الذاتي وأقول نعم.. كانت هناك انحرافات.. وكانت هناك سجون ومعتقلات.. وكما كان لا بد من اجراءات استثنائية تبررها اي ثورة الا ان بعض هذه الإجراءات طال أكثر مما يجب وامتد إلى مجالات ما كان يجب ان يمتد اليها.

         كانت هناك اجراءات وتصرفات لا تبررها الشرعية الثورية.. نمت مراكز قوة واستفحلت أكثر من ذلك.. وأقولها بمنتهى الصراحة.. ان الميثاق لم ينفذ كله، بل أكثر من هذا حاول البعض مركسة هذا الميثاق بالنظرية الماركسية، مع أن الميثاق ينص صراحة على الفروق الجوهرية بين نظريتنا وبين الماركسية.

         ولكن عندما نشأت مراكز القوى واستفحلت، وفي غيبة مؤسسات الدولة انقلب الميثاق الى نظرية ماركسية، وعبد الناصر لم يكن ماركسيا، وقد قال هذا في الميثاق.. وقال عن الفروق الجوهرية بين نظريتنا تحالف قوى الشعب العاملة وبين الماركسية.. بيان 30 مارس لم ينفذ على الإطلاق، ونحن جميعا شهود .. وبوجه عام فان ذلك الجزء من أهداف الثورة وهو الهدف السادس من الأهداف الستة التي بدأت بها ثورة 23 يوليو المتعلق برد الحريات السياسية للشعب، وإقامة الديمقراطية السليمة.

         أقول إن هذا الجزء لم ينفذ على الإطلاق.. باعترف بالسلبيات كما قلت وبالإيجابيات من موقع مشاركتى في قيادة الثورة منذ كانت جنينا ومسئوليتي الكاملة عن مسيرتها منذ خمس سنوات أمارس هذا النقد الذاتي وأسجل هذه النواحى من القصور.

         يقودنى هذا الى الحديث عن ثورة 15 مايو التصحيحية ولعلكم تذكرون أننى كنت أصر على استخدام تعبير حركة 15 مايو زمنا طويلا.. ولكن الآن وقد اكتملت ملامحها يمكننى أن أقول أنها ثورة كاملة.

         ما مغزى ثورة 15 مايو.. انها أولا.. تجربة فريدة في النقد الذاتى ..

         هناك النقد الذاتى الذي يقف عند حدود الكلام فقط، ولكن 15 مايو كانت نقدا ذاتيا عمليا .. لم أمارسه بالقول ولكننى مارسته بالفعل.. مارسته بالتصدى لأوجه النقص بتكميلها والتصدى لأوجه الانحراف بتصحيحها، وهذا وحده هو الأسلوب الجدير باسم " النقد الذاتى "..

         الأمر الثاني هو ان النقد الذاتي العلمى، أي هذه الثورة التصحيحية، تمت في أطار ثورة 23 يوليو، فهى لم تفرض علينا من

قوة خارج الثورة، ولم تتم بضغط من عناصر غريبة عن الثورة، أي أنها لم تكن ثورة مضادة، ولكنها ثورة من أجل تصحيح مسار الثورة الأم، ومن أجل اعادتها إلى منابعها الأولى وتطويرها مع تطور الدنيا وتغير الظروف الداخلية والخارجية خلال عشرين سنة.

         ان ثورة 15 مايو فصل جديد، ولكنها فصل جديد في كتاب ثورة 23 يوليو ذاتها، ولم يكن التصحيح بالسلب فقط، أي بتقويم الانحرافات وإزالة التراكمات الضارة وإنما كان تصحيحا بالمعنى الإيجابي أيضا، أي بمعنى الإضافة والتجديد والتطوير.. وثائق الثورة من البيان الأول بالمبادئ الستة إلى الميثاق إلى بيان 30 مارس.. أضيفت اليها وثيقة هامة هى الوثيقة الأساسية لثورة التصحيح والتطوير.. تلك هى ورقة أكتوبر.. ثم هناك ورقة تطوير الاتحاد الاشتراكي والبيانات الأساسية التي أدليت بها أمامكم أو أمام المؤتمر القومي للاتحاد الاشتراكي.

         هذا عن الوثائق والخطط التي حددت لنا مسار العمل الوطني وحددت لنا أهدافه ومراحله من هنا حتى نهاية القرن كما هو وارد في ورقة أكتوبر.

         فماذا عن الجانب العملي والممارسة في أرض الواقع ؟؟

         لعلكم قرأتم أخيرا ذكرياتى عن ذلك اليوم منذ خمس سنوات يوم 28 سبتمبر سنة 70 يوم أن أنتقل عبد الناصر إلى جوار ربه، ولم استطع ان انشر كل شيء، فهناك أمور كثيرة تحكمنى، أولها أساسا هو المصلحة العليا للوطن، لم أستطع أن أتحدث في هذه الذكريات التي قرأتموها. لم أستطع أن أضع كل ما سجلته المطبعة لكي يطبع. خمس سنوات من المعاناة .. ولكنى أحمد الله سبحانه وتعالى وأنا التقى بكم اليوم كأعلى قيادات في هذا البلد في مؤتمر.. أحمد الله.. أننى أستطيع وبعد مرور السنوات الخمس.. سنوات المعاناة هذه.. ان اضع أمامكم تقريرا كاملا كما بدأت في حديثى.

         كلكم تعلمون ماذا كانت عليه الأوضاع عقب وفاة عبد الناصر مباشرة .. كانت البلد ممزقة .. والصراعات .. والخلافات .. مراكز القوى وكل واحد منهم يريد أن ينال نصيبا من التركة .. وحين أقول معاناة فاننى أعنى في المقام الأول اننى عانيت من الحقد الذي استشرى في البلد.. الحقد والتفكك تفكك العائلة المصرية .. البعض حاقد .. البعض الآخر مجروح .. بعض اخر تائه .. وفوق كل هذا أمامنا اسرائيل على الضفة الشرقية لقناة السويس ولم يكن من سبيل أمامى لكي ابدأ الا أن أضع هدفين أساسيين.. الهدف الأول هو ازالة هذا الحقد المستشرى في البلد بإزالة الصراعات ومراكز القوى كلها وتصحيح مسار الثورة. وفي نفس الوقت كان على أن تكون عينى دائما على أرضنا المحتلة وعلى قواتنا المسلحة وعلى المعركة المقبلة.

         من هنا كانت المعاناة.. ويهمنى هذا علشان أربط التاريخ. تاريخنا في حلقات متكاملة .. بيهمنى لازم ارجع لسنة 70 من أولها علشان زي ما قلت قبل كده في خطاب من خطاباتي .. تاريخنا عبارة عن سلسلة حلقات تكمل بعضها البعض ليست مقطعة والا فاننا وأجيالنا المقبلة سنواجه ألاما ونواجه متاعب شديدة إذا لم نعرف تاريخنا وإذا لم يكن تاريخنا فعلا متصل الحلقات.

         أعود إلى سنة 70 في أول هذا العام كما قرأتم سافر عبد الناصر- الله يرحمه- للاتحاد السوفيتى في أواخر يناير 70 بعد ضرب أبو زعبل واتفق على تزويدنا بصواريخ سام 3 واتفق أيضا على أن تأتى أطقم سوفيتية تدير هذه الصواريخ إلى ان تنتهى الأطقم المصرية من التدريب على تشغيل هذه الصواريخ.

         وكان مقدرا ان الأطقم المصرية بتاعتنا تنتهى من تدريبها في أغسطس 70 كلنا نذكر ان اسرائيل في حادث أبو زعبل كانت داخلة على عمق الجمهورية .. ضربت أبوزعبل .. ضربت معسكر دهشور على بعد ربع ساعة من القاهرة.

         وقالوا احنا ضربنا دهشور على بعد ربع ساعة من القاهرة وسماء مصر مفتوحة أمامنا.. كان لا بد ان نعجل بالصواريخ الجديدة لأن الاتحاد السوفيتى ما كانش بيدينا غير الصاروخين سام 1 وسام 2 ودول ما بيأثروش على الارتفاعات الواطية دول للارتفاعات العالية بس.

         من هنا جه حرص عبد الناصر على انه في فترة الفراغ اللى ما بين استلامنا للصواريخ في فبراير ومارس 70 الى أن تنتهى الأطقم المصرية بتاعتنا من التدريب عليها في أغسطس 70 في هذه الفترة من فبراير ومارس الى أغسطس تأتى أطقم سوفيتية علشان تشغل هذه الصواريخ وجت فعلا الأطقم السوفيتية مع الصواريخ.. وزى ما حكيت لكم في خطابي الماضي عاد عبد الناصر وهو سعيد جدا لان الاتحاد السوفيتى موش بس وافق على صاروخ سام 3 بل وافق ايضا على مطلبين اخرين كانوا لنا يمثل احدهما وأنا حكيت عنه.. الحرب الألكترونية ويمثل الأخر سلاح للردع وده اللى كان دائما محور خلافنا مع الاتحاد السوفيتى من وقت عبد الناصر لغاية انا ما توليت الى ان انهيت وجود الخبراء السوفيت سنة 72 زى ما حاحكى.

         جه عبد الناصر .. وصلت الصواريخ .. وصلت الأطقم السوفيتية لكن الباقى ما وصلش.

         في أول مايو سنة سبعين وفى عيد العمال وكنا في شبرا الخيمة اتجه عبد الناصر في خطبته رسميا وأمام العالم كله بالخطاب الى الرئيس نيكسون وأمريكا والخطاب موجود ومسجل .. ليه ؟ .. في المشكلة اللى احنا فيها أمريكا طرف رئيسي أن ماكانتش هي الطرف الرئيسي فهي طرف رئيسي هي اللى بتعطى اسرائيل زى ما قلت أنا قبل كده من الزبدة والعيش الى المدفع والى الدبابة والطائرة .. وهي اللى وافقت سنة 67 بإشارة بالنور الأخضر للهجوم على مصر.

         ومن يتجاهل هذه الحقيقة يتجاهل شيء اساسي في حقيقة الصراع اللى احنا عايشينه النهاردة.

         اتجه عبد الناصر بالخطاب الى نيكسون وطلب ان أمريكا تحدد موقفها سلبيا أو ايجابيا انها تقول حتى إذا كانت موش قادرة تعمل حاجة تقول تعلن.

وجت مبادرة روجرز بعد هذا الخطاب بشهر طلع ما يسمى بمبادرة روجرز من أمريكا المبادرة كان فيها شيئين أساسيين الأمر الأول هو الانسحاب..

         الأمر الثانى .. هو ايقاف اطلاق النار ولمدة تسعين يوم في ذلك الوقت وبدءا من سنة 69 مش 70 واحنا في حرب استنزاف واستمرت طول 69 في يوليو 69 ادخلت اسرائيل سلاح الطيران الإسرائيلي كعنصر من عناصر الضرب والردع بالنسبة لنا اللى تطور بعد كده في أوائل 70 زى ما حكيت لكم انه دخل على العمق في أبو زعبل وكان داخل الى عمق الجمهورية لغاية اسكندرية.

         المبادرة كان فيها شيئين اثنين: الانسحاب.. ووقف اطلاق النار لمدة تسعين يوم.. ثلاث أشهر.. في هذه الأثناء انا قلت لكم عبد الناصر سافر في أوائل 70 في أواخر يناير وجه أول فبراير مرة أخرى سافر في هذه السنة نفسها 70، سافر في يوليو الى الاتحاد السوفيتى وكانت مبادرة روجرز طلعت وأعلنت للعالم ومستنية أمريكا ردنا على هذا واحنا مستمرين في حرب الاستنزاف راح عبد الناصر لموسكو تاني مرة في يونيو وقبل ما يسافر في هذا الرحلة أعددنا لها اعدادا كاملا.. طريقة السوفيت.. أسلوبهم انه لا بد ان يكون عندهم المسائل جاهزة علشان يستطيعوا ياخدوا قرار قبل ما يوصلهم الضيف اللى رايح لهم.. وكان موجود هنا سفيرهم المرحوم فينوجرادوف الأول، وكان صديق عزيز لمصر.. وكان لأول مرة باقولها طول فترة خدمته منذ 67 الى سنة سبعين اللى توفى فيها كان كل يوم اتنين بيجينى في بيتي الساعة 11 صباحا عشان نعيد تقييم الموقف وتفضل الأمور واضحة بالنسبة لنا لأنه ما كانش لنا في هذا الوقت زى ماكلكم عارفين الا الاتحاد السوفيتى وكانت علاقاتنا مقطوعة بأمريكا.. علاقاتنا منقطعة مع العالم العربى كله .. علاقاتنا منقطعة مع غرب أوروبا ماكانش في الواقع حد نعتمد عليه إلا الاتحاد السوفيتي في ذلك الوقت فأنا اتفقت مع عبد الناصر فعلا وجعلنا كل يوم اتنين الساعة 11 بلا موعد والكلام ده ثابت عندهم.. عند السوفيت هناك، بلا موعد بييجى كل يوم اثنين الساعة 11 اسبوعيا لغاية مامات الراجل.. من سنة 67 الى سنة 70 نقعد ونعيد تقييم الموقف.. اعادة تقييم المواقف أو.. أو.. وبينصرف الراجل بعد ساعة أو ساعتين حسب الحال ونقعد نتكلم ونشوف ايه الصورة.

         وقبل زيارة عبد الناصر دى جهزنا لها لمدة شهر كامل وكان التجهيز زى ما حكيت لكم أساسه أحنا عايزين الحرب الألكترونية وعايزين سلاح الردع.. وعدوه في يناير.. نفذوا سام 3 والأطقم السوفيتية لكن ماجتش بقية الوعود فجهزنا وقعدنا شهر كامل، وحتى قبل ما يسافر عبد الناصر وانا باتكلم وياه قلت له انا في تقديرى الدور ده لا بد كل شيء حينتهى فعلا لانه كل شيء جاهز عند القادة السوفيت قبلها بشهر وكل شيء واضح تماما.

         سافر عبد الناصر ماردش على الأمريكان في مبادرة روجرز وسافر وراح قعد معاهم، وفي أثناء سفره كنت أنا رئيس اللجنة السياسية باللجنة المركزية للاتحاد الاشتراكي، جمعت اللجنة السياسية، وبعد دراسة كاملة لمشروع روجرز قررنا بالإجماع التوصية برفض هذا المشروع.. ومسجل هذا الكلام .. وعبد الناصر كان في موسكو وقت ما اجتمعنا احنا لان في هذه الرحلة قعد أكثر من عشرين يوم.. ورجع عبد الناصر وشفته متهلل وصحته طيبة ممتازة، دخل مصحة هناك.. أنا انصرف ذهنى طبعا الى انه دائما معنوياته بتبقى عالية لما يبقى حاسس ان طلباتنا بتجاب .. لان المعركة ما فيش مفر منها.. وكان كل جهدنا وعملنا وتركيزنا عشان المعركة. صحيا كان ممتاز لكن نفسيا بعد ما وصل مباشرة في نفس اليوم .. وأنا بأوصله البيت.. وبسأله قال لى للأسف حالة ميئوس منها تماما ليه ده احنا مجهزين الرحلة من قبلها بشهر وكل شيء عندهم هناك.. فقال والله يعنى واحدة من اثنين. ده نص كلامه الله يرحمه أما ان هذه المعلومات اللى انت شهر حكيت لى عنها ورويتها وادتنى تقرير كامل ووصلتها لهم.. وأنت والسفير السوفيتى جهزتم كل شيء وانا مسافر وفاهم ان كل شيء جاهز على القرار ولا بد اخذوه هناك لان هم خدوا وقتهم كفاية.. قال لى واحدة من اثنين: اما انهم ماوصلتهمش هذه المعلومات كلية أو انهم بيتعمدوا اهمالنا انا يعنى حقيقة صدمت بهذا نفسيا كان في حال سيئة جدا جدا.

         وقال لى أنا اضطريت أن أعلن على ترابيزة المفاوضات بالكرملين أمام الزعماء السوفيت الثلاثة قبولى لمبادرة روجرز وصل بيه لأنه شايف زى ما قال واحدة من اثنين .. أما ما وصلتهمش معلومات خالص تبقى أجهزتهم بقى ما احناش عارفين ايه اللى فيها أو وصلتهم ومتجاهلين كل شيء تماما في الأيام اللى قعدها في المفاوضات قبل ما يروح للاستشفاء.

         فقال لى اضطريت أقبل وأعلنتهم على ترابيزة المفاوضات في الكرملين بقبولى لمبادرة روجرز وغضب برجنيف.. كان في أقصى درجات الغضب وعبد الناصر قال له .. ما فيش أمامى أبدا ازاء المعاملة اللى أنا شايفها منكم الا انى أقبل مبادرة روجرز.. ورجع وعاد.. ولما شرح لى قلت له: ده انا جمعت اللجنة السياسية في اللجنة المركزية ومتخذين توصية برفض مبادرة روجرز قال ادى واقع الحال وادى واقع الصورة اهه.

         وأعلن قبوله لمبادرة روجرز في مصر هنا بعد ما أعلنها لقادة الكرملين هناك الثلاثة على ترابيزة المفاوضات.

         عبد الناصر ماكانش يوصل لهذا القرار بسهولة ابدا.. وخاصة زى ما قلت انه كانت خطوطه مقطعة مع الكل.. مع أمريكا.. ومع غرب أوروبا.. مع العرب.. مع ناس كثيرين جدا في العالم.. ما فيش غير الاتحاد السوفيتى.. مجال المناورة.. هو كان مناور.. مجال المناورة ما فيش قدامه.. محدود.. وده اللى كان مخليه في حالة نفسية سيئة واللى خلاه يتخذ هذا القرار.

         قامت قيامة العرب علينا.. زى بالضبط اللى بيجرى النهاردة في فض الاشتباك الثاني وباشرس من اللى جرى في الأيام الماضية على عبد الناصر.. بمنتهى الشراسة على عبد الناصر وعلى مصر.. ومش قادر الراجل يحكى ليه هو قبل هذا.. باحكيها انا النهاردة .. وباهديها لكل انسان في العالم العربي وباهديها لإخواننا اللى في الاتحاد السوفيتي النهاردة بيرسم لهم الخطط وبيديهم الأخبار والمواقف.

  قامت قيامة العالم العربى.. مش العالم العربى طبعا كله .. انما اخواننا الفلسطينيين بالذات كانوا أشرس من الشراسة في الحكاية دى جرحوه جرحوا عبد الناصر الله يرحمه.

         وطبعا الهجوم انصب مش على عبد الناصر.. على عبد الناصر وعلى مصر.. نفس اللى تكرر أخيرا في عملية فض الاشتباك الثاني وقبلنا مبادرة روجرز وعبد الناصر، قال كلمة الانسحاب لما تيجى يبقى لازم نشتغل عليها ونتكلم فيها ومانضيعش هذه الفرصة أبدا وأى انسحاب على الأرض لا بد نقبله.

         أنا باحكى الكلام ده ليه.. باحكى الكلام ده لانه النهاردة الاتحاد السوفيتى من ضمن اللى لابسين قميص عبد الناصر لبسوه كثير اللى كانوا بيشتموا عبد الناصر اللى أنا حكيت عنهم هنا.. في الخطة التنظيمات والتيارات وحزب البعث في سوريا.. وفي العراق وفي كل دول يعنى معروف ايه اللى قالوه لانه مسجل في الصحافة والصحافة موجودة، لكن النهاردة من ضمن بقى اللى لابسين قميص عبد الناصر الاتحاد السوفيتى.

         بعد عبد الناصر الدنيا راحت طبعا بخلاف الثانيين اللى لهم أغراض في نفوسهم واللى حكيت عنهم أنا هنا.. قبلنا المبادرة واليهود فوجئوا بقبولنا المبادرة لأنهم وافقوا عليها على أساس أنه مية في المية عبد الناصر هيرفضها.. وفعلا قعد أكثر من شهر ونص مايردش وعلى عادتنا احنا العرب اليهود متعودين.. لا.. لا.. لا..

         والانفعال اللى مالوش أساس .. اتورطوا وأعلنوا قبولهم للمبادرة قام جه عبد الناصر وقال أنا قبلت المبادرة عندئذ بدأ تحرك جديد أنه اليهود عايزين يتخلصوا لان المبادرة فيها كلمة انسحاب، وهم لما وافقوا وقالوا عبد الناصر بقاله شهر ونص وفي موسكو موش هيوافق عليها والعالم العربى طبعا حوالينا أخواننا المتحمسين والعنتريين كلهم قالوا رأيهم و.. و.. و..

         اتخموا اليهود فيها.. وافقوا.. لما جه عبد الناصر ووافق اسقط في أيديهم يعملوا ايه.. طلعوا حكاية ان مصر حركت الصواريخ نقضا لمبادرة روجيز.. الله طيب دى أرضي .. ده الضفة الغربية أرضي والضفة الشرقية برضه أرضي . تحريك صواريخ ايه.

         هما عايزين يخلصوا من كلمة الانسحاب اللى عبد الناصر ورطهم فيها بقبول مبادرة روجرز.

         وبدأت مناورات عنيفة وفي ذلك الوقت كان طبعا خطوطنا كلها مقطوعة في كل اتجاه وخاصة مع أمريكا صاحبة أكبر قسط في هذه المعركة.

         أمريكا خدت الدعاية الاسرائيلية ومشتها.. عبد الناصر نقض مبادرة روجرز وعليه.. فالمبادرة اتنقضت وفي هذا الجو المحموم اللى العرب بيشتموا فيه، والفلسطينيين بالذات بيشتموا بشراسة- يشتموا عبد الناصر ومصر - واللى اليهود والأمريكان بيرتبوا علشان اسقاط هذه المبادرة مات عبد الناصر في 28 سبتمبر سنة سبعين.. واتوليت انا.. كان على انى اكمل.. وانا باحكى حكيت الجو ده ليه.. علشان اقول ان الععلية بتكمل بعضها كل