خطاب الرئيس أنور السادات، أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة ، حول قضية الشرق الأوسط، 29/10/1975
المصدر: "قال الرئيس السادات، الجزء الخامس 1975، السكرتارية الصحفية لرئيس الجمهورية، ط 1982، ص 370 - 373"

السيد الرئيس:

         يسعدنى ان أجىء اليكم وألتقى بكم، فأضع أمامكم- ومن خلالكم امام العالم- تصورنا فى مصر بالنسبة لما يدور فى عالمنا، وان انقل اليكم انطباعاتنا بالنسبة للمنطقة التى نعيش فيها ، في حاضرها ومستقبلها.

         ويهمنى- منذ البداية- أن انقل اليكم تحية شعب مصر ، وأؤكد لكم ايمانه بمبادىء الأمم المتحدة ، والتزامه بأهدافها ، باعتبارها الاطار الذى تمثل فيه جميع شعوب العالم او أغلبها ، والتى احتفلت منذ ايام بمرور ثلاثين عاما على دخول ميثاقها دور النفاذ فىالرابع والعشرين من اكتوبر 1945.

         ويثلج صدرى ان أجىء اليكم بعد ان تجاوز عدد الاعضاء فى منظمتنا مائة واربعين عضوا، ولست اشك فى ان الاسباب التى حالت حتى الآن دون انضمام بعض شعوب العالم ودوله- بالرغم منها- الى الأمم المتحدة، سوف تزول فى القريب العاجل، وبذلك يتاح لها ان تشارك فى مسيرتكم التاريخية من اجل الحرية والعدالة والتقدم.

         كذلك فان اقتناعى تام بأن شعب فلسطين سوف يكون في طليعة هذه الشعوب ليسهم كعضو عامل في الأمم المتحدة وعن طريق ممثليه الشرعيين فى تلك المسيرة الخلاقة، تأكيدا لقواعد العدالة، ومبادىء الميثاق واحكامه.

         ويتوازى مع سعادتى بالتحدث اليكم، ان اجد امامى ومن حولى هذا العدد الكبير من الدول الصديقة ، التى تربطنا بها علاقات متينة، ويجمعنا بها تفهم وتفاعل ايجابى مع الخط السياسى الذى نسير عليه، وهو امر لا يرجع الى مكانة مصر وثقلها الاستراتيجى وتراثها الحضارى، بقدر ما يرجع الى الأسس التى نلتزم بها فى سياستنا، وهى اساسا : التعامل فى اطار الأخوة والصداقة، واحترام استقلال الدول وسيادتها، وعدم التدخل فى الشئون الداخلية، واخيرا، وليس  آخرا، التفاعل مع الظروف التى نعيش فيها وتحيط بعالمنا المعاصر فى دوائره المختلفة.

         وبالنسبة لمصر، هناك محور اساسى يأتى فى الدرجة الأولى، ويحتل مكانة خاصة فى جميع هذه الدوائر، وهى الدائرة العربية التى نحن منها وننتمى اليها، ولا شك ان العالم العربى قد اصبح كأسرة واحدة تحتل مكانا مرموقا بالنسبة لكافة الدوائر السياسية، وهو امر أبرزه وبلوره يوم 6 اكتوبر المجيد والتضامن العربى التلقائى الذى ظهر خلاله ، والذى لست أشك فى أنه سوف يستمر ويتطور، بل ان من المقطوع به ان العالم العربى سوف يمارس دوره كقوة سادسة لها قدرها ووزنها، تسهم- مع الدوائر الأخرى- فى تطوير عالمنا، سياسيا واقتصاديا وحضاريا.

         ويقينى ان الدوائر الأخرى، اذ تعى قدرات العالم العربى وعزمه الصادق على ممارسة مسئولياته ممارسة فعالة، سوف تتعاون وتتفاعل معه فى ايجابية وبروح بناءة.

         ويرتبط بهذه الدائرة العربية ارتباطا وثيقا والدائرة الاسلامية التى تضم شعوبا تؤمن بالمساواة والاخاء بين الأمم والشعوب على اختلاف عقائدها وتراثها الحضارى، دون تفرقة أو تعصب لما فيه خيرنا المشترك.

         أيها الاخوة والزملاء..

         ان مصر كما تعلمون بلد افريقى ينتمى الى واحدة من اقدم قارات العالم، وان كانت- لسوء الحظ - من اكثرها معاناة لويلات الاستعمار والاستغلال والتخلف، والأن تقف افريقيا شامخة، باذلة اقصى الجهود من اجل الحرية والتقدم، سواء عن طريق التفاعل الأفريقى الصميم بواسطة منظمة الوحدة الأفريقية، او بالتضامن والتكامل مع الأمة العربية، عن طريق الحوار العربى الأفريقى ، الذى سيتبلور فى العام القادم بمشيئة الله فى شكل ميثاق ينظم هذا التعاون على اعلى مستوى من المسئولية والفعالية.

         وهناك الدائرة التى تربط الكثير من دول العالم، بغض النظر عن موقعها الجغرافى، أو أجناس شعوبها ، وهى دائرة مجموعة دول عدم الانحياز، تلك الحركة النابعة من الاحساس العميق بوحدة التجربة التى مرت بها تلك الدول فى الماضى القريب ضد الاستعمار والتخلف، وقد كان مولد هذه الحركة منارة وشعاعا للدول التى كانت تعانى آثار الاستعمار والاستغلال ، ومما أذكى اشعاع هذه المنارة، ان الوقت الذى صاحب ظهور هذه الظاهرة السياسية الايجابية كان وقتا حرجا، سادت العالم فيه حرب باردة بين دول تملك اسلحة التدمير الشامل، مما اتاح لدول العالم الثالث ان تلعب دورا اساسيا وان تحمل رسالة سامية.

         والآن، وبعد ان حل ما يسمى بالوفاق محل التنافر والتهديد والالتجاء لوسائل العنف والاستغلال والضغط. وبالرغم من الفرق الكبير بين الحقبتين، إلا أن حركة عدم الانحياز قد استطاعت بعد ان ادت رسالتها الأولى خلال الحرب الباردة بشرف وامانة. ان تطور نفسها بحيث امكنها ان تتأقلم مع المتغيرات الدولية وان تلعب دورا اساسيا مبنيا على اسسس الحركة ومبادئها، التى ما زالت- فى نظرى - الضمان الأكيد لحماية استقلال الشعوب والدول الصغيرة التى تريد ان تتنفس الحرية وان تسيطر على مواردها الطبيعية ، وان تسير في طريق التقدم ، بعيدة عن مناطق النفوذ ، وان تساهم بعد كل هذا في المعترك الدولى مساهمة لها دلالتها وقيمتها الفعالة والمؤثرة

         ويكفى هنا- دون الدخول فى التفاصيل- مقارنة عدد الدول التى بدأت تلك الحركة فى الخمسينات مع عدد الدول المنتمية لمجموعة عدم الانحياز حاليا، بل يكفى للدلالة على وزن تلك الحركة ودورها الايجابى ما هو ملاحظ من ان اول الأمور التى تعلنها دولة تنال استقلالها هو انتماؤها الى مجموعة عدم الانحياز وايمانها بمبادئها.

         السيد الرئيس:

         ارجو ألا اكون قد اطلت فى حديثى عن الموقف الدولى، وانما الأمم المتحدة فى نظرنا هى مرآة تعكس العالم الخارجى، ولهذا السبب، يجب ان تكون أداة فعالة في التعبير عن ارادة الشعوب ورغبتها، ولقد انجزتم الكثير مما يشرف الانسانية منذ أسست المنظمة، عن طريق تطوير ميثاق الأمم المتحدة ومبادئه بالاعلانات والقرارات التى وافقتم عليها ومن أهمها:

- الاعلان العالمى لحقوق الانسان.

         - اعلان منح الاستقلال للبلدان والشعوب المستعمرة.

         - مبادئ القانون الدولى الخاصة بالعلاقات الودية بين الدول.

         - اعلان برنامج العمل الخاص بأنشاء نظام اقتصادى دولى جديد.

         - الاعلان الخاص بتعزيز الأمن الدولى.

         - ميثاق الحقوق والواجبات الاقتصادية للدول.

         ولكن ليس معنى هذا ان اغلب شعوب العالم قد حققت مستوى من العيش الكريم " بل اننا على النقيض نجد ان شعوبا كثيرة ما زالت دون المستوى الانسانى، وفى مستوى العدم : ولذلك فان مسئوليتكم كبيرة فى ضمان التفاعل الخلاق والتفاهم بين الدول التى تملك والدول التى لا تملك، وبين الدول الصناعية والدول المنتجة للمواد الخام، بهدف التقدم على أسس من العدالة والمساواة، وبحيث تتوافر للنظام الدولى مقومات الصحة، ضمانا لعدم انفجار الموقف هنا أو هناك، وما ينتج عن ذلك من آثار لا يمكن التنبؤ بأبعادها على سلامة العالم ومقدراته.

         ويحضرنى بهذه المناسبة يا سيادة الرئيس، الحوار الذى بدأ فى الدورتين الخاصتين للجمعية العامة بخصوص مشاكل المواد الاولية والتنمية، والتنمية والتعاون الاقتصادى الدولى، والذى يدفعنى الى الاعتقاد ان هناك تحركا على الطريق السليم، وان كنا ما زلنا بعيدين كل البعد عن التوصل الى اتفاق عادل فى تلك المسائل المركبة والمعقدة، وان كان اقتناعى ان الحل الاساسى يكمن فى ايماننا جميعا بان التطرف والمواجهة لن تؤدى الى اية حلول، وان فى اتباع المنطق والاعتدال وتفهم مواقف الآخرين يكمن مفتاح التعاون من اجل التقدم والعمل الايجابى من اجل خير البشرية.

         ونحن فى مصر على استعداد، بل نلتزم، بالمشاركة فى هذا الجهد الضخم الذى يحتاج الى تعاون وثيق منا جميعا، وفى تفهم القضايا وتشخيص الداء، بحيث نتمكن من الاتفاق على العلاج السليم قبل ان يفوت الوقت ويستفحل المرض، وفى التزامنا هذا، فان اعتقادى الجازم أن غالبية دول العالم تشاركنا الايمان بحتمية المسارعة وبالحاح فى الوصول الى حلول سلمية، وعادلة ، مع تطبيقها تدريجيا وعلى خطوات.

السيد الرئيس:

         ارتباطا بكل ما سبق ، فاننا فى مصر مدركون انه لابد لنا، شأننا فى هذا شأن سائر الدول الأخرى: ان ندرس وبعمق ما يجرى حولنا من متغيرات على المستوى الدولى، فالوفاق الدولى سواء اكان استراتيجيا ام تكتيكيا هو حدث دولى بالغ الأهمية"، وقد يكون ذا خطورة غير محدودة اذا خرج عن هدفه المعلن، وهو الهدف الذى نرجو ان يكون هو الغرض الأساسى والحقيقى من وراء هذا التحول الجديد فى العلاقات الدولية.

         ونحن فى مصر مع الوفاق ونرحب به اذا اخذ فى الاعتبار مصالح الدول الصغرى ومقدراتها وامانى شعوبها، فالوفاق لا يمكن ان يكون وفاقا الا اذا كان تفاعلا من القاعدة الى القمة، وهو لا يمكن فى نظرنا ان يكون أملاء من اعلى الى اسفل، فاذا كان الوفاق شعارا للسلام والاستقرار بين القوتين العظميين فقط عن طريق التفاهم فى ميدان الاسلحة النووية والضمانات الخاصة بها، أو عن طريق التعاون فى ميادين التكنولوجيا والتجارة وغيرها. وبمعزل تام عن باقى شعوب العالم، فانه لا يكون إلا تحول لاخير فيه ، يجب ان تقف ضده الدول الأخرى المتوسطة والصغرى ، اما اذا كان الوفاق تحولا استراتيجيا عميقا يهدف الى اقامة سلام عادل وحقيقى لكافة الشعوب فاننا نرحب به ونتعامل معه ونتفاعل ولذلك فانه يجب الا تكون مجالات اتخاذ القرارات مقصورة على الدولتين العظميين، كما ان مجال تبادل الخبرات والتكنولوجيا والمنفعة المتبادلة، لا يصح ان يكون حكرا على هاتين الدولتين وانما يجب ان يمتد نطاقه يشمل جميع دول العالم.

         وبدون هذا الفهم العميق للوفاق الدولى وحسناته ومحاذيره لا يمكن ان يكون الوفاق استجابة لرغبات الشعوب فى نبذ الحرب، واحلال السلام، او ان يحقق رغباتها فى الوصول الى مستوى حضارى يتفق مع الكرامة الانسانية عن طريق تبادل المعلومات والتكنولوجيا على اوسع نطاق ممكن، وبدون تمييز او احتكار، اما اذا اقتصر على الدولتين العظميين فان النتيجة الحتمية هى اتساع الفجوة بين هاتين الدولتين من جانب، وبين دول العالم وشعوبه من جانب آخر، وصعوبة التفاهم والتفاعل، وهنا يكمن الخطر الحقيقى فكلما اتسعت هذه الفجوة كلما صعب التوصل الى ارساء قواعد عادلة، تحقق المساواة بين الدول كبيرها وصغيرها، وكلما ازداد التخلف وانتشر، كلما اقتصر التقدم والرفاهية على مجموعة محدودة من الشعوب. وحصيلة كل هذا فى النهاية هى الانفجار آجلا ام عاجلا. وغنى عن البيان انه فى تلك المرحلة الحرجة التى نمر بها، وفى المستقبل القريب، فان مكمن الحروب هو هذا التفاوت الشاسع بين المستويات نتيجة الاحتكار وسوء التوزيع، ورفض الشعوب ان تساق، بدلا من ان تشارك وتسهم بفاعلية فى المسيرة الانسانية الكبرى نحو غد افضل.

السيد الرئيس..

         من هذا المنطلق، واذا سمحتم لى، فأننى لا اجد أسلوبا أفضل ألخص لكم به، وعن طريقكم الى العالم اجمع، سياسة مصر  والخط الذى ارتضيناه لانفسنا ، مما ذكرته فى مجلس الشعب المصرى يوم 18 اكتوبر الماضى حين قلت:" اننا مع كل قضية عادلة ،ومع كل حركة تحرير وطنى، لأننا نحن انفسنا اصحاب قضية، وطلاب عدالة... ونحن نؤمن بميثاق الأمم المتحدة ونطالب الغير باحترام الأمم المتحدة وتنفيذ مواثيقها وقراراتها... ونحن ما زلنا وسنظل ان شاء الله نقوم بمسئولياتنا ومسئولية دورنا القيادى المرموق، فى تجمعات دول عدم الانحياز، ودول منظمة الوحدة الافريقية، موحدين صفوفنا معها فى شتى القضايا السياسية

والاقتصادية المطروحة على عالم اليوم، وبالنسبة للدولتين الكبيرتين، وبالنسبة لغيرهما من الدول ذات النفوذ والمسئولية، وبالنسبة للتكتلات الدولية التى لسنا اعضاء فيها، كالسوق الأوروبية المشتركة فان ايدينا ممدودة للجميع لا شرط لنا فى التعامل الا فهم واقعنا واحترام ارادتنا الوطنية.. ثم هناك- بغير شك- مدى تعاون اى طرف فى حل مشاكلنا، وفى مقدمتها قضية الصراع العربى الاسرائيلى بوجه عام، وحقوق الشعب الفلسطينى بوجه خاص.. اننا نرى فى هذا ايضا مقياسا من مقاييس الصداقة والتفاهم واقامة المصالح المشتركة، ذلك ان قضيتنا عادلة، واننا لا نطالب الا بحقوقنا.

         اما بالنسبة للموقف العربى وقضاياه المعقدة فان اسس سياستنا هنا ايضا واضحة ومستمرة ، ذلك انها ليست بنت الارتجال والانفعال ولكنها جاءت اثر دراسة متعمقة، لكل ظروف شعبنا المصرى، وامتنا العربية. ونضالها القومى، والواقع الدولى المعاصر: ثم ان هدفنا الأول الذى يحكم كل تصرفاتنا العربية والدولية هو تحرير كل الأراضى العربية المحتلة، واسترداد حقوق شعب فلسطين. وتمكنه من الامساك بزمام امره وحرية تقرير مصيره، وفى هذا المجال ليس لدينا ارض عربية اقل اعزازا من ارضنا، فالقدس ونابلس والخليل وجبل الشيخ وغزه ليست اقل اعزازا من القنطرة والعريش، ومن هذا المنطلق فان سياستنا تقوم على الايجابية ومرونة الحركة، مع ثبات الهدف الأخير، وبالتالى عدم تفويت اى فرصة لتحرير اى قطعة من الأرض العربية حيثما تكون.

ايها الأخوة والزملاء:

         تذكرون اننا تجاوبنا مع الجهود التى بذلتها الولايات المتحدة فى مارس الماضى بهدف التوصل الى فك ارتباط ثان يعزز وقف اطلاق النار، ويقلل من احتمالات التفجر فى المنطقة، غير ان هذه الجهود قد احبطت بسبب تعنت اسرائيل وعدم قدرتها على قبول تحدى السلام.

         وبالرغم من ذلك: فان مصر لم تفقد حماسها للسلام وايمانها به، لأنه بالنسبة لنا هدف استراتيجى، والتزام اصيل، ولذلك فقد اتخذت قرارا بفتح قناة السويس، تعبيرا عن نيتنا فى السلام، وحرصا على تيسير التجارة والتبادل بين الشعوب، والتخفيف من الأعباء التى كانت تثقل كاهل كثير من الدول الصديقة كما اننا قطعنا شوطا كبيرا فى اعادة تعمير مدن قناة السويس وبناء ما دمره العدوان عليها، واعادة سكانها الذين هجروا منها حرصا على سلامتهم.

السيد الرئيس:

أيها الأخوة الأعزاء:

         ارتباطا بهذا، بل التزاما منا فى مصر والأمة العربية، لا أجد حرجا أو ترددا فى أن أذكر لكم بصراحة واقعية، أن الظروف التى نمر بها فى منطقتنا تشكل فرصة فريدة للسلام، لم تتوفر منذ قيام النزاع فى الشرق الأوسط، ولذا فانه يجب عليكم، بل هى مسئوليتكم الأولى، فى الا تفوتوا هذه الفرصة، من خلال الأمم المتحدة والمنابر المنبثقة عنها كمؤتمر جنيف، فى دفع الأمور نحو الحل السلمى، واغتنام ما أسميه بالمسيرة نحو السلام العادل، وإلا فلن يكون هناك بديلا لاستخلاص حقوقنا المقدسة. سواء بالنسبة لتحرير الأراضى المحتلة ، او أسترداد الحقوق المشروعة لشعب فلسطين وقيام دولته المستقلة، إلا الالتجاء الى الوسائل الأخرى التى أقرها ميثاق الأمم المتحدة ذاته.

         لذلك، اجد لزاما على ان افاتحكم بصراحة، وبنفس الروح التى عهدتموها منى عندما اتخذت القرار نحو السلام، وكما تعلمون فقد اتخذت قرارا تاريخيا بالمعركة فى السادس من اكتوبر 1973، الذى لم يكن قرار حرب لمجرد الحرب وانما كان الهدف منه هو فتح الطريق نحو السلام من جديد. حتى يتنبه العالم، وتنتبهوا معه، الى انه لا يمكن للأمة العربية ان ترضخ لاحتلال، أو ان ترضى بانتقاص او حرمان لحقوق الشعب الفلسطينى. ولهذا السبب فقد كان حتميا اتخاذ هذا القرار التاريخى حتى تعود الأمور الى نصابها. وتبدأ العجلة فى التحرك نحو السلام، وتدركون جيدا انه لمدة سبع سنوات متصلة قامت مصر بالالتجاء الى الجمعية العامة ومجلس الأمن وقامت باتصالات مباشرة مكثفة، وحصلت على قرارات بالتأييد الكامل للحق العربى، الا ان كل هذا كان ينقصه الشرارة التى كانت تحتاجها قراراتكم لكى تدخل فى دور النفاذ، ومع ذلك فاننى أعود لأكرر اننا ملتزمون التزاما كاملا بالتحرك وفقا لأحكام الميثاق وبالتشاور معكم وبتأييدكم نحو الحل السلمى الدائم والعادل.

         وعندما ادعو الى هذا، وأدعوكم لتفهم هذا الواقع، لا اجد داعيا لأن اكرر ان التحركات الأخيرة فى الشرق الأوسط هى تحركات محدودة الأثر والنتيجة ،وانها ليست حلا فى حد ذاته بل ولم يقصد بها ذلك ابدا، وانما هى مجرد تحرك يهدف الى تمهيد المناخ الملائم لتحريك القضية، وبحثها بحثا شاملا جذريا، سواء بالنسبة للأراضى المحتلة واستردادها، أو الحق الفلسطينى واسترجاعه.

         ومن هذا المنطلق، ارجو ان تتذكروا هذا الحديث الصريح معكم اليوم، وان المطلوب منكم، وأنتم تمثلون الأسرة الدولية بكل ما تعنيه هذه الكلمة من معان ،الا تتركوا هذه الفرصة تمر، بل ان تعملوا فى جدية ودأب ومثابرة، للوصول الى الحل الشامل العادل لهذه المشكلات جميعا، وبذلك يمكنكم أن تسجلوا انه بعد ثمانية وعشرين عاما من انشغال الأمم المتحدة المتصل بقضية شعب فلسطين، قد امكن تطبيق مبادىء الميثاق واحكامه بالنسبة لحق الشعوب فى تقرير مصيرها، وبالنسبة لاحترام استقلال الدول الأعضاء وسلامتها الاقليمية، وحرمة أراضيها، كما امكن دحض المعتدى، وردع العدوان، وتأكيد دور الأمم المتحدة الخلاق. وتطبيق القانون الذى ارتضيتموه نبراسا للعلاقات الدولية.

         وتأسيسا على ما تقدم، فلست اشك فى انكم توافقوننى فى أنه لا سلام فى المنطقة دون الوصول الى حل سياسى للقضية الفلسطينية.. قضية الشعب الفلسطينى، الذى لا يجوز بل من المرفوض أن يستمر فى الحياة مشردا، بلا وطن، والذى لابد له من استرجاع كيانه، واقامة دولته المستقلة لتمكين هذا الشعب العريق من الاسهام البناء فى تطور مجتمعنا الدولى وتقدمه.

السيد الرئيس:

        كل هذا يجعلنى اذكر من جديد وانا اقترب من نهاية كلمتى بأننى فى السادس عشر من أكتوبر وخلال انتصار قواتنا الظافرة وبعد ان حطمت أكبر العوائق الطبيعية والخطوط الصناعية العسكرية كخط بارليف دعوت الى مؤتمر سلام. ذلك اننى لم انس السلام فى أية لحظة، وهذه هى طبيعتى، وانما اذا وجد شعبنا والأمة العربية ان هذا السلام يفسر بالاستسلام، فلا مفر عندئذ من القيام بواجبنا المقدس فى تحرير اراضينا واسترجاع حقوقنا المشروعة بالوسائل التى تضمنها ميثاقكم، وخاصة المادة الواحدة والخمسين منه.

        لذلك، فاننى اتصور انكم لم تدهشوا حين وجدتم ان مصر كانت من اول الأطراف التى رحبت بمؤتمر جنيف للسلام ، بل انها ذهبت الى المؤتمر وشاركت فيه، حتى قبل ان يكتمل الاعداد الكافى له بصورة تضمن تحقيق اهدافه.

        والآن وقد تحقق فض اشتباك على الجبهتين المصرية والسورية، وفك ارتباط ثان على الجبهة المصرية، بأمل أن يعقبه فك ارتباط جديد على الجبهة السورية، وكنا ولا زلنا نفضل ان يتحقق فك اشتباك على الجبهة الفلسطينية كذلك، وفى ضوء كل هذا، اعتقد أنه قد آن الأوان، وأصبح من المتعين أن يعاود مؤتمر جنيف اجتماعاته، بحضور جميع الاطراف المعنية بالقضية الفلسطينية.

        وتأسيسا على ذلك، فاننى ادعو رسميا كلا من السكرتير العام والدولتين العظميين (الاتحاد السوفيتى والولايات المتحدة بصفتهما رئيستى المؤتمر) لأن يبدأوا فورا مشاوراتهم مع جميع الأطراف المعنية- بما فيها منظمة التحرير الفلسطينية- لكى ينعقد مؤتمر جنيف فى القريب العاجل، وبحيث تستمر اجتماعاته دون انقطاع " لمعالجة المشكلة بأكملها ومن كافة جوانبها للتوصل الى السلام العادل والدائم.

        ولقد كان يمكننى- كما تعلمون - أن أوجه طلبى هذا مباشرة الى السكرتير العام والدولتين العظميين، الا اننى- وبكل اقتناع- اتوجه رسميا بهذا الطلب من هذا المنبر، نظرا لأننى لا أجد انفصالا. بل على العكس أجد ارتباطا عضويا وثيقا بين جنيف والأمم المتحدة ، ذلك انه الى جانب ان هذه المنظمة قد استمرت ولا تزال فى بحث قضية فلسطين منذ ثمانية وعشرين عاما، فان أى نتيجة يسفر عنها مؤتمر جنيف سوف تكون ثمرة وحصيلة لمجهوداتكم، سواء فى الجمعية العامة، أو مجلس الأمن، كما انكم لابد أن توافقوا عليها وتضمنوها وفقا لاحكام الميثاق: فالأمم المتحدة هى اذن الأصل والأساس، وبالتالى فلا مفر من ان نلجأ اليكم اذا فشل مؤتمر جنيف او تعسر، وعليه فان متابعتكم لاعمال جنيف وتحمل مجلس الأمن والجمعية العامة كل مسئوليتهما، سواء بالنسبة لقوة الدفع نحو الحل السلمى او التعبير عن ارادتكم فى وضوح بشأن الالتزام بالميثاق واحكامه، او عن طريق المشاركة الدولية للأمم المتحدة، سواء عن طريق سكرتيرها العام او ممثليه، او عن طريق قوات الأمم المتحدة، أو بخصوص الضمانات الدولية للحل السلمى.. كل هذا هو كل لا يتجزأ وهو ينبع منكم ويعود عليكم.

        واتصالا بهذا الطلب الرسمى لعقد مؤتمر جنيف، فاننى ادعو الجمعية العامة فى دورتها الثلاثين هذه لتخطو خطوة فعالة فى طريق السلام العادل، بان تصدر قرارا بضرورة تمثيل منظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعى لشعب فلسطين فى أعمال مؤتمر جنيف للسلام، على قدم المساواة مع باقى الأطراف المشتركة فى هذا المؤتمر. وسوف يتقدم الوفد المصرى بمشروع رسمى بهذا المعنى، وبناء على تعليمات منى بالتعاون مع جميع الدول التى تشاركنا الرأى فى ان جوهر الحل لأزمة الشرق الأوسط يكمن فى الحل العادل للقضية الفلسطينية، فلا يمكن ان نتصور ان ينجح مؤتمر جنيف او ان يتحقق اى انجاز على طريق السلام ، الا اذا شارك فيه ممثلو شعب فلسطين المعترف بهم فى الأمة العربية على أعلى مستوى، وهو امر اعتبره متمشيا تماما وتسلسلا منطقيا لقراركم رقم 3237 الذى أصدرتموه فى 22 نوفمبر من العام الماضى بشأن منح منظمة التحرير الفلسطينية صفة المراقب لدى الأمم المتحدة.

        السيد الرئيس:

        إن مصر والأمة العربية كلها، اذ تهيب بالمجتمع الدولى، ممثلا فى الأمم المتحدة، ان يجعل عام 1976 عاما لشعب فلسطين " انما تفعل هذا عن ايمان راسخ متين، ليس فقد لعدالة قضية هذا الشعب وقوة حقه، بل ايضا بالأمم المتحدة واهدافها ،ومن واقع نظرتنا لها على اساس انها الراعى للشرعية الدولية، الأمين على حقوق الشعوب، وتعلمون أن امتنا- بحكم تراثها وحضارتها- تؤمن ايمانا عميقا جازما بوحدة المسيرة الانسانية، ووحدة كفاح الشعوب، ومن ثم فاننا نعتبر قضية الشعب الفلسطينى قضية كل شعب حر يسعى الى السلام، ويدعو الى العدالة، ويرتضى القانون حكما بين الحق والباطل، الصواب والخطأ، ونحن نفعل هذا بنفس الروح التى حدت بنا الى تبنى قضايا كل شعب مقهور مغلوب على أمره ، يسعى الى التحرر والخلاص.

        وأود ان انتهز هذا الفرصة، لأعبر امامكم عن ثقتنا الكاملة فى السكرتير العام كورت فالدهايم، وتقديرنا لادائه الممتاز، وتأييدنا الصادق لجهوده الدائبة، فى سبيل قضية السلام العالمى، وخير المجتمع الدولى.

        وتبقى بعد هذا كلمة تحية وتقدير واجبة، لقوات الطوارىء وقوات الرقابة التابعة للأمم المتحدة، فتعلمون ان افراد هذه القوات يؤدون رسالتهم بروح عالية، فى ظل ظروف لا تخلو من القسوة، فلهم ولحكومات دولهم كل تقدير وثناء.

        السيد الرئيس:

        أيها الأصدقاء:

        إن العالم ينتظر منكم الكثير، فى هذا المنعطف التاريخى الهام، الذى تتزايد فيه توقعات الشعوب فى تحقيق السلام والرخاء، فى نفس الوقت التى تتعاظم فيه التحديات الضارية، وتتعقد المشاكل بصورة لم نعهدها من قبل، ولست اشك فى اننا جميعا، بأيماننا الصادق الذى لا يتزعزع بمستقبل افضل للبشرية، وعزمنا على العمل معا لتحقيق اهدافنا المشتركة، سوف نجتاز اختيار السلام والتقدم ، فنفتح الطريق الى غد افضل ، تنعم فيه الأجيال القادمة بالطمأنينة ، والأمان ، والأمل .

 


المصدر: موسوعه مقاتل من الصحراء على شبكه الانترنت

 

Hosted by YallaHosting