خطاب الرئيس أنور السادات، رئيس جمهورية مصر العربية، فى عيد العمال

السويس، 1 مايو 1976
الأهرام، القاهرة، 2 مايو 1976

          بسم الله..

          أيها الأخوة والأخوات

          أيها العمال والعاملات من أبناء وبنات مصر التقى بكم اليوم وبكل العاملين الكادحين فى مصر في يوم أول مايو يوم عيدكم الغالي والتقى بكم وأنتم تمثلون كل العاملين الكادحين في مصر.. التقي بكم فى هذا المكان بالذات فى مدينة السويس الباسلة.. السويس ذات السمعة الوطنية والعالمية.. السويس التي ثأرت كل قطعة حجر فيها وكأنها كلمة فى ملحمة تاريخ مصر.

          التقى بكم فى أول مايو وفي مدينة السويس وأنه لميعاد للقاء ومكان للقاء يوحى إلىّ ولا شك أنه يوحى إليكم بكثير من المشاعر الجياشة والتجارب والذكريات المحفورة في ذاكرة أمتنا كلها أن لم أقل الدنيا بأسرها فى هذا الموعد وفى هذا المكان نذكر معاً أشياء كثيرة عزيزة.. نذكر فى البدء يوم 23 يوليه المجيد ذلك اليوم الذي كان نقطة تحول في حياة كل العاملين وكل الكادحين فى مصر وكان من أبسط مظاهره أن أصبح هذا العيد العالمى للعمال عيداً رسمياً وطنياً تحتفل به الأمة بكل فئاتها.

          وإذا كان الاحتفال بين العمال مسألة رمزية فكلكم تعرفون ثورة 23 يوليه حملت معها من التحولات العميقة فى حياة قوى الشعب العاملة وأنتم فى مقدمتها.. حملت ما تعرفونه جميعاً وما لا يتسع المجال لحصره.. فالنظم والحكومات والشعوب في عالم اليوم كلها تناضل من أجل من؟.. من أجل رفع مستوى معيشة أبنائها وخصوصاً مستوى معيشة أوسع الفئات فيها.. وهى في هذا الكفاح تعتمد على أي شيء؟.. تعتمد فى الدرجة الأولى على سواعد أبنائها وخصوصاً أبنائها المنتجين من العمال والفلاحين.

          ولذلك حين نقول أن ثورة 23 يوليه قامت بكم ومن أجلكم لا نقول كلمة إنشائية.. أنها قامت من أجل أن تغير وجه الحياة فى مصر فتخرج الإنجليز والقصر وتقضى على الامتيازات الموروثة وتعطى الفرصة لأول مرة لأبناء مصر العاملين فهى قامت من أجلكم وبكم أنها قامت على يد طليعة من أبناء القوات المسلحة، ولكن التأييد العارم المتدفق الذي لم يتردد ثانية واحدة منكم ومن كل أبناء الشعب العامل هو الذي أعطاها قوة اندفاعها وشرعيتها وجعلها تغير وجه الحياة فى أقدم دولة في التاريخ وفى أكثر البلاد مطمعاً في العالم.. جعلها تغير كل هذا دون إراقة قطرة دم واحدة.

 لقد قامت الثورة ولا يجب أن ننسى هذا أبداً لكي تنصف الملايين العاملة من القلة المتحكمة.. ومن أجل هذا بالذات تعرضت الثورة من يومها الأول للمؤامرات من الداخل ومن الخارج وفرضت عليها أنواع من المعارك والحروب والحصار السياسي والاقتصادي.. ولو كانت الثورة قد قامت لمجرد استبدال حكام بحكام أو مستفدين بمستفدين لما تعرضت لهذا كله ولما ناصبتها العداء من البداية قوى الإمبريالية وقوى الاستعمار في هذا العالم ولكن لأن الثورة قامت لهذا الهدف تعرضت لكل الهجمات الشرسة التى تعرفونها والتي شغلت الثورة واستنفدت من جهدها الكثير كما تعرفون..

          إن الذين يهرجون اليوم ويتهمون الثورة بأنها قامت لتشاغب العالم أو لتصرف أنظار الشعب إلى معارك خارجية إنما يزيفون التاريخ ويسلبون شعبنا المصري المجيد أشرف صفحات كفاحه الوطني والقومي والعالمي الذي شارك فى تغيير وجه الحياة في مصر وفى المنطقة بل وفي الدنيا بأسرها.

          إن الثورة لم تبدأ أحداً قط بالنزاع أنها لم تبدأ بفتح جبهة واحدة من جبهات الصراع مختارة.. كلا.. لقد قامت فقط لتحطم فى مصر أوضاعاً اجتماعية متخلفة حبست حق الحياة عن الملايين أجيالاً طويلة.. وقامت لتفتح طريق التقدم أمام هؤلاء الملايين وكان لا بد لذلك من القضاء على العرش وإخراج الإنجليز الذين عرفتم احتلالهم هنا في السويس اكثر من أي مكان آخر وحاول الاستعمار بعد أن خرج من مصر أن يحاصرها بنفوذه وقواته فى سائر أنحاء العالم العربى ودفع الاستعمار إسرائيل لتشن هجوماً تحذيرياً وتهديدياً بعد بدء الثورة بقليل وكان لا بد لنا لكي نحمى حقكم في الحياة من أن نخوض هذا الصراع.

          لقد طردنا الاستعمار حتى آخر معاقله في آخر بقعة من العالم العربي.

          .. لقد ضُربتم هنا فى السويس مرة لأننا نساعد الجزائر على التحرر وضربتم هنا مرة أخرى لأننا كنا نقاتل في اليمن حتى تستقل هذه مجرد أمثلة أقولها لكم لأنها بعض ما نتذكره ونحن هنا فى السويس وبعض ما يجب أن نذكر به أولئك الواهمين الذين يظنون أن في إمكانهم النيل من مصر أو يروجون بالكذب إشاعات عن حروب مصر ومعركة التقدم العربى واسترجاع الحق العربى.. كلا إننا نقدم فى هذا المجال ليس الكلام وليس المن وليس الكفاح بالشعارات إنما نقدم العمل والنضال والتضحيات وقد قدمتموه أنتم هنا في السويس مرات ومرات بالجهد والعرق والدم المسفوك.

          إن رصيدنا فى مقاومة الاستعمار لا ينتظر شهادة من أحد ورصيدنا فى تحرير الأمة العربية ورفع شأنها والذود عنها لا يمكن أن يزايد عليه أحد وإن وجودنا اليوم بالذات فى السويس الباسلة التى شاهدت آخر صفحات القتال الباسل فى المسيرة الطويلة ليذكرنا بأننا مازلنا على العهد.. حقاً أن لقاءنا فى هذا الموعد وفى هذا المكان لجدير أن يذكرنا بأشياء كثيرة وبصفحات مجيدة هنا فى السويس وفي هذا الحشد العمالي الضخم بالذات نذكر معركة تأميم قناة السويس ونذكر حرب 56 ضدنا من إسرائيل ومن إمبراطوريتين كبيرتين في ذلك الوقت هما إنجلترا إيدن وفرنسا جي موليه ونذكر أن كلمة السويس وقتها كانت القتال حتى الموت

وفى الحرب التي دخلت كتب التاريخ باسم حرب السويس انهزمت أخر حرب استعمارية في المنطقة.. وهنا فى السويس يذكر أن الثورة بدأت في تحويلها من مجرد ممر للسفن إلى قلعة صناعية كبرى لأن الهدف فى البداية كما قلت هو التعمير وبعث الحياة الجديدة والآمال العريضة أمام جماهير شعبنا وبالفعل أقيمت فى منطقة القناة كلها مجموعات صناعية كبرى من معامل تكرير ومصانع أسمنت وسماد ومصانع الكترونيات ومصانع لبناء السفن.. وجاءت حرب 67 وصارت أعلام إسرائيل مرفوعة على الضفة الشرقية للقناة ومدافعها مصوبة إلى السويس وسائر مدن القناة. وظنت إسرائيل أنها بذلك قد جعلت شعب القناة وصناعات القناة أسيرة فى حوزة مواقعها وكانت تخص السويس بالذات بأعنف ضرباتها ومظاهر غرورها وعدوانها.. وهنا مرة أخرى أقول أن وجودنا فى هذا الموعد وهذا المكان بالذات يذكرنا بقرار تاريخي آخر كان هذا القرار هو إخلاء المنطقة من سكانها وفى مقدمتها السويس لم يترك شعب السويس ولا سائر الجبهة أرضة أبداً ولكننا كقيادة لنا تقدير آخر لقد طلبنا منهم هذا بل فرضناه عليم فرضاً.. كنا بذلك نحول هذه المدن والمناطق العزيزة علينا إلى ساحة للقتال.. كنا نعلن بذلك للعالم إرادتنا وتصميمنا على أن نقاوم وأن ندافع عن بلادنا شبراً شبراً مهما كان الثمن.

أيها الأخوة والأخوات:

          إن مجرد احتمال شعب السويس وسائر المنطقة لسنوات التهجير لهو بطولة لا تقل عن بطولة القتال ذاتها.. لقد ضحوا ببيوتهم وأعمالهم ومتاجرهم ليتيحوا لقواتنا حرية الحركة ضد العدو.. وعاشوا أقسى أنواع الحياة بعيداً عن بيئاتهم وبيوتهم ما يقرب من سبع سنوات فى صبر وجلد واحتمال.. لا يقدر عليه إلا أبناء هذا الشعب المصري العظيم.

          ولقد دارت الحرب من يومها هنا سجالاً وبقى من بقى هنا من اللذين كان وجودهم ضرورياً يعملون ويديرون عجلة الحياة فى بطولة وفداء عظيمين.. كنا نرد الصاع صاعين ونكظم الغيظ ولكننا في نفس الوقت نستعد للمعركة التي كان لا مفر منها.. وجاء اليوم الموعود.. وبصيحة الله أكبر وتحت رايات مصر الخالدة.. عبرت قواتنا المسلحة القناة على امتدادها كلها وانفتحت أبواب الجحيم فوق المياه الهادئة وما حولها ودكت قواتكم خط بارليف وتمركز جيشان كاملان شرق القناة وفشلت كل محاولات العدو المستميتة فى زحزحته شبراً واحداً.. وحين أنتهز العدو فرصة وقف إطلاق النار كعادته وتسلل من الثغرة أندفع بسرعة بالغة يريد الحصول على ثمرة كبرى هى السويس.. كان يريد السويس بأي ثمن لموقعها ولأسمها الكبير في العالم فيغطى بذلك دعائياً هزيمته العسكرية واضطراره للتقهقر على طول جبهة القتال.. أراد أن يخطف هذا النصر الدعائى خطفاً.. في غمرة مخالفته لقرارات وقف إطلاق النار... واستطاع بالفعل أن يصل بدباباته وخيرة جنوده إلى مداخل السويس التي بدت له وكأنها شبه خاليه.. وفجأة ومرة أخرى قالت السويس كلمتها.. لقد اندمجت القوات المسلحة مع قوات الشرطة مع الشعب والمقاومة الشعبية اندماجاً رائعاً تحت أقصى الظروف وأكثرها مفاجأة.. وأعلن العدو خداعاً وتضليلاً كعادته سقوط السويس أكثر من مرة.. بل وأعلن أسم حاكمها

العسكري.. ولكن السويس كانت تسجل بالحق وبالقوة أروع ملحمة نضال لم يتصور العدو ضراوتها ولا شراستها.. حتى ذاق الهزيمة وأضطر أن ينسحب تاركاً حطام دباباته في شوارع المدينة الباسلة.

          أقول هذا لكى يعلم كل مصري فى أي مكان من بلادنا مدى الدين الذي في أعناقنا للسويس.. السويس التى افتدت الوطن حين قررت أن تموت دفاعاً عن نفسها وأن تهزم أضخم الدبابات بصدور أبنائها..

          وأقول أيضاً لكي يعلم كل مصري يشكو ضيقاً فى الرزق أو أزمة من أزمات الحياة التى لا بد منها بعد كل حرب.. أقول أن هناك أولويات وأن فى مقدمة هذه الأولويات أن يعود أبناء السويس وأخواتها من مدن القناة إلى بيوتهم التى حرموا منها أو دمرت تماماً، وأننا مهما احتملنا من مصاعب فإنها لا تقاس شيئاً إلى ما احتمله أكثر من نصف مليون مواطن تركوا بلادهم وعاشوا مهجرين ما يقرب من سبع سنوات ولا بد أن نبنى لهم حياتهم من جديد.

          أقول هذا لكي نعرف جميعاً أن أولوية التعمير التي أعطينها لهذه المنطقة ليست فقط لحساب أهل القناة البواسل ولكنها أولوية لأمن بلادنا كلها فنحن لا نبني ونعمر فقط غرب قناة السويس ولكننا ننقل الحياة لأول مرة إلى شرقها وننقل مياه النيل لأول مرة إلى سيناء التي عاشت منذ بدء الخليقة قاحلة جرداء لأن هذا التعمير والتسكين شرقاً هو فى المدى الطويل بند من أهم بنود الأمن القومى لبلادنا وبدون توفير هذا الأمن لا تعود هناك قيمة لكل ما نفعله فى الداخل من أجل البناء والتعمير وتحسين الأحوال المعيشية للقاعدة العريضة من أبناء هذا الشعب. ولقد كان لأبنائى العمال بالذات خلال كل هذه الأحداث التاريخية دور بطولى عظيم.. كانوا هم الواقفين في شتي مواقع الإنتاج خلف قواتنا المسلحة يسدون بعملهم فى حقولهم ومصانعهم معظم حاجات الشعب والجيش الضرورية للصمود، وما قامت به مصانع القطاع العام بالذات بمديريها ومهندسيها وعمالها كان امتحاناً اجتازه القطاع العام بنجاح لا مثيل له وأثبت القطاع العام بذلك أنه حقاً قاعدة الصناعة الأولى فى مصر، وأن ما أنفق عليه من مال الشعب وعرقه وادخاره قد أعطى ثمرته أعظم ما يكون العطاء فى صمود السنوات السبع التي كان لا بد من عبورها قبل أن تعبر القناة وقبل أن ندفن غرور العدو وصلفه ودعاياته فى الرمال وتحت أنقاض ما اقامه من حصون وقلاع.

          وفى ساحة القتال ذاتها كانت لعمالنا صفحات ناصعة لا بد أن تسجل وأن تروي بالتفاصيل دوماً لأنها تكشف عن المعدن الحقيقى لهذا الشعب وأنه ليكفى أن أذكر ملحمة بناء حائط الصواريخ بواسطة آلاف العمال والمهندسين المصريين تحت ضرب الطائرات الإسرائيلية المتواصل يوم كان الطيران الإسرائيلي يعربد في سمواتنا بغير حساب ويضرب ما شاء له من أهداف.. لقد حاول العدو عن طريق سلاح طيرانه المستحيل ليمنع إقامة هذا الجدار، ولكن عمالنا ومهندسينا تحت هذا الضرب المتواصل ووسط تساقط الشهداء منهم بالمئات واصلوا العمل ليل نهار حنى أنجزوا هذا العمل الذي كان ضرورة حيوية بالغة.وقصة بناء قواعد الصواريخ فى عمق بلادنا  عام 1970.. أنها أيضاً ملحمة قام بها عمالنا لا تقل فى روعتها عن ملاحم

القتال.. لقد أنجز عمالنا ومهندسونا بالجهد المصري والعرق المصري والتصميم المصري.. أنجزوا معجزة في خلال أربعين يوماً مما يحتاج إنجازه إلى سنين، ولكي نتصور مدى هذا العمل أقول انه صرف فى هذه الأيام الأربعين ما يقرب من أربعين مليون جنيه أقام بها عمالنا مواقع الصواريخ فى زمن قياسى ورقم قياسى لا يقل خلوداً عن معركة القتال ذاتها.

          يكفي أن أذكر أيضاً ما تعرفونه عن ضرب العدو لمنطقة أبو زعبل ونجاح عمالنا في إعادة العمل بقوته الكاملة فى أقل من 45 يوماً ثم زادوا الإنتاج بعد ذلك وفى خلال حرب أكتوبر عندما ركز العدو غاراته الجوية فى أيامه الأخيرة فى بورسعيد طلبت القوات المسلحة من المقاولين العرب متطوعين من العمال ليذهبوا إلى هناك لبناء ما يهدم مساعده للجهد الحربى، وقدرت القوات المسلحة لذلك ثلاث فرق من العمال فقط.. فماذا حدث؟ لقد تقدم للتطوع في يوم واحد ما يكون ثلاثين فرقة عمل من عمالنا المصريين بدلاً من ثلاث ذهبت كلها إلى بورسعيد حيث كان القتال لتعمل من خلف وسنداً لقواتنا المسلحة..

          وهكذا أيها الأخوة والأخوات من عمال وعاملات مصر يذكرنا هذا الموعد فى أول مايو وهذا المكان في السويس بصور رائعة كثيرة من بطولة شعب مصر ومن كفاح مصر من أجل رفعتها ورفعة الأمة العربية كلها بل وحركات التحرر جمعاء.

          ومرة أخرى أقول إن اجتماعنا هذا اليوم هنا في السويس بالذات دلاله على أننا على العهد باقون وإننا فى مقدمة صفوف النضال واقفون صامدون وأن كل الذين يحاولون الطعن فى دور مصر أو النيل من استعدادها الدائم لمواجهة هذا الدور إنما يحاولون عبثاً فتلك صفحاتنا ليست مملوءة بالكلمات ولكنها مملوءة بالوقائع والتضحيات لا يستطيع أن يزايد علينا في هذا المجال أحد، والشعب العربى كله يعرف أن الزبد هو الذي يذهب جفاء وأن العمل النافع الصادق هو الذي يمكث فى الأرض.

          أيها الأخوة والأخوات

          نحن نقف هنا على أرض غنية بالتاريخ لقد شاءت الظروف أن تجعل اسم السويس رمزاً وعملاً ونقطة تحول فى عصور كثيرة.. قبل حفر القناة كانت هى آخر ميناء من الشرق البعيد ونقطة الوصول عبر مصر إلى أوروبا وعند حفر القناة التى حفرها أجدادكم العمال المصريون بأيديهم وأظافرهم وتحت سياط الاستغلال الأوروبي.. بعد حفر القناة صارت السويس أثمن جائزة إستراتيجية تتصارع عليها الإمبراطوريات ومنذ دخول الإنجليز مصر صارت هى والقناة محور المعركة الوطنية طوال ثمانين سنة فى مصر. وآخر حرب استعمارية تقليدية قامت سنة 1956 وعرفت في كتب التاريخ ولا تزال تعرف باسم حرب السويس.

          وفى حرب 73 كانت السويس هي الثمرة التى استمات العدو لقصفها فاستعصت عليه وعلي أبوابها دارت رحى آخر قتال فى حرب أكتوبر المجيدة، وشاء الله أن تكون معركة يندمج فيها الشعب والجيش

والشرطة كما قلت وفي التاريخ السياسي في أي مكان فى العالم يؤرخون لمعارك السويس في الإستراتيجية فى أي فرقة أركان حرب فى العالم يقولون شرق السويس وغرب السويس، ولكن نصر أكتوبر 73 وقتالكم على أبوابها أعطاها لأصحابها أبناء الشعب المصري إلى الأبد وصار علينا أن نتمم بأقصى سرعة ما بدأناه من تعمير السويس وأخواتها لكل الوسائل وإعادة أبنائها إليها بأسرع السبل وتحويل أماكن فيها لمناطق حرة نفيد منها ويفيد منها العالم كله، وتلك كله مهمات ثقال لا تتم بين يوم وليلة وتحتاج إلى زمن وإلى احتمال.. وقد احتملنا الأصعب وبقى الأقل صعوبة.

          ... أيها الأخوة والأخوات

          لا بد أن نستكمل تحرير الأرض.. أرض مصر وسائر الأرض العربية.. لا بد من التعمير وإعطاء الفرصة لأوسع فئات الشعب وها أنتم ترون العمل المنطلق بسرعة وعون الأشقاء العرب لنا لأنهم يعرفون الوفاء وينسبون الفضل لأصحابه ويعرفون أن السويس وما حولها ليست مفتاح مصر وحدها ولكنها مفتاح العالم العربى كله.

          أيها الأخوة والأخوات. أبناء شعبنا العامل فى مصر.. رغم أن هذا اليوم هو يومكم وكنت أرجو لحديثي هذا أن يقتصر عليكم إلا إن مجرى هذا الحديث ووجودنا فى السويس أيضاً يقودني إلى كلمة أقولها عن الموقف العربى كما هو اليوم حين ننظر إلى الأمور ببساطة وتجرد ونجد أن حرب أكتوبر المجيدة كانت هى نقطة التحول فى القضية كلها وفي اقدار أمتنا العربية بأسرها أنها ببساطة خلصتنا من عقدة الهزيمة التى عششت في نفوسنا طوال ربع قرن وحولت التيار لأول مرة من الحصار العربي المستمر إلى مجد عربى... كان الهدف وما زال هو تحرير الأرض العربية كل الأرض العربية وإنجاز حق شعب فلسطين فى استرداد أرضه وإقامة دولته وممارسة حقوقه على أرضه ولكن هذا الهدف كان ينقصه أمام العالم كله شيء أساسى هام ذلك هو قدرة العرب على القتال واستعدادهم لهذا القتال وكلنا نذكر المؤلفات والفلسفات التي غمرت العالم بعد 67 عن عدم جدارة العرب بخوض الحرب الحديثة وعدم استعدادهم لدفع ثمنها من المخاطرة والدم حتى من أبناء أمتنا أنفسهم من كان يروج لمثل هذه الدعايات الانهزامية ولكن حرب أكتوبر نسفت كل هذه الدعاوي الزائفة خضنا أول حرب إليكترونية حديثة وكسبناها دمرنا ودمرت لنا آلاف الدبابات في أيام ولم يهتز لنا عصب.. توحد العرب كما لم يتوحدوا واستخدموا سلاح البترول ولكنهم ضاعفوا من ثمنه الحقيقى فتمت لهم حقاً السيطرة عليه وحين ناقش البرلمان الكويتي منذ أسابيع الاتفاقية التي بمقتضاها سلمت الشركات البترول كاملاً لأصحابه سجل نواب الكويت الأوفياء فى محاضر برلمانهم الشكر لجمال عبد الناصر ولشعب مصر الذي كان أول من نادى بأن بترول العرب للعرب يوم كانت تلك الصيحة تجلب علينا عداء الأقوياء.. وبعد أن كان العرب يتساءلون فى تلك عن مستقبلهم صار هذا السؤال مطروحاً في إسرائيل وحدها وقد كان واضحاً بعد ذلك أن المرحلة هى مرحلة استثمار النصر العسكري سياسياً وبالفعل تمت خطوات متوالية فى استخلاص ثمار هذا النصر انسحب الاحتلال مرتين من مصر ومرة من سورية وضاقت حلقة الضغط العالمي على إسرائيل

بدرجة لم يسبق لها مثيل وجاءت أمريكا إلينا تسعى بعد أن جربت محاربتنا وجهاً لوجهة عشرة أيام كاملة وجاءت أوروبا إلينا تسعي وقد رأيت هذا بنفسى في رحلتى الأوروبية الأخيرة التي ألزمت إسرائيل موقف التقهقر والدفاع فى دول كانت تظنها حصوناً لها مغلقة عليها دون غيرها.

          وأهم من ذلك كافحنا من أجل شعب فلسطين كفاحاً سياسياً حتى وصل وضع منظمة التحرير الفلسطينية إلى أعلى درجة وصلت إليها أي حركة تحرر وطنية فى وقت سريع ودخلت المحافل الدولية من أوسع الأبواب وقد كان طبيعياً أن ندرك أن أعداء الأمة العربية لن يتركوا المسيرة تمضى في سهولة وكان بديهياً أيضاً أن نعرف أنهم سيبذلون الجهد تلو الجهد ويدبرون المؤامرة تلو المؤامرة ليمزقوا الصف العربى وليسببوا انفجاراً عربياً ما في مكان عربي ما أو يحركون قوى المزايدة الرخيصة والمناقصة الخسيسة على السواء حتى لا يكون للعرب موقف قوي عقلاني واحد وقد تم لهم هذا مع الأسف فى قطر عربي شقيق وعزيز وحساس وهو لبنان ومنذ البداية وقبل أن يصل الاقتتال الأهلي إلى ما وصل إليه نبهنا إلى هذا الخطر وأشرنا مرات كثيرة إلى عمق المؤامرة وأبعادها المعقدة لقد أرادوها منذ البداية حرباً أهلية لبنانية تجر إليها أطرافاً عربية شتى حتى يقع العرب جميعاً فى هاوية الاقتتال وقلنا رأينا بصراحة قلنا من البداية أن هناك أمرين كان لا بد من التأكيد عليهما الأمر الأول هو بكل صراحة أن المسؤولية الأولى تقع على الزعماء اللبنانيين أنفسهم وأن عليهم أن يحسبوا عواقب الانغماس في مصالحهم وحزازاتهم العتيقة البالية خصوصاً وأنهم يمارسونها هذه المرة بالسلاح وأن عليهم أن يوقفوا الكارثة قبل أن يحدث ما لا بد من حدوثه وهو دخول أطراف ونزعات أخرى.

          الأمر الثاني هو أننا دعونا من البداية إلى بذل جهد عربي موحد لمواجهة المشكلة، جهد عربي موحد يعلو فوق الحساسيات ويتجاوز النظرات القطرية والحزبية الضيقة وكانت الحكمة من هذه الدعوة أمرين واضحين، الأول هو الحيلولة دون أنتقال سياسة المحاور العربية إلى أرض لبنان المخضبة بالدم والثانى هو الحيلولة دون أن يؤدى التقطير العربى إلى امتداد يد التدويل ولكن هذا الموقف المبدئى الواضح الذي لم نبتغ منه مركزاً خاصاً ولا نفوذاً على الغير لم يجد القبول اللازم من كل الأطراف مع الأسى، فقد آثر البعض المصلحة القطرية على القومية والنظرة إلى الأجل القريب على النظرة إلى الآثار البعيدة وهكذا ساهم مزيج من الأنانيات العشائرية اللبنانية والمطامع للدعاية الحزبية والقطرية كل هذا ساهم فى ترك القتال يصل إلى صورة بشعة من المجازر لم يعرف العالم العربى لها مثيلاً من قبل وهكذا رأينا أيدي الدول الأجنبية التى كانت مستترة فى قفازات عربية تنكشف وتبدو عارية وهكذا رأينا قوى عالمية تلعب أدواراً شتى وليس للكلمة العربية الموحدة دور تلعبه.

          ولكن رغم كل ذلك ورغم فداحة ما حدث ويحدث لا نريد زيادة النار اشتعالاً ولا استغلال الأمر دعائياً فدماء شعب لبنان وشعب فلسطين أعز علينا من كل هذا وأننا لنتمنى دون أي حساسية أن تنتهى المأساة

بأسرع ما يمكن.. وأن يعود الشعب اللبنانى النشيط الخلاق إلى وحدته وإلى العمل لاسترداد ما فقد ووصل ما أنقطع. وبهذا نؤكد تأكيداً حاسماً على أمرين أساسين لا يمكن أن نقف أمامهما مكتوفي الأيدي بأي حال

  • أولهما أننا بالقطع ضد أي محاولة لتقسيم لبنان مهما كان شكلها أو مصدرها
  • وثانيهما أننا بالقطع ضد أي محاولة للمساس بجسد الثورة الفلسطينية أو المساس بحرية إرادتها.

          لقد كانت لنا خلافاتنا مع منظمات فلسطينية شتى ولكن أسلوب خلافنا معها لم يتطرق أبداً إلى محاولة، إضعاف عزيمتها أو حرية إرادتها.. وسيكون هذا أسلوبنا دائماً معها فى الاتفاق وفى الخلاف.. حتى يصل شعب فلسطين الذي هو الأساس إلى تحقيق ما يريد. ولقد جاءنا العزاء فى هذه المحنة فعلاً من شعب فلسطين نفسه.. جاءنا العزاء من الشعب الفلسطينى الرازح تحت عبء الاحتلال الإسرائيلي حيث قامت الضفة الغربية المحتلة قومة رجل واحد.. خرج إلى الشوارع نساؤها ورجالها وأطفالها يصيحون ضد الاحتلال.. ويقذفون وجهه الكريه بالحجارة ويعبرون عن إصرارهم على استرداد حريتهم وعلى تمثيل المقاومة لهم ويعلنون فشل إسرائيل في استئناسهم أو ترويضهم كما كانوا يتخيلون.

          أننا نوجه من سويس السادس من أكتوبر دون ما تمييز عنصري أو تعصب دينى.. أقول.. نوجه من سويس أكتوبر تحية الإكبار والإعزاز للعمل النضالى العظيم الذي أنجزه شعبنا الفلسطيني فى الأرض المحتلة بقيادة منظمة التحرير وذلك حين تمكن من خلال وحدة الإرادة والتنظيم والهدف أن يتعامل بجسارة ووعى مع الواقع الجديد الذي أفرزته روح وانتصارات أكتوبر وأن يتصدى لبطش وإرهاب الاحتلال الإسرائيلى والانتخابات البلدية فى الضفة الغربية وأن يفرض ممثليه الوطنيين بنسبة فاقت الـ 80 % من مقاعد مجالس البلديات.. أن هذا الحدث التاريخى الذي يمثل منعطفاً لم يسبق له مثيل منذ عام 1948 هو درس نضالى عملى يقدمه الشعب الفلسطينى فى الداخل بتواضع بطولى لكل أولئك الذين يحاولون اليوم أن يملأوا الساحة العربية بضجيج الشعارات الثورية الزائفة تهرباً من تضحيات النضال الحقيقى ومن العمل الجاد المسؤول قومياً.. ويتعامون بالجهل حيناً وبالخوف حيناً آخر عن الظروف المواتية والإمكانات الجديدة الهائلة التى فجرتها حرب أكتوبر المجيدة لصالح أمتنا العربية عامة والقضية الفلسطينية خاصة.. هذا الدرس البليغ من شعبنا المحتل على أرض الضفة الغربية يكشف عن أربع حقائق رئيسية:

  • أولها: سلامة خط النضال الذي نتبناه فى مصر والذي يوجد في حركته روحاً بين العمل العسكري والعمل السياسي فى التعامل مع إسرائيل وتحديها في كل المواقف الممتدة من ساحة الحرب والفداء إلى ساحة السياسية باستراتيجيتها وتكتيكاتها المعقدة.

          ولهذا فنحن نقيم موضوعياً دور منظمة فتح وقيادتها التى أصرت على خوض الانتخابات البلدية رغم معارضة ذلك النفر الذي لا يزال يفكر بعقلية الأربعينيات.

  • ثانياً: أن نتيجة الانتخابات البلدية هى إعلان حاسم من الشعب الفلسطيني فى الداخل بأنه ليس هناك أي بديل ممكن أو متاح عن منظمة التحرير الفلسطينية ممثلاً شرعياً ووحيداً. وهو إعلان موجه للكافة في وطننا العربى وفى العالم كله ورسالة خاصة ومحددة لكل من إسرائيل والملك حسين والمتعاملين معه من الذين يحلمون بفرض الوصاية على منظمة التحرير.
  • ثالثاً: أن منظمة التحرير الفلسطينية التى استطاعت أن تحقق هذا النصر ضد كل البطش والإرهاب الإسرائيلي ورغم الأحداث الدامية هي كيان مسؤول وقادر على بناء سلطته الوطنية المستقلة فوق الأرض التى تتحرر من فلسطين.
  • رابعاً: أن هذا النصر الذي تحقق بدعم ما قلنا ولازلنا نؤكد عليه في جميع اتصالاتنا الدولية وخاصة مع الولايات المتحدة الأمريكية من أن الاعتراف الكامل بمنظمة التحرير الفلسطينية هو المفتاح الرئيسي لباب السلام العادل. في المنطقة.. وذلك باعتبار أن فلسطين هي لب القضية.

          إننا من موقع الالتزام بالمسؤولية القومية ودون ما تشهير بأحد فليس التشهير من شيمتنا نطالب الجميع باحترام وتدبر الدرس العظيم الذي صاغه شعب الضفة الغربية بنضاله وتضحياته ووعيه.

          ومن هنا من السويس أحيي باسم الشعب المصري كله هذا الشعب الفلسطيني البطل واحيي شهداءه الأبرار الذين هم أحياء عند ربهم يرزقون.

          بنفس الروح وبنفس الروح أيها الأخوة والأخوات.. بنفس الروح التى لا تبغي المزايدة ولا تستهدي إلا بالمصلحة القومية العليا للوطن العربي.. أقول أن موعد تجديد أو عدم تجديد عمل قوة المراقبين الدولية على خطوط وقف القتال في الجولان سوف تجئ آخر هذا الشهر. ومن الآن أقول بكل تحرر وصفاء.. إننا نترك لسوريا حرية اتخاذ القرار الذي تراه مناسباً فى هذا الشأن. فمن السهل علينا أن نزايد وخاصة بعد كل ما وقع من حماقات.. من السهل علينا أن نزايد وأن نحرج.. ولكننا لا نريد شيئاً من ذلك.. لن نريد.. ولن نحرج.. بل نريد أن نضرب لغيرنا المثل بأن يكون الحساب للمصلحة العربية العليا وحدها.

          وفى معرض حديثي عن الموقف العربي أيها الأخوة والأخوات لا بد أن أشير هنا إلى رحلتى في ست دول عربية شقيقة في المشرق ثم لا بد أن أشير أيضاً في إيجاز إلى رحلتى الأوروبية الأخيرة لقد كانت الرحلتان فى الدرجة الأولى لأسباب اقتصادية وإن اختلف ما أردناه من اخواننا في الشرق عما أردناه من الغرب. وبكل صراحة كما تعلمون أيها الأخوة والأخوات نحن نواجه أزمة اقتصادية عنيفة ومعقدة.. إنها ليست مأساة اقتصادية كما يحاول البعض أن يصور الأمر.. نواجه أزمة وصعوبات اقتصادية كان لا بد من مواجهتها في أعقاب تركيز شديد على جوانب من التنمية وإهمال غيرها سنوات طويلة وآثار حرب 1967 ثم تكاليف سنوات الصمود الباهظة وإعادة بناء القوات المسلحة وأخيراً الاستهلاك الرهيب لحرب أكتوبر. وبعد هذا كله

أيضاً لم يكن ممكناً أن نلقى السلاح.. بل لا بد لإحراز النصر السياسي من أن نكون مستعدين لاستيعاب درس المعركة والتأهب لأي قتال جديد. واضطرنا كما تعرفون إلى تنويع مصادر السلاح ليكون فى أيدي أبنائنا من الضباط والجنود دائماً أرقي وأحدث سلاح. كان هذا كله بالإضافة إلى ارتفاع الأسعار العالمية فى كل شيء.. هذا هو الذي جعل قيمة دعم السلع الأساسية فى ميزانيه 1976 - 511 مليون جنيه ندفعها لنقيم عازلاً معقولاً بين الارتفاع الرهيب للأسعار فى الخارج وبين السوق الداخلية بحيث لا يتفاقم الموقف فيه خلال فترات البناء الصعبة للقاعدة العريضة من أبناء شعبنا.

         ولكن كل هذا لا ينفى أن الحياة بالنسبة للأغلبية الساحقة ليست سهلة.. ومن أجل هذا أعلنت سياسة الانفتاح لأن المدخرات المصرية لا تكفى للقيام بكل ما نريده من مشروعات، ولأن التكنولوجيا الحديثة لا بد أن نتعلمها ونستخدمها فى إنتاج حاجاتنا بأكبر كمية وبأرخص تكاليف.

         ولأنه ليسعدني أن اقرر عن رحلتى فى البلاد العربية أن الأشقاء العرب الذين زرتهم لم يكونوا مقصرين معنا، وكما عرفتم ونحن الآن نتباحث معهم لتنظيم العملية كلها في إطار صندوق استثماري يركز فى حدود مبلغ سنوي على إنجاز المشروعات المطلوبة.

         ... وفي رحلتي إلى أوروبا الغربية وجدت درجة عالية من التفهم سواء من الناحية الاقتصادية أو السياسية واهتز الوضع الإسرائيلي تماماً في بلاد كانت تظنها إسرائيل كما قلت معاقل لها وكان مستشار ألمانيا الاتحادية شميث الذي بدأت زيارتي به عند أعلى درجات التفهم السياسى والاقتصادي وقدم أكثر من 200 مليون مارك لأعمال تقوم بها ألمانيا في هذه السنة وأبدى الجميع تلهفهم على أن يقدموا لنا خبرتهم فى كافة الميادين سواء كان ذلك في فرنسا أو إيطاليا أو فى يوجوسلافيا أو فى النمسا.

         الرحلة الثالثة أو التحرك الثالث الذي كان بدوره ناجحاً إلى آخر الحدود هى الرحلة التي قام بها الأخ حسني مبارك نائب رئيس الجمهورية إلى جمهورية الصين الشعبية لقد كانت التحية التي وجهها الشعب الصينى إلى الشعب المصري ممثلاً فى شخص نائب رئيس الجمهورية كانت تحية رائعة تفوق كل تصور وتوصلنا إلى عقد اتفاقات تجارية واتفاقات عسكرية بالغة الأهمية معهم.. وإنني لأنتهز هذه الفرصة لأوجه باسمكم وباسم شعب مصر كله من أرض البطولة فى السويس للرئيس ماوتسي تونج ولشعب الصين العظيم تحية التقدير والإعجاب لهذا الفهم وذلك التقدير لظروفنا الصعبة التى لا بد أن نجتازها بعون الله..

         لقد أثبتنا بذلك للعالم قدرتنا على التحرك واتخاذ المبادرات وعلى متين الصداقات التي لمصر فى نفوس الكثيرين فى العالم بفضل نضالها الوطنى الطويل وثباتها لامتحان الحرب واستقامة المبادئ السياسية التى نسير عليها.

إننا كما تعلمون أيها الأخوة والأخوات وكما يعلم شعبنا وكما تعلم أمتنا إننا نحرص على استقلالنا أشد الحرص ونحرص على حرية إرادتنا وبعد هذا إننا نمد يد الصداقة للجميع ولا نريد لعلاقات الصداقة التاريخية أن تنقطع مع أي طرف وإذا كانت حملات تشن علينا اليوم من الاتحاد السوفيتى فإننا لا نرد عليها إلا بالتوضيح ولا نريد أبداً دخول معركة أو تصعيد معركة مع الاتحاد السوفيتى الذي نقدر ما قدم لنا ونعرف أيضاً ما قدمناه نحن له ولا نتمنى أكثر من أن يجئ اليوم الذي يصبح فيه موقفنا الاستقلالي مفهوماً ومقبولاً وتبني فيه العلاقات بيننا على أسس جديدة ومستقرة كما قلت لكم أيها الأخوة والأخوات إننا لن نرد على الحملات الموجة التي تشن علينا من الاتحاد السوفيتى بحملات وإنما نرد بالتوضيح ولا نرد على هذه المعارك بالمعارك وإنما نرد بالتوضيح.

          ولقد نشر وقرأت ولا بد أنكم قرأتم أثناء رحلتى الى أوروبا ذلك البيان السوفيتي المشهور ومع ما فيه من تهجم ومع ما يستحقه من جانبنا من معركة كان لا بد أن ندخلها لنضع الحقائق واضحة أقول أُخذاً منا بمبدأ أن نرد بالحقائق فقط أقول أننى أصدرت تعليماتى للسيد وزير الخارجية أن ينشر خطاباً وجهته فى 29 أغسطس 72 الى قادة الاتحاد السوفيتى في هذا الخطاب الذي وجهته انا منذ أربع سنوات أبلغ رد على كل ما قال وما سيقوله الاتحاد السوفيتي فى المستقبل بلا معارك وبلا انفعالات.

          أعود إلى الوضع الاقتصادي فأقول كما قلت لكم فعلاً أيها الأخوة والأخوات نحن نجتاز ظروفاً صعبة ولكن من في العالم لا يجتاز ظروفاً صعبة دول عظمى حالهم أسوأ من حالنا بكثير.. نحمد الله لأنه فى استثمارنا لنتائج حرب أكتوبر أضفنا إلى الأساسات التي لدينا أساسات جديدة.. ما نعانى منه موقوت لأن لنا إرادة هو نفس ما تعانى منه كل الدول... برغم ذلك عجلة العمل عندنا تمضى في كل اتجاه ربما لا يري ذلك البعض في بيئته.. من أجل هذا طلبت أن يكون لقائي بكم واحتفالنا فى هذا العيد على هذه الأرض لكى تروا بأعينكم الهدم وتروا البناء والتعمير.. تروا الحرب وتروا حرب التحرير وتروا البناء والتعمير.. فى هذا البلد طلبت إليهم أن تمروا على البلد قبل أن تأتوا إلى هذا المكان لكى نعرف جميعاً مدى ما يواجهنا من مسؤوليات وشرحت لكم من قبل الدور البطولى للمهجرين الذي أضعه تماماً فى مستوى المعركة القتالية التى خاضتها قواتكم المسلحة صبراً وأداءً.

          فى مصر صورة بسيطة عايز أوضعها أمامكم قبل ما أكمل حديثي الدعم للسلع كلنا عارفين أن السلع اللى بتباع وبنشتكي كلنا من أسعارها أنا معاكم برغم هذا أسعارها فى الخارج ضخمة ومضاعفة ولكن بنتدخل والحكومة بتتدخل وبتدفع الدعم وحاقول لكم بعض أرقام حاتذيعها عليكم الحكومة وحاتوضع امامكم وما فيش شيء أنهاردا بيخفى على الشعب كل شيء بيتحط أمام الشعب.. فى سنة 70 كان الدعم 20 مليون جنيه اللى بتدفعه الحكومة علشان تخلى الرغيف بتعريفة وبقية الحاجات اللى احنا بناخدها بناكلها الأساسية القاعدة العريضة من الشعب.. سنة 71 الدعم بقى 39 مليون جنيه.. سنة 72 طلع لـ 57 مليون جنية.. سنة 73 لـ 116 مليون جنية.. سنة 74 طلع لـ 433 مليون جنية.. سنة 75 طلع لـ 642 مليون جنية.. سنة 76

السنة دى نزل لى 510 ملايين جنية في مؤشر أن أحنا ماشيين وبنلم نفسنا ولكن أنا عارف ما تعانيه الطبقات الكادحة من أبناء هذا البلد وحا أرد عليها.

          أحب أحط قدامكم الموقف بالنسبة لميزان المدفوعات في كلمات بسيطة ومن غير أي تعقيد الصادرات عندنا الصادرات السلعية وغير المنظورة فى سنة 75 السنة اللى فاتت كانت 621 مليون جنية السنة دى سنة 76 بحمد الله مقدرين لها 1127 مليون جنيه أي بزيادة تصل إلى حوالى 80 % سببها قناة السويس والبترول ضفنا 80 % على السنة اللى فاتت.. المؤشرات كويسه.

          الواردات الاستهلاكية والأغذية والمستلزمات والواردات غير المنظورة سنة 75 كانت 1839 مليون جنية مقدرين لها إحنا السنة دى 76، 2082 مليون جنية أي بزيادة قدرها 10 % فقط.

          معنى ذلك تحسن فى موقف صادراتنا بالنسبة للواردات الجارية ما بين 75، و76 ويرجع معظم التحسن إلى فتح القناة وإلى البترول عندنا.

          أحمد الله أنه زي ما بقول بعد حرب أكتوبر ما بنضيعش لحظة ونوقف القضية، بندفع بها علشان نستثمر كل منجزات حرب أكتوبر من هذه المنجزات القناة اللي فتحناها بإرادتنا والبترول بتاعنا اللى استرديناه، ويشاء الله أنه يكون معانا دائماً فى محنتنا فيظهر في خليج السويس عندكو هنا بترول جديد بيجى بيقدر في سنة 80 إنشاء الله بعد أربع سنين بمليون برميل يومياً.. الحمد لله معانا ربنا فى محنتنا وكل الصعوبة هى من هنا لغاية سنة 80 هى دى المشكلة كلها.

          أيها الأخوة والأخوات في مثل هذا اليوم من العام الماضى أعلنت فى عيد العمال فى أسيوط أن قانون الإصلاح الوظيفي ليس إلا خطوة على طريق طويل، وأعلنت ضرورة المضي فيه من أجل إقرار المزيد من العدل الاجتماعي وتحقيق العدالة فى توزيع الأعباء والتخفيف عن صغار العاملين، وخاصة القطاعات الكادحة في مجتمعنا، وأعلنت يومها تقرير إعانة غلاء معيشة لصغار العاملين بالحكومة والقطاع العام وكذلك رجال القوات المسلحة والشرطة اعتباراً من أول مايو سنة 75 بحد اقصى قدره 30 % من بداية مربوط الفئة التي يشغلونها فى أول سبتمبر 74 كما تقرر عدم خضوعها للضرائب، أو التأمينات ثم تقرر عدم استهلاك إعانة الغلاء من العلاوة الدورية وذلك بالنسبة للذين سبق استهلاكها منهم. وامتداداً لسياسة تخفيف أعباء المعيشة على صغار العاملين وتحقيق مزيد من العدل الاجتماعى فإننى أعلن اليوم:

          أولاً: زيادة فئة إعانة غلاء المعيشة السابق تقريرها فى مايو 75 بنسبة 40 % وذلك للعاملين الذين سبق أن استفادوا من هذه الإعانة، وسيستفيد من هذا القرار حوالى ثلاثة ملايين عامل.

   ثانيا: تطبيقاً لما سبق أن أعلنته من ضرورة مد مظلة التأمينات الاجتماعية لكي تشمل كل مصري وكل مصرية على أرض هذا الوطن قبل انتهاء الدورة التشريعية الحالية فقد تم إعداد مشروع قانون تمتد بموجبه أنظمة التأمين الاجتماعى إلى 13 فئة من فئات جماهير الشعب ممن لا يتمتعون بأي نظام تأمينى ويبلغ عددهم حوالي 2.5 مليون مواطن يعولون 8 ملايين فرد وسيستفيدون بمزايا قوانين التأمين الاجتماعى لأول مرة.

          ثالثاً: تقرير معاش لبعض الفئات التي لا تحصل على معاش ومنهم عمال ومستخدمى الحكومة الذين أحيلوا للمعاش قبل 1 / 5 / 60 ولم تسر عليهم أنظمة المعاشات الشهرية على أن يستفيد من ذلك ورثة من توفى منهم وكذلك صرف معاش للأرامل والأمهات وبنات المتوفى المطلقات والمترملات والأخوات اللاتي حرمن من استحقاق نصيب فى المعاش وأيضاً استمرار الطالب الذي يحصل على مؤهل متوسط نهائي فى صرف معاشه إلى أن يلتحق بعمل أو أن يبلغ سن الرابعة والعشرين أيهما أسبق.

          رابعاً: رفع الحد الأدنى للمعاشات المقررة طبقاً لقانون التأمن الاجتماعى رقم 79 لسنة 75 إلى 9 جنيهات بدلا من 6، وبالتبعية زيادة نصيب الأرملة إلى 4.5 جنيه بدلا من 3 جنيهات.

خامساً: تخفيض مدة الاشتراك فى أنظمة التأمين الاجتماعى الموجبة لمنح معاش شهري لبلوغ سن التقاعد من 180 شهراً إلى 120 شهراً لتوسيع قاعدة المستفيدين من أنظمة المعاشات وبدلا من صرف مكافأة عند ترك الخدمة.

أيها الأخوة والأخوات

          لقد قامت الثورة من أجلكم ومن أجل أخوتكم الفلاحين ومن أجل كل كادح صانع الحياة على هذه الأرض.. قامت لتضع المنتجين الحقيقيين أياً كانت طوائفهم فى المقدمة بدلا من الطفيليين والمستغلين.. وطبعا كلكم عارفين أن مجلس الوزراء أقر قوانين الضرائب الجديدة وفى سبيلها الآن إلى مجلس الشعب عشان نأخذ من كل إنسان ما يتوجب عليه أن يدفعه كحق لهذا الشعب مهما كان وستتدرج طبعا.. حناخد من الدخول الكبيرة وحنمنعها بالكامل عن الدخول الصغيرة.

          وعندما أكدنا ومازلنا نؤكد على حتمية الحل الاشتراكي وعلى حفظ كل مكاسب الثورة وعلى صدارة القطاع العام وعلى حقكم في 50 % على الأقل من المجالس المنتخبة كنا نسعى لهذا اليوم الذي تذوب فيه الفوارق بين الطبقات ويتم التحول الاجتماعى سلميا من خلال تحالف قوى الشعب العامل وحين أعلنت بدء خطوات الديموقراطية السياسية بعد ما أنجزناه من خطوات على طريق الديموقراطية الاجتماعية، أنما كنت أعيد بذلك الأمانة إليكم واضعا المسؤولية فى أيديكم لحماية مكاسبكم الثورية وكل مكاسبكم النضالية سبيلكم الأمثل لإنجاز هذه المهمة هو أن تكسبوا معركة بالغة الأهمية هى معركة التنمية والإنتاج.. إنها المعركة التي

يخوضها اليوم العالم كله والويل فيها للمغلوب فلا مجال اليوم لمهمل أو كسول ولا لمشاغب أو لمعرقل للعمل أو لمزايد يرى اليوم ويرى الغد.. الانفتاح الاقتصادي ليس إلا خطوة بدأناها من منطق الثقة بأنفسنا وبوعينا وبالقاعدة الإنتاجية الضخمة التى أقمناها وبتحالف الشعب الذي عمقنا جذوره.. إنه انفتاح لنقل الخبرة الحديثة إلى بلادنا وإعطاء أيدينا العاملة أكبر فرص للعمل وأكبر فرص لاكتساب أحدث المهارات. فأنتم أيها العاملون في كل مجال أهم جنود الانفتاح، وأهم ضمان له لكي لا ينحرف عن أهدافه وأنتم الذين يجب أن تكونوا أصحاب المصلحة فيه وأن التاريخ المجيد الذي صنعتموه وصار ورائكم لهو الضمان كل الضمان وستكسبون بعون الله معركة التقدم والبناء التي هى الآن أمامكم.. ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا، وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب

والسلام عليكم

 


المصدر: موسوعه مقاتل من الصحراء على شبكه الانترنت

 

Hosted by YallaHosting