خطاب الرئيس أنور السادات، فى افتتاح دورة مجلس الشعب ، 18/10/1975
المصدر: "قال الرئيس السادات، الجزء الخامس 1975، السكرتارية الصحفية لرئيس الجمهورية، ط 1982، ص 316- 319
"

 

بسم الله

ايها الأخوة والأخوات اعضاء مجلس الشعب

         احييكم واهنئكم ببدء هذه الدورة الجديدة لمجلسكم الذى ارجو ويرجو الشعب معى ان تكون مثل سابقاتها عملا وانتاجا.. لقد عاش مجلسكم ايها الأخوة والأخوات تطورات وتحولات جوهرية فى حياة بلادنا،. فأمامكم اعلنت مبادرتى الأولى الخاصة بفتح قناة السويس ولم تكن مجرد مبادرة سياسية بل اشارة الى اول تحرك واسع لانهاء كابوس اللا حرب واللاسلم.. وقد شاركتم بعد ذلك بدور مرموق فى قرار تصفية مراكز القوى وتصحيح مسار ثورة 23 يوليو بثورة مايو، كما انكم واكبتم بعملكم التشريعى ما اتخذته من خطوات لوضع الدستور الدائم وارساء دولة المؤسسات وسيادة القانون بما استلزمه هذا من قوانين وتشريعات ثم كان اعلان سياسة الانفتاح الاقتصادى وما استلزمته بدورها من قوانين.. وامامكم جئت فى يوم من امجد ايام حياتى وقواتكم الباسلة قد عبرت قناة السويس ودحرت العدو.. جئت اليكم ونحن فى اوج انتصارنا لأقول لكم وللعالم اجمع اننا انما نحارب من اجل سلام عادل ولأعلن مبادرة اخرى بعقد مؤتمر دولى تحضره كل الاطراف لوضع هذا الحل النهائى العادل.. وفى قاعتكم هذه احتفلنا بتكريم ابطال قواتنا المسلحة بعد ان ظهر ان ما بذلوه من تضحيات ودماء لم يحقق اهداف المعركة فقط بل غير موازين المنطقة الى الأبد ودفع سلسلة من المتغيرات العالمية ما زالت تتوالى الى الآن.

         ولقد عشتم معى ايها الأخوة والأخوات كل الايام التاريخية والاحداث العاصفة حتى انتصرت راياتنا فى كل مجال وخرجنا من ظلمات النكسة الكثيفة الى عتبة جديدة من النور والأمل لشعبنا العظيم.

         عشتم معى ايها الأخوة والأخوات.. عشتم معى هذه الملحمة النضالية الرائعة كلها، ولكن الأحداث مع ذلك لا تهدأ والنضال لا يتوقف وما حققناه من انتصارات وفتحناه من طرق وآفاق جديدة يتطلب منا المزيد من الجهد والعمل لنحقق سويا لشعبنا الباسل الصبور كل الأمال التى اشرقت على افقه ونحولها كلها الى حقائق يلمسها فى حياته ولسوف تتقدم لكم الحكومة ببرنامجها وخططها للعمل وسوف تناقشونها فيه، وأرجو ان يتم ذلك بالسرعة المطلوبة ولكننى كالعادة فى افتتاح كل دورة لمجلسكم الموقر احب ان اسجل واثبت امامكم المؤشرات الأساسية التى نهتدى بها فى عملنا خلال هذه المرحلة الهامة.. واذا كان حديثى هذا امامكم ينصب اساسا على جبهتنا الداخلية، فضلا عن اننى شرحت بالتفصيل فى خطابات قريبة سابقة سياستنا العربية والدولية الا ان الأمر يقتضى مع ذلك ان اعود فأثبت امامكم فى ايجاز مجمل هذه السياسة بالنسبة للموقف الدولى فنحن مع كل قضية عادلة ومع كل حركة تحرير وطنى لأننا نحن انفسنا اصحاب قضية وطلاب عدالة ونحن نؤمن بميثاق الأمم المتحدة ونطالب الغير باحترام الأمم المتحدة وتنفيذ مواثيقها وقراراتها.. ونحن ما زلنا وسنظل ان شاء الله نقوم بمسئولياتنا ومسئولية دورنا القيادى المرموق فى تجمعات دول عدم الانحياز ودول منظمة الوحدة الأفريقية موحدين صفوفنا معها في شتى القضايا السياسية والاقتصادية المطروحة على عالم اليوم.

         بالنسبة للدولتين الكبيرتين وبالنسبة لغيرها من الدول ذات النفوذ والمسئولية وبالنسبة للتكتلات الدولية التى لسنا اعضاء فيها كالسوق الأوربية المشتركة فان ايدينا ممدودة للجميع لا شرط لنا فى التعامل الا فهم واقعنا واحترام ارادتنا الوطنية.. ثم هناك بغير شك مدى تعاون اى طرف فى حل مشاكلنا وفى مقدمتها قضية الصراع العربى الاسرائيلى بوجه عام وحقوق الشعب الفلسطينى بوجه خاص.

         اننا نرى فى هذا مقياسا من مقاييس الصداقة والتفاهم واقامة المصالح المشتركة.. ذلك ان قضيتنا عادلة واننا لا نطالب الا بحقوقنا.. اما بالنسبة للموقف العربى وقضاياه المعقدة فان اسس سياستنا هنا ايضا واضحة.. واضحة ومستمرة.. ذلك انها ليست بنت الارتجال والانفعال ولكنها جاءت اثر دراسة متعمقة لكل ظروف شعبنا المصرى وامتنا العربية ونضالنا القومى والواقع الدولى المعاصر.. ثم ان هدفنا الأول الذى يحكم كل تصرفاتنا العربية والدولية هو تحرير كل الاراضى العربية المحتلة واسترداد حقوق شعب فلسطين وتمكينه من الامساك بزمام امره وحرية تقرير مصيره.

         وفى هذا المجال ليس لدينا ارض عربية اعز من ارضنا.. فالقدس ونابلس والخليل وجبل الشيخ ليست اقل اعزازا من القنطرة او العريش.. ومن هذا المنطلق فان سياستنا تقوم على الايجابية ومرونة الحركة مع ثبات الهدف الأخير وبالتالى عدم تفويت اى فرصة لتحرير الأرض العربية حيثما تكون.

         كذلك عدم تقليل الضغط لانجاز اى انسحاب اسرائيلى جديد.. وكل عاقل يعرف ان التحرير الكامل لن يتم دفعة واحدة ولكن المهم ان يبقى الضغط قائما والحركة مستمرة والانسحابات تتوالى وهذا هو ما يحقق النتائج العملية وليس الكلام فى الاذاعات.. هذا واجبنا وواجب كل طرف عربى.. ولذلك فحين فاوضنا على فك الاشتباك الثانى لم نكن نتحدث عن مصر وحدها والا لحصلنا على الكثير ولكنا كنا نتحدث عن سوريا وفلسطين ايضا وحصلنا على تعهدات من الرئيس الأمريكى فورد ليس باسمه الشخصى ولكن باسم الحكومة الأمريكية بانجاز فك اشتباك مماثل على الجبهة السورية وباتخاذ خطوة نحو الاعتراف بحقوق شعب فلسطين.. ولقد طاشت للذين هاجمونا سهام كثيرة وثبت أننا فتحنا الطريق لمن يأتى بعدنا.. واخر ما يتحدثون به الآن هو وجود شروط سرية.. وقد تحديانهم جميعا ان يثبتوا اننا التزمنا بأى شرط سرى فراحوا يتحدثون عن التزامات امريكية نحو اسرائيل.. هل هذه شروط سرية تخصنا ومن قال انه عليم بكل ما بين امريكا واسرائيل.

         ان الظاهر منه يكفى واسرائيل منذ قامت تحصل من امريكا على كل ما تريد دون ما حاجة الى فض اشتباك..

         وسلاح امريكا الذى لم يكن فى اسرائيل قبل المعركة وصل اليها فى قلب المعركة والى الميدان رأسا، وهذا امر فى حسابنا دائما.. على اننى انتهز هذه الفرصة لأسجل قلقنا واعتراضنا على كل تصعيد من جانب امريكا فى تسليح اسرائيل خصوصا من حيث

نوعية الأسلحة .. ان هذا لا يتفق مع الدور الذى تقوم به امريكا الآن فى المنطقة .. وان التصعيد من جانب لابد ان نقابله بتصعيد من جانبنا، والعواقب فى هذا المجال واضحة للجميع .

         ايها الأخوة والأخوات:

         إن كل موقف متحسن لكل طرف عربى اليوم عما كانت الأمور عليه قبل سنتين ليس إلا نتاج حرب اكتوبر المجيدة، واذا كانت حرب اكتوبر هى أول حرب عربية منتصرة ضد اسرائيل رغم اننا اتخذنا القرار فى جو شامل من اليأس.. فعجبى للذين يتحدثون وكأنها آخر ما فى طاقة الأمة العربية.. كلا.. اننا لم نلق السلاح ولم نوقع اية وثيقة نهائية.. وجهودنا بمؤازرة الأخوة العرب فى الأخذ بأسباب القوة معروفة للجميع لأننا نعرف انه بغير هذا الاستعداد المستمر للحرب لا يمكن ان نصل الى سلام يمكن ان يوصف بالعدل.

         ونحن نعرف ظروف شعب فلسطين كما نعرف ظروف منظمة التحرير ولطالما حذرت من تدخل اطراف عربية اخرى على قياداته، بل لقد اتخذ قرار بهذا فى مؤتمر قمة الرباط ولكن هذا القرار لم ينفذ.. ولا زالت هذه التدخلات تؤثر على موقف الفلسطينيين تضيع الوقت والفرص فى قضية سماها العالم بحق قضية الفرص الضائعة.. على ان التزامنا الفلسطينى قائم رغم كل شىء... بل ان اساس حساباتنا ان تكون سنة 76 هى سنة فلسطين.

         لقد لعبنا الدور الأكبر فى تجميع الاعترافات الدولية بها، وفى دخول المنظمة الى هيئات دولية كثيرة وسوف نواصل النضال بشتى الطرق حتى تتحقق للشعب الفلسطينى امانيه المشروعة، ولا اترك هذه المناسبة دون ان اشير الى ما جرى ويجرى فى البلد الشقيق العزيز لبنان.

         اننى لا اجد من المناسب ولا من المفيد ان اقول اى شىء يمكن ان يكون تدخلا فى شئون لبنان الداخلية.. ولكن هذه الاحداث فوق انها تهدد كيان لبنان ذاته فهى تهدد بجر المنطقة كلها الى احداث غامضة.. ومجالات للتآمر لا نعرفها.. وفتح ثغرة هامة امام اسرائيل سياسيا ودعائيا وعسكريا خصوصا مع الوجود الفلسطينى هناك.

         من هنا فمسئوليتهم فى لبنان ليست لبنانية فقط ، بل عربية ايضا.. ومن هنا فاننى اتمنى على كل الاطراف المسئولة هناك ان تواجه الصعاب والخلافات بصراحة وتعقل، وان تواجه التطور المطلوب بالصراع السياسى وليس بالصراع العسكرى.

         ان كارثة فى لبنان قد تكون اكبر فى حجمها من كارثة فلسطين سنة 48 والوقت لم يفت لاطفاء الفتنة، وقطع الأيدى المدسوسة، وسلوك طريق العمل السياسى لتطوير اوضاع لبنان كما يريد شعب لبنان.. ان منطقتنا العربية- وفيها لبنان- لا تعرف الا التسامح الدينى وقد كانت مهبطا لكل الاديان .

         والاقتتال فى لبنان اذا كان يتبدى أحيانا فى لون طائفى الا انه لا يمكن فى جوهره ان يكون كذلك، وقد عرف لبنان تعايش الطوائف وتداخلها وامتزاجها قرنا بعد قرن.

         نحن نريد للبنان ما اراده له مؤسسوه.. ليس للاستعمار مقرا ولا ممرا، ونموذجا للتعايش بين الطوائف والمذاهب، ونافذة عربية على العالم، وجهها عربى، وقلبها ايضا عربى، وليس لى الا ان اوجه نداء سيفهمه الجميع: " ان ارفعوا ايديكم عن لبنان،.

         ايها الأخوة والأخوات اعضاء مجلس الشعب:

         انكم تبدأون دورتكم هذه وقد تبلورت اركان مرحلة تحول هامة، وتشكلت ملامح مجتمع جديد.. ولقد تحدثت اليكم والى الشعب عن معاناة السنوات الخمس.. وشرحت بعض جوانبها وخفاياها بقصد ان نستخلص جميعا العبرة الصالحة منها .. حدثتكم عن معاناتى وانا فى موقع المسئولية اكظم الألم واعالج الصعاب.. واجهز رغم كل شىء للمعركة دون ان يكون من حقى ان ابوح واصارح بكل شىء.

         وحدثتكم ايضا عن معاناة شعبنا الذى لم يكن يعرف حقائق كثيرة، ولكنه كان فى اغلبيته الكبيرة وبفطرته السليمة، يحس ان ساعة الحق قادمة، حتى تحقق لنا بعون من الله ذلك النصر المبين، ولكننا الآن فى مرحلة مختلفة وفى جو مختلف تماما .. نحن الآن لا نغص بتراب الألم بل نتنفس رياح النصر والأمل.. لقد عبرنا المرحلة الحرجة.. خرجنا من جو الشكوك والغموض وعدم الثقة الى جو من الوضوح والانفتاح والانفراج.

         وتم الاختبار القاسى للشعب وللجيش وللقيادة، وخرج الكل من نار التجربة مصقولا لامعا.. ونحن نعيش الآن فى جو جديد تماما.. الحقائق فيه كلها معلنة، والمعلومات متوفرة، والصورة واضحة، والمناقشة فى ضوء هذا كله حرة.. لم يبق اذن مجال للكبت أو التمزق، ولا مجال ايضا لبث روح الهزيمة والتشاؤم، حتى مشاكلنا وامراضنا نعرضها علنا ونعرفها ونعالجها بمشاركة من الجميع، فلم يعد هناك مجال ولا مبرر للتعبير عن الرأى خلال مسارب خفية، أو خارج اطارات المؤسسات التى اكتمل بناؤها .

         ان ورقة اكتوبر التى استفتى عليها الشعب والتى سوف تظل من اهم وثائق تجربتنا الثورية والنضالية كان احد مرتكزاتها الرئيسية ان اى ثورة لا تنجح حقا الا اذا تحولت الى نظام .. نظام قادر على القيام بذاته دون اجراءات استثنائية من اى نوع..واننا بالتالى- وكما قلت فى مناسبات سابقة- قد انتقلنا من مرحلة الشرعية الثورية الى مرحلة الشرعية الدستورية.. ومن هنا اصبح لدينا لأول مرة دستور دائم هو ابو القوانين كلها واساس الشرعية كلها.. والدساتير فى العالم كله يمكن ان تعدل او يضاف اليها، بل ان كل دستور ينص دائما على الطريقة الشرعية لتعديله او للاضافة اليه.. وهذا شىء آخر تماما غير المساس بالدستور او الخروج على احكامه.. هنا يكون من حق المجتمع ان يتصدى لكل محاولة للمساس بدستوره الذى يشكل نظام حياته التى ارتضاها.

ونحن لم نكتف بوضع هذا الدستور الدائم، ولكننا بذلنا سويا جهدا جبارا فى انجاز الكثير من القوانين والتشريعات المكملة له، وبذلك قامت المؤسسات كلها ومارست ادوارها فعلا.. وقد تم هذا كله بسرعة، ومارست المؤسسات ادوارها فورا.. وكل ذلك خلال اخطر الظروف، وهى ظروف الاستعداد للمعركة، ثم المعركة ذاتها، والمعجزة ان هذا كله تم بأقل عدد من الاخطاء، وها نحن نرى السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية والتنظيم السياسى تمارس ادوارها وتحسن ادائها يوما بعد يوم.

         ولابد ان اشير هنا الى مؤسسة وطنية اخرى بالغة الأهمية فى حياة اية امة وهى قواتنا المسلحة..

         لقد استردت قواتنا المسلحة امجد تقاليدها فى حياة شعبنا، لم تعد ساحة للأهواء والأغراض، ولا وسيلة لتحقيق مآرب سياسية او شخصية.. وقد صهرتها حرب اكتوبر المجيدة.. وهكذا عادت من باب النصر الى دورها الوطنى الأوحد وهو الذود عن حياض الوطن وحماية عزته وكرامته، والدفاع عن الدستور الذى هو اساس الشرعية فى هذا الوطن، وبعد ذلك فانى احب ان اسجل النقاط الآتية امامكم فى ايجاز.

         اولا: ان الاشتراكية هى الطريق الذى اخترناه للتقدم، ولم يكن اختيارنا لها اعتناقا ولا تفلسفا، ولكننا اخترناها بعد دراسة لتطور تاريخنا وبعد تجارب عدة وبوعى كامل لظروفنا.. اشتراكيتنا التى نص عليها فى صلب الدستور هى الطريق الأوحد والأسرع للتقدم ولتحقيق العدالة الاجتماعية معا.. انها اشتراكيتنا لا يفسرها لنا غيرنا لأننا استنبعناها من تربة هذا الوطن ومن خلاصة نضال شعبنا.

         ثانيا: ان تحالف قوى الشعب العامل هى الصيغة التى توصلنا اليها وارتضيناها ايضا لاجتياز مرحلة التحول والتقدم بأقل من الصراع.. ومن التضحيات.. وهى صيغة كفلت لنا السلام الاجتماعى ، وجنبتنا دموية التطور، واعطتنا ساحة عريضة للديمقراطية، إذ ضمت اوسع الجماهير خصوصا تلك التى عاشت قرونا طويلة بعيدة عن ان يكون لها صوت او ان يكون لها دور فى صياغة الحياة على ارضنا.

         ثالثا: ان من اهم معانى هذه الصيغة- صيغة تحالف قوى الشعب العاملة- ان من حق اى فئة ان تعبر عن نفسها، وان تدافع عن مصالحها، ولكن ليس من حق أية فئة ان تغطى على غيرها أو أن تحاول فرض رأيها بالقصر على سواها.

         رابعا: ان هذا التسلسل والترابط الواضح فى حركتنا يصل بنا الى نتيجة هامة، هى ان كل جهدنا الداخلى يجب ان يتفرغ تماما- والى اقصى حد- للانتاج .. ان هذا كله يخلق لنا فرصة ايجاد مجتمع المنتجين ، ومجتمع المنتجين لا مكان فيه لمحاولات العرقلة أو التشويش.

         ان رفع مستوى شعبنا هو غاية الغايات، وهو الوفاء الأكبر لهذا الشعب الصابر الدؤوب، ولا وسيلة لهذا الا الانتاج وزيادة الانتاج وتحسين الانتاج، واى تعطيل لهذه المهمة هو جريمة فى حق الوطن، جريمة لا نستطيع ان نتسامح ازاءها والا نكون بذلك قد فرطنا فى حق الأغلبية الساحقة العاملة من هذا الشعب.

         ان الطريق ليس سهلا، والرخاء الذى بلغه غيرنا لم يبلغه الا بالجهد والانتاج ، وبتقديم الواجب على الحق، ومثلنا لا يملك طرف الانشغال عن الانتاج بالظروف النوعية، ولا يملك طرف المطالبة بالاستهلاك قبل الوفاء بمتطلبات الانتاج، تلك معادلة بديهية علينا ان نطبقها بكل ما نملك من طاقة ومن قوة ومن حزم.

ايها الأخوة والأخوات:

         اننى ارى امامى هنا السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية مجتمعين ولهما كلاهما اوجه حديثى.

         ان الوزارة كما قلت ستعرض برنامجها للعمل ليتحول بسرعة الى تشريع ثم انجاز، ولكن هناك من بين كل الأمور التى سوف تعالجونها ما اصر على انجازه فورا وبكل حسم ودون ابطاء:

         - اولا: تحطيم كل عوائق الانفتاح.. لقد اعلنا سياسة الانفتاح ثم جاء النصر فجلب الينا الراغبين فى المساهمة فيه من كل صوب ومن كل فج عميق.. وجريمة الجرائم ان نترك هذه الفرصة تتأخر او تضيع.. نعم لدينا الكثير الذى يجب تغييره.. والحسم فيه من قوانين ولوائح.. ولدينا الكثير مما يجب كسره من اختناقات ولدينا مهمة توفير البنية الاساسية والخدمات المطلوبة لتشجيع الانفتاح.. كل هذا يجب ان يتم بسرعة وبشجاعة وبيد ثابتة.

         لا أريد ان ارى قوانين ولوائح تتغير بين يوم وآخر فتشيع الأرتباك.. الدرس العميق المتجرد، ثم البت السريع.. هذا هو الأسلوب الذى لم يعد يحتمل اى تأجيل.. لا اريد ان يكون الانفتاح سحابة تمر فوق ارضنا ولا يهبط منها الا الرذاذ القليل، ولكننى اريد قدرة على الاستيعاب تملأ ارضنا كلها بالخضرة والنماء.

         - ثانيا: التفتيش عن كل ما يشل او يفسد فى جسد القطاع العام، والحساب بالثواب او العقاب دون تردد.. ذلك ان القطاع العام الذى اقيم من عرق الشعب ووصلت قيمته الى آلاف الملايين من الجنيهات سوف يظل هو قوتنا الضاربة فى ساحة التقدم والبناء والعمران.

         - ثالثا: الاسراع فى اعادة النظر فى نظم الضرائب تشريعا وتطبيقا.. نريد قوانين مبسطة فعالة غير مربكة.. نريد قوانين تحصل حق الشعب كاملا من كل دخل ايا كان مصدره ومهما كان صاحبه فلا يمكن ان يستمر الوضع الراهن الذى يدفع فيه الضرائب ذوى الدخل المسجل المحدود ونترك شتى مصادر الدخول الكبيرة دون الوفاء بهذا الحق.

         اننا نشجع كل فرد على العمل والكسب المشروع والاستثمار بغير حدود، ولكن يقابل هذا واجب الوفاء الكامل بحق المجتمع وهو يتمثل اساسا فى الضرائب المشروعة.

         - رابعا: ان من اسس اشتراكيتنا كما قلت مرارا مظلة التأمين على كل فرد فى هذا الوطن، من العاصمة الى ابعد قرية فى الريف

أو واحة فى الصحراء.. التأمين عليه فى رزقه، وفى صحته، وفى عمله، من مولده الى اخر عمره.

         وقد قطعنا فى هذا السبيل معظم الشوط ولكننى اصر على ان يتم هذا ويصل الى كل فرد من هذه الدورة بالذات وقبل نهاية سنة 1976

         - خامسا: تخفيض الانفاق العام فى الدولة والمرافق، خصوصا كل ما يتعلق بالشكليات والكماليات، ولقد امرت بتخفيض ثلث ميزانية رئاسة الجمهورية وتحويلها الى مجال التأمينات المختلفة على المواطنين.

         واريد ان يكون هذا مثلا يحتذى فى كل مجال، فمجتمع المنتجين لا يرى ان يرضى مظاهر الاسراف او التسيب او المظهريات فى اى مجال.

         واذا كان لى ان الخص ما انجزناه سويا فى السنوات الماضية.. وهذه هى دورة مجلسكم الموقر الأخيرة ، فاننا سنجده شيئا رائعا وعظيما.. لقد استلهمنا سويا لأول ما استلهمنا الشخصية المصرية ذات الابعاد الثلاثة، وهى " الاصالة.. والصلابة.. والايمان " دون استيراد مبادىء من خارج هذه الأرض.

         وانتقلنا ايضا بالواقع المصرى من حالة الشرعية الثورية التى استهدفت تغيير مجتمع ما قبل ثورة يوليو الى الشرعية الدستورية التى تقنن وتثبت الأوضاع العامة للمجتمع.. وبدلا من الصراع الطبقى الذى يقوم على الحقد والخصام الاجتماعى وحل الأمن والسلام الاجتماعى الذى يقوم على قيم القرية المصرية وهى الحب والتعاون داخل العائلة الواحدة.

         واصدرنا ايضا الدستور الدائم واعيد بناء الاتحاد الاشتراكى على اساس ورقة التطوير، وتعدد المنابر، واعيد تنظيم الصحافة على اساس اعتبارها سلطة رابعة من سلطات النظام السياسى من خلال تكوين مجلس الصحافة الاعلى الذى يرأسه الأمين العام للاتحاد الاشتراكى ويحكمه ميثاق الشرف الصحفى ويتمتع بكامل حريته فى حدود القانون.

         واعدنا سويا القضاة المفصولين عام 69 الى مناصبهم، واعدنا صيانة حرمة القضاء واستقلاله بعد ما ناله ما ناله.

         واعدنا سويا سيادة القانون، والغينا سويا جميع الاجراءات الاستثنائية التى اتخذتها الثورة على مدى ثمانية عشرة عاما، وخاصة فيما يتعلق بالحراسة ومصادرة الاموال والممتلكات ، واحكام السجن والاعتقال، وفتح الابواب امام جميع المصريين المغتربين منذ الخمسينات للعودة الأمنة دون استثناء الى ارض الوطن. واشتركنا سويا فى اقامة دولة المؤسسات والدولة العصرية ذات المجتمع المفتوح، دولة العلم والايمان ترجمة لثورة التصحيح.

         واشتركنا سويا فى تقرير سياسة الانفتاح الاقتصادى، والانتقال من نظم اشتراكية مستوردة قائمة على ساق واحدة متورمة بيروقراطيا هى القطاع العام.. الى اشتراكية مصرية عربية هى اشتراكية الرخاء، نابعة من اصول وطنية وقومية، تقوم على ساقين قويتين هما القطاع العام والقطاع الخاص.

         وانهينا سويا مهمة الخبراء السوفيت فى مصر، وايدتمونى وايدتم قواتكم المسلحة بالاعتمادات عندما اصدرت قرار تنويع مصادر التسليح العسكرى، وذلك لعدم الاقتصار على مصدر واحد هو الاتحاد السوفيتى، ووافقتم على البدء فى صناعة عسكرية عربية مشتركة مع الأخوة العرب.

         وبتأييدكم انتم ممثلى الشعب وبتأييد شعبنا العظيم قامت قواتنا المسلحة فى 6 اكتوبر بانهاء خرافة التفوق الاسرائيلى الى الأبد.

         لقد استعدنا فى هذا اليوم ثقتنا فى انفسنا، وثقة العالم بنا وبأمتنا العربية ، بعد ظلام طويل من التمزق والانهزامية، ثم ما تبع ذلك كنتيجة لهذا الذى تم من ظهور العرب كقوة سادسة فى عالم اليوم.

         وطرحت ورقة اكتوبر التى ترسم تصور ثورة التصحيح لخريطة الحركة المصرية سياسيا واجتماعيا واقتصاديا وثقافيا حتى نهاية القرن العشرين، وحصلت بالاستفتاء الشعبى على اكثر من 99% من اصوات الناخبين، وشاركتمونى وايدتمونى ايضا فى تصفية ما انكشف من مراكز قوى جديدة بعد التصفية الأولى عام 1971 ثم اشراك قيادات حرب اكتوبر وحركة التصحيح فى السلطة، وشاركتمونى فى اعتماد سياسة الوفاق العربى والاسلامى فى علاقات مصر العربية والاسلامية دون ما انحياز او انحراف فى محاور سياسية أو عقائدية ونبذ الصراعات الاجتماعية والسياسية داخل الوطن العربى من اجل تضامن ووفاق عربى.. وشاركتمونى وايدتمونى فى الانتقال من علاقة صداقة خاصة مع الاتحاد السوفيتى وعلاقة عداء خاصة مع الولايات المتحدة الى علاقات متوازية فى صداقتها ومصالحها مع كل منهما وذلك دون تمييز او تفريط بين اشتراكية احدهما او رأسمالية الآخر.

         واخيرا فتحتم الطريق لشعبنا ولاجياله المقبلة لكى يعود الى المبادىء الستة لثورة يوليو باعتبارها المقاييس الوحيدة للالتزام.. وذلك دون ما تقيد بالقوالب او جمود فى الصياغات تلك التى فرضتها ظروف وصراعات سابقة خلال مسار الثورة، والتكيف مع التغيرات المحلية والعربية والدولية فى عصر الوفاق الدولى.

         اليس هذا انجازا رائعا لدوراتكم الأربع؟

         احمد الله وادعوه سبحانه وتعالى ان ينير لكم الطريق، وأن يبارك خطواتكم فى دورتكم هذه حتى تحققوا لمصر ما تصبو اليه.

         ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا.. ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا.. ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين.

         والسلام عليكم ورحمة الله.

 


المصدر: موسوعه مقاتل من الصحراء على شبكه الانترنت

 

Hosted by YallaHosting